واخبار الباب الوارده فى سقوط القود خمسه...- ثم ذكر الاخبار، ثم قال:-، هذه الاخبار قد اعرض عنها الاصحاب، وفيها الصحيح، وحملها جماعه على التقيه. قال فى ملاذ الاخيار: هو الاظهر، لاشتهار ذلك بين العامه، وحملت ايضا على الاستحباب. وحملها الشيخ فى الاستبصار على ما اذا لم يكردك من يريد القود الى اولياء المقاد منه مقدار ما عفى عنه، لانه متى لم يود ذلك لم يكن له القود على حال، وستسمع حمل الشارح- وهو الفاضل الهندى فى كشف اللثام، وقد حملها على سقوط القود بالنسبه للعافى بالخصوص، فلا يحق له القود- وهو جيد جدا. وقد يعتذر عن المحقق ومن وافقه بان طلب الديه عفو عن القود، سواء دفع له العوض او عفا مطلقا، وفيه: - على بعده- انه
لعله لا ينطبق الا على القول بان الواجب احد الامرين، ولا
يقولون به، وان اخبار الباب اربعه منها صريحه فى العفو مجانا
وانه يطرح عن القاتل ويرفع عنه بقدر حصه من عفا والخامس
ظاهر فى ذلك. نعم، يمكن ان يقال كما هو الحق ان المسالتين
من سنخ، فدليل احداهما دليل الاخرى، لكنه لا وجه حينئذك
للتفرقه بينهما.((673))
وما استظهره من الاجماع فى المساله قد عرفت حاله. واما
دعوى اعراض الاصحاب عن العمل بروايات السقوط فهو
ممنوع، كيف! وقد تقدم عن الشيخ فى الاستبصار الجمع بينها
وبين صحيح ابى ولاد، بل صريح الاستبصار العمل بها من
ناحيتين: من ناحيه ما ورد فى بعضها من ان عفو كل ذى سهم
جائز حيث استند اليها غايه الامر قيدها فى النساءبروايه ابى
العباس الداله على انه ليس للنساء عفو ولا قود. ومن ناحيه
سقوط القصاص بعفو بعض الاولياء ايضا غايه الامر قيده بصحيح
ابى ولاد بما اذا لم يرد من يريد القصاص سهم العافى من الديه
الى ورثه المقتص منه. قال بعد ذكر الاخبار:
فلا تنافى بين هذه الاخبار والخبر الاول- يقصد خبر ابى
العباس انه ليس للنساء عفو ولا قود- من وجهين:
احدهما: انه يجوز لنا ان نخص هذه الاخبار بان نقول: يجوز عفو
من كان له حظ من الديه الا ان يكون امراه فانه لا يجوز لها عفو
ولا قود.
والثانى: ان هذه الاخبار انما تضمنت جواز عفو الاولياء، والمراه
ليست بولى المقتول، لان الولى هو الذى له المطالبه بالقود او
الديه، وليس للمراه ذلك، واذا لم يكن وليا لم يناف ما قدمناه.
فاما ما تضمنته هذه الروايات من انه اذا عفا بعض الاولياء درئ
عنه القتل وانتقل ذلك الى الديه، فالوجه فيها انه انما ينقل الى
الديه اذا لم يود من يريد القود الى اولياء المقاد منه مقدار ما عفا
عنه، لانه متى لم يود ذلك لم يكن له القود على حال.((674))
فمع صراحه كلام الشيخ(قده) فى العمل بهذه الروايات
كيف يمكن ان يحرز اعراض الاصحاب عنها؟! واما الجموع المذكوره فقد عرفت عدم امكان
المساعده على شىء منها، وكذلك
الحمل على التقيه.
واما ما نقله عن بعضهم فى توجيه كلام المحقق فى الشرائع
ومن وافقه بان طلب الديه عفو عن القود، فهذا وان كان
صحيحا فى نفسه- اذ المطالبه بالديه خصوصا اجابه القاتل
ودفعه لها متضمن لا محاله للعفو عن القصاص او مستلزم له،
فى كون مشمولا لروايات العفو ولو بالفحوى- الا انه لا يمكن ان
يكون هو مقصود المحقق، لوضوح ان الروايات لا يمكن
تخصيصها بمورد المطالبه بالديه، بل بعضها كما افاد صاحب
مفتاح الكرامه كالصريح فى العفو المجانى، فكيف خص الروايه
بفرض اخذ بعض الاولياء للديه دون العفو مجانا؟!
واما ما افاده من الاشكال فى هذا الحمل والتفسير لمرام
المحقق من انه لا ينطبق الا على القول بان الواجب احد
الامرين ولا يقولون به، فلم افهم وجهه، اذ على القول الاخر
المشهور عند فقهائنا من تعلق الحق فى القتل العمدى
بالقصاص تعيينا ايضا يكون طلب الديه مستلزما او متضمنا
للعفو عن القصاص غايته فى قبال عوض وهو الديه او اقلاو اكثر.
نعم، هو مبنى على موافقه الجانى بخلافه على القول بالتخيير،
الا ان الماخوذفى كلام المحقق ومن وافقه اجابه القاتل له بل
تسليمه لحصه من الديه، فلعله لهذا اخذ هذان القيدان فى
الحكم بالسقوط من قبل من قال به فى صوره مطالبه بعض
الاولياء بالديه.
ثم ان ما فى مورد صحيح ابى ولاد- وافتى به المشهور مطلقا
وفى تمام الموارد- على خلاف القاعده من ناحيتين:
اولاهما: ان الحق فى قتل العمد متعلق عند المشهور بالقصاص
لا بالجامع منه ومن الديه، فلا يكون الولى مخيرا بينهما، وانما
ينتقل اليها فى طول رضا الجانى بها، وعندئذك فكيف يحكم
للمطالب بالديه ابتداء؟! بان له ذلك وان من يريد القصاص
يقتل ولكنه يدفع للمطالب سهمه من الديه 1 كما هو ظاهر الصحيحه، وهو الغالب ايضا حيث
ان الجانى اذا راى انه يقتل بحق بعض الاولياء على كل حال فلا يرضى عاده بدفع شىء الى
سائر الورثه، بل حتى بناء على ان الحق هو التخيير بين القصاص
والديه لا وجه لضمان من له حق القصاص من الاولياء سهم
الولى الاخر.
ثانيتهما: ان الصحيحه لم ترد فى من يستحق القصاص ويطالب
بالديه، وانما وردت فى مطالبه الام بالديه، وهى لا تستحق
القصاص بناء على قبول ما دل على ان النساء ليس لهن عفو ولا
قود، فكيف يكون لها حق المطالبه بالديه، ثم كيف يمكن
استفاده الحكم فى غير مورد الروايه بنحو عام؟! وقد قرب
الاستدلال بها على التعميم فى مبانى التكمله باحد تقريبين
قال: الاول: انه قد صرح فيها باعطاء حق من عفا لورثه الجانى فانه يدل على ان الحق حقه غايه الامر انه يعط ى فى فرض العفو الى ورثه الجانى، ففى صوره المطالبه لا بد من اعطائه له. الثانى: ان ضمان حصه الام- مع ان حق الاقتصاص غير ثابت لها- يدل بالاولويه القطعيه على ضمان حصه من له حق الاقتصاص، فلا بد من اعطائه له اذا طالب به. بقى شىء، وهو: انه لا يمكن التعدى عن مورد الصحيحه- وهو الام- الى غيرها من النساء من الموارد، بل لابد من الاقتصار على موردها، فلو كان للمقتول اخ واخت فليس للاخت مطالبه الديه اذا اقتص الاخ من القاتل لما ثبت من انه ليس للنساء حق الاقتصاص ولا العفو، ولهم الحق من الديه فى فرض عدم الاقتصاص والتراضى بها.((675)) ويلاحظ على التقريب الاول بانه لا وجه له اذ لعل العافى ليس له فى فرض عدم قبول الجانى بدفع سهمه من الديه- كما هو الغالب فى ما اذا علم ان بعض الاولياء يريد القصاص على كل حال- الا القصاص او العفو مجانا، بل هذا هو المتعين على المبنى المشهور، واما الحكم بدفع المقتص لورثه المقاد منه سهم الذى عفا مجانا فلا يدل بوجه اصلا على ان العافى كان يستحق ذلك السهم، وانما وجهه ان المقاد منه ملك نفسه بهذا المقدار فى طول العفو عنه مجانا من قبل العافى، فى كون قتله قصاصا من قبل الولى الاخر اكثر من حقه من حيث الماليه ومقدار الديه نظير قتل الرجل بالمراه قصاصا حيث يجب فيه رد نصف الديه الى ورثه المقاد منه لكون ديه الرجل اكثر من المراه، فالحاصل لا تلازم بين الامرين، ولا وجه لهذه الاستفاده خصوصا على المبنى المشهور من ان الحق متعلق بالقصاص تعيينا وان ما يدفع فى قباله وعوضا عنه لا يكون مستحقا للولى الا فى طول التوافق مع الجانى، ولهذا قد يتفقان على ما هو اكثر من ذلك مع انه، لا اشكال فى عدم استحقاق المطالب بالديه ولا ورثه الجانى لو عفى عنه مجانا اكثر من الديه. وعلى التقريب الثانى بان الروايه اذا كانت على خلاف القاعده فى موردها- وهو مطالبه الام بالديه لانها لا تستحقها- فتكون داله على حكم تعبدى محض، فكيف يمكن ان يحرز المناط فيه ليتعدى الى سائر الموارد بالاولويه القطعيه؟! بل كما لم يتعد- هو ايضا- الى سائر النساء ممن ليس لهن حق الاقتصاص كالاخت كذلك لا يمكن التعدى منها الى من له حق الاقتصاص، اذ لعل هذا حكم تعبدى خاص بمورد الام لاحترام او خصوصيه لها، ولو اريد التعدى كان اللازم التعدى الى كل من يصيبه سهم من الديه بلا فرق، سواء كان له حق من القصاص ام لا، واللّه العالم.
خلاصه البحث فى المساله الاولى:
وبهذا ننهى البحث عن المساله الاولى مستخلصين فيها
النتائج التاليه: 1- ان مقتضى صناعه الجمع بين الروايات المتعارضه فى المقام هو الحكم بتخصيص اطلاق روايات سقوط القود بعفو بعض الاولياء بصحيحه ابى ولاد الوارده فى طلب الابن للقصاص وعفو الاب او الام. فاما ان يحكم بعدم السقوط فى خصوص هذا المورد فقط او يعمم الى كل مورد كان الطالب للقصاص اقرب الى المقتول من العافى. الا ان ارتكازيه عدم احتمال الفرق فقهيا- وان الحق اما مجعول لمجموع الورثه او لكل وارث مستقلا، ولا احتمال ثالث- يمنع عن مثل هذا الجمع، بل يكون من التعارض. هذا، ويمكن ان يقال: بان المراد بالولى فى باب القصاص ليس مطلق الوارث، بل الوارث المتولى شرعا شوون الميت، والذى هو الولد بالدرجه الاولى ثم الاب والجد ثم سائر طبقات الارث. فمع وجود الولد لا يكون سائر الورثه اولياء وان كانوا يرثون سهما من الديه، وهذا قد يمكن استفادته من الارتكاز العرفى والمتشرعى ومن مجموع ما دل فى باب القصاص من التعبير تاره بان النساء ليس لهن عفو ولا قود، وما ورد من انه اذا مات من له القصاص قام ولده مقامه مع ان الوارث لا ينحصر بالولد عاده الى غير ذلك من التعبيرات، وبناء عليه لا تكون صحيحه ابى ولاد معارضه اصلا مع روايات سقوط القود بعفو بعض الاولياء، لان العافى فى موردها وهو الاب والام ليس وليا مع وجود الابن وان كانا وارثين للديه معه، وبناء على هذا يكون مفاد الصحيحه مطلبا آخر هو: ان الولى اذا اراد القصاص فعليه ان يضمن سهم سائر الورثه- ان كان من يرث معه الديه- اما له او للمقاد منه اذا عفا عنه مجانا ، فكانه روعى حقهم فى الارث من الديه على تقدير ثبوتها واخذها وجعل ذلك مضمونا على الولى الذى يطلب الاقتصاص، وهذا لا ربط له بعفو بعض الاولياء كما اذا كان له اولاد فعفا بعضهم. 2- لو فرض التعارض وعدم امكان جمع عرفى فقد يرجح صحيحه ابى ولاد باعتبارها موافقا للكتاب الكريم، وهو اطلاق قوله تعالى: (فقد جعلنا لوليه سلطانا) والترجيح بموافقه الكتاب مقدم على الترجيح بمخالفه العامه كما هو مقرر فى محله، فى ثبت ما هو المشهور. الا ان هذا العلاج مبنى على تماميه دلاله الايه على استقلال كل ولى بالقصاص، وقد تقدم الاشكال فيها، هذا مضافا الى الاشكال فى اصل الترجيح بمجرد الموافقه مع دلاله اطلاقيه للكتاب لو تمت الدلاله، على ما حقق فى محله. 3- بعد التعارض يحكم بتقديم روايات السقوط على صحيحه ابى ولاد وحملها على التقيه لموافقتها مع الفتوى الفقهيه المعاصره زمانا ومكانا مع الصحيحه وهى فتوى مالك فى المدينه، فان الميزان فى الترجيح بمخالفه العامه وحمل الموافق على التقيه بملاحظه زمان الصدور ومايقرب منه لا فتاوى العامه فى الازمنه المتاخره عن صدور النص. 4- مع التنزل عما تقدم فى النقطه السابقه يكون كل من الطرفى ن موافقا لمذهب من العامه، فلا ترجيح لاحدهما على الاخر، فى تساقطان ويرجع الى مقتضى الاصل الاولى، وهو حرمه القتل ما لم يثبت جوازه بدليل. هذا لو لم يطمان بصدور بعض روايات الحكم بالسقوط، لتعددها ونقاء سند اكثرها، وكون ابى ولاد بنفسه ينقل عن الامام الصادق(ع) ايضا روايه داله على السقوط، فهو ينقل كلا الطرفى ن عن نفس الامام مما قد يضعف كاشفيه نقله وخبره فى مقام المعارضه او يجعله معارضا مع الدليل قطعى الصدور، فى سقط عن الحجيه. المساله الثانيه
فى استيفاد بعض الاولياء للقصاص مع غياب الاخرين وعدم
اذنهم. ونسب الى المشهور فى المقام عدم جواز استيفاء
القصاص الا باجتماعهم على التوكيل او الاذن، وفى قباله قول
بالجواز لكن مع ضمان حصص من لم ياذن من الديه، اختاره
الشيخ(قده) وجمله من القدماء.
قال المحقق فى الشرائع:
وان كانوا جماعه لم يجز الاستيفاء الا بعد الاجتماع اما بالوكاله
او بالاذن لواحد، وقال الشيخ: يجوز لكل منهم المبادره، ولا
يتوقف على اذن الاخر لكن يضمن حصص من لم
ياذن.((676))
وقال فى الجواهر- معلقا على القول الاول-:
عند الفاضل والشهيدين والمقداد والاردبيلى والكاشانى، بل
فى غايه المرام انه المشهور على معنى استيفائهم اياه اجمع اما
بالوكاله لاحد خارج عنهم او بالاذن لواحد منهم لا ان المراد
ضرب كل واحد منهم اياه، نعم قد يتصور فى بعض الافراد
ضرب الجميع اياه بالسيف ضربه واحده. فان وقعت المنازعه
فى الاذن لمن يستوفيه منهم وكانوا كلهم من القادرين على
استيفائه اقرع، ولو كان فيهم من لا يحسنه كالامراه والمريض
والضعيف فالاقرب ادخاله فى القرعه ايضا ولو بان يوكل فى
استيفائه.
وعلق على القول الثانى بقوله:
وهو المحكى عن ابى على وعلم الهدى والقاضى والكيدرى
وابنى حمزه وزهره، بل فى مجمع البرهان نسبته الى الاكثر،
بل عن المرتضى والخلاف والغنيه وظاهر المبسوط الاجماع
عليه، بل عن الخلاف نسبته الى آخبار الفرقه ايضا. وهو الحجه
بعد تاييده ببناء القصاص على التغليب، ولذا اذا عفا الاولياء الا
واحدا كان له القصاص مع ان القاتل قد احرز بعض نفسه، وبانه
اذا جاز القصاص مع عفو الباقين واحراز القاتل بعض نفسه فمع
السكوت او الجهل وعدم الاحراز اولى، وبان ثبوت السلطان
للولى يقتضى تسلط كل واحد منهم على ذلك منفردا كما هو
مقتضى الاضافه والا لم يتم له السلطان، وبان الباقين اما ان
يريدوا قتله او الديه او العفو، والفرض ان الاول قد حصل والديه
مبذوله من القاتل والعفو باقك فى محله فان المقصود به
المثوبه وهى موجوده، وبانه مخالف لما اجمع عليه العامه او
معظمهم الذين جعل اللّه الرشد فى خلافهم، وبان اشتراك
الحق المزبور ليس على حسب غيره من الاموال التى لا يجوز
التصرف فيها بدون اذن الشريك، بل المراد من اشتراكه ان لكل
واحد منهم استيفاءه، لا كونه بينهم على الحصص، ولا انه حق
للمجموع من حيث كونه كذلك، ضروره عدم تعقل الاول،
ومنافاه الثانى لبقائه مع عفو البعض، وغرم الديه انما هو لدليله
لا لاشتراكه، بل لعل ذلك ظاهر كل ما يستفاد من كون
القصاص لاوليائه من كتاب او سنه بعد العلم بعدم اراده
المجموع من حيث كونه كذلك، ولعله لذا نسبه فى ما سمعته
من الخلاف الى اخبار الفرقه.
ومن ذلك يعلم ما فى دليل الاول الذى هو الاشتراك فى حق لا
يقبل التبعيض فلا بد من اتفاق الجميع على استيفائه بل لا
دليل لهم غيره، اذ قد عرفت ان ذلك يقتضى استبداد كل واحد
منهم نحو الخيار والشفعه الموروثين، لا اعتبار الاجتماع فى
استيفائه الذى قد يترتب عليه ضرر لو كان الشريك غائبا او
قاصرا، ولذا حكى عن ظاهر المبسوط الاجماع ايضا على عدم
اعتبار الاذن فيه، بل هو مندرج فى معقد اجماع الغنيه، بل عن
الخلاف دعوى اجماع الفرقه واخبارهم عليه ايضا، وستسمع
الكلام فيه ان شاءاللّه.
ومن الغريب بعد ذلك كله معارضه ما سمعت بما عن غايه
المرام من الشهره التى ان لم تحتمل اراده المتاخره كانت خطا
قطعا، مضافا الى معارضتها بما سمعته من الاردبيلى من
دعواها على خلافه، بل والى مايظهر من كلمات القدماء
واجماعاتهم من كون ذلك معلوما من مذهبهم فى مقابله
العامه وانه مفروغ منه عندهم حتى ردوهم بكونه مجمعا عليه
عندنا، فلو سلم اقتضاء قاعده الشركه ذلك كان المتجه الخروج
عنها ببعض ما عرفت فضلا عن جميعه.((677))
ولا ينبغى الشك فى انه على القول فى المساله السابقه بسقوط
حق القصاص بعفو بعض الاولياء وانه حق واحد قائم بمجموعهم
كارث الخيار، فلا وجه لتوهم استقلال كل ولى باستيفاء
القصاص من دون اذن الاخرين، لان اصل الحق غير ثابت له
بالخصوص بل لمجموعهم، فلا يكون وحده وليا، وهذا واضح،
ولعله لهذا كان المشهور او المتفق عليه عند العامه عدم
استبداد كل ولى بالاستيفاء، لان الاشهر عندهم فى المساله
السابقه سقوط القصاص.
واما اذا قلنا هناك بالسقوط تعبدا- لا لقيام الحق بالمجموع- او
بناء على القول الاخر المشهور او المتفق عليه عند فقهائنا ما
عدا بعض المتاخرين من عدم سقوط القصاص بعفو البعض من
الاولياء وان لكل ولى حق الاقتصاص مستقلا، فى تجه البحث
عندئذك فى كيفيه الاستيفاء، وانه هل له الاستبداد بالاستيفاء
من دون حضور سائر الاولياء ولا اذنهم ام ليس له ذلك؟! وقد
عرفت نسبه كل من القولين الى المشهور عند فقهائنا وذهاب
جمله من كبار الاصحاب الى كل من القولين، خلافا للمساله
السابقه. وان اصر جمله من المتاخرين كالسيد العاملى فى
مفتاحه وصاحب الجواهر(قده) على ان المشهور او المجمع
عليه عند المتقدمين هو القول بالاستقلال ايضا وان القول
باستقلال الولى فى المساله السابقه يستلزم بالفحوى والاولويه
استقلاله فى هذه المساله ايضا، بل استدلوا على الاستقلاليه فى
المسالتين معا بالايه المباركه (فقد جعلنا لوليه سلطانا...).
وتحقيق الكلام فى هذه المساله يقتضى الحديث فى جهتين:
الجهه الاولى: فى ما تقتضيه القاعده الاوليه عند الشك وعدم
قيام دليل على الاستقلاليه فى مقام الاستيفاء.
الجهه الثانيه: فى ما ذكر او يمكن ان يذكر من الوجوه لاثبات استقلال كل ولى فى مقام
الاستيفاء. اما الجهه الاولى: فربما يقال فيها بان مقتضى الاصل بناء على ثبوت حق
الاقتصاص لكل ولى مستقلا جواز الاستيفاء لكل واحد منهم وعدم اشتراط الاستئذان من
الاخرين، لان لزوم الاستئذان اما ان يرجع الى حكم تكليفى فى حق كل منهم بحرمه
المبادره الى الاستيفاء من دون مشاركه الاخرين او الى ثبوت حق وضعى لكل منهم فى
المنع عن مبادره الاخر، ومع الشك فى ثبوت شىء منهما يكون مقتضى الاصل عدمه،
ومرجعه الى اصاله البراءه عن التكليف المشكوك ثبوته او
استصحاب عدم حق المنع.
فى كون مقتضى الاصل هنا- على العكس من المساله السابقه-
تغليب القصاص.
الا ان هذا الكلام غير تام، بل الصحيح ان مقتضى الاصل هنا
ايضا هو المنع عن جواز المبادره والاستقلاليه فى الاستيفاء
لاحتمال ان يكون الحق الثابت لكل ولى من اول الامر هو
الاقتصاص غير المفوت على الاخرين حقهم، فى رجع الشك
الى مقدار الحق الثابت من اول الامر لكل ولى وانه مطلق وفى
تمام الحالات او مقيد بمشاركه الاخرين وعدم فوات حقهم فى
الاستيفاء. وحيث ان اصل هذا الحق على خلاف الاصل الاولى
فمع الشك فى حدوده ومقداره لابد من الاقتصار على القدر
المتيقن ثبوته، واما المقدار الزائد عليه فهو منفى بالاصل
اللفظ ى او العملى.
وان شئت قلت: ان الحرمه كانت ثابته من اول الامر مطلقا،
ودليل جواز الاقتصاص مخصص له، فاذا شك فى مقداره
وحدوده كان المرجع فى الزائد على المتيقن جوازه عموم
العام، كما ان مقتضى الاستصحاب بقاء الحرمه.
لا يقال: ان دليل حرمه دم المسلم يعلم فى المقام بسقوطه
حيث لاشك فى ثبوت حق القصاص للولى مستقلا وان الجانى
مهدور الدم فى قباله على كل حال اى رضى الاخرون
بالقصاص ام لا، وانما الشك فى شرائط الاستيفاء لا فى اصل حق
القصاص، وبناء عليه لا يمكن التمسك بعموم دليل الحرمه
للعلم بسقوطها، وانما الشك فى ثبوت حرمه اخرى من جهه
حق سائر الاولياء فى القصاص ايضا. وهذا على تقدير ثبوته
تكليف آخر غير تلك الحرمه التى كانت ثابته اولا، فى كون منفيا
بالاصل.
فانه يقال: ان دليل حرمه القتل او قطع العضو يدل على حرمه
شرعيه من غير ان يقيدها بكونها من جهه حق الغير فقط او حق
اللّه او الحق العام او اى جهه اخرى، فان هذه حيثيات وملاكات
للحكم ولا يتقيد الحكم بها ولا يتحصص، وهذا الدليل اطلاقه
محكم لايخرج عنه الا بما يدل على الجواز، وهو دليل القصاص،
فاذا دار امر المخصص او المقيد بين الاقل والاكثر سواء كان من
ناحيه احتمال دخل عدم عفو بعض الاولياء فيه- كما فى
المساله السابقه- او من ناحيه دخل اذن من يريد القصاص
منهم فيه- كما فى هذه المساله- كان المرجع عموم العام فى
مورد الشك لا محاله، كما ان مقتضى الاستصحاب بقاء الحرمه
وعدم جعل حق مطلق كما اشرنا اليه آنفا.
وان شئت قلت: ان مرجع الشك فى المقام الى ان حق القصاص
بعد ان لم يكن مجعولا لمجموع الورثه كحق واحد بل لمن لم
يعف منهم ايضا حق القصاص فهل هو مجعول لمجموع من لم
يعف عن القصاص فلا يمكن ان ينفرد ويستقل به احدهم او لكل
واحد منهم مستقلا؟ ولا شك ان الثانى فيه تقييد وتخصيص
اكثر لدليل حرمه دم المسلم، فى كون منفى ا باطلاقه ما لم
يثبت التخصيص كما هو فى سائر موارد الرجوع الى عموم العام
عند دوران المخصص بين الاقل والاكثر. فلا فرق بين
المسالتين من ناحيه ان مقتضى الاصل اللفظ ى والعملى فيهما
معا عدم الجواز.
واما الجهه الثانيه: ففى ما استدل به على الاستقلاليه فى
الاستيفاء، وهو امور:
منها: ما ذكره جمله من الفقهاء كصاحب الجواهر ومفتاح
الكرامه وغيرهما من الاجماع المدعى فى كلمات بعض وذهاب
جل القدماء او كلهم الى القول بالاستقلال غايه الامر يضمن
سهم من لم يحضر اذا حضر وطالب بالديه.
وفيه:- مضافا الى انه لم يرد ذكر الاجماع الا فى كتابى الغنيه
والخلاف، ولا يراد بالاجماع فيهما المعنى المصطلح ، كما ان
اكثر كتب القدماء لاتعرض فيها لهذه المساله اصلا- ان مثل هذا
الاجماع لو سلم ثبوته فهو محتمل المدركيه، لان من ادعاه
كابن زهره فى الغنيه عطف عليه الاستدلال بظاهر الايه
المباركه وقال:
ان من ذهب الى الخلاف خالف الظاهر، فالمساله اجتهاديه
وليس فيها اجماع تعبدى كما لايخفى، ويشهد له ذهاب
مشهور المتاخرين الى خلافه.
ومنها: المتسك بظاهر الايه المباركه (ومن قتل مظلوما)
بدعوى ظهورها فى الانحلاليه وان ثبوت السلطان للولى
يقتضى تسلط كل واحد منهم على ذلك منفردا والا لم يتم له
السلطان.
وهذا الاستدلال قد تقدم ايضا فى المساله السابقه وتقدم
الاشكال فيه. ونضيف هنا بانه لو فرض دلاله الايه على
الانحلاليه وجعل الولايه على القصاص لكل وارث مستقلا
فغايته ثبوت اصل حق القصاص لكل منهم مستقلا عن الاخر
اى عدم قيامه بالمجموع بل بكل وارث وارث، اما كيفيه
الاستيفاء وانه هل يشترط فيه الاستئذان من الاخرين وعدم
تفويت حقهم فى القصاص ايضا او لا؟ فهو امر آخر اجنبى عن
مفاد الايه، لان ظاهرها بيان اصل جعل حق القصاص للورثه
وانه مجعول لكل وارث وولى، واما مقام الاستيفاء وشروطه فهو
اجنبى عن هذه الجهه، ولهذا لا يمكن ان ننفى بالايه مثلا
اشتراط ان يكون الاستيفاء باذن الامام او مع حضوره او ان يكون
بالسيف لا بنحو آخر او اى شرط آخر من شروط الاستيفاء.
ومنها: ما ذكره فى الجواهر من ان بناء القصاص على التغليب،
ولذا اذا عفا الاولياء الا واحدا كان له القصاص مع ان القاتل قد
احرز بعض نفسه.
وفيه: ان اريد به انه مقتضى الاصل عند الشك فقد عرفت ما
فيه وان مقتضاه عدم جواز الانفراد بالاستيفاء، وان اريد به
قاعده خاصه فى باب القصاص نظير ما يقال فى باب العتق من
ان البناء على تغليب العتق فهذا بحاجه الى اثبات بدليل خاص
او من مجموع ادله الباب ولو بالفحوى والملازمه، وليس لنا
مثل ذلك فى المقام، بل لعل الامر على العكس من ذلك،
لابتناء باب الدماء والحدود على الاحتياط.
ومنها: استفاده ذلك بالملازمه مما تقدم عن المشهور فى
المساله السابقه، فانه اذا كان حق القصاص ثابتا لكل ولى
مستقلا، ولا يسقط بعفو الاخرين او مطالبتهم بالديه، بل غايته
ان من يريد القصاص يضمن سهم العافى او المطالب بالديه، فلا
محاله يحق لكل ولى الانفراد بالاستيفاء فى هذه المساله، لان
الباقين- على حد تعبير صاحب الجواهر- اما ان يريدوا قتله او
الديه او العفو، والفرض ان الاول قد حصل والديه مبذوله من
القاتل والعفو باقك فى محله فان المقصود به المثوبه وهى
موجوده.
وفيه: اولا: ما تقدم من احتمال ان يكون المجعول حق القصاص لمجموع من يريد القتل لالكل واحد. وثانيا: لو فرض ثبوت الحق لكل واحد مع ذلك لا يتم ما ذكره لان الحق المجعول للولى انما هو ان يقتص من الجانى- مباشره او بالتسبيب- لا ان يرى الجانى مقتولا ولو بسبب آخر كما اذا قتل ب آفه سماويه او قتله غير الولى عدوانا. وبعباره اخرى: ان حيثيه انتساب القتل الى الولى وكونه قصاصا من قبله وما يترتب على ذلك من الاثر كالتشفى وغيره ملحوظ للولى ومجعول له فى باب القصاص، والاستبداد بالاستيفاء مفوت لهذا الحق عليه لامحاله. وهكذا يتضح انه لا ملازمه بين المسالتين، نعم فى فرض كون بعض الاولياء صغيرا او مجنونا او غائبا لا يمكن الاستئذان منه ولا يعلم قدومه فى وقت قريب يكون لزوم الانتظار على الولى الرشيد الحاضر تفويتا لحقه فى القصاص، فقد ينفى لزوم ذلك حينئذك باطلاق الايه المباركه- على القول به- او بحديث لا ضرر، بل قد يقال بعدم صدق ولى الميت على الصغير والمجنون وان كانا وارثين. وهذه جهه اخرى من البحث خارجه عما نحن فيه. والنتيجه انه على كلا المبنيين فى المساله السابقه لايجوز الاستبداد بالقصاص فى مقام الاستيفاء من قبل كل ولى مع وجود سائر الاولياء ورشدهم وامكان الاستئذان منهم، اذ لااقل من ان هذا خلاف مقتضى الاصل الاولى كما ذكرناه. هذا حاصل ما اردنا ايراده فى هاتين المسالتين. والحمد للّه اولا وآخرا، وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين. |
|---|