ونتيجه هذا الاستدلال هو التفصيل بين حق قصاص النفس للورثه وحق قصاص الاطراف كما اذا مات المجنى عليه فى قصاص الطرف قبل ان يقتص فورث الاولياء حق القصاص فانه يكون حقا وحدا للمجموع، لانه كان حقا واحدا للمجنى عليه انتقل الى مجموع الورثه، ومن هنا استدرك فى مبانى التكمله ذيل هذا البحث بقوله: بقى هنا شى‏ء: وهو ان ما ذكرناه من الانحلال انما هو فى‏ما اذا كان حق الاقتصاص مجعولا ابتداءللاولياء، واما اذا كان مجعولا لهم من جهه الارث والانتقال من الميت- كما اذا قطع الجانى يد احد متعمدا فمات المجنى عليه قبل الاقتصاص اتفاقا- فان حق القصاص ينتقل الى ورثته لا محاله، وبما انه حق واحد فى‏ثبت لمجموع الورثه كحق الخيار، ويترتب على ذلك سقوط حق الاقتصاص باسقاط واحد منهم، كما انه يترتب عليه عدم جواز اقتصاصه بدون اذن الاخرين. ثم انه اذا سقط حق الاقتصاص باسقاط البعض فللباقين مطالبه الديه من الجانى فان حق المسلم لايذهب هدرا.((638)) ويمكن ان يلاحظ على هذا الاستدلال بما يلى:

1- ان ما جاء فى صدر كلامه- وكانه وجه مستقل عن الايه- من ان حق الاقتصاص لا يمكن ان يكون قائما بالمجموع كحق الخيار، لانه لادليل عليه وينافى حكمه الوضع مما لا يمكن المساعده عليه، لانه يرد عليه:

اولا: يكفى عدم الدليل لعدم جواز الاقتصاص كما تقدم، لان النسبه بين قيام الحق بالمجموع او بكل فرد فرد من الورثه مستقلا نسبه الاقل الى الاكثر، فى‏كون الزائد على المتيقن- و هو جواز القصاص عند اراده المجموع فقط - مشمولا لادله حرمه القتل، فلا يجوز استقلال كل وارث بالقصاص، ولا يحق له عند عفو الاخر او اخذه الديه. وثانيا: ان ما ذكر من منافاه هذا الاحتمال مع حكمه وضع القصاص غريب جدا اذ كيف عرف ان الحكمه فى القصاص استقلال كل وارث به؟ بل لعل جعله للمجموع هو المناسب لحكمه التحفظ على الدماء وهو المناسب لباب الارث كما فى الحقوق الاخرى المنتقله اليهم من المورث، وهذا الحق ولو فرض جعله للورثه ابتداء الا انه لا اشكال فى انه جعل لهم بعنوان الارث. على ان ما ذكره - من انه يلزم من فرض قيامه بالمجموع ان يحكم بالقصاص على من استقل من الورثه بذلك، وهذا مما لايمكن الالتزام به- غير تام. فانه ربما يحكم بعدم القصاص حتى على القول بعدم جواز الاستبداد بالقصاص. قال الشهيد فى غايه المراد:

ويتفرع على القولين التعزير لو قتل وعدمه، اما القتل فالاقرب عندنا انه لايقتل، لانه مهدور بالنسبه اليه فى بعضه، ولانه شبهه، لتجويز علماء المدينه والشيخ استبداد كل وارث، والخلاف فى اباحه السبب شبهه.((639)) ولو فرض عدم تماميه ما ذكره الشهيد و شمول ادله القصاص له يلتزم به ولا محذور، كما اذا قتله بعد العفو عنه. 2- ان ما افى‏د من دلاله الايه على الانحلاليه وثبوت الحق لكل وارث مستقلا محل اشكال بل منع:

اما بدعوى: ان الايه ليست فى مقام البيان من هذه الناحيه ليتمسك باطلاق الولى لكل وارث مستقلا، وانما هى بصدد بيان جعل السلطنه له بمقدار الجنايه لا اكثر، ولهذا فرع عليه بقوله تعالى: (فلا يسلارف فى القتل). واما بدعوى: ان الحق المجعول فى‏الايه لم يجعل على عنوان الوارث، بل الولى و هو بمعنى من يجعل له الولايه والسلطنه، فاذا احتمل ان يكون الحق المجعول واحدا للمجموع فعنوان الولى لايصدق عندئذك الا على المجموع لاكل واحد من الورثه، فلا يحرز الانحلال. واما بدعوى: ان التعبير بالولى بمعنى الوارث يستظهر منه ان هذا الحق وان لم يكن للميت فى حال حياته الا انه مجعول له فى طول موته، و منه ينتقل الى الورثه، لانه يثبت لهم بعنوان الارث، وهو يعنى الانتقال منه اليهم. وقد ورد فى بعض الروايات ان الميت المقتول اذا كان عليه الدين ولم يكن له مال قضى((640)) ، وورد ان من اوصى بثلث ماله ثم قتل دخل ثلث ديته فيه((641)) ، بل ورد فى روايه انه احق بديته من غيره((642)) . وهذا يعنى ان ديه القتل ايضا مجعول اولا للميت ومنه ينتقل الى الوارث، فليكن حق القصاص كذلك بمقتضى الاستظهار المذكور. ولا اقل من ان هذه النكنه تصلح للقرينيه او الاجمال وعدم دلاله الايه على خلاف ذلك. وهكذا يتضح ان الاستدلال بالايه المباركه على القول المشهور غير تام لانه ان لم يدع ظهورها فى انتقال حق القصاص من الميت الى الاولياء، فلا اقل من انه لاظهور فيها على خلاف ذلك، ومعه يكون المرجع ادله حرمه القتل كما اشرنا. 3- ان ما ذكر من التوجيه والتقريب للاستدلال- من ان الحق فى قصاص النفس يكون مجعولا ابتداء للولى بمعنى الوارث فى‏كون لكل واحد مستقلا وليس منتقلا من الميت الى الوارث كحق الخيار ليكون حقا واحدا للمجموع- يلزم منه نتائج ومفارقات لايمكن الالتزام بها فقهيا. منها: ما تفطن له هذا العكلم(قده)((643)) بنفسه و استدركه فى ذيل كلامه من الفرق بين باب قصاص النفس فى‏كون للاولياء مستقلا وباب قصاص الطرف فى‏كون لمجموعهم. ومنها: ان حق قصاص النفس ايضا لابد فيه من التفصيل بين ما اذا كان الولى هو الوارث الاول المباشر للمقتول فى‏كون له حق الاقتصاص مستقلا وبين ما اذا توفى الوارث الاول اتفاقا قبل الاقتصاص فانتقل حقه الى وارثه كاولاده مثلا وكانوا متعددين فى‏كون حق القصاص لمجموعهم لا لكل واحد منهم مستقلا. ومنها: لزوم اختلاف الورثه فى قصاص نفس واحده من حيث الاستقلاليه وعدمها بحيث يكون بعضهم مستقلا وبعضهم الاخر غير مستقلين، كما اذا كان للمقتول وليان فتوفى احدهما او كلاهما قبل الاقتصاص وكان لاحدهما وارث واحد ولل‏آخر ورثه متعددون فى‏كون وارث الاول مستقلافى القصاص بخلاف وارث الثانى. ومثل هذه التفصيلات لم يلتزم بها الفقهاء، بل لايمكن الالتزام بها، لانها على خلاف الارتكاز الفقهى والمتشرعى وعلى خلاف السيره العمليه الخارجيه، فان استيفاء القصاص والابتلاء به لم يكن امرا نادرا فى الخارج، فلو كان شى‏ء من هذه التفاصيل ثابتا فقهيا لكان منعكسا واضحا لدى المتشرعه، بل قد يقال ان مقتضى الاطلاق اللفظ‏ى او المقامى لصحيح جميل عن بعض اصحابنا عن احدهما(ع)، قال: (اذا مات ولى المقتول قام ولده من بعده مقامه بالدم)((644)) ان كل واحد من اولاده يقوم مقامه فى‏ما كان له من الحق، فاذا كان المجعول له حق القصاص على نحو الاستقلال كان كذلك لكل ولد ايضا. فالحاصل الالتزام بمثل هذه التفصيلات مشكل جدا حتى فى المورد الاول اى فى قصاص النفس والطرف فضلا عن التفصيل فى قصاص النفس بين الاولياء. الدليل الثانى: التمسك بالروايات الخلاصه، وهى:

صحيحه ابى ولاد الحناط قال:

سالت ابا عبداللّه(ع) عن رجل قتل وله ام واب وابن، فقال الابن:

انا اريد ان اقتل قاتل ابى، وقال الاب: انا اريد ان اعفو، وقالت الام: انا اريد ان آخذ الديه. قال: فقال: فليعط الابن ام المقتول السدس من الديه ويعط‏ى ورثه القاتل السدس من الديه حق الاب الذى عفا وليقتله.((645)) وروايه جميل بن دراج عن بعض اصحابه يرفعه الى اميرالمومنين(ع) فى رجل قتل وله وليان فعفا احدهما وابى الاخر ان يعفو، فقال:

ان الذى لم يعف ان اراد ان يقتله قتله، ورد نصف الديه على اولياء المقاد منه.((646)) ودلالتهما على القول المشهور واضحه وان نوقش فى‏ما استفاده المشهور من ذيل الصحيحه من وجوب تقديم دفع الديه على القصاص، فذهب بعضهم الى ان له الاقتصاص قبل الدفع غايه الامر يضمن الحصه من الديه. وهناك روايه ثالثه يمكن الاستدلال بها ايضا على المشهور- وان لم اجد من استدل بها- وهى صحيحه زراره قال:

سالت ابا جعفر(ع) عن رجل قتل وله اخ فى دار الهجره وله اخ فى دار البدو لم يهاجر، ارايت ان عفا المهاجرى واراد البدوى ان يقتل، اله ذلك؟ فقال: ليس للبدوى ان يقتل مهاجريا حتى يهاجر. قال: واذا عفا المهاجرى فان عفوه جائز، قلت:

فللبدوى من الميراث شى‏ء؟ قال: اما الميراث فله حظه من ديه اخيه ان اخذت.((647)) وتقريب الاستدلال بها ان المستفاد من سوال زراره(ره) انه كان يرى عدم سقوط حق القصاص يعفو بعض الاولياء وهو الاخ المهاجرى فى مورد السوال، وانما استشكل فى المقام من جهه‏كون الاخ الاخر بدويا بعيدا عن المقتول او خارجا عن دار الهجره والاسلام، والا فلو كان يسقط الحق بمجرد عفو بعض الاولياء لم يكن وجه لتوهم عدم السقوط فى المقام بعد فرض عفو الولى المهاجرى. والامام(ع) فى مقام الجواب اقره على ذلك، وانما نفى الولايه على القصاص للبدوى حتى يهاجر، بل لعل ظاهر هذا التعبير ان هذا الاخ البدوى لو هاجر الى دار الاسلام كان له ان يقتل حتى مع عفو الاخ المهاجرى، لان هذا مقتضى التطابق بين السوال والجواب، فتدل الروايه على عدم سقوط القصاص بعفو بعض الاولياء. الا ان الانصاف ان هذا الاستدلال قابل للمناقشه، لان سوال زراره يمكن ان يكون عن كلتا الجهتين والحيثيتين والامام(ع) ايضا اجابه عنهما معا حيث اجاب اولا عن ان البدوى لا حق له فى القصاص ما لم يهاجر وثانيابان المهاجرى اذا عفا فعفوه جائز، اى نافذ فى‏سقط القصاص، ولا اقل من اجمال الروايه وعدم وضوح دلالتها على ذلك على ان مضمونه- و هو التفصيل فى حق القصاص بين البدوى والمهاجرى- غريب لم يقل به احد من الفقهاء، وقد علق عليه العلامه المجلسى فى مرآه العقول بقوله:

لم ار من قال بمضمونه.((648))

الروايات المعارضه:

وفى قبال ما تقدم روايات اخرى عديده و معتبره تصرح بسقوط القصاص بعفو بعض الاولياء، وهى كما يلى:

1- صحيح عبدالرحمان قال:

قلت لابى عبداللّه(ع): رجلان قتلا رجلا عمدا وله وليان فعفا احد الوليين قال:

فقال: اذا عفا بعض الاولياء درئ عنهما القتل، وطرح عنهما من الديه بقدر حصه من عفا، واديا الباقى من اموالهما الى الذين لم يعفوا. 2- معتبره ابى مريم عن ابى جعفر(ع) قال:

قضى اميرالمومنين(ع) فى‏من عفا من ذى سهم فان عفوه جائز. وقضى فى اربعه اخوه عفا احدهم قال: يعط‏ى بقيتهم الديه، ويرفع عنهم بحصه الذى عفا.

3- معتبره زراره عن ابى جعفر(ع) فى رجلين قتلا رجلا عمدا وله وليان، فعفا احد الوليين؟ فقال:

اذا عفا عنهما بعض الاولياء درئ عنهما القتل، وطرح عنهما من الديه بقدر حصه من عفا، واديا الباقى من اموالهما الى الذى لم يعف وقال: عفو كل ذى‏سهم جائز.

4- معتبره اسحاق بن عمار عن جعفر(ع)، عن ابيه(ع) ان عليا(ع) كان يقول:

من عفا عن الدم من ذى سهم له فيه فعفوه جائز وسقط الدم، وتصير ديه ويرفع عنه حصه الذى عفا.((649))

5- صحيحه ابى ولاد الاخرى قال:

سالت ابا عبداللّه(ع) عن رجل قتل وله اولاد صغار و كبار، ارايت ان عفا الاولاد الكبار؟ قال: فقال: لايقتل، ويجوز عفو الاولاد الكبار فى حصصهم، فاذا كبر الصغار كان لهم ان يطلبوا حصصهم من الديه.((650)) والظاهر من قوله: (لايقتل) فى الابتداء والاقتصار على ذكر استحقاق طلب الديه عند ما يكبر الصغار ان عفو الاولاد الكبار عن القصاص كان نافذا ومسقطا للقصاص وانه لايبقى الا الديه.

6- مرسله الصدوق المتقدمه حيث قال:

قد روى انه اذا عفا واحد من الاولياء ارتفع القود.((651))

7- وروايه الدعائم عن الصادق(ع):

اذا عفا بعض الاولياء زال القتل، فان قبل الباقون من الاولياء الديه وكان الاخرون قد عفوا من القتل والديه زال عنه مقدار ما عفوا عنه من حصصهم، وان قبلوا الديه جميعا ولم يعف احد منهم عن شى‏ء منها فهى لهم جميعا.((652)) وهذه الروايات واضحه الدلاله، بل صريحه فى سقوط القصاص بعفو بعض الاولياء، وهى وان كانت فى مورد عفو بعض الاولياء الا انه يستفاد منها ايضا حكم ما اذا طالب بعضهم بالديه ووافق عليه القاتل بعدم احتمال الفرق فقهيا ولا عرفا، بل لعله اولى من فرض العفو عرفا فى سقوط القصاص، لانه وفى شيئا عن المقتول بمقدار سهم بعض الاولياء، بل اخذ الديه على المبنى المختار عند فقهائنا- فى تعلق الحق بالقصاص لا بالجامع بينه وبين الديه- مشتمل لا محاله على العفو عن القصاص غايته عفو مشروط بالعوض فهو لايستحق الديه الا بعد ان يعفو، وليس العفو عن القصاص بيعا لمالك لكى يتوهم ان يكون للشريك- وهو الولى الاخر- حق الشفعه بدفع العوض للاول، فى‏ستقل بالقصاص مثلا. وكيفما كان فهذه الروايات تعارض صحيحه ابى ولاد و مرفوعه جميل المتقدمتين، لاشتمالهما على فرض عفو بعض الورثه، وحكمهما بعدم سقوط القصاص بذلك. فلابد من حل هذا التعارض بجمع دلالى او ترجيح سندى، والا كانت النتيجه التساقط والرجوع الى الاصل الاولى الذى قد عرفت انه يقتضى عدم جواز الاقتصاص الا للمجموع.

محاولات لعلاج التعارض:

وفى مقام علاج هذا التعارض يتصور احد مواقف ثلاثه:

الموقف الاول: ان يقال بانه من تعارض الحجه باللاحجه، لان الطائفه الداله على السقوط قد اعرض عنها الاصحاب ولم يفتوا بمضمونها، واعراض الاصحاب يوجب الوهن وسقوط الخبر عن الحجيه، فلا يمكن ان يعارض ما هو حجه. وهذا العلاج يتوقف على قبول كبرى وهن الخبر وسقوطه عن الحجيه بالاعراض، وعلى احراز صغراها بان يحرز اعراض مشهور قدماء الاصحاب عن العمل بها، وهذا لايمكن استكشافه من مجرد ذهاب الاكثر او الجميع الى القول بعدم السقوط، اذ لعلهم ذهبوا الى ذلك لوجوه اخرى، خصوصا مع اهتمامهم بنقل هذه الاخبار فى كتبهم وذكر توجيهات ومحامل لها فى قبال الطائفه الاخرى، وفيها جموع دلاليه او ترجيحات سنديه على ما سنذكر، بل عباره الشيخ فى الاستبصار صريحه فى عمله بهذه الاخبار وعدم الاعراض عنها حيث عمل بما ورد فيها من ان عفو كل ذى سهم جائز، غايه الامر قيد اطلاقه بما دل على ان النساء ليس لها عفو ولا قود. بل وعمل بمضمونها فى السقوط بعفو البعض من الاولياء، غايه الامر قيدها بما اذا لم يود من يريد القود الى اولياء المقاد منه مقدار ما عفى عنه، فهذا منه كالصريح فى عدم الاعراض عنها سندا. هذا، مضافا الى ان تعدد هذه الطائفه من الروايات ونقاوه اسانيدها وصدورها عن معصومين متعددين قد يوجب القطع او الاطمئنان اجمالا بصدور بعضها، فى‏كون السند قطعيا ولو اجمالا، ومعه لا موضوع لمساله سقوط السند عن الحجيه بالاعراض كما هو واضح. الموقف الثانى: الجمع الدلالى فى‏ما بين الطائفتين، وقد ذكر فى كلمات الفقهاء وجوه من الجمع:

منها: حمل الطائفه الداله على السقوط بالعفو على الندب والاستحباب. وفيه: ان هذا الحمل انما يصح فى باب الاوامر والتكاليف لا المقام الذى مفاد الدليل فيه حكم وضعى، و هو ثبوت حق الاقتصاص او سقوطه، على ان التعبير بقوله: (سقط الدم وتصير ديه) صريح فى سقوط الحق، فكيف يمكن ان يحمل على الاستحباب؟! واى معنى لحمل السقوط على الاستحباب، فانه ليس فعلا للمكلف؟! فمثل هذا الجمع واضح البطلان. ومنها: حملها على فرض عدم رد من يريد القصاص نصيب العافى من الديه الى اولياء المقتص منه، او رضاهم بالديه بمجرد عفو البعض. وفيه:

- مضافا الى انه تاويل لا شاهد عليه- انه خلاف ظهورها فى النظر الى نفس الحق وانه يسقط او القصاص وانه يدرا وينتقل الى الديه، وليس النظر فيها الى ما يعمله الباقون فى مقام الاستيفاء من حيث الرضا بالديه او برد نصيب العافى بوجه اصلا. ومنها: حملها على الدرء بمقدار حصه العافى- فلا يجوز له المطالبه بالقصاص بعده- لا الاخرين. وفيه: ان الوارد فيها عنوان درء القتل او سقوط الدم وصيرورته ديه، وهذا كالصريح فى سقوط حق القصاص. على ان القصاص والدم لايقبل التبعض، وانما الذى يقبل التحصيص والتبعض انما هو الديه، فلا يقال سهم هذا الولى من القصاص او القتل، وانما يقال سهمه من الديه، فهذه الوجوه للجمع المذكوره فى كلمات الفقهاء- على ما فى الجواهر((653))- لاترجع الى محصل. ولعل اوجه جمع دلالى يمكن ان يذكر هو ما اشار اليه الشهيد الصدر(ره) فى تعليقته على منهاج الصالحين من تخصيص الطائفه الداله عل السقوط بصحيحه ابى ولاد- وهى المعتبره فى الطائفه الاخرى- لان هذه الصحيحه مخصوصه بفرض عفو الاب ومطالبه الام بالديه مع طلب الابن للقصاص بينما الطائفه الاخرى مطلقه وردت بعنوان عفو بعض الاولياء دون بعض، سواء كانوا فى مرتبه واحده من النسبه الى المقتول او فى مرتبتين، فى‏قال بالتفصيل بين ان يكون الولى الذى عفا غير الولد والولد يطلب القصاص فلا يسقط، وبين ان يكون العافى وغيره فى رتبه واحده، كما اذا عفا احد الاولاد او كان الاقرب عافى‏ا والابعد يطالب بالقصاص فانه يوجب السقوط، وسياتى ان مثل هذا التفصيل كان فتوى فقهاء المدينه عند العامه. فالحاصل: حيث ان صحيح ابى ولاد لم يرد بعنوان عفو بعض الاولياء دون بعض، وانما ورد فى خصوص مورد عفو الاب ومطالبه الام بالديه مع طلب الولد بالخصوص للقصاص من قاتل ابيه، فالنسبه بينها و بين الطائفه الاخرى نسبه العام الى الخاص او التباين، لان ماورد بعنوان عفو بعض الاولياء دون بعض يكون اعم وما ورد بعنوان عفو بعض الاخوه دون بعض يكون مباينا. ثم ناقش الشهيد الصدر(ره) فى هذا الوجه بان العموم فى الطائفه الداله على السقوط غير قابل للتخصيص عرفا.((654)) ولعل نكتته ان المستظهر منها- ولو عرفا و بمناسبات الحكم والموضوع- ان سبب السقوط ونكتته العرفيه انما هو عدم تبعض القصاص، فلو ملك الجانى بعض نفسه سقط الدم ودرئ عنه القتل لا محاله، وهذا لا ربط له بقرب نسبه الولى اليه او بعده، فاذا جزمنا بهذه النكته عرفا او فقهيا استقر التعارض بينهما لا محاله. الموقف الثالث: الترجيح السندى بعد فرض حجيه كل منهما فى نفسه، وعدم تماميه شى‏ء من وجوه الجمع الدلالى المتقدمه، و عدم قطعيه سند الطائفه الداله على السقوط لعدم بلوغها حد الاستفاضه والتواتر حتى اجمالا. وما ثبت فى محله فى موارد التعارض المستقر بين خبرين مرجحان طوليان احدهما قبل الاخر ومقدم عليه الترجيح بموافقه الكتاب والترجيح بمخالفه العامه، الا انه فى المقام كلاهما منطبقان على صحيح ابى ولاد، فى‏قال بتقديمه على روايات السقوط،لموافقته اطلاق آيه جعل السلطنه لكل ولى- بناء على الانحلال- ولمخالفته مع مشهور العامه القائلين بالسقوط . ويلاحظ على هذا الموقف:

اولا: انه مبنى على عدم حصول القطع او الاطمئنان بصدور بعض روايات الطائفه الداله على السقوط لكثرتها و صدورها عن ائمه متعددين وتقاوه اسانيدها مما قد يوجب الاطمئنان على الاقل بصدور بعضها اجمالا. وعندئذك لاموضوع للترجيح السندى، بل يكون الخبر المعارض لها ساقطا عن الحجيه، لمخالفته مع الدليل القطعى الصدور. نعم، لو علم بصدور هذه الروايات او بعضها على الاقل على وجه التقيه لم يتم ما ذكر، ولكن انى لنا بمثل هذا القطع؟! وثانيا:

انتفاء صغرى كلا المرجحين. اما الاول منهما فلما تقدم من المناقشه فى دلاله الايه الكريمه على استقلاليه حق القصاص لكل وارث. واما الثانى منهما- وهو المهم عند المحققين المتاخرين حيث استندوا فى رفع اليد عن الطائفه المعارضه، وهى روايات عديده واضحه سندا ودلاله الى كونها موافقه للعامه- فلان اكثر مذاهب العامه وان كانت ترى ذلك اعنى سقوط حق القصاص بعفو البعض، بل فى المبسوط ان العامه ادعوا عليه اجماع الصحابه قال:

اذا وجب القصاص لاثنين فعفا احدهما عن القصاص لم يسقط حق اخيه عندنا، وله ان يقتص اذا رد على اولياء القاتل قدر ما عفا عنه، ويسقط حقه فقط، وقال بعضهم:

يسقط حقه و حق اخيه، وادعوا انه اجماع الصحابه. وقد بينا انا نخالف فيه، قالوا:

اذا ثبت ذلك فان حق الذى لم يعف ثبت فى الديه، واما حق العافى سقط من القصاص و يثبت له المال ان عفا على مال او مطلقا وان عفا على غير مال سقط المال.((655)) موقف فقهاء العامه:

الا ان مذهب مالك وغيره من فقهاء المدينه وفى عصر الامام الصادق(ع) كان يرى عدم سقوط القصاص بالعفو، اما مطلقا او فى‏ما اذا كان الولى الاقرب يطلب القصاص والابعد يعفو. قال فى المغنى:

وذهب بعض اهل المدينه الى ان القصاص لا يسقط بعفو بعض الشركاء، وقيل هو روايه عن مالك، لان حق غيرالعافى لا يرضى باسقاطه، وقد توخذ النفس ببعض النفس بدليل قتل الجماعه بالواحد.((656)) وقال فى الفقه على المذاهب الاربعه تحت عنوان (اختلاف ورثه الدم فى العفو):

المالكيه- رحمهم اللّه تعالى- قالوا: يسقط القصاص ان عفا رجل من المستحقين حيث كان العافى مساويا فى درجه الباقى من الورثه والاستحقاق، كابنين او عمين او اخوين، واولى ان كان العافى اعلى درجه كعفو ابن مع اخ، فان كان العافى انزل درجه من الباقين لم يعتبر عفوه كعفو اخ مع ابن للمقتول، وكذا ان كان العافى لم يساو الباقى فى الاستحقاق كاخوه لام مع اخوه لاب، لان الاستيفاء حق للعاصب الذكر، فلا دخل فيه لزوج ولا لاخ لام او جد لها. ويقدم الاقرب فالاقرب، فى‏تقدم ابن فابنه الا الجد الادنى والاخوه فسيان فى القتل والعفو، ولا كلام للجد الاعلى مع الاخوه.((657)) وقال الحطاب- وهو امام المالكيه فى عصره- فى كتابه (مواهب الجليل):

ان عفا بعض الورثه سقط القود ان كان العافى مساويا لمن بقى فى الدرجه او اعلى منه، فان كان انزل درجه لم يسقط القود بعفوه، فان انضاف الى الدرجه العليا الانوثه كالبنات مع الاب او الجد فلا عفو الا باجتماع الجميع، فان انفرد الابوان فلا حق للام فى عفو ولا قتل وكذلك الاخوه والاخوات، واما الام والاخوه فلا عفو الا باجتماعهم.((658)) ويلاحظ ان هذه الفتوى متطابقه جدا مع مضمون صحيح ابى ولاد الذى استند اليه مشهور فقهائنا حيث ان الوارد فيه عفو الاب وطلب الام الديه مع طلب الابن- و هو الاقرب الى المقتول- القصاص. ولا يخفى ان المذهب الذى كان رائجا فى عصر الامام الصادق(ع) الصادر عنه هذه الصحيحه انما هو مذهب مالك فى المدينه وبعده مذهب ابى حنيفه فى العراق، واما مذهب الشافعى واحمد بن حنبل فمتاخران عن زمن الصادق(ع) كثيرا، فلا يحتمل ان تكون الروايات الكثيره الصادره عن الامام الباقر والصادق(ع) فضلا عما صدر عن على(ع)- مما يدل على سقوط حق القصاص بعفو البعض- صادره تقيه من اجل مذهبهما. بل الميزان ان نلاحظ المذهب الذى كان رائجا للعامه فى عصر الامام الصادق(ع) وخصوصا فى المدينه المنوره التى كان يسكن فيها الامام الصادق(ع)، وهو مذهب مالك والذى كان يرى عدم سقوط حق القصاص اذا كان العافى انزل درجه او استحقاقا من غير العافى، و عندئذك تنتقلب النتيجه، فى‏كون صحيح ابى ولاد هو الاكثر مطابقه مع العامه والروايات الداله على السقوط مطلقا هى المخالفه معهم. كما ان هناك عبائر منقوله عن ابى حنيفه ومذهبه تدل على انه ايضا كان يرى استقلاليه حق القصاص لكل وارث فى الجمله، قال فى الموسوعه الكويتيه نقلا عن الاحناف:

وقال ابو حنيفه: المقصود من القصاص هو التشفى وانه لايحصل للميت ويحصل لورثته، فكان حقا لهم ابتداء، وثبت لكل واحد منهم على الكمال لا على الشركه، ولا يمنع ذلك ان للميت فيه حقا حتى يسقط بعفوه.((659)) فترى انه يعتبر القصاص حقا ثابتا للوارث ابتداء لا بالانتقال اليه من الميت وانه ثابت له على وجه الكمال والاستقلال لا على وجه الشركه، وهذا متطابق مع ما استظهره بعض فقهائنا من الايه المباركه على ما تقدم. كما ان كلا من مالك وابى حنيفه كان يفتى باستقلاليه الولى الكبير بالقصاص مع وجود الصغير او المجنون فى الاولياء، ففى المدونه الكبرى لمالك:

قلت: ارايت ان قتل رجل وله اولياء اولاد صغار وكبار، ايكون للكبار ان يقتلوا ولاينتظروا الصغار فى قول مالك؟ قال: نعم... قلت: ارايت ان قتل رجل عمدا وله وليان احدهما صحيح والاخر مجنون، ايكون لهذا الصحيح ان يقتص فى قول مالك؟ قال: نعم.((660)) وفى كتاب الاختيار لتعليل المختار تاليف عبداللّه الموصلى الحنفى:

واذا كان القصاص بين كبارك وصغارك فللكبار الاستيفاء.((661)) وهذا يعنى ان القول بالاستقلال فى الجمله كان معهودا عند العامه حتى غير المالكيه، بل ظاهر بعضهم الاستدلال عليه بمثل ما استدل به على استقلاليه كل ولى مطلقا عندنا، ففى كتاب الحاوى الكبير- وهو فى فقه مذهب الشافعى- للماوردى البصرى:

وقال ابو حنيفه ومالك- فى‏ما اذا كان ضمن الاولياء صغير او مجنون-: يجوز للرشيد منهم ان ينفرد باستيفاء القود ولا ينتظر بلوغ الصغير وافاقه المجنون. ولو كان مستحقه صغيرا او مجنونا جاز لوليه ان ينوب عنه فى استيفائه استدلالا بقول اللّه تعالى: (فقد جعلنا لوليه سلطانا...) فذكره بلفظ الواحد فدل على جواز ان يستوفيه الولى الواحد. ولان ابن ملجم قتل عليا(ع) فاقتص منه ابنه الحسن (ع) وقد شاركه من اخوته صغار لم يبلغوا ولم يقف القود على بلوغهم ولم يخالفه احد من الصحابه رضى اللّه عنهم فصار اجماعا على جواز تفرده به.((662)) وايضا فى نفس الكتاب:

وقال مالك: يجوز لمن لم يعف ان يقتص ولو كان واحد من جماعه استدلالا بقول اللّه تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا...) فلو سقط حقه بعفو غيره لكان السلطان عليه ولم يكن له، ولان القود موضوع لنفى المعره كحد القذف ثم ثبت ان حد القذف لا يسقط بعفو بعض الورثه كذلك القود يجب ان يكون بمثابتهم، ولانه لما لم يكن عفو بعضهم عن الديه موثرا فى حق غيره وجب ان يكون عفوه عن القود غير موثر فى حق غيره.((663)) وممن قال من العامه باستقلال كل ولى بالقصاص مطلقا المذهب الظاهرى. قال فى المحلى بعد مناقشه ادله المذاهب والآراء الاخرى مفصلا:

قال ابو محمد: فصح بقول النبى(ص) ان من قتل نفسا فقد خرج دمه من التحريم الى التحليل بنفس قتله من قتل، فاذ صح هذا فالقاتل متيقن تحليل دمه والداعى الى اخذ القود داع الى ما قد صح بيقين وذلك له، والعافى مريد تحريم دم قد صح تحليله بيقين فليس له ذلك الا بنص او اجماع، ومريد اخذ الديه دون من معه مريد اباحه اخذ مال، والاموال محرمه بقول رسول اللّه(ص): (ان دماءكم واموالكم عليكم حرام) والنص قد جاء باباحه دم القابل كما قلنا بيقين قتله، ولم يات نص باباحه‏الديه الا باخذ الاهل لها. وهذا لفظ يقضى اجماعهم على اخذها، فالديه مالم يجمع على اخذها لايحل اخذها اذ لم يبحها نص ولا اجماع فبطل بيقين، وصح ان من دعا الى القود فهو له، وهو قول مالك فى البنات مع العصبه الا انه ناقض فى ذلك مع البنين والبنات وفى بعض البنين مع بعض، قال ابو محمد:

والذى نقول به ان كل ذلك سواء، وان الحكم للاهل، وهم الذين يعرف المقتول بالانتماء اليهم، كما كان يعرف عبداللّه بن سهل بالانتماء الى بنى حارثه، وهم الذين امرهم النبى(ص) بان يقسم منهم خمسون ويستحقون القود او الديه، وان من اراد منهم القود- سواء كان ولدا او ابن عم او ابنه او اختا او غير ذلك من ام او زوج او زوجه او بنت عم او عمه- فالقود واجب، ولا يلتفت الى عفو من عفا ممن هو اقرب او ابعد او اكثر فى العدد لما ذكرنا، فان اتفق الورثه كلهم على العفو فلهم الديه حينئذك ويحرم الدم، فان اراد احد الورثه العفو عن الديه فله ذلك فى حصته خاصه، اذ هو مال من ماله، وباللّه تعالى التوفيق .((664)) ونفس الموقف له فى ما اذا كان فى الاولياء صغير او مجنون فانه بعد ان شنع على المذاهب الاخرى خصوصا الاحناف قال:

قال ابو محمد: والذى نقول به قد قدمنا فى الباب الذى قبل هذا ان القول قول من دعا الى القود، فللكبير وللحاضر العاقل ان يقتل، ولا يستانى بلوغ الصغير ولا افاقه المجنون ولا قدوم الغائب، فان عفا الحاضرون البالغون لم يجز ذلك على الصغير ولا على الغائب ولا على المجنون، بل هم على حقهم فى القود حتى يبلغ الصغير ويفى‏ق المجنون، فاذا كان ذلك فان طلب احدهم القود قضى له به، وان اتفقوا كلهم على العفو جاز ذلك حينئذك لما ذكرنا فى الباب الذى قبل هذا، وباللّه تعالى التوفيق .((665)) ومراده من الباب الذى قبل هذا: المساله السابقه التى نقلنا عن ذيلها كلامه السابق وقد عنونها بعنوان:

مساله: فى‏من له العفو عن الدم ومن لا عفو له: اختلف الناس فى هذا فقالت طائفه:

العفو جائز لكل احد ممن يرث وللزوجه والزوج وغيرهما، فان عفا احد ممن ذكرنا فقد حرم القصاص ووجبت الديه لمن لم يعف. وقال آخرون: العفو للرجال خاصه دون النساء. وقالت طائفه: من اراد القصاص فذلك له، ولا يلتفت الى من اراد الديه او العفو مالم يتفقوا على ذلك.((666)) هذا حال فتاوى العامه، واما رواياتهم فليس لهم فى هذا الباب الا روايه واحده عن ابن مسعود و عمر بن الخطاب بسند منقطع قال محمد بن الحسن الشيبانى فى كتابه (الحجه على اهل المدينه):

اخبرنا ابو حنيفه عن حماد عن ابراهيم ان عمر بن الخطاب اتى برجل قد قتل عمدا فامر بقتله فعفا بعض الاولياء فامر بقتله، فقال ابن مسعود: كانت لهم النفس، فلما عفا هذا احيا النفس فلا يستطيع ان ياخذ حقه حتى ياخذ غيره، قال: فما ترى؟ قال:

ارى ان تجعل الديه عليه فى ماله، وترفع عنه حصه الذى عفا فقال عمر: وانا ارى ذلك.((667)) وابراهيم هذا هو النخعى، وهو ممن لم يدرك عمر وابن مسعود، ومن هنا قالوا فيه:

ان السند منقطع. نعم، هناك روايه اخرى ينقلها البيهقى ايضا فى نفس الباب عن زيد بن وهب الجهنى قال:

وجد رجل عند امراته رجلا فقتلها، فرفع ذلك الى عمر بن الخطاب، فوجد عليها بعض اخوتها فتصدق عليه بنصيبه، فامر عمر لسائرهم بالديه.((668)) الا انها غير ظاهره فى محل الكلام لقوه احتمال ان موردها ما اذا وجد الرجل امراته تفجر وفى مثله يجوز له قتلها، والتعبير بالتصدق عليه بنصيبه ظاهر فى التصدق بالديه لا العفو عن القصاص. ومن هنا نرى ان القائلين من العامه بالسقوط استدلوا عليه بوجوه استحسانيه، وتمسك بعضهم بما ورد عن النبى(ص) من الامر بالعفو فى القصاص وانه يقتضى تغليب العفو على القود، او ان القصاص لا يقبل التجزاه، او انه شبهه يدرا به القتل ونحو ذلك من الاستدلالات. وما ذكره الشيخ( قده) من دعواهم اجماع الصحابه لم اجده فى كتبهم، وانما الموجود فيها استظهار الاجماع على اعطاء من لم يعف نصيبه من الديه من عدم انكار احد من الصحابه على ما فعله عمر، قال فى البدايع:

فاما اذا كان حق اثنين او اكثر فعفا احدهما سقط القصاص عن القاتل لانه سقط نصيب العافى بالعفو، فى‏سقط نصيب الاخر ضروره انه لا يتجزا، اذ القصاص قصاص واحد فلا يتصور استيفاء بعضه دون بعض، وينقلب نصيب الاخر مالا باجماع الصحابه الكرام، فانه روى عن عمر وابن مسعود وابن عباس انهم اوجبوا فى عفو بعض الاولياء الذين لم يعفوا نصيبهم من الديه، وذلك بمحضر من الصحابه، ولم ينقل انه انكر احد عليهم، فى‏كون اجماعا.((669)) وقد تقدم عن الماوردى استظهار اجماع الصحابه على جواز تفرد الولى الكبير مع وجود الصغير بالقصاص من فعل الامام الحسن(ع) مع ابن ملجم (عليه اللعنه والعذاب) وعدم انكار الصحابه عليه. والمتحصل من مجموع ما تقدم ان القول بان القصاص حق واحد لمجموع الورثه وانه لا يستقل به كل واحد منهم لم يكن موقفا فقهيا واحدا وواضحا عند العامه لا على مستوى فتاوى فقهائهم ومذاهبهم ولا على مستوى رواياتهم واحاديثهم، ولم يكن عليه عمل من الصحابه واضح ايضا، بل الامر بالعكس بمعنى ان القول باستقلاليه حق القصاص لمن يريده من الاولياء مطلقا او فى الجمله هو المشهور فى المذاهب الرائجه فى عصر الامام الصادق(ع) وفى المدينه بالخصوص، فكيف يمكن ان تحمل كل تلك الروايات العديده الصحيحه الصادره من ائمه متعددين على انها صادره تقيه للعامه خصوصا فى مساله ليست سياسيه ولا منشا فيها للتقيه، بل لعل موقف بعض المذاهب العامه متاثر برواياتنا خصوصا ما صدر منها عن الامام على(ع) كما فى معتبرتى ابى مريم واسحاق بن عمار المتقدمتين، ولعل ابن عباس وابن مسعود الذى اسند اليهما هذا الحكم فى عصر عمر بن الخطاب قد اخذاه وتعلماه من الامام على(ع) وانه لولاه كان يحكم عمر بالقصاص فى ذلك المورد. فالحاصل: اصاله هذا الموقف فى رواياتنا الصادره عن ائمتنا المعصومين(ع) بنحو آكد واوضح مما كان عند العامه امر بين، فلماذا تحمل كل هذه الروايات على التقيه؟! فانه ان كان من جهه ان موقف العامه كان ذلك- فى‏ستظهر لمجرد ذلك الجزم بصدورها تقيه- فقد عرفت ان هذا الموقف لم يكن واضحا عندهم فى ذلك العصر لا على مستوى الفتاوى ولا الاحاديث ولا عمل الصحابه، وان كان من جهه التعارض مع صحيح ابى ولاد الاولى والترجيح بمخالفه العامه فقد اتضح ان هذا المرجح الى جانب هذه الروايات لا صحيح ابى‏ولاد لانه الموافق والمتطابق مع المذهب العامى الذى كان رائجا فى المدينه فى عصر صدور هذا الحديث. ولعمرى هذه المساله من الغرائب، ولا ادرى كيف اتفقت فتاوى فقهائنا على عدم السقوط والاخذ بهذه الصحيحه فى قبال تلك الصحاح لمجرد ذهاب مشهور المتاخرين من مذاهب العامه الى السقوط!

نكته ترجيح صحيح ابى ولاد:

والمظنون قويا ان الاصحاب (قدس اللّه اسرارهم) انما رجحوا العمل بصحيح ابى ولاد فى قبال تلك الطائفه من الروايات على اساس احدى نكتتين على سبيل منع الخلو:

1- انه يتضمن الجمع بين الحقين حق العافى وحق المطالب بالقصاص حيث انه يلزم الذى يريد القصاص بدفع حصه العافى الى ورثه القاتل وكذلك حصه من يريد سهمه من الديه ثم يقتل، وهذا فيه نحو جمع بين الحقين، نظير ما ثبت عندنا فى قتل جماعه لواحد وانه يحق لولى المقتول ان يقتلهم جميعا، ولكن يدفع ديه ما زاد على الواحد الى ورثتهم او يقتل واحدا منهم ويعط‏ى الاخرون لورثه من قتل بقيه الديه بنسبه الباقين. ومن هنا جمع الشيخ(قده) فى الاستبصار بينهما بحمل روايات السقوط بعفو بعض الاولياء على فرض عدم اداء شى‏ء الى ورثه المقتص منه، فكان الصحيحه فيها تفصيل وتفسير لابد وان تحمل عليه تلك الطائفه من الروايات او تقيد به. 2- ذهاب ثلاثه من المذاهب الاربعه للعامه فى زمان تدوين الفقه الاستدلالى عند الشيعه الى القول بالسقوط مما جعل هذا القول هو الاشهر فى‏ما بينهم عند تدوين فقهائنا لكتبهم الاستدلاليه، فوجدوا ان الروايات الداله‏على السقوط رغم تعددها وصحه اسانيدها هى الموافقه مع اكثر العامه ،المشهور عندهم فحملوها على التقيه تقديما لما يعارضها ويخالف اكثرهم وهو صحيح ابى ولاد. الا ان كلتا النكتتين مما لا يمكن المساعده عليهما فى ضوء ما تقدم. اما الاولى فلما لا حظناه من صراحه روايات السقوط بحيث لا تقبل المحامل المذكوره‏حيث عبر فيها بسقوط الدم او درء القتل ونحو ذلك. وكيف يمكن ان يحمل هذا اللسان على عدم سقوط القصاص غايه الامر يضمن سهم العافى لورثه المقتص منه او سهم المطالب للديه، او انه لا يجوز له استيفاء حقه الا بعد رد سهم العافى او المطالب بالديه؟! كما ان الثانيه اعنى حمل كل تلك الروايات على التقيه بعيد جدا مع تعددها ونقاء اسانيدها وصدورها عن معصومين متعددين وبعضها ينقل فيه الامام الصادق(ع) الحكم بالسقوط والانتقال الى الديه عن اميرالمومنين(ع). ومثل هذا الحكم فى باب القصاص ليس من الاحكام السياسيه‏الراجعه الى الحكام والساسه ولا من الاحكام العباديه العامه التى قد تصبح شعارا وعنوانا لمذهب او طائفه من المسلمين مما قد يستوجب التقيه، فلا منشا واضح للتقيه فيه. كيف ومن يراجع روايات العامه‏وكتبهم فى ابواب القصاص والديات والحدود يجد ان فتاواهم ورواياتهم متاثره جدا باقضيه اميرالمومنين(ع) واحكامه وسيرته وما صدر عنه فيها، وقد راينا انهم نقلوا واستندا فى مساله وجود بعض الاولياء الصغار مع الكبار الى عمل الامام الحسن(ع) مع ابن ملجم (عليه اللعنه)، بل الخلفاء والصحابه كانوا يراجعون غالبا فى هذه الاحكام والابواب الدقيقه من الفقه الى اميرالمومنين ويروون عنه او ياخذون عن تلامذته كابن عباس وابن مسعود، فافتراض ان كل هذه الروايات المعتبره والصادره عن ائمه متعددين- فى مساله لا منشا فى امثالها للتقيه، وليست للعامه فيهاروايات غير ما نقلناه عن ابن مسعود فى قبال راى عمر بعدم السقوط - صادره تقيه بعيد غايته. بل المظنون قويا ان الموقف المتبلور لدى العامه فى هذه المساله كان بتاثير الروايات الصادره عن ائمه اهل البيت(ع) وعن اميرالمومنين(ع) بصوره خاصه ولو بواسطه رواتهم كابن عباس وابن مسعود، والا فالذوق العرفى الاولى لعله يقتضى ما افتى به عمر وذهب اليه باصرار وتاكيد امثال ابن حزم من عدم سقوط القصاص لمن يريده من الاولياء ولو عفا بعضهم. هذا، مضافا الى ما تقدم من ان صحيح ابى ولاد لم يرد فى مطلق عفو الولى، بل ورد فى عفو الاب مع مطالبه الابن بالقصاص، والذى هو مورد فتوى مالك بعدم السقوط، فى‏كون هو الموافق مع المذهب العامى الذى كان رائجا فى المدينه فى عهد الامام الصادق(ع)، فمقتضى صناعه الترجيح بمخالفه العامه ان لم يكن ترجيح ما يعارضه عليه بمخالفه العامه فلا اقل من انه لا موجب للعكس، لان كل واحد من المتعارضين فى عصر الصدور يخالف مذهبا ويوافق آخر، فتكون النتيجه التعارض والتساقط والرجوع الى الاصل الاولى القاضى بعدم جواز القصاص اذا عفا بعض الاولياء مجانا او بعوض. هذا اذا لم نطمئن بصدور بعض روايات عدم السقوط لتعددها ونقاء اسانيدها وتوفر القرائن على صحتها. والا كان صحيح ابى ولاد معارضا مع الدليل القطعى الصدور، فى‏سقط عن الحجيه لان الدليل الظنى اذا عارض الدليل القطعى سقط عن الحجيه. هذا كله اذا لم نحتمل التفصيل بين مورد صحيح ابى ولاد وسائر موارد عفو بعض الاولياء، اى بين عفو الابعد او الاقل استحقاقا من الاولياء وغيره، والا بان كان هذا محتملا عرفا وفقهيا- كما ذهب اليه بعض مذاهب العامه- كان المتعين التخصيص والاخذ بكلا الطرفين، لان النسبه بينهما نسبه الخاص الى العام، فلا يستقر التعارض ولا يسرى الى السند كما هو واضح ومقرر فى محله. والنتيجه: ان الحكم بسقوط القصاص فى مورد عفو بعض الاولياء خصوصا اذا كان العافى اقرب للميت او مساويا من غيره هو المتعين عملا بروايات الطائفه الداله على السقوط او من باب القاعده الاوليه بعد فرض تعارضها مع صحيح ابى ولاد وتساقطهما والرجوع الى ما هو مقتضى الاصل اللفظ‏ى والعملى المقتضيين للسقوط كما تقدم. وما ذهب اليه جل الاصحاب او كلهم من القول بعدم السقوط لا يشكل اجماعا تعبديا فى المساله بعد ما عرفت. وقد وجدت ذهاب بعض الاعلام ممن عاصرناه (قدس اللّه اسرارهم) الى مخالفه المشهور فى المساله منهم السيد الحكيم(قده) فى منهاچه حيث ذكر فى المساله (14) من مسائل الفصل الثانى من كتاب الارث:

ولو عفا بعض الورثه عن القصاص قيل: لم يجز لغيره الاستيفاء، وقيل: يجوز له مع ضمان حصه من لم ياذن، والاظهر الاول. وعلق عليه السيد الشهيد الصدر(قده):

ويمكن القول بالتفصيل بين ان يكون من عفا غير الولد ومن يطلب القصاص الولد كما فى شخص مات عن اب وابن فعفا الاب دون الابن، وبين ما اذا عفا احد الاولاد جمعا بين الروايات. ولكن مع هذا فالاحوط وجوبا ما فى المتن، لقوه احتمال ان يكون العموم فى الروايات الموافقه له غير قابل عرفا للتخصيص.((670)) فهو ايضا وافق السيد الحكيم فى الحكم بالسقوط وان كان من باب الاحتياط فى فرض عفو غير الولد ومطالبه الولد بالقصاص. ومنهم السيد الخوانسارى(قده) فى جامع المدارك حيث علق على قول الماتن بعدم سقوط القصاص بعفو بعض الاولياء او اخذهم الديه بقوله:

مقتضى ما ذكر من وحده الحق وعدم جواز استيفاء الحق الواحد بالنسبه الى الاولياء بدون توافقهم عدم جواز استقلال بعض الاولياء فى القصاص الا ما دل عليه النص، والاخبار الوارده: منها صحيحه ابى ولاد- وذكر الطائفتين المتعارضتين للروايات ثم قال:- ولا يخفى عدم امكان الجمع، ومجرد اشهريه ما دل على جواز الاقتصاص لا يوجب رفع اليد عما دل على عدم القصاص مع ان عدم القصاص موافق للقاعده، لانه حق واحد واستيفاوه بدون اجازه غير المستوفى على خلاف القاعده، وعفو بعض الاولياء يوجب الدرء كما فى بعض اخبار المقام.((671)) ثم انه ممن استشكل فى المساله العلامه المجلسى فى مرآته فانه بعد ان نقل حمل الشيخ(قده) للروايات على صوره عدم رد سهم العافى وكذلك الحمل على التقيه قال:

والمساله لا تخلو من اشكال.((672)) وبناء على القول بالسقوط يتعين على الجانى دفع حصه من لم يعف من الاولياء اليهم من الديه عملا بما ورد فى ذيل روايات الطائفه الداله على سقوط القصاص بالعفو- بناء على العمل بها- او من باب قاعده ان دم المسلم لا يذهب هدرا وانه كلما سقط القصاص عن الجانى فى مورد ثبتت الديه عليه. وبهذا يثبت فرق بين القولين فى استحقاق الباقين للديه، فانه على القول بعدم سقوط القصاص بعفو بعض الاولياء ليس للاخرين المطالبه بحصصهم من الديه الا فى طول رضا الجانى بدفعها، بناء على ما هو المشهور من ان الحق فى قتل العمد متعلق بالقصاص لا بالجامع بينه وبين الديه، فلو امتنع الجانى عن دفعها لم يكن للاولياء اجباره عليه، بخلافه على القول بالسقوط فانه يثبت للباقين حصصهم من الديه ولا يحق للجانى الامتناع عن دفعها كلا او بعضا. وهذا يعنى ان لكل من القولين جهه الزام زائد على الجانى كما لا يخفى. ثم ان حكم فرض مطالبه بعض الاولياء بالديه وموافقه الجانى عليها ودفع حصته اليه يظهر ايضا مما تقدم، لانه عفو مشروط بحسب الحقيقه، فى‏كون مشمولا او مفهوما بالفحوى من روايات سقوط القصاص بعفو بعض الورثه، وان كان ظاهر عبائر الشرائع التفصيل بين المسالتين والحكم بعدم السقوط فى صوره العفو والسقوط على روايه فى صوره اخذ الديه كما تقدم عند نقل الاقوال. ولهذا وقع محل الاشكال خصوصا وان الروايات الداله على السقوط وارده فى العفو. قال صاحب مفتاح الكرامه فى تعليقاته على باب القصاص من كتاب كشف اللثام بعد استظهار الاجماع من كلمات الاصحاب فى المسالتين:

قال فى المسالك: انه مذهب الاصحاب، والمسالتان من سنخ واحد، كما نص عليه جماعه. وفى مجمع البرهان: ان الحكم فى المسالتين ظاهر. والحاصل: انى لم اجد احدا خالف او تامل او احتمل السقوط قبل الصدوق، حيث قال: وروى انه اذا عفا بعض الاولياء ارتفع القود، وهذا قد يشعر اشعارا ما بالتامل. وفى الشرائع: اذا اختار بعضهم الديه واجاب القاتل جاز، فاذا سلم سقط القود على روايه، والمشهور انه لا يسقط. وابو العباس احتمل السقوط فى المهذب والمقتصر وايده فى المهذب حتى كانه اعتمده، لكنه فى المقتصر قال: المعتمد عدم السقوط كما حكينا عنه. ويظهر من النافع واللمعه حيث قيل فيهما الاشهر ان هناك مخالفا كما انه قد يظهر ذلك من الكتب السته التى قيل فيها انه المشهور، وشى‏ء من ذلك لم يكن، واعتذر فى الروضه عن الشهيد فقال: وانما نسبه المصنف(ره) الى الشهره لورود روايات بسقوط القود، ويظهر من جماعه ان مساله العفو لا خلاف فيها، وانما الشبهه او الخلاف فى‏ما اذا اختار احدهما الديه، واول من فتح ذلك المحقق فى الشرائع فانه قال ما اسمعناكه فى‏ما اذا اختار احدهما الديه، وجزم فى‏ما اذا عفا البعض بعدم سقوط القصاص من غير تامل ولا نسبه الى روايه، وتبعه على ذلك المصنف فى المنتهى والشهيد الثانى فى المسالك والروضه وغيرهما. فنسب فى المسالك مساله العفو الى الاصحاب ومساله اختيار الديه الى المشهور. والحاصل: ان المحقق فى الشرائع فى مساله ما اذا اختار بعضهم الديه واجاب القاتل نسب سقوط القود الى الروايه، وتبعه على ذلك المصنف فى المنتهى والشهيد الثانى فى المسالك والروضه. ونحن قد تتبعنا اخبار الباب فوجدنا الاخبار الداله على سقوط القود انما هى فى صوره ما اذا عفا بعضهم، وليس فى الباب خبر ولا اثر يدل على سقوط القود اذا اختار بعضهم الديه بمنطوقه ولا بمفهومه، فكان الواجب على المحقق وغيره ان يعكسوا الامر كما هو واضح.

صفحه قبل

صفحه بعد