وكيف كان، فقد ظهر ان المقتضي للحكم بالصحة في عقد
التامين هو العمومات، والمانع عنه غير موجود،فالواجب هو
القول بالصحة. والمحكي عن الميرزا القمي (قدس سره) هو
جواز ضمان ما لم يجب في مثل عين‏الدار اومنفعتها لو ظهر
انها مستحقة للغير، كما يجوز ذلك عند الضرورة في مثل «الق
متاعك في البحر وضمانه‏علي‏»((82)).
ومنها: ان تامين الحوادث الاتية مع كثرة خسارتها في قبال ما
يؤخذ من المؤمن له معاملة سفهائية، والعقلاء لايقدمون عليه.
وفيه: اولا: انا نمنع الصغرى، لما نرى من اقدام العقلاء في
جميع الاقطار والنواحي على ذلك، فلو كان ذلك‏امراسفهيا لما
اقدموا عليه، وكثرة الخسارة في بعض الموارد تكون متداركة
بعدمها او قلتها في كثير من المواردالاخرى.
وثانيا: ان الكبرى ممنوعة، لان الباطل هو معاملة السفيه، كما
دلت عليه الاية الكريمة: (ولا تؤتوا السفهاء اموالكم التي‏جعل اللّه
لكم قياما)((83))، لا المعاملة السفهائية، اذ لا دليل على
بطلانها.
ومنها: ان ما يؤخذ عليه من المال ربما لا يقابل في الاغلب
بتدارك ما، فيكون الماخوذ من دون مقابل، ويندرج
بهذاالاعتبار في الاكل بالباطل المنهي عنه في الكتاب العزيز:
(ولا تاكلوا اموالكم بينكم بالباطل)((84)).
ويمكن ان يقال: ان المقابل هو التامين، وهو امر خطير، وما
يؤديه‏المؤمن له قليل بالنسبة اليه. هذا مضافا الى ان شركة
التامين ترسل في الغالب مندوبا عنها لارشاد المؤمن له
واطلاعه على كيفية الحفاظ على الاموال‏وصيانتها، وفي كثير
من الحالات تقوم الشركة باصدار كراس خاص يحتوي على
مجموعة من التعليمات‏والارشادات في هذا الشان.
اللهم الا ان يقال: ان المقابل هو التامين، وهذه الامور من لوازم
التامين وليست بنفسها من المقابلات. هذامضافاالى انها كثيرا
ما تكون بنفع الشركة، لكونها مسببة لتقليل الحوادث
والخسارات، فتدبر.
واجاب سيدنا الامام المجاهد (قدس سره) على المحكي عنه
: بان حلية العوض في المعاملات غير منوطة‏بالانتفاع من
المعوض، فان من استاجر بيتا للضيافة المشروطة عليه
بمعنى انه شرط على نفسه في ضمن عقدالاجارة ان لا ينتفع
به الا للضيافة او استاجر حانوتا لاختزان القمح كذلك، فاتفق
انه لم يرد عليه ضيف في مدة‏الاجارة او اجدبت السنة فلم
ينتفع بالعين المستاجرة، فانه لا اشكال في صحة الاجارة
حينئذ، وان ما ياخذه‏المؤجر يكون من تجارة عن تراض. هذا مع
ان ما يؤخذ فيما نحن فيه في قبال هذا التعهد الخطير قليل
في الغاية‏ويسير الى النهاية، والعقلاء يرغبون فيه ويرونه من
احكم طرق حفظ الاموال والنفوس، ولا يكاد يفرق ذو
مسكة‏بين هذا وبين استئجار الحراس لحفظ الاموال والنفوس
في الحكم بالصحة مع قوة الداعوية في التامين، لاجل‏التضمين
المحقق فيه دون الاستئجار، كما لا يخفى على اولي
الابصار((85)).
ولا يخفى عليك ان المقابل في الاجارة هو تملك المنفعة لا
الانتفاع، وهولا يتخلف وان لم ينتفع بها.
ومنها: ان عقد التامين عقد غرري، وقد نهى النبي (ص) عن
العقدالغرري، ومقتضى النهي في المعاملة فسادها، لان‏النهي
في المرك بات ظاهر في الارشاد الى الفساد، لعدم الحرمة
التكليفية في مثل العقد الا ما استثني، فهو ظهورثانوي يقدم
على ظهور النهي في التكليف.
ويدل على النهي المذكور الخبر المشهور بين الفريقين من
نهي النبي (ص) عن بيع الغرر، فقد روى الصدوق‏بالاسانيد
الثلاثة عن الحسين بن علي (ع) انه قال: «خطبنا امير
المؤمنين (ع) فقال: سياتي على الناس زمان‏عضوض يعض
المؤمن على ما في يده ولم يؤمن بذلك الى ان قال: وسياتي
زمان يقدم فيه الاشرار، وينسا فيه الاخيار، ويبايع المضطر، وقد
نهى رسول اللّه (ص) عن بيع المضطر وعن بيع الغرر...»((86)).
ولعل المراد من‏المضطر هو المكره، كما يشهد له بعض الاخبار.
ونحوه في صحيفة الرضا (ع)((87)).
ورواه العامة ايضا في جوامعهم((88)).
وكيف كان، فالرواية مما اتفق عليها الفريقان، كما عن الرياض:
«ان‏الرواية متفق عليها بين العلماء كافة‏»((89))،وقال الفاضل
النراقي (قدس سره): «هي قاعدة مقبولة مسلمة بين
الجميع‏»((90))، وعمل بها الاصحاب في‏تضاعيف ابواب الفقه،
منهم السيد في الانتصار، وابن ادريس في السرائر، والعلامة في
نهج الحق ومواضع عديدة‏من التذكرة، وفخر المحققين في
شرح القواعد، والفاضل المقداد في التنقيح، والشهيد في
قواعده، وغيرهم على ماحكي‏عنهم.
ثم ان الرواية تدل على فساد المعاملة بالغرر، وحيث ان عقد
التامين من جهة وقوع الخسارة وعدمه ومن جهة‏كميتها
وكيفيتها غير معلوم، فيشمله النهي عن الغرر، ويحكم ببطلانه
من جهة الغرر.
ويشهد له ايضا الاخبار الدالة على عدم جواز الشراء بدينار غير
درهم، مثل ما رواه حماد عن ابي عبد اللّه (ع)قال:«يكره ان
يشتري الثوب بدينار غير درهم، لانه لا يدري كم الدينار من
الدرهم‏»((91)).
ويمكن الجواب عن ذلك:
اولا: ان الحديث مخصوص بباب البيع، والتعميم غير ثابت، فلا
مجال للتمسك به في المقام.
واورد عليه: بان الظاهر عند العرف ان المعلول يتبع العلة في
العموم‏والخصوص، وعليه فالتعليل بلفظة «لا يدري‏»تعميم
للمورد الخاص بحيث لا يتامل العرف في ان الجهالة قادحة في
المعاملة مطلقا.
واجاب عنه سيدنا الامام المجاهد (قدس سره): بان حديث
تعميم العلة وتخصيصها لمورد المعلول مما لا مساغ‏لانكاره، الا
ان قدح الجهالة بلحاظ التعليل وان كان عاما يشمل شراء الثوب
وغيره من الامتعة والاعيان والاثمان‏غير النقدين، ولكن لا
يخرج عن نطاق البيع والشراء((92)).
وثانيا: ان العوض في عقد التامين معلوم، وهو التعهد وقبول
المسؤولية، ولا يضر بمعلومية التعهد المذكورجهالة متعلقه،
كالخسارة من جهة الوقوع وعدمه او من جهة الكيفية والكمية،
كما لا يضر الترديد في‏المنوي‏بتعيين النى ة، كما قرر في صوم
يوم الشك، فتامل.
نعم، لو كان عقد التامين معاوضة بين ما يدفعه المؤمن له وبين
ما يدفعه المؤمن عند وقوع الخسارة كان‏عقداغرريا ، لعدم
معلومية المقابل من جهة حدوثه ومقداره وكيفيته.
اللهم الا ان يقال بمعلومية المقابل بتقدير المقدر والمخمن،
كما افاد استاذنا الاراكي (قدس سره)، فتامل.
وثالثا: ان الغرر محركة اسم مصدر، وهو الخطر، من غرر
بنفسه وكذلك بالمال تغريرا، اي عرضها للهلكة من‏غير ان
يعرف، كما في تاج العروس((93)). والظاهر من كون الغرر اسم
مصدر من فعل التغرير الذي قيده بقوله:«من غير ان يعرف‏»
هو اعتبار الجهالة فيه في الجملة.
ومما ذكر يظهر ما في كلام بعض الاعلام من انه ليس في شي‏ء
من الكتب اللغوية تفسيره بالجهالة، كما في كتاب‏البيع لسيدنا
الامام (قدس سره)((94)). اللهم الا ان يكون مقصوده تفسير
الغرر بالجهالة بالمطابقة، لا ان للجهالة‏مدخلية فيه.وكيف
كان، فلا يصح الاستدلال بانه (ص) نهى عن بيع الغرر،
لمبطلية مطلق الجهالة من دون صدق‏التعريض للهلكة، كما
ان الغرر ليس هو مطلق الخطر ولو لم يكن عن جهل.
وعليه، فالتامين ليس داخلا في الغرر، لعدم جهل الشركة
المؤمنة بنوع الخسارة ومقدار تداركها، ولعدم جهل‏المؤمن له
بالمدة والاقساط.
هذا، مضافا الى انه لا يصدق عليه الاقدام على الخطر لا بالنسبة
الى المؤمن ولا بالنسبة الى المؤمن له بعد كونه‏من المعاملات
العقلائية، لان تحمل دفع مبلغ يسير عند حلول كل قسط
لاكتساب تدارك الخسارات امر عقلائي،وكذا تحمل تدارك
الخسارات في مقابل استلام مبالغ اقساط كثيرة من اشخاص
عديدين يعد امرا عقلائيا.
وهكذا لا مجال للتمسك بالنبوي المذكور لبطلان التامين بناء
على كون معنى الغرر هو الخدعة، كما ذهب اليه‏السيد
الكوهكمري (قدس سره)، حيث قال في كتاب البيع: واما
الكلام في دلالة الرواية فاهل اللغة وان اختلفوا في‏تفسير الغرر
فبعضهم جعله من الغرة من الغفلة، وبعضهم من التغرير بمعنى
الخدعة والغفلة، وبعضهم‏بالخطر الا ان الصحيح انه من
الخدعة في جميع موارد استعمالاته... وكذا اطلاقها على الدنيا،
فتكون هي‏الموضوعة له، واما الخطر فهو من لوازمه، لان
الخدعة تستلزم الوقوع في الخطر، فلو عبر به في مورد
يكون‏التعبير باللازم((95)).
وكما ذهب اليه السيد الحكيم في نهج الفقاهة حيث قال:
«والمحصل مما ذكرنا ان المفهوم من مادة الغررلغة‏وعرفا انه
ليس هو الخطر ولا الجهل،بل هو توهم حسن ما هو قبيح في
الواقع المناسب ذلك لتفسيره بالخديعة‏بمعنى اسم المصدر،
وان تفسيره بالجهل والغفلة والخطر تفسير باللازم‏»((96)).
وذلك لعدم صدق الخدعة بالنسبة الى عقد التامين، ولعل
وجهه هو اعتبارالجهالة في الخدعة والمفروض هوعدمها
بالنسبة الى المؤمن والمؤمن له، وهكذا لا يصدق توهم حسن ما
هو قبيح في الواقع، اذ ما توافقا عليه هو ماوقع في الواقع لا
خلافه. هذا مع الاغماض عن اختصاص الغرر بالخدعة مع
تصريح اهل اللغة بكون معناه هوالخطر، بل قال الفاضل النراقي
(قدس سره) بعد نقل كلمات اللغويين :«ان الموضوع من
تلك المادة الفاظ عديدة‏من المصادر المجردة كالغرة... وغير
المجردة كالتغرير... ومن الاسماء كالغرة ثم قال: ولكن كلها
متطابقة على‏ان الغرر هو الاسم من التغرير الذي معناه
التعريض للتهلكة، وان معنى الغرر هو الخطر، والخطر
المصدري:الاشراف على الهلاك، والمخاطرة: ارتكاب ما فيه
خطر وهلاك... ووضع الفاظ اخر متحدة مادة مع هذا
اللفظ‏لمعان‏اخر لا يوجب اشتراك هذا اللفظ بعد اختلاف الهيئة
وعدم الاشتقاق‏»((97)).
فتحصل: ان الغرر لا يصدق على التامين على اي تقدير من
التقادير المذكورة.
ومنها: انه كما ان القمار هو عمل تصادفي يوجب تحصيل مال او
ذهابه من دون عوض، والمقامر يقدم على القمارمتكئا على
الغلبة التصادفية،بحيث لو علم من اول الامر انه لا يغلب لم
يقدم على القمار.
فكذلك المؤمن له والمؤمن شانهما شان المقامر، فان المؤمن
له يقدم على التامين من جهة تصور الانتفاع به،بحيث لو علم
بانه لا ينتفع به لا يقدم على ذلك، وهكذا المؤمن يقدم على
ذلك برجاء ان ياخذ الاقساط وان لاتقع‏حوادث، بحيث لو علم
بوقوعها من اول الامر لا يقدم على ذلك.
ولذا ذهب بعض الى ان التامين شبيه بالقمار ويكون
محرما((98)).
وخصصه بعض آخر بالتامين على الحياة، لامكان موت المؤمن
له قبل دفع تمام الاقساط، فاللازم على المؤمن ان‏يعط‏ي مبالغ
اكثر بمرات مما اخذ، وحينئذ الا يكون هذا قمارا؟! ولو لم يكن
قمارا فالقمار اي شي‏ء؟!(99)).
وفيه: ان حقيقة التامين لا تشبه حقيقة القمار، لان التامين
معاوضة بين المؤمن والمؤمن له، ونوع عقد وتجارة،بخلاف
القمار فانه خال عن المعاوضة، بل هو الغلبة في اللعب، كما
تشهد له اللغة، قال في تاج العروس: «قامره‏مقامرة وقمارا
فقمره كنصره يقمره قمرا وتقمره: راهنه فغلبه، وهو
التقامر»((100))، وفي الصحاح: «قمرت‏الرجل اقمره بالكسر
قمرا: اذا لاعبته فيه فغلبته((101)).
ولا لعب ولا مغالبة في التامين، ومجرد وجود الشبه في بعض
الامور لايوجب اندراجه في القمار، والا لزم اندراج‏البيع ايضا
فيه، لان البائع لو علم بان البيع يصير ضررا عليه لا يقدم عليه،
وهكذا المشتري، فالبيع شبيه بالقمارمن هذه الجهة، لكنه غير
مندرج تحته.
هذا، مضافا الى ما قيل: من ان المقامر يجعل نفسه في معرض
الخطر ويكون مضطربا، بخلاف المؤمن له فانه‏بعقد التامين
يصير مطمئنا، كما ان المؤمن يقنع بالاقساط ولا اضطراب له
من جهة انتفاعه بكثرة الاقساط من‏ناحية معامليه.
وكذا ما قيل: من ان القمار يوجب التضرر نوعا في احد
الطرفين، بخلاف التامين، فان الاقساط المؤداة تكون
من‏مخارج المعيشة وليست بضرر على المؤمن له، كما ان
المؤمن ليس متضررا باداء الخسارات، لان الخسارات لاتكون
عامة بالنسبة الى جميع الافراد الذين يدفعون الاقساط.
الى غير ذلك من اللوازم.
وكيف كان، فلا اشكال ولا شبهة في ان عقد التامين مغاير
للقمار في الهوية والماهية، فلا تغفل.
ومنها: ان عقد التامين لا يخلو من الربا، فان في التامين على
الحياة ربما يرد المؤمن الى المؤمن له اكثر مما اخذه،وهو ليس
الا الربا. بل يلزم الربا ايضا في سائر التامينات اذا اخذ المؤمن له
من المؤمن عند وقوع الحادثة اكثر ممااعطاه للمؤمن، وهكذا
ما ياخذه المؤمن في قبال تاخير الاقساط يكون من
الربا((102)).
هذا، مضافا الى ما قيل: من ان شركة التامين تتعامل بمعاملات
ربوية بالوجوه الماخوذة. ومن المعلوم ان‏خلوالعقد من الربا من
شرائط الصح ة، مضافا الى كون الربا عملا محرما بنفسه، بل
الاعانة عليه في المعاملات‏الربوية محرمة.
وقد حكي عن الشيخ حسين الحلي ان التامين على الحياة في
بعض انواعه ربوي، كما اذا قامت الشركة بدفع فوائدسنوية او
شهرية اضافة الى مبلغ التامين المتفق على تسليمه الى طالب
التامين عند حدوث الخطر، لان هذا النوع‏من المعاملات منزل
على القرض الربوي، حيث يكون دفع المال من قبل المؤمن له
والذي هو طالب التامين آقرضا الى الشركة، وتكون دفع
الفوائد انما هي في قبال المال الذي اقرضه الى
الشركة((103)).
ولعل وجه توهم القرض ان مع حياة المؤمن له لا ترد خسارة
حتى يعطيها المؤمن، فيرجع عقد التامين الى‏ان‏الاقساط تكون
قروضا في الحقيقة،فاعطاء الزائد عم ا اخذه يكون ربا في
القرض، وهو محرم.
يمكن ان يقال: ان حق التامين ليس قرضا او وديعة في
التامينات مطلقا، بل هو عوض تضمين المؤمن وتامينه،وعليه
فما زاد ليس ربا ولو كان ما يعطيه المؤمن ازيد مما اخذ، من
دون فرق بين ان يشترط في ضمن العقد هذه‏الزيادة او لا
يشترط، ومن دون فرق بين ان يكون التامين تامينا على الحياة
وغيره، لان طرف العقد هو التعهد لااعطاء الخسارة، ومع وجود
طرف العقد لا ترجع الاقساط الى القروض، بل هي في مقابل
التعهد ولو لم تقع حادثة،كما اذا مضت مدة التامين على الحياة
ولم يمت المؤمن له. هذا مضافا الى عروض آثار التقدم في
العمر كضعف‏الحواس والقوى ونحوهما مع بقاء الحياة،
فالتدارك يقع بالنسبة الى هذه الفوائت، فلا وجه لارجاع
الاقساط الى‏القروض والاشكال فيه من جهة الربا.
قال سيدنا الامام المجاهد (قدس سره): «لو التزم المؤمن بدفع
اضافة على مبلغ التامين فالظاهر انه لا باس به،كمن امن على
حياته عند شركة التامين لمدة معلومة على مبلغ معلوم،
واستوفت الشركة اقساطا شهرية مقدرة‏في قبال التامين،
وتلتزم الشركة بدفع مبلغ اضافة على مبلغ التامين ترغيبا لاهل
التامين، فان تلك الزيادة ليست‏من الربا القرضي، لعدم كون اداء
الاقساط قرضا، بل التامين معاملة مستقلة اشترط في ضمنها
ذلك، والشرط‏سائغ‏نافذ لازم العمل‏»((104)).
هذا، مضافا الى ما قيل: من انه مع تسليم كونها قرضا فالزيادة
الماخوذة تكون في قبال كسر القوة المالية في‏الاقساط
المذكورة من جهة طول المدة، كما حكي ذلك عن الشهيد
المطهري وبعض الاعلام في عصرنا هذا.
وفيه ما لا يخفى، فان الربا القرضي محرم، ومجرد كسر القوة
المالية لو كان موجبا لتجويز اخذ الزيادة لذهبوااليه في القرض،
مع انهم لم يفرقوا في حرمة الربا في القرض بين كسر القوة
المالية وعدمه، فتامل.
هذا، مضافا الى انه لو كان ذلك موجبا لتجويز اخذ الزيادة لزم
ان يقتصر فيه على مقدار الكسر لا ازيد منه.
ثم ان ما تاخذه الشركة في قبال تاخير الاقساط محرم لو كان
من جهة تاخير اداء الاقساط وملاحظة طول مدة‏الاداء، واما اذا
اشترط في عقد لازم‏ان يعط‏ي الغرامة عند تاخير الاداء فقد
يقال بصحة الشرط المذكور، لان‏الغرامة‏ليست ربا، فتدبر.
وستاتي ان شاء اللّه تعالى بقية الكلام في المقام السابع.
ومنها: ان التامين معاوضة على المعدوم، لعدم وجود الحوادث
والخسارات عند عقد التامين، والمعاوضة على‏المعدوم باطلة،
كما عن ابن تيمية.
وفيه: ان المعاوضة تقع بين الاقساط والتامين وتحمل
مسؤولية الضمان، ومن المعلوم ان التعهد امر موجودبالفعل في
الذمة من حين انعقاد العقد نظير وجود الكلي في الذمة، فكما
ان الكلي في الذمة له وجود بالفعل ولذاكان معتبرا في
المعاملات كذلك التعهد والتامين له وجود في ذمة المؤمن او
الشركة حين المعاملة، فلا تكون‏المعاوضة على المعدوم.
ويشهد له ايضا ان بيع الديون بالاعيان الخارجية بيع الموجود
الذمي لا المعدوم، ولوسلمنا عدم فعليته باعتبار اشتماله على
التدارك الاتي فهو ليس ادون من السلف، وهولا يكون ممنوعا،
مع انه‏عبارة عن بيع شي‏ء موصوف في الذمة بشي‏ء حاضر، ومن
المعلوم ان الشي‏ء الموصوف في الذمة لا يكون‏موجودا في
الخارج، ومع ذلك تصح المعاملة بشرط قبض راس المال قبل
التفرق.
وسبب هذا الاشتباه هو توهم ان المعاملة في التامين واقعة بين
الاقساط ونفس الحوادث، مع انك عرفت‏مراراان‏المعاملة واقعة
بين التعه د والاقساط، والتعهد موجود بالفعل في اعتبار الذمة.
ومنها: ان التامين بيع الدين بالدين، لان الاقساط كتدارك
الخسارات ليست نقدا وهو ممنوع، كما ورد في رواياتناان‏النبي
(ص) قال: «لا يباع الدين بالدين‏»((105))، وكما ورد في روايات
العامة من ان النبي (ص) «نهى عن بيع‏الكالئ بالكالئ‏»((106)).
وفيه: اولا: انه مخصوص بالبيع ولا يشمل المقام، لما عرفت من
انه عقد مستقل وليس ببيع.
وثانيا: ان المعوض في المقام وهو تحمل المسؤولية للضمان لا
يصدق عليه الدين، كما لا يصدق عليه الكالئ، فانه‏الدين
المؤجل، والنسيئة والتعهد امر فعلي غير مؤجل.
وثالثا: ان قوله (ص): «لا يباع الدين بالدين‏» لا يشمل ما صار
دينا بالعقد، لظهوره فيما اذا كان العوضان دينا قبل‏المعاملة
كما هو مقتضى تعلق الباء، لظهوره في وجوده مع قطع النظر
عن المعاوضة، والتامين على فرض تسليم‏كونه دينا يصير
دينا بنفس المعاوضة، وليس دينا مع قطع النظر عنها.
ورابعا كما قيل : ان حق التامين في بعض انواعه كتامين
الشخص الثالث او تامين الدية يؤخذ نقدا ولا يكون‏دينا، فلا
يشمله الحديث النبوي.
فتحصل الى حد الان: ان عقد التامين عقد مستقل تشمله
الاطلاقات والعمومات، والموانع المذكورة لا تصلح‏لفساده.
ومقتضى القاعدة هو لزوم عقد التامين بعد واجديته للاركان
والشروط وخلوه عن الموانع، الا اذا اشترط في متن‏العقد
اختيار الفسخ، كما يظهر من بعض الكتب المختصة بهذا
المجال ان عقد التامين من العقود اللازمة، الا عقدالتامين على
الحياة فانه لازم بالنسبة الى المؤمن وجائز بالنسبة الى المؤمن
له، فان له ان يمتنع من اداء اقساط‏التامين متى شاء ويستدعي
الفسخ((107)).
ثم لا يذهب عليك ان تعهد المؤمن لا يختص بزمان خاص من
ازمنة التامين، بل يعم جميعها بحيث يجب عليه‏تدارك
الخسارة في كل لحظة، ويترتب عليه ان ما يدفعه المؤمن له
يقع في قبال التعهد في جميع مدة عقد التامين،بمعنى ان كل
قسط يقع في قبال تعهد المؤمن في ذلك الزمان كما هو
المتعارف في التامينات، بناء على ما صرح به‏في بعض
كتبهم((108)).
فيترتب عليه انه لو لم يدم التعهد كما اذا فسخ كلاهما او
احدهما العقد لم يكن العقد باطلا من ابتداء عقد التامين،بل
هو صحيح بالنسبة الى ما مضى ويفسخ بالنسبة الى الباقي،
وعليه فتقسط الاقساط بحسب الازمان عند فسخ‏العقد.
نعم، لو كان عقد التامين مقيدا لجميع المدة فبان انه لم يكن
كذلك لعدم قدرته عليه فالعقد باطل من اول الامر،واستحق
اجرة المثل بالنسبة الى ما مضى، الا ان يتفقا على عدم
استحقاق شي‏ء في هذه الصورة، فتدبر.

احكام اللجوء والهجرة

الاستاذ الشيخ محمد هادي آل راضي

المراد بالهجرة في المصطلح الفقهي هو الهجرة الى بلد
الاسلام او العكس، ولا يوجد اصطلاح فقهي بعنوان اللجوءالا اننا
هنا نطلقه ونريد به نفس مفهوم الهجرة، فاللجوء الى بلد
الاسلام يساوق الهجرة اليه تقريبا، واللجوء الى بلدالكفر يعني
الهجرة من بلد الاسلام.
ومنه يظهر ان البحث يتفرع الى فرعين رئيسيين:
الفرع الاول: احكام الهجرة (اللجوء) الى بلد الاسلام.
الفرع الثاني: الهجرة من بلد الاسلام (اللجوء الى بلد الكفر).
والكلام فعلا في الفرع الاول.
لا شك ان اللجوء والهجرة نال اهتماما خاصا من جانب الشارع
المقدس بحيث ان عدد الايات القرآنية التي تناولت‏هذا
الموضوع وعالجته بشكل اوباخر قد وصل الى (21) آية معظمها
ورد في مقام الحث على الهجرة من بلد الكفروالترغيب فيها
وبيان الثواب المترتب عليها، وبعضها وارد في مقام بيان كيفية
التعامل مع المهاجرين وضرورة‏تهيئة وسائل العيش لهم. ولعل
السر في هذا الاهتمام يرجع الى ثلاثة امور على سبيل مانعة
الخلو:
احدها: حرص الشارع على توحيد الطاقات الايمانية التي يمكن
ان يستفاد منها في مختلف المجالات، فان بقاء هذه‏الطاقات
في دولة الكفر سواء استفيد منها هناك او بقيت معطلة
سوف يفوت على الشارع غرضه هذا.
الثاني: اهتمام الشارع المقدس بالفرائض الدينية والواجبات
الالهية وضرورة ممارستها من كل فرد وبشكل‏علني،
والمفروض ان بقاء الانسان المسلم في دولة الكفر يمنعه من
ذلك كليا او جزئيا.
الثالث: المنع من تاثير الجو العام الغير ايماني في بلد الكفر على
الانسان المسلم، حيث يعلم الشارع ان الانسان‏المسلم في بلد
الكفر سوف يتاثر ولو من حيث لا يعلم بالجو المحيط به،
ويتبع ذلك تاثر افراد عائلته ممايجعلهم يبتعدون عن الاجواء
الدينية، وبالتالي سوف ينشا جيل كامل يعيش بهذا الشكل.
والبحث في الفرع الاول ينقسم الى قسمين:
القسم الاول: الهجرة من بلد الكفر الى بلد الاسلام.
القسم الثاني: الهجرة من بلد يخشى فيه المسلم على دينه الى
بلد لايخشى فيه عليه ويستطيع ان يمارس فيه‏شعائره الدينية.
القسم الاول: اي الهجرة من بلد الكفر الى بلد الاسلام:
والكلام يقع في مقامين:
الاول في حكم المسلم الذي يعيش في بلد الكفر، والثاني في
حكم المسلم او الدولة الاسلامية تجاه المسلم‏المهاجر.
اما المقام الاول: فالمعروف فقهيا وجوب هذه الهجرة، فقد
افتى كثير من الفقهاء بعدم جواز البقاء في دولة الكفرولزوم
الهجرة منها الى بلد الاسلام.
قال الشيخ الطوسي في المبسوط: «واما الذي تلزمه الهجرة
وتجب عليه من كان قادرا على الهجرة، ولا يامن على‏نفسه من
المقام بين الكفار، ولا يتمكن من اظهار دينه بينهم، فيلزمه ان
يهاجر»((109)).
وقال ابن ادريس الحلي في السرائر: «وتجب الهجرة على كل
من قدر عليها، ولا يامن على نفسه من المقام بين‏الكفار، ولا
يتمكن من اظهار دينه بينهم، فيلزمه ان يهاجر. والهجرة باقية
ابدا ما دام الشرك قائما»((110)).
وقال في الشرائع كتاب الجهاد : «ويجب المهاجرة عن بلد
الشرك على من يضعف عن اظهار شعائر الاسلام مع‏المكنة.
والهجرة باقية ما دام الكفر باقيا»((111)).
قال في الجواهر تعليقا على كلام المحقق في الشرائع : «بلا
خلاف اجده فيه بين من تعرض له‏»((112)).
بل ادعي الاجماع في المسالة، كما يظهر من المحقق
الاردبيلي في شرح الارشاد وغيره((113)).
وقال الفخر الرازي تعليقا على الاية (56) من سورة العنكبوت:
«وبهذا علم ان الجلوس في دار الحرب حرام،والخروج منها
واجب حتى لو حلف بالطلاق انه لا يخرج لزمه
الخروج‏»((114)).
وهكذا ذكر غيره. راجع ابن العربي في احكام القرآن((115))
والقرطبي في تفسيره((116)) وغيرهما.
ويمكن الاستدلال على ذلك بالادلة الاربعة:
الكتاب الكريم:
اما الايات فهي:
1- قوله تعالى: (ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي انفسهم قالوا
فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا الم تكن ارض
اللّهواسعة فتهاجروا فيها فاولئك ماواهم جهنم وساءت
مصيرا)((117)) والاية الشريفة تتحدث عن حال الانسان
المسلم‏التارك للهجرة والذي يعيش مستضعفا في بلده لا
يستطيع ان يمارس بحرية شعائره الدينية. تتحدث عن حاله‏بعد
الموت حيث لا يقبل عذره في كونه مستضعفا ويخاطب بلسان
التوبيخ والتقريع على عدم الهجرة. وتدل الاية‏على الوجوب من
خلال عدة امور:
الاول قوله تعالى: (ظالمي انفسهم) فان التعبير عنهم بانهم
من‏الظالمين لانفسهم يدل على ارتكابهم اثما وذنبا به‏استحقوا
هذا الوصف، وليس ذلك الا ترك الهجرة والبقاء في دار الكفر.
والظاهر ان المراد بالظلم في الاية هو عدم‏اعطاء النفس حقها
في الالتزام بدين الفطرة الذي جبلت النفوس عليه، ومنعها من
ممارسة ما يريده الدين من‏وظائف وواجبات. ومن الواضح ان
ظلم الانسان لنفسه بهذا الشكل من المحرمات الاكيدة.
الثاني قوله تعالى: (الم تكن ارض اللّه واسعة فتهاجروا فيها)
حيث انها ظاهرة في ان الاستضعاف في بلد الكفر ليس‏مبررا
لظلم الانسان لنفسه ببعده عن الدين ومركزه، وان المفروض
في هذه الحالة هو الهجرة الى مكان لا يعاني‏فيه من هذا
الاستضعاف، فتكون ظاهرة في لزوم الهجرة ووجوبها بعد
الالتفات الى ان الاستفهام في هذه الفقرة‏للتوبيخ على ترك
الهجرة.
والحاصل: ان هذه الفقرة ظاهرة في ان الاستضعاف المدعى
ليس مبررا مقبولا لترك ما يتطلبه الدين من
وظائف‏والتزامات، وذلك لانه استضعاف ناشئ من اخلادهم الى
ارض الشرك، فهو ليس استضعافا مطلقا حيث كان‏بامكانهم
الخروج الى ارض اخرى لا يتسلط فيها المشركون، ويتمكنون
فيها من ممارسة واجباتهم كاملة،فبقاؤهم في ارض الشرك وما
يترتب عليه من عدم القيام بالوظائف الدينية امر اختياري
بالنسبة لهم، فاذا حصل‏والحال هذه استحقوا عليه اللوم
والتوبيخ، وهذا معناه حرمة البقاء ولزوم الهجرة.
الثالث قوله تعالى: (فاولئك ماواهم جهنم وساءت مصيرا)
ودلالتها على الوجوب وحرمة البقاء واضحة، بل تدل
الفقرة‏الاخيرة على كون ترك الهجرة من الكبائر بناء على ما هو
الصحيح من ان الميزان في الكبيرة هو ما توعد عليها
في‏الكتاب والسنة بالنار. ويؤيد ذلك بل قد يدل عليه قوله
تعالى في الايتين التي بعد هذه الاية (الا المستضعفين من
الرجال‏والنساء والولدان الذين لايستطيعون حيلة ولا يهتدون
سبيلا * فاولئك عسى اللّه ان يعفو عنهم وكان اللّه عفوا
غفورا)((118)) حيث‏تدل على ان المستضعفين بالرغم من
كونهم معذورين في ترك الهجرة الا انهم قد ارتكبوا ما يحتاج
الى مغفرة‏وعسى اللّه ان يغفر لهم ما ارتكبوه من الذنب
والمخالفة.
قال المحقق الكاظمي في مسالك الافهام: «ذكر بكلمة
الاطماع (عسى) ولفظة العفو ايذانا بان ترك الهجرة امر
خطيرحتى ان المضطر من حقه ان لا يامن، ويسال اللّه العفو
عنه ويترصد الفرصة، فكيف بغيره؟!»((119)).
مراجعة اسباب النزول:
قال الواحدي في اسباب النزول: «نزلت هذه الاية في ناس من
اهل مكة تكلموا بالاسلام ولم يهاجروا واظهرواالايمان واسروا
النفاق، فلما كان يوم بدر خرجوا مع المشركين الى حرب
المسلمين فقتلوا فضربت‏الملائكة‏وجوههم وادبارهم وقالوا لهم
ما ذكر اللّه سبحانه‏»((120)).
ثم اخرج بسنده عن ابن عباس انه قال بعد ذكر الاية: «كانوا
قوما من المسلمين بمكة فخرجوا في قوم من‏المشركين في
قتال فقتلوا معهم فنزلت هذه الاية‏»((121)).
وفي الدر المنثور نقلا عن ابن عباس قال: «كان قوم من اهل
مكة اسلموا، وكانوا يستخفون بالاسلام، فاخرجهم‏المشركون
معهم يوم بدر فاصيب بعضهم وقتل بعض فقال المسلمون: قد
كان اصحابنا هؤلاء مسلمين واكرهوافاستغفروا لهم فنزلت (ان
الذين توفاهم الملائكة)... الاية‏»((122)).
2- قوله تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا ان ارضي واسعة فاياي
فاعبدون * كل نفس ذائقة الموت ثم الينا
ترجعون)((123))المستفاد من الاية الشريفة توجيه الخطاب
الى المؤمنين بانه اذا تعذر عليكم عبادتي في مكان ما، فان
هناك اماكن‏اخرى يمكنكم عبادتي فيها، فعليكم ان تهاجروا
اليها لاداء وظائف العبودية. وهذا المعنى يستفاد من
مجموع‏امور:
الاول-‏ سياق الاية، فان الايات السابقة عليها تحدثت اولا عن
المؤمنين‏الذين تعرضوا لفتنة الكافرين، ثم تحدثت عن‏بعض
الانبياء وما عانوه من قومهم الكافرين، ثم تعرضت الى المؤمنين
الذين استضعفهم المشركون، وامرتهم‏بالصبر والتوكل على اللّه،
وان يهاجروا حتى يتمكنوا من عبادته سبحانه بشكل كامل.
الثاني-‏ قوله تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا) فانه ظاهر في ان
الخطاب موجه للمؤمنين.
الثالث-‏ قوله تعالى: (ان ارضي واسعة فاياي فاعبدون) معناه ان
الارض لا تنحصر في مكان معين، فان تعذر اخذ الدين‏والعمل
به في ناحية من نواحيها فهناك اماكن اخرى لا يتعذر فيها
ذلك، فلابد من الهجرة اليها لاداء وظائف‏العبودية، لان هذه
الوظائف ليست متعذرة على كل تقدير، بل متعذرة على تقدير
البقاء في ذلك المكان‏بالخصوص.
قال العلامة الطباطبائي: «ومحصل المعنى: ان ارضي واسعة،
ان امتنع عليكم عبادتي في ناحية منها تسعكم‏لعبادتي اخرى
منها، فاذا كان كذلك فاعبدوني وحدي ولا تعبدوا غيري، فان
لم يمكنكم عبادتي في قطعة منهافهاجروا الى غيرها واعبدوني
وحدي فيها»((124)).
وقال الفخر الرازي: «ان تعذرت العبادة عليكم في بعضها
فهاجروا ولا تتركوا عبادتي بحال‏»((125)).
وقال الطبرسي في مجمع البيان: «ثم بين سبحانه انه لا عذر
لعباده في ترك طاعته، فقال: (يا عبادي الذين آمنواان‏ارضي
واسعة) ببعد اقطارها، فاهربوا من ارض يمنعكم اهلها من
الايمان والاخلاص في عبادتي‏ ثم نقل عن الامام‏الصادق (ع)
قوله‏: «معناه اذا عصي اللّه في ارض انت فيها فاخرج منها الى
غيرها»((126)).
وهناك آيات تدل على مطلوبية الهجرة والحث عليها وان لم
تدل على الوجوب:
منها قوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل اللّه يجد في الارض
مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا الى
اللّهورسوله‏ثم‏يدركه الموت فقد وقع اجره على اللّه وكان اللّه
غفورا رحيما)((217)).
ودلالتها على الحث على الهجرة وترتب الثواب عليها واضحة.
ومنها قوله تعالى: (والذين هاجروا في اللّه من بعد ما ظلموا
لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولاجر الاخرة اكبر لو
كانوا يعلمون)((218)).
ومنها قوله تعالى: (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل
اللّه باموالهم وانفسهم اعظم درجة عند اللّه
واولئك‏هم‏الفائزون)((129)).
ومنها قوله تعالى: (والذين هاجروا في سبيل اللّه ثم قتلوا او
ماتوا ليرزقنهم اللّه رزقا حسنا وان اللّه لهو
خيرالرازقين)((130)).
السنة:
واما السنة فتدل على ما تقدم عدة روايات:
الاولى: الصحيحة التي رواها كل من الشيخ الكليني في الكافي،
والشيخ الطوسي في التهذيب والاستبصار، بطرق‏صحيحة، عن
محمد بن مسلم، عن ابي عبد اللّه (ع)، قال: سالت عن رجل
اجنب في سفر ولم يجد الا الثلج اوماءجامدا؟ فقال (ع): «هو
بمنزلة الضرورة يتيمم، ولا ارى ان يعود الى هذه الارض التي
توبق دينه‏»((131)).
وظاهر الصحيحة عدم جواز العود الى ارض توبق دينه اي
تهلكه‏وتضيعه حيث علل النهي عن العود اليهابكونها موبقة
لدينه، ومن الواضح ان المراد من ذلك التواجد في مكان يوبق
الدين اعم من ان يكون عودا اليه او بقاءفيه حيث لايفرق بينهما
جزما. وعليه فكما ان السفر الى هكذا مكان منهي عنه، كذلك
السكن والبقاء فيه.
ثم ان الصحيحة اعتبرت الارض التي لا يتمكن المكلف من
الغسل بالماء فيها موبقة للدين، مع انه لا يخرج عن كونه‏واجبا
من الواجبات التي لها بدل شرعا وهو التيمم، كما اشارت اليه
الرواية. ومنه يفهم ان كل ارض لايتمكن‏المكلف من اداء
وظائفه الدينية وواجباته الشرعية وان كان لها بدل، هي ارض
موبقة للدين شرعا لايجوز التواجدفيها، ويجب الهجرة منها الى
بلد يتمكن فيه من ذلك.
الثانية: صحيحة عبيد اللّه الحلبي التي رواها البرقي في
المحاسن بسند صحيح عن ابي عبد اللّه (ع)، قال: سالته
عن‏الرجل يجنب في الارض فلا يجدالا ماء جامدا ولا يخلص الى
الصعيد؟ قال: «يصلي بالمسح ثم لا يعود الى تلك‏الارض التي
يوبق فيها دينه‏»((132)).
والظاهر انها رواية اخرى غير ما تقدم وان كانت بمضمونها، ولا
موجب لاعتبارها رواية واحدة لها طرق متعددة‏كما فعل
صاحب الوسائل، وذلك‏لتعدد الراوي والسند والمتن، نعم روى
هذه الرواية الشيخ الصدوق في المقنع‏مرسلا((133))،
والاستدلال بها واضح كما تقدم.
الثالثة: صحيحة اخرى لمحمد بن مسلم رواها الشيخ في
التهذيب بسند صحيح عنه عن احدهما (ع): «انه سئل
عن‏الرجل يقيم بالبلاد الاشهر ليس فيها ماء من اجل المراعي
وصلاح الابل؟ قال: لا»((134)).
والاستدلال بها في المقام مبني على ان يكون الغرض من
النهي عن الاقامة في تلك البلاد هو عدم التمكن من‏الطهارة
المائية وضوءا وغسلا، لقلة الماء او لاحتياجه لسقي الابل.
وحينئذ يكون حالها حال الروايات السابقة من‏حيث الدلالة على
عدم جواز الاقامة في بلاد لا يتمكن فيها من الصلاة بالطهارة
المائية، وتدل بالاولوية على عدم‏جواز الاقامة في بلد الكفر اذا
استوجب ذلك ذهاب دينه، لعدم تمكنه من معرفة الاحكام
الشرعية او عدم تمكنه من‏العمل بها. نعم قد يحتمل ان يكون
الغرض من النهي عن الاقامة هو عدم التمكن من الطهارة من
الخبث بمعنى‏النظافة، وحينئذ لا علاقة لها بمحل الكلام، بل
تكون ارشادا الى ضرورة النظافة وحسنها.
الا ان هذا الاحتمال خلاف الظاهر كما فهمه الفقهاء (رضوان
اللّه عليهم) حيث ادرجوها في عداد الروايات الدالة
على‏الاحتمال الاول، فراجع.
واحتمل في البحار((135)) ان يكون قوله: «من اجل المراعي‏»
متعلقا بقوله: «ليس فيها ماء» اي لا ماء فيها لصلاح‏الابل ومرعاه،
فيكون النهي للاضرار بالابل واتلاف المال، وتكون ايضا اجنبية
عن محل الكلام.
الا انه لا يخفى بعد هذا الاحتمال ايضا، اذ لا معنى لمثل هذا
السؤال خصوصا من الامام (ع) الذي يسال عادة عن‏الاحكام
الشرعية والوظائف الدينية، فلاحظ.
الرابعة: ما رواه الشيخ الكليني في الكافي بسنده عن النبي
(ص) انه قال: «الا اني بري‏ء من كل مسلم نزل مع‏مشرك في
دار الحرب‏»((136)). والرواية‏ليس فيها خلل سندي الا من
جهة النوفلي الذي وثقه كثير من المحققين.نعم مورد الرواية
نزول المسلم مع المشرك الذي قد لايصدق على صورة بقاء
المسلم في مكانه بعد اسلامه مع‏المشرك، الا ان الظاهر شمول
الحكم له ايضا، للجزم بعدم الفرق بينهما، وهناك روايات اخرى
تدل على المطلب‏الاانها ضعيفة السند.
الاجماع:
واما الاجماع فالظاهر تماميته في المقام حيث لا اشكال ولا
خلاف في وجوب الهجرة كما تقدم.
واما المقام الثاني: اي حكم الفرد المسلم او الدولة الاسلامية
تجاه المسلم المهاجر.
فالظاهر من الادلة الاتية هو وجوب استقبالهم وتهيئة الاجواء
المناسبة لاستقرارهم ومشاركتهم المعيشة‏ومستلزمات الحياة
واعتبارهم جزءا من كيان الدولة الاسلامية دون فرق بينهم
وبين غيرهم في الحقوق‏والواجبات.
ويدل على ذلك عدة امور:
منها : قوله تعالى: (... والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من
ولايتهم من شي‏ء حتى يهاجروا وان استنصروكم في الدين
فعليكم‏النصر الا على قوم بينكم وبينهم ميثاق...)((137)).
هذا الخطاب في الاية موجه للمسلمين الذين هم في دار
الاسلام، ومضمون الاية هو ان المؤمنين الذين لم يهاجرواليس
بينكم وبينهم ولاية مطلقا، نعم لهم ولاية النصر فان طلبوا
منكم النصر وجب عليكم نصرهم، الا اذااستنصروكم على قوم
بينكم وبينهم معاهدة وميثاق فحينئذ لايجب عليكم نصرهم.
ومفهوم الاية ان هؤلاءالمؤمنين اذا هاجروا اليكم ثبتت بينكم
الولاية، اي نفس الولاية المنفية في حال عدم الهجرة. والظاهر
ان المراد بهاهنا الصداقة والمحبة والنصرة والقيام بشؤون
الاخرين كما يشير اليه قوله تعالى في نفس الاية: (والذين
آوواونصروا اولئك بعضهم اولياء بعض). وكذا قوله تعالى:
(والذين كفروا بعضهم اولياء بعض)((138)). ومنه قوله تعالى
ايضا (الاان اولياء اللّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)((139)).
وعليه يكون مفهوم الاية: ان المؤمنين اذا هاجروا اليكم
ثبتت‏الولاية بينكم وبينهم، ويترتب على ذلك الاهتمام بشانهم
ومعاونتهم ونصرتهم الى غير ذلك مما تستلزمه الولاية‏بهذا
المعنى.
ثم ان الاية الشريفة اكدت ذلك بقوله تعالى: (الا تفعلوه تكن
فتنة في الارض وفساد كبير)((140)).
فان معناها وكما ذكر ذلك المفسرون: ان لم تفعلوا ما امرتكم
به من الولاية بالنحو المذكور في الايات فسوف‏تحصل فتنة في
الارض وفساد عظيم.
ومنها: قوله تعالى: (والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا
معكم فاولئك منكم)((141)). ومفاد الاية ان الذين آمنوابعدكم
وهم في مكة ثم هاجروا اليكم واشتركوا معكم في الجهاد فهم
منكم ولا فرق بينهم وبين بقية المؤمنين،فتثبت لهم كافة
الحقوق الثابتة لغيرهم، وادنى هذه الحقوق اتاحة فرص العمل
لهم، واذا لم يمكن ذلك فلابد من‏اعطائهم من بيت المال ما
يقيم اودهم ويسد رمقهم، بل يستفاد من قوله (منكم) الحث
على اعتبارهم جزءا من‏الكيان الاسلامي لهم ما لهم وعليهم ما
عليهم.
والخطاب في الاية للمؤمنين المهاجرين والانصار كما يشير
اليه قوله تعالى في الاية التي قبلها (والذين آمنواوهاجروا
وجاهدوا في سبيل اللّه والذين آووا ونصروا اولئك هم المؤمنون
حقا لهم مغفرة ورزق كريم)((142)).
ومنها: قوله تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين اخرجوا من
ديارهم واموالهم يبتغون فضلا من اللّه ورضوانا وينصرون اللّه
ورسوله‏اولئك هم الصادقون)((143)). اي ان المهاجرين
المسلمين الفقراء الذين اخرجهم المشركون من ديارهم
وجردوهم من‏اموالهم لهم نصيب وحصة من اموال الفي‏ء الذي
اشار اليه قوله تعالى في الاية السابقة (ما افاء
اللّه على‏رسوله...)((144)) ولذا روي ان النبي (ص) قسم في‏ء
بني النضير بين المهاجرين((145)).
ومنها: قوله تعالى: (وان احد من المشركين استجارك فاجره
حتى يسمع كلام اللّه ثم ابلغه مامنه ذلك بانهم قوم
لايعلمون)((146)). ويمكن تقريب الاستدلال بها بنحوين:
احدهما: ان يقال: ان الاستجارة مفهوم يتطلب وجود ثلاثة
عناصر:مستجير ومستجار به ومستجار منه، والاول‏هو
المشرك، والثاني هو النبي (ص)، والثالث هو الجهة او الشخص
الذي يخشى منه المستجير ويشعر معه‏بالخطر يتهدده. وهذا
يستلزم تعدد المستجار به والمستجار منه، وعليه يكون معنى
الاية: ان المشرك اذا جاءك‏مستجيرا اي طالبا منك ان تامنه
من جهة او شخص يخاف منه وجب عليك توفير الامان له الى
ان ترتفع عنه‏اسباب الخوف والخطر المستدعية للاستجارة.
نعم اشارت الاية الى ضرورة استغلال الفرصة لمحاولة
هداية‏هذا المشرك وارشاده وذلك بعرض الدين واصوله عليه
عسى ان يدخل الايمان الى قلبه ويختار الاسلام بتمام‏الحرية.
وحينئذ تدل على المطلوب، باعتبار ان المشرك اذا جاء خائفا
وطلب الامان ووجب توفير الامان له، فمن‏باب اولى ان يثبت
ذلك في حق المؤمن اذا استجار بالمسلمين او الدولة
الاسلامية هاربا من ظلم الظالمين.
الا ان المفسرين قاطبة فسروا الاية بشكل ينافي هذا التقريب،
حيث افترضوا ان المشرك ليس خائفا من شخص اوجهة حينما
جاء مستجيرا بالنبي (ص)، وانما جاء طالبا الامان من القتل
الذي شرع في حق المشركين بقوله تعالى:(فاذا انسلخ الاشهر
الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم...)((147)).
وان غرضه من ذلك هو التعرف على الدين الجديد وسماع كلام
اللّه سبحانه، وحينئذ يكون الغرض من توفيرالامان له غرضا
تبليغيا صرفا يهدف الى نشر الدين في صفوف المشركين.
ولعل قوله تعالى (استجارك) بدل (استجار بك) اشارة الى
ذلك فان تعدي الفعل الى المفعول بنفسه كما في الاية
لايفيد الا طلب الامن من المخاطب فينسجم مع ما ذكره
المفسرون بخلاف تعدي الفعل بالباء فانه يفيد طلب
توفيرالحماية حينما يكون الشخص خائفا من جهة او شخص.
هذا وقد ذكر المفسرون سببا للنزول يؤيد ما ذكر.
التقريب الثاني: انه بناء على التفسير المعروف تدل الاية على ان
كل شخص يهاجر الى الدولة الاسلامية ويكون‏غرضه معرفة
الدين وتعاليمه واصوله او ان ذلك احد اهدافه فلابد من قبوله
وتوفير الامان له ان كان‏محتاجا الى‏ذلك لغرض تعليمه
وتزويده بما يحتاج من المعارف الاسلامية. وهذا المعنى
يستفاد بالاولوية، فان المشرك‏المهدور الدم اذا طلب الامان
من النبي (ص) لغرض الاطلاع على الدين واصوله ووجب
قبول طلبه وتوفير الامان له،فمن باب اولى ان يثبت هذا النوع
من التعامل مع المؤمن الذي يهاجر الى بلد الاسلام لنفس
الغرض.
ومنها: قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا اذا جاءكم المؤمنات
مهاجرات فامتحنوهن اللّه اعلم بايمانهن فان علمتموهن
مؤمنات فلاترجعوهن الى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون
لهن...)((148)).
فان الاية ظاهرة في وجوب قبول هجرة المؤمنات الى بلد
الاسلام وحرمة ارجاعهن الى بلد الكفر، وان الاصل في‏التعامل
مع المؤمنين المهاجرين هو ذلك، وانما اختص الحكم بالنساء
في ذلك الوقت باعتبار المعاهدة المعروفة‏والتي ادت الى ما
يعرف بصلح الحديبية، حيث نصت ان على المسلمين ان لا
يقبلوا المهاجرين من بلد الكفر الى بلدالاسلام كاستثناء من
القاعدة، ولذا حينما هاجرت بعض المسلمات من نساء
المشركين الى المدينة وطالب‏ازواجهن باستردادهن اجاب
النبي (ص) بان ما شرطوه في المعاهدة هو رد الرجال دون
النساء وامتنع عن‏ردهن((149)). نعم قد يتخيل ان السبب في
تحريم الارجاع هو حرمة الزوجة المسلمة على زوجها الكافر
لانقطاع‏علقة الزوجية بعد اسلام الزوجة كما اشير اليه في الاية
الشريفة (لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن) فلا دلالة في
الاية‏على حرمة ارجاع النساء المؤمنات اذا لم يكن لهن ازواج،
كما لا تدل على حرمة ارجاع الرجال المؤمنين اذاهاجروا.
والحاصل ان الاية ظاهرة في اختصاص هذا الحكم بالنساء ذوات
البعول فلا تشمل غيرهن.
وفيه ان صدر الاية مطلق يشمل كل النساء حتى من لم تكن
متزوجة منهن او كانت مطلقة، وذلك لصدق عنوان
(المؤمنات) على الجميع، ولذا لم يقل احد بارجاع غير
المتزوجات من النساء الى الكفار اذا هاجرن الى دار الاسلام،بل
قد روي في اسباب النزول شمول الحكم بعدم الارجاع لمن
كن كذلك. ومنه يظهر ان قوله تعالى (لا هن حل‏لهم...)ليس
عل ة للحكم يدور مدارها وجودا وعدما، وانما هو اشبه بالحكمة
حسب اصطلاحهم، بل يمكن ان يقال‏بشمول قوله تعالى (لا
هن حل لهم...) لكل النساء حتى غير ذات البعل، وذلك باعتبار
ان الغالب والمتعارف عدم بقاءالمراة بغير زوج خصوصا في
ذلك الزمان. ومن هنا كان ارجاع المهاجرات الى الكفار
مستلزما للتناكح المحرم‏بحسب الفرض، فالاية تشمل حتى غير
المتزوجات. فالمراد بقوله تعالى: (لا هن حل لهم...) اي للكفار
سواء كانواازواجا لهن ام لا، اي ان الاية ناظرة الى الزواج ابتداء
وبقاء، فالمراة اذا اسلمت حرمت على الكافر سواء كان زوجهاام
غيره. وعليه تكون الاية ظاهرة في حرمة ارجاع جميع النساء
المؤمنات اذا هاجرن الى بلد الاسلام. ويؤيد ذلك‏ما ذكره
المفسرون من ان النبي (ص) كان يعتذر عن امساك النساء
المهاجرات بان المعاهدة بينه وبين المشركين‏تشمل الرجال
دون النساء. نعم قوله تعالى (وآتوهم ما انفقوا)((150)) يختص
بالنساء المتزوجات لان‏المراد به ماانفق عليها من المهر كما
ذكره المفسرون الا ان هذا لايوجب تقييد اطلاق صدر الاية
بل يكون حكما ثابتا للنساءالمهاجرات على تقدير ان يكون لهن
ازواج فلاحظ.
هذا كله هو حكم المسالة بلحاظ العنوان الاولي، واما بلحاظ
العنوان الثانوي فقد يقال: ان وجود عدد هائل من‏المهاجرين
قد يؤدي الى ازمة اقتصادية او الى تضييع فرص العمل على
المسلمين في بلد الاسلام.
وعلى هذا الاساس يقال بتبديل الحكم الاولي الى حكم آخر
على طبق العنوان الثانوي.
وهذا الكلام غير صحيح وذلك:
اولا: انه انما يصح فيما اذا كان الحكم الاولي هو الاباحة
اللااقتضائية، فانه حينئذ اذا طرء على الفعل المباح عنوان‏ثانوي
يقتضي الالزام فسوف يؤثر في ذلك ويثبت الالزام، كالسفر اذا
امر به من تجب اطاعته فيكون واجبا،وكالقيام اذا تعنون بعنوان
الاهانة فيكون حراما، واما اذا كان الحكم الاولي حكما اقتضائيا
كالوجوب او الحرمة‏بل حتى الاباحة الاقتضائية فلا يصح فيها
هذا الكلام، وانما يدخل بعد طرو العنوان الثانوي المقتضي
للالزام آفي باب التزاحم، فلابد حينئذ من الترجيح بالاهمية
ونحوها.
ثانيا: ان المستفاد من الادلة انه لا فرق بين المسلم المهاجر
وبين غيره فاذا كان العنوان الثانوي يقتضي اخراج‏المهاجر فهو
يقتضي اخراج غيره بمعنى انه لا خصوصية للمسلم المهاجر
حتى يختص بهذا التزاحم.
وينبغي التنبيه على امور: