وتوهم معارضتها برواية معاوية بن وهب مدفوع. نعم، لو كان
للموات بالعارض مالك معروف ففي حكمه كلام،قال في
الشرائع: «وكل ارض جرى عليها ملك لمسلم فهي له او لورثته
بعده‏»((229))، وعن المسالك دعوى‏الاجماع عليه((230))،
وفي الجواهر دعوى عدم الخلاف فيه، قال: «بل ان لم يكن لها
مالك معروف كانت من‏مجهول المالك‏»((231))، انتهى.
بل صرحوا بان من شروط التملك بالاحياء: ان لا يكون عليها يد
لمسلم فان ذلك يمنع من مباشرة الاحياء لغيرالمتصرف، نعم
عن بعضهم ترك هذا الشرط معللا بان اليد ان لم ترجع الى احد
هذه الامور لا اثر لها، وظاهر هؤلاءبل صريح بعضهم عدم الفرق
بين ما كان ملكا بالشراء او العطية وشبههما وبين ما كان ملكا
بالاحياء، قال في‏الجواهر: «وعلى كل حال، فان ماتت بعد ان
كانت معمورة في يد مالكها، وعلم ان ملكه لها بالاحياء فضلا
عمن لم‏يعلم، وهو او وارثه معلوم، فالمحكي عن المبسوط
والمهذب والسرائر والجامع والتحرير والدروس وجامع‏المقاصد
انها باقية على ملكه او ملك وارثه، بل قيل: انه لم يعرف الخلاف
في ذلك قبل الفاضل في التذكرة، فانه‏حكي نحو مالك ملك
المحيي الثاني، ثم قال: لا باس بهذا القول عندي‏»((232)).
وكيف كان فقد استدل بهذا القول في المسالك على ما حكي
عنه: «بان هذه الارض اصلها مباح، فاذا تركها حتى‏عادت الى ما
كانت عليه صارت مباحة، كما لو اخذ من ماء دجلة ثم رده اليها،
وان العلة في تملك هذه الارض‏الاحياء والعمارة، فاذا زالت
العلة زال المعلول وهو الملك، فاذا احياها الثاني فقد اوجد
سبب الملك، فيثبت الملك له‏كما لو التقط شيئا ثم سقط من
يده وضاع عنه، ثم التقطه غيره فان الثاني يكون احق‏»((233)).
وفيه: ان القياس بماء دجلة قياس مع الفارق واجراء حكم العلة
والمعلول من المباحث العقلية الى الامور العرفية‏والشرعية في
غير محله، ولقد اجاد صاحب الجواهر حيث قال: «وانما ذكرهما
الفاضل في التذكرة دليلا لمالك‏على اصوله‏»((234))، واستدل
له ايضا بالعمومات نظير قوله (ص): «من احيى ارضا مواتا فهي
له‏» ورواية‏الكابلي((235)) وصحيح معاوية بن وهب: سمعت ابا
عبداللّه (ع) يقول: «ايما رجل اتى خربة بائرة فاستخرجهاوكرى
انهارها وعمرها فان عليه فيها الصدقة، فان كانت ارضا لرجل
قبله فغاب عنها وتركها فاخربها ثم جاء بعديطلبها، فان الارض
للّه ولمن عمرها»((236)).
وفيه: ان العمومات لا دلالة فيها على ذلك كما اعترف به في
الجواهر، خصوصا على ما استظهرناه، وقال (قدس‏سره): «بل
لعل ظاهر التمليك المستفاد من ظاهر اللام فيها عدم انقطاعه
بموتها بعد احيائها، كما هي قاعدة‏الاملاك ومقتضى
الاستصحاب الذي لا ينافيه سببية الاحياء للتمليك في الجملة،
اذ من المحتمل كونه سببا للابتداءوالاستدامة وان
ماتت‏»((237))، واما رواية الكابلي فقد عرفت ما في سندها
ودلالتها، وقد اعترف صاحب الجواهرباعراض ا لمشهور عنها،
واما صحيح معاوية بن وهب فالعمدة في الجواب عنه انها
معارضة بصحيح سليمان‏بن خالد، قال: سالت ابا عبداللّه (ع)
عن الرجل ياتي الارض الخربة فيستخرجها ويجري انهارها
ويعمرها ويزرعهاماذا عليه؟ قال: «الصدقة، قلت: فان كان يعرف
صاحبها؟ قال: فليؤد اليه حقه‏»((238)).
واما ما ناقش به في دلالتها صاحب الجواهر (قدس سره) من
احتمال كون المراد انها للاول الذي عمرها.
ففيه: انه مجرد احتمال خلاف الظاهر ولا يلائم قوله فيما بعد،
خصوصا مع عدم فرض السؤال فيه عن وجودشخص آخر
عمرها. واحتمال كون المراد من الحق في صحيح سليمان بن
خالد امرا غير رقبة الارض واجرتهاكاجرة العمل فيها بالتسطيح
واخراج مجاريها منها مثلا، مجرد احتمال لا قرينة عليه، بل
خلاف لظاهرها، اذالمفروض في السؤال: «فان كان يعرف
صاحبها» والظاهر من هذه العبارة هو المالك، وقد قرره في
الجواب على‏ذلك، وصرح فيه زائدا عليه باداء حقه اليه او رد
حقه، مضافا الى ان هذا الحمل مخالف للقواعد، اذ لا اجرة
لعمل‏المالك في ملكه حتى يقال: المراد من الحق في هذه
العبارة هي اجرة المثل.
فالحاصل: ان صحيحة معاوية بن وهب معارضة بهذه
الصحيحة، ولا جمع دلالي مقبول عند العرف، والتاويل‏فيهما
بالحمل على خلاف ظاهرها لا يكون حجة، فالقاعدة تقتضي
تساقطهما والرجوع الى مقتضى القواعدوالاصول، فقاعدة
الاملاك والاستصحاب تقتضيان بقاء الارض في ملك مالكها
الاول، وان لا تخرج بمجردطروالموتان على ملكه.
ولكن قد حاول الجمع بين الاخبار جماعة من الاصحاب، فعن
المسالك انه عن «المبسوط والمصنف في كتاب‏الجهاد:
والاكثر الى جواز احيائها، وصيرورة الثاني احق بها، لكن لا
يملكها بذلك بل عليه ان يؤدي طسقها الى‏الاول او وارثه، ولم
يفرقوا في ذلك بين المنتقلة بالاحياء وغيره من الاسباب
المملكة حيث يعرض لها الخراب،وتصير مواتا»((239)) انتهى.
وعن الدروس انه اوجب على المالك احد الامرين: «اما الاذن
لغيره او الانتفاع، فلو امتنع فللحاكم الاذن، وللمالك‏طسقها
على الماذون، فلو تعذر الحاكم فالظاهر جواز الاحياء مع
الامتناع من الامرين، وعليه طسقها»((240)).
وقبل هذا الجمع في المسالك على ما حكي قوله: «وفي قيود
الشهيد مراعاة لحق الملك وحق الاحياء، واما القول‏الاول ففيه:
اطراح الاخبار الصحيحة جملة، فكان ساقطا»((241)).
وفيه: ان هذا القول موجوب لطرح ظاهر الصحيحين كليهما،
وايضا موجب لطرح القواعد، وترك العمل بمقتضاهاومقتضى
الاصول كما عرفت سابقا.
واما قوله: «اما القول الاول، ففيه اطراح الاخبار الصحيحة
جملة‏» ففيه: ان رواية الكابلي مضافا الى انه لايصح‏الاستناد
اليها لما مر سابقا، لا يكون ظاهرها مقتضيا لهذا الجمع، فانها
تحكم باداء الخراج الى الامام لا الى‏مالكها الاول، وهذا القول
مخالف لظاهر هذه الرواية، كما انه مخالف لظاهر الصحيحتين
كما عرفت.
وقد يجمع بالتفصيل بين ما اذا انتقلت الارض بالاسباب
المملكة وبين ما اذا حصل الملك بالاحياء، ففي الاول لايزول
الملك بطرو الموتان، ولا يجوز لاحد ان يحييها بدون اذن
صاحبها. واما الثاني: فيزول الملك فيه بمجردحدوث الموتان،
واستشهد لهذا الجمع برواية الكابلي، لاختصاصها بالموات
بالعارض اذا تركها المحيي الاو ل‏واخربها فاخذها رجل من
المسلمين من بعده فعمرها واحياها فهو احق بها من الذي
تركها، وفيه ما عرفت من‏عدم صحة الاستناد اليها، وعدم كونها
شاهدة لهذا الجمع، بل هي بنفسها معارضة بهما لكون مفادها
عدم‏حصول الملك للمحيي بخلاف الصحيحتين.
حكم احياء الحريم: يشترط ان لا يكون الموات حريما لعامر
كالطريق والشرب وحريم البئر والعين والحائط،وادعي عدم
الخلاف فيه، بل عن التذكرة انه: «لا نعلم خلافا بين فقهاء
الامصار ان كل ما يتعلق بمصالح العامرمماتقدم‏او بمصالح
القرية كبنائها ومرعى ماشيتها ومحتطبها وطرقها ومسيل
مياهها لا يصح لاحد احياؤه، ولايملك بالاحياء، وكذا حريم
الابار والانهار والحائط والعيون وكل مملوك لا يجوز احياء ما
يتعلق‏بمصالحه‏»((242)) بل عن جامع المقاصد دعوى الاجماع
عليه، ويدل عليه‏معتبرة محمد بن عبد اللّه قال: سالت‏الرضا
(ع) عن الرجل تكون له الضيعة، وتكون لها حدود، تبلغ
حدودها عشرين ميلا (او اقل او اكثر)، ياتيه الرجل‏فيقول:
اعطني من مراعي ضيعتك واعطيك كذا وكذا درهما، فقال:
«اذا كانت الضيعة له فلا باس‏»((243))، وما في‏الجواهر من قوله
«صحيح احمد بن عبداللّه»((244)) كانه سهو، اذ ليس في
اصحاب الرضا (ع) من يسمى باحمد بن‏عبد اللّه ويروي عنه
احمد بن محمد بن ابي نصر.
وجه الدلالة انه يدل على جواز بيع المرعى وهو حريم، والرواية
وان لم يصرح فيها بالبيع الا ان الظاهر من قوله:«اعطني
واعطيك كذا وكذا» هو البيع. كما ان معتبرة ادريس بن زيد قد
صرح فيها بالبيع، قال: وقلت له: الرجل يبيع‏المراعي؟ فقال:
«اذا كانت الارض ارضه فلا باس‏»((245)).
كما عن الشيخ وابني البراج وحمزة وادريس وسعيد والفاضل
وولده وغيرهم القول به، بل في المسالك انه‏الاشهر.
فاذا ثبت جواز البيع يلزم منه كون الحريم ملكا لمالك العامر،
فلا يشمله روايات الاحياء، مضافا الى ان جوازالاحياء لا يوافق
القواعد، اذ لو جاز الاحياء لزم جواز ابطال الملك في العامر،
وهذا ضرر فاحش على المالك.
وقد يستدل عليه بما ورد في ثبوت الشفعة في الدار بالشركة
في الطريق المشترك المصرح فيها ببيعه منها.
كما يمكن ان يستدل عليه بما يدل على عدم ثبوت الشفعة في
الطريق، فانها تدل على جواز بيع الطريق، فتدل على‏كونه ملكا
فلا يشمله ادلة الاحياء.
وقد يدعى كونه محيى باعتبار ان احياء كل شي‏ء بحسب حاله،
خلافا لظاهر جماعة او صريحهم من عدم الملك،بل هي من
الحقوق لعدم حصول الاحياء الذي يملك به مثلها((246))، وان
ناقش فيه في الجواهر بقوله: «وفيه ماعرفت من منع عدم
حصول الاحياء الذي لا يعتبر فيه مباشرته كل جزء جزء، فان
عرصة الدار تملك ببناء الداردونها، ومنع توقف الملك على
الاحياء، بل يكفي فيه التبعية للمحيى، وتظهر الثمرة في بيعها
منفردة‏»((247)).
الا انه ليس كما ينبغي، اذ كفاية التبعية للمحيى في حصول
الملك لم يقم عليها دليل معتبر، وعدم اعتبار مباشرة‏الاحياء
كل جزء جزء مسلم، ولكن لا يلزم منه صدق الاحياء بالنسبة الى
كل جزء جزء، فانه لا يصدق للمحيى على‏قطعة مفروزة معطلة
في جانب المحياة او في وسطها بمجرد كونها متصلة بها.
واما كون احياء كل شي‏ء بحسب حاله، ففيه: انه خلاف المستفاد
من ظاهر ادلة الاحياء، فان الموات في نظر العرف‏هو الذي لا
ينتفع به لعطلته في مقابل العامر، وهما مختصان بالارضين ولا
يشملان الابنية والمساكن والدور،فالقياس بعرصة الدار مع
الفارق.
واما الروايات، فما ورد منها في المراعي انما يدل على حصول
الملك بالنسبة اليها تبعا للضيعة، ولكن كونها من‏الموات اول
الكلام. وما ورد منها في الطريق لا اطلاق فيها من هذه الجهة،
فانها مسوقة لبيان حكم آخر وهو ثبوت‏الشفعة في بعضها وعدم
ثبوت الشفعة في بعضها الاخر، مضافا الى ما في سند بعضها،
والاشكال في مفادبعضها من اثبات الشفعة في مورد كان
الشركاء اكثر من اثنين.
فالحاصل: انه لا دليل في البين يدل على كون حريم الموات
ملكا لمالك العامر ذي الحريم. نعم فيما مر من استلزام‏جواز
الاحياء جواز ابطال الملك في العامر على اهله غنى وكفاية، ولا
يحتاج الى تجشم اثبات الملك. هذا كله في‏حريم الملك.
واما حريم القرية واشباهها فما مضى من الادلة غير شاملة له، اذ
هي مختصة بحريم الملك، فلا شي‏ء يدل على‏تقييد المطلقات
بالنسبة اليه الا الاجماع او السيرة وهي في الجملة من
المسلمات، الا انه كما اعترف به في الجواهر:«ينبغي ان يعلم ان
السيرة المستمرة في سائر الاعصار والامصار تقتضي عدم
اجتناب بعض ما هو حريم للقرية‏مثلا، بل لعلها تقتضي في ابتداء
حدوث القرية ان لكل احد النزول قريب الاخر، وان اقتضى ذلك
بعدا في مرمى‏قمامته مثلا، كما اذا اتفق نزول احد في مرعى
ماشية البلد او القرية او محطبهم لم يكن عليه اعتراض بعد
استبعادنزول اهل البلد والقرية المتجاورين وحقوق بلدهم
وقريتهم خارج عنهم دفعة، فليس هو الا لما ذكرنا من
عدم‏التسلط على منع التنازل وان استلزم بعد بعض الحقوق،
والا لكان بين كل واحد او جماعة مسافة بعيدة، اللهم الاان‏يقال
بعدم العلم بالحال مع كون المدار على الضرر، واللّه
العالم‏»((248)) انتهى.
حد الطريق:
وكيف كان فقد اختلفوا في حد الطريق، فعن الشيخ والقاضي
والتقي‏والحلي ويحيى بن سعيد والفاضل في جملة‏من كتبه
وولده والشهيدين والكركي انه سبع اذرع، وعن الفاضل في
بعض كتبه ومحكي المقتصر خاصة انه‏خمس اذرع، وحكي عن
الفخر نسبته الى كثير، بل عن الحواشي والارشاد نسبته الى
الاكثر، وفي الشرائع: «وحدالطريق لمن ابتكر ما يحتاج اليه في
الارض المباحة خمس اذرع، وقيل: سبع اذرع، فالثاني يتباعد
هذاالمقدار»((249)).
ولكن استشكل فيه الجواهر، بان التحديد المزبور للاعم من
ذلك حتى لو اراد المحيي الاول ان يحيي بعد ما احياه‏اولا شيئا
آخر يحتاج معه الى الطريق او كان الاحياء من الاثنين مثلا
دفعة، بل ومن مباح كان يستطرق اولا، ولكن‏باحيائه يستعد
للاستطراق.
وبالجملة متى احتيج الى الطريق في الارض المباحة التي يراد
احياؤها فحده خمس او سبع وحكى عن النافع‏وصف الطريق
بالمبتكر واحتمل ارادته ما ذكره اخيرا من وضع طريق لما هو
معد للاستطراق لما يريد احيائه من‏الموات وان لم يكن هذا
الموات مستطرقا.
واستشكل فيه ايضا: بان الامر اعم من ذلك وحكى عن الرياض
تفسير المبتكر بالملك المحدث في المباح من‏الارض اذا تشاح
اهله فحده خمس اذرع.
واستشكل فيه ايضا: بان المسالة غير خاصة في صور التشاح، بل
لو اتفق المالكان على الاقل لم يجز لهم في‏الطريق
العام((250)).
وفيه: انه من اين كشف (قدس سره) كون التحديد المزبور
للاعم، اذ الذي يظهر من الاقوال ما عرفت مع
التقييدات‏الموجودة في عباراتهم، والذي يظهر من الروايات
ايضا ليس بذلك العموم، فان مستند القول الاول خبر مسمع
عن‏ابي عبداللّه (ع): «الطريق اذا تشاح عليه اهله فحده سبع
اذرع‏»((251)) ونحوه خبر السكوني((252)) والنبوي:
«اذااختلفتم في الطريق فاجعلوه سبع اذرع‏»((253))، كما ان
مستند الثاني رواية البقباق عن ابي عبداللّه (ع)، قال: اذاتشاح
قوم في طريق، فقال بعضهم: سبع اذرع، وقال بعضهم: اربع
اذرع، فقال ابو عبداللّه (ع): «لا بل خمس‏اذرع‏»((254))، مؤيدا
بموافقتها لاطلاق ادلة الاحياء، وبما عن المسالك من اصالة
البراءة من الزائد، والظاهر ارادة‏براءة ذمة المحيي الثاني عن
وجوب اجتناب ازيد من الخمس، وهذه الادلة كما ترى لا تعم
ما لو اراد المحيي الاول‏ان يحيي‏بعد ما احياه اولا شيئا آخر
يحتاج معه الى الطريق.
كما ان غير موارد التشاح خارجة عنها ايضا، نعم لا يلزم كون
التشاح في الطريق المشترك بين القطعتين، بل يمكن‏فرض
التشاح بين المحيي الثاني والاول، بان يقول الثاني مثلا:
يكفيك طريق مختص بارضك بمقدار خمس اذرع،وانا اريد
احياء ما زاد منها.
وبالجملة: لا دليل في البين يدل على مدعى الجواهر من انه
متى احتيج الى الطريق في الارض المباحة التي يراداحياؤها
فحده خمس او سبع.
واما وصف الطريق بالمبتكر على ما عن النافع فيحتمل ان
ينطبق عليه ما في الشرائع بان يراد بالموصول نفس‏الطريق،
ويمكن ان لا ينطبق عليه بان يكون المراد منه الارض المحياة،
وعلى كل حال لو كان المراد منه خصوص‏ما به يعد الموات
للاستطراق، ففيه: ان مفاد الادلة اوسع من ذلك.
وعلى كل حال نقول: ان لم يكن في البين اجماع ولو مركبا،
كما يظهر الترديد فيه من جامع المقاصد، موثقة
البقباق‏متعارضة مع خبر مسمع بن‏عبد الملك والسكوني
والنبوي، اذ العدد في مقام التحديد يكون له مفهوم،
فمقتضى‏ظاهر الاولى ان حد الطريق في صورة التشاح هو
خمس اذرع لا ازيد ولا انقص، ومقتضى ظاهر الطائفة الثانية
انه‏هو السبع بلا زيادة ولا نقصان.
وتنزيل الاولى على ما اذا لم تدع الحاجة الى ازيد من خمس ان
لم يلزم منه احداث قول ثالث، كما عن جامع‏المقاصد((255))،
وكذا حمل اختلاف الروايات على اختلاف الطرق، فان منها ما
يكفي فيه الخمس كطريق الاملاك،والتي‏لا تمر عليها القوافل
ونحوها غالبا، ومنها: ما يحتاج الى السبع، وقد يفرض احتياج
بعضها الى ازيد من السبع‏كالطريق التي يمر عليها الحاج
بالكنائس ونحوها فيجب مراعاة قدر الحاجة بالنسبة الى الزائد
على المقدار،اما النقصان عنه فلا كما عن المسالك((256))،
وحكي عن المفاتيح الميل اليه، وعن الكفاية نفى البعد عنه،
حمل على‏خلاف ظاهرها ولا شاهد له، وهذا في الحقيقة ليس
جمعا بينها، بل هو ترك للعمل بها ورفض للتعبد
بمقدارخاص‏للحريم ورجوع الى ما يحتاج اليه في الانتفاع
بالمحياة المعتبر في صدق الحريم عرفا الذي عرفت
خروجه‏عن المطلقات، ولذا صر ح في الجواهر بانه «كانه من
الاجتهاد في مقابل الادلة‏»((257)).
نعم، ما ذكره اخيرا من نفي النقصان انما هو اخذ بلازمهما، وهو
وان كان صحيحا على فرض وجود جمع عرفي‏بينهما وكذا لو
فرض التعارض بين الحجة واللا حجة‏لكن لا يصح في صورة
التعارض كما هو المفروض، اذ بعدسقوط المدلول المطابقي
عن الحجية فيهما لا يبقى في البين شي‏ء حتى يقال يلزم منه
كذا، كما لا يخفى.
ولذا قد استشكل عليه في الجواهر بقوله: «مضافا الى ما فيه من
منع عدم جواز النقصان مع فرض الانحصارفيهما، فان الحق
لهما. لكن في الدروس: لا فرق بين الطريق العام او ما يختص به
اهل قرى او قرية في ذلك، نعم لوانحصر اهل الطريق فاتفقوا
على اختصاره او تغييره امكن الجواز، والوجه المنع، لانه لا
ينفك عن مرور غيرهم‏ولو نادرا.
وفيه: ان الملك او الحق لهم دون غيرهم، والناس مسلطون
على اموالهم، نعم لا يجوز ذلك في الطريق العام فيلزموابه
اجمع مع التساوي، والا فالمحيي الثاني، بل ان لم يكن حاكم
يلزمه بذلك وجب على المكلفين من باب الحسبة،ولو ادى
نظر الحاكم الى تغييره او تبديله فالظاهر الجواز»((258))
انتهى.
فالحاصل: انه بالتعارض يسقط الطرفان عن الحجية، وتوهم
لزوم الرجوع الى مطلقات الباب مدفوع كما عرفت‏سابقا، اذ بعد
الاعتراف بعدم شمولها لملك الغير لا ينفع اصالة العموم فيها
لاثبات هذا الامر، فانه لو فرض دليل‏معتبر على ان مثل هذه
الارض باقية على ملك مالكها الاول لا يكون مقيدا او مخصصا
لهذه المطلقات، ولا تكون‏المطلقات معارضة له، فكذا
الاستصحاب‏لا مانع من جريانه فانه منقح للموضوع كما لا
يخفى، وقياس ما نحن فيه‏بالصحة على القول الاعمي فكما لا
يمنع الشك في كون الاقل صحيحا من التمسك بالمطلقات
ونفي اعتبار ماشك‏في اعتباره بها واثبات صح ة فاقده، فكذا
في مسالتنا هذه لا يمنع الشك في كون الارض ملكا للامام لا
يمنع من‏التمسك بالمطلقات واثبات ملكية الامام لها، قياس
مع الفارق، اذ الصحة‏ليست عنوانا متاصلا لامر انتزاعي، وهي‏في
الحقيقة عبارة عن انطباق الماتي به للمامور به، فكل ما كان
مامورا به يكون المنطبق عليه صحيحا، ولما كان‏مفاد
المطلقات او العمومات ان الاقل هو المامور به يكون المنطبق
عليه هو الصحيح لا محالة، اذ الانطباق وجداني‏لا يحتاج الى
دليل بخلاف ما نحن فيه، اذ ملكية الامام للارض ليست عنوانا
انتزاعيا عما يملك بالاحياء حتى‏يتصور فيه ما ذكر.
بقي الكلام في جواز الاحياء وان لم يحصل به الملك:
فنقول: مقتضى القواعد عدم الجواز ما لم ياذن به المالك،
فالموات كسائر الاموال في هذا الحكم، ومطلقات الاحياءلا تدل
على الجواز ولو قلنا بمقالة القوم، اذ قد مر سابقا انه بعد ما علم
من اعتبار اذن الامام وان نفس بيان هذاالحكم منهم: يدل على
تحققه ولا يحتاج الى صدور اذن خاص في كل مورد منهم، ولا
الى بيان آخر يدل على الاذن‏العام، اذا فرض في مورد لم يحصل
الملك بالاحياء فهو خارج عن حدود هذا الجواز فلا يشمله
الاذن المستفادتحققه من هذا البيان، فكيف بما لا يكون
مشمولا لموضوعها من اول الامر وان كان يصدق عليها الموات
كماعرفت.
واما الروايات الخاصة المتعرضة لحكم الموات بالعارض، فرواية
الكابلي((259)) منها وان دلت على الجواز الاانها لما كانت دالة
على عدم حصول الملك لاحد بالنسبة الى رقبة الارض فلا
تدل على عدم لزوم رعاية القواعد في‏المورد، بل تدل على جواز
التصرف فيها لعدم تملك احد لها غير الامام (ع) وهو المالك
لها، والتصرف فيها جائزباذن مالكها، فاذا لم يمكن الاخذ
بمفادها لا يمكن الاستناد اليها في الخروج عن القواعد.
وصحيحة معاوية بن وهب منها وان دلت على اذن عام بالنسبة
الى الموات بالعارض ايضا وانه يحصل الملك‏باحيائها، الا انه اذا
قلنا بان موردها ما اعرض عنه مالكها بملاحظة قوله (ع): «فان
كانت ارض لرجل قبله فغاب‏عنها وتركها فاخربها»((260)) فلا
تدل على جواز الخروج عن القواعد بالنسبة الى ما له مالك.
واما اذا قلنا بان موردها اعم من ذلك فانه لا تدل عبارة: «غاب
عنها وتركها» على الاعراض، بل هي مقدمة‏لطروالخراب عليها،
فمقتضى اطلاقها وان كان ذلك وان ه يجوز ولو لم ياذن به
المالك‏ومعارضة صحيحة‏سليمان بن خالد لها يمنعنا عن
الحكم بحصول الملك للمحيي الثاني، اذ المعارضة مختصة
بهذا الامر فقط، وامافي جواز الاحياء فلا تعارضها، بل هي
موافقة لها وتؤيدهاالا انه لما كان «فليؤد اليه حقه‏» مجملا لا
بيان فيه يبين‏المراد منها ويحتمل ان يكون المراد تحصيل
رضاه باي امر اتفقا عليه، فلا يسلم فيهما هذا المستفاد كي
نقول:نخرج بمقتضى هاتين الصحيحتين عن القواعد الدالة
على عدم جواز التصرف في ملك الغير.
هذا ولو قلنا بان المراد منه اداء حقه من حاصل الارض وانه غير
مجمل من هذه الجهة، فنقول: لا يشمل ما اذا منع‏المالك من
التصرف فيها بالاحياء، ففي صورة منع المالك تبقى القواعد
على حالها، ولا يجوز التصرف فيها، ولايحصل بالاحياء حق
للمحيي الثاني.
حريم البئر:
ففي المختلف عن ابن الجنيد((261)) انه لو كان بقرب المكان
الذي يريد الحافر حفر البئر فيه بئر عادية محفورة‏قبل الاسلام
وماؤها نابع يمكن شربه بالنزع له، فقد روي عن رسول‏اللّه (ص)
انه قال: «حريم البئر اذا كان حفر في‏الجاهلية خمسون ذراعا،
وان حفرت في اول الاسلام خمس وعشرون ذراعا»((262))
ثم قال [في المختلف‏حاكيا عن ابن الجنيد] : ولو كان البلاد
مما لا يسقى الماء فيها الا بالناضح كان حريم البئر قدر عمقها
ممرا له‏للناضح. وقد جاء في الحديث عن رسول‏اللّه (ص): «ان
حريم بئر الناضح ستون ذراعا»((263)) وقد يحتمل ان
ذلك‏قدر عمق الابار في تلك البلاد التي حكم بذلك
فيها((264)). وهو كما ترى اجنبي عن ذلك، بل في المسالك
حكى عن‏ابن الجنيد في الناضح ما سمعته ايضا، نعم هو محكي
عن الشافعي‏ثم قال [صاحب الجواهر]: «ودعوى انه‏المتجه
جمعا بين النصوص يدفعها عدم التكافؤ، وبعد تسليم الانتقال
الى الجمع المزبور وعدم الاحتياج الى‏الشاهد فلا محيص
حينئذ عما عليه الاصحاب المحتمل كون حكمة تعبد التقدير
فيه رفع النزاع الذي ربما يؤدي‏الى تلف النفوس وغيرها، ولولا
ذلك لامكن الجمع بوجوب الاقل واولوية الزائد او بغير ذلك، الا
ان ذلك بعد النص‏والفتوى لا وجه له، خصوصا بعد ظهور
حكمة التعبد الرافع للاختلاف‏»((265)).
اقول: الجمع الدلالي بين الروايتين لا يتوقف على التكافؤ، بل
هو موقوف على حجية كل واحدة منهما، وكون الجمع‏هنا
مقبولا بحيث لو عرضنا ذلك على العرف اذعن بان الظاهر
منهما هذا المعنى ولو بمعاضدة الشاهد،والذي يتوقف على
التكافؤ هو تساقط المتعارضين اللذين لا جمع بينهما، اذ مع
وجود المرجح في البين يكون‏الحجية لذي الترجيح، وايضا ما
عليه الاصحاب ليس جمعا بين الاخبار ولو بلا شاهد كي يرجح
على الجمع‏المدعى.
حريم العين:
وحريم العين الف ذراع في الارض الرخوة، وفي الصلبة
خمسمئة ذراع على ما في الشرائع((266))، والذي نقل‏حكاية
اجماع الفرقة واخبارهم عليه عن الخلاف، وعن التذكرة انه
عند علمائنا، وعن التنقيح: عليه «عمل‏الاصحاب‏»((267))،
وعن جامع المقاصد: «اطباق الاصحاب‏»((268)).
وفي خبر عقبة بن خالد برواية المشايخ الثلاثة له عن ابي
عبداللّه (ع) قال: «يكون بين البئرين اذا كانت ارضا
صلبة‏خمسمئة ذراع، وان كانت (ارضا) رخوة فالف
ذراع‏»((269))، وهو منجبر بما مر من فتاوى الاصحاب، ويجمع
به‏بين المطلقات المتخالفة، ففي مرسل حفص عن ابي عبداللّه
(ع): «يكون بين العينين الف ذراع‏»((270))، وفي خبرمسمع
عنه (ع): «قال رسول‏اللّه (ص): «وما بين العين الى العين
خمسمئة ذراع‏»((271))، وخبر السكوني عنه (ع):«وما بين
العين الى العين‏يعني القناة‏خمسمئة ذراع‏»((272)).
هذا، ونقل عن الاسكافي ان حد ذلك ان لا يضر الثاني بالاول،
وعن المختلف: نفي الباس عنه، وعن المسالك: انه‏الاظهر، وان
كان الاول اشهر، ومال اليه بعض اتباعه.
وربما يشهد له صحيح محمد بن الحسين: «قال: كتبت الى ابي
محمد (ع)، رجل كانت له قناة في قرية، فاراد رجل‏ان يحفر
قناة اخرى الى قرية له، كم يكون بينهما في البعد حتى لا تضر
احداهما بالاخرى في الارض اذا كانت‏صلبة او رخوة؟ فوقع
(ع): على حسب ان لا تضر احداهما بالاخرى ان
شاءاللّه»((273))، ونحوه خبر محمد بن علي‏بن محبوب قال:
«كتب رجل الى الفقيه (ع)...»((274))، وجهالة الكاتب لا تقدح
بعد نقل الثقة المكتوب اليه.
ويؤيده خبر عقبة بن خالد عن ابي عبداللّه (ع): «في رجل اتى
جبلا فشق فيه قناة (جرى ماؤها سنة، ثم ان رجلا اتى‏ذلك
الجبل فشق منه قناة اخرى) فذهبت قناة الاخر بماء قناة الاول،
قال: فقال: يتقاسمان بحقائب البئر ليلة ليلة،فينظر ايتهما
اضرت بصاحبتها، فان رايت الاخيرة اضرت الاولى
فلتعور»((275)).
وفي الوسائل: ورواه الصدوق باسناده عن عقبة بن خالد نحوه،
وزاد: «وقضى رسول اللّه (ص) بذلك، وقال: ان‏كانت الاولى
اخذت ماء الاخيرة لم يكن لصاحب الاخيرة على الاول
سبيل‏»((276)).
وفي خبر عقبة ايضا عن ابي عبداللّه (ع): «في رجل احتفر قناة
واتى لذلك سنة، ثم ان رجلا احتفر الى جانبها قناة،فقضى ان
يقاس الماء بحقائب (بجوانب) البئر ليلة هذه، وليلة هذه، فان
كانت الاخيرة اخذت ماء الاولى عورت‏الاخيرة، وان كانت
الاولى اخذت ماء الاخيرة لم يكن لصاحب الاخيرة على الاولى
شي‏ء»((277)).
ويؤيد ايضا بان الموجود في خبر المشهور البئر، وهو غير محل
النزاع، اذ النزاع في العين وفي الجواهر قواه،ولكن منعه عن
الميل اليه وجود الشهرة العظيمة والاجماع الجابران للاخبار
الاول سندا ودلالة، وقال: «مضافا الى‏غيرهما من القرائن على
ارادة العين من البئر التي قد تطلق عليها»((278)).
اقول: الطائفة الثانية مختصة بصورة معرفة ضرر احديهما
بالاخرى، وهذا امر يبحث عنه في المشتركات،وان‏ضرر اى هما
يمنع منه ولو تضرر به الاخر، واما التحديد الذي عليه الشهرة او
الاجماع فهو في مورد لم‏يحرزوقوع ضرر لهما ولو لاختلاف
اهل الخبرة في ذلك، ولكن بمقتضى روايات الباب ولو
بملاحظة انجبارها بماعرفت يجب مراعاته، وصاحب الجواهر
(قدس سره) وان احتمل هذا الامر الا انه استوحش من احداث
قول ثالث‏على وجه يكون مخالفا للاجماع، وانت جد خبير بان
احداث القول الثالث على الوجه المذكور كيف يمكن تحققه
مع‏سكوت الطرفين، ولم يعلم الاتفاق على عدم القول الثالث
من مجرد اطلاق كلامهم.
ثم ان صاحب الجواهر قد اعترف بان المقدار المذكور في
تحديد ا لحريم في العين بمعنى انه «يمنع من احداث
عين‏اخرى، واما احياء ما زاد على ما تحتاج اليه العين من نزح
ونحوه فلا مانع منه، اذ لا يضر((279))، ولا ادري ماالفرق بين
العين وبئر المعطن والناضح، واللّه العالم.
حريم الحائط:
وحريم الحائط في المباح مقدار مطرح ترابه وآلاته نظرا الى
امساس الحاجة اليه لو استهدم، وفي الجواهر: «بلاخلاف اجده
بل في التذكرة عندنا مشعرا بدعوى الاجماع عليه‏»((280))،
وفي الشرائع: «وقيل للدار مقدار مطرح‏ترابها ومصب مياهها
ومسلك الدخول والخروج‏»((281))، وزاد بعضهم مطرح
قمامتها ورمادها للمحيي. وعن‏المسالك((282)) وغيرها
نسبته الى المشهور.
ومن عدم اختيار قول في الشرائع يظهر التردد منه في
المسالة، بل عن المسالك وغيرها نسبة التصريح بعدم‏حريم لها
الى بعضهم.
وقال في الجواهر: «وان كنا لم نتحققه لاحد منا، وانما هو
لبعض الشافعية، ولعل وجهه عدم الدليل عليه، بل فعل‏الناس
في سائر البلدان على خلافه، لاستبعاد اتفاق احيائهم
دفعة‏»((283)).
وان استشكل عليه بقوله:
وفيه اولا: ان مثله جار في الحائط الذي اعترف بثبوت الحريم
له.
وثانيا: بعدم معلومية حال الواقع في البلدان الجاري في
الحيطان ايضا من التراضي او الاحياء دفعة او غير ذلك.
فالمتجه ثبوت الحريم لها الذي يرجع في اصل ثبوته ومقداره
الى العرف ولو بمراعاة قاعدة الضرر والضرار، فلايحتاج الى
دليل خاص، سيما بعد ما ورد من الحريم لما عرفت المشعر بان
ذلك حق لكل ما يحتاجه، ومنه ما ورد«ان حريم المسجد
اربعون ذراعا من كل ناحية، وحريم المؤمن في الصيف باع‏»
وروي: «عظم الذراع‏»((284)) و«حريم النخلة طول
سعفها»((285)).
اللهم الا ان يقال: ان ذلك كله يقتضي ثبوت الحريم لما احدثه
في المباح كالجدار والنخلة ونحوهما، لا مثل الدار التي‏مرجع
الحريم المفروض الى الساكن فيها لا نفسها، اذ ليس المراد
جدرانها التي لا اشكال في ثبوت الحريم لها،ضرورة كونها من
الحائط، بل المراد ما يكون من القمامة ونحوها التي تكون من
الساكن لا مما احدثه في المباح،ولعله لذا توقف المصنف فيه.
نعم، ينبغي على هذا تخصيص محل التوقف بالحريم لما يحتاج
اليه الساكن مما لا يعد من حقوق الدار، بخلاف ماكان كذلك
كالتراب الصائر منها ونحوه مما يرجع اليها.
على ان ما يحتاجه الساكن فيها راجع اليها ايضا نحو بئر
المعطن المحتاجة الى الحريم باعتبار الابل والماشية‏التي
تسقى منها، فتامل جيدا»((286)) انتهى.
وفيه: انه ان ثبت شهرة او اجماع او عدم الخلاف منا في المسالة
فهو، واما اذا لم يثبت ذلك وان نقل‏اذ ترددالشرائع فيه كاشف
عن عدم الثبوت‏فالفارق في الباب هو ذلك، والا لا فارق فيه
الا ذلك، اذ مجرد كون ذلك‏حريماللساكن لا للدار لا يوجب
الفرق، كما انه لا احتياج الى ارجاع حريم الساكن الى حريم
الدار.
كما ان ما نقله (قدس سره) عن الدروس وايد به نظره من ان:
«حريم القرية مطرح القمامة والتراب والوحل ومناخ‏الابل
ومرابض الخيل والنادي وملعب الصبيان ومسيل المياه ومرعى
الماشية ومحتطب اهلها مما جرت العادة‏بوصولهم اليه، وليس
لهم المنع فيما بعد من المرعى والمحتطب بحيث لا يطرقونه
الا نادرا ، ولا المنع مما لايضربهم مما يطرقونه، ولا يتقدر حريم
القرية بالصيحة من كل جانب، ولا فرق بين قرى المسلمين
واهل‏الذمة‏»((287)).
ليس لاجل انه يرجع الى حريم القرية وان كان كثيرا منه مما
يرجع الى الساكن، بل لان حريم القرية مما جرت به‏السيرة، واما
ما نحن فيه فلما نشاهد فعل الناس في سائر البلدان على
خلافه، كما اعترف به (قدس سره)، وان كنالم نعلم وجهه فلا
يثبت فيه سيرة كما ثبت في حريم القرية.
هذا، وعن المسالك في «المراد بمسلك الدخول والخروج
الطريق في الصوب الذي يفتح فيه الباب، لا بمعنى
امتدادالممر في قبالة الباب على امتداد الموات، بل ايصاله الى
الطريق السالك ولو بازورار وانعطاف، لان الحاجة‏تمس‏الى
ذلك‏»((288)).
وقال في الجواهر: «وهو معنى ما في جامع المقاصد قال: «ليس
المرادمن استحقاق الممر في قبالة الباب على‏امتداد الموات
بل يجوز لغيره احياؤها في قبالة الباب اذا ابقى له الممر، فان
احتاج الى ازورار وانعطاف جاز، لان‏الحاجة تمس الى ذلك،
ذكره في التذكرة. لكن ينبغي تقييده بما اذا لم يحصل ضرر
كثير عادة لاستدعائه افراط‏طول الطريق ونحوه‏»((289)).
واستشكل فيه بقوله: «قلت: قد يتوقف في احياء ذلك بعد فرض
اعتياد استطراقه الذي هو من الاحياء او بحكمه.ثم‏ان الظاهر
اعتبار التحديد المزبور فيه، لاطلاق الادلة، وان كان هو
للسلوك الى داره لا طريقا عاما»((290))انتهى.
وفيه: ان مجرد اعتياد استطراقه لا يوجب صدق اسم الطريق
عليه، فاذا لم يكن طريقا بل كان هو وسائر نقاط‏الموات على
سواء فلا موجب للحكم بالمنع او التوقف في الاحياء، كما انك
عرفت ما في التحديد بالخمس او السبع‏في السابق فلا نعيده.
وعلى اي حال، فكل ما ذكرنا مما له الحريم انما يثبت له اذا
ابتكر في الموات، اما ما يعمل في الاملاك المعمورة
فعن‏جماعة من العلماء انه لا حريم له، بل نقل((291)) الاعتراف
بعدم الخلاف فيه عن الشيخ وابني زهرة وادريس‏الاعتراف به،
بل عن الكفاية نسبته الى الاصحاب مشعرا بالاجماع عليه.
قال في الجواهر: «ولعله لقاعدة تسلط الناس على اموالهم
وغيرها، ولانها متعارضة باعتبار عدم اولوية احدهمامن الاخر
به، ولذا كان المشاهد في البلدان عدم الحريم لاحدهم وان
كان يمكن ان يكون لتساويهم في الاحياء اولغيره.
ومن هنا صرح في القواعد وغيرها بان لكل منهم التصرف في
ملكه بما شاء وان تضرر صاحبه، وانه لا ضمان‏عليه لو جعل ملكه
بيت حداد او قصار او حمام على خلاف العادة.
نعم، في التذكرة «هذا اذا احتاط واحكم الجدران بحيث يليق
بما يقصده، فان فعل ما يغلب على الظن فيه انه يؤدي‏الى خلل
في حيطان جاره فاظهر الوجهين عند الشافعية الجواز، وذلك
كما اذا يدق الشي‏ء في داره دقا عنيفا ينزعج‏منه الحيطان، او
حبس الماء في ملكه بحيث تنتشر منه النداوة الى حيطان
الجدار، ولو اتخذ داره مدبغة او حانوته‏مخبزة حيث لا يعتاد فان
قلنا لا يمنع في الصورة السابقة فهنا اولى، وان قلنا بالمنع فهنا
يحتمل عدمه، لان الضررمن حيث التاذي بالدخان والرائحة
الكريهة، وانه اهون، وكذا البحث في اطالة البناء ومنع الشمس
والقمر، والاقوى‏ان لارباب الاملاك التصرف في املاكهم كيف
شاؤوا، اذ لو حفر في ملكه بئر بالوعة وفسد بها ماء بئر الجار
لم‏يمنع منه ولا ضمان، ولكنه قد يكون فعل مكروها، وبه قال
الشافعي، وقال مالك: يمنع، فان فعل وتلف
شي‏ءضمنه‏»((292)).
وتبعه في الدروس والمسالك في جميع ذلك، لكن قال في
الاخير((293)): نعم له منع ما يضر بحائطه من البئروالشجر
ولو ببروز اصلها اليه والضرب المؤدي الى ضرر الحائط ونحو
ذلك‏»((294)).
واستظهر عن نسخة من جامع المقاصد تردد التذكرة في المنع
وصرح بحصول التردد في المسالة.
ونقل عن الكفاية قوله: «يشكل هذا الحكم في صورة تضرر الجار
تضررا فاحشا نظرا الى تضمن الاخبار نفي‏الضرر
والاضرار((295)) وهو الحديث المعمول به بين الخاصة والعامة
المستفيض بينهم، خصوصا ما تضمن‏الاخبار المذكورة من نفي
الضرر الواقع في ملك المضار»((296)).
ثم ناقش فيه بمعارضته بمثله من الحديث الدال على ثبوت
السلطنة على الاطلاق لرب المال، وهو ايضا معمول به‏بين
الفريقين، والتعارض بينهما تعارض العموم من وجه، والترجيح
للثاني بعمل الاصحاب كما اعترف به، ولاسيما اذا استلزم منع
المالك عن التصرف ضررا عليه اشد من ضرر الجار او مساويا او
اقل بحيث لم يتفاحش‏معه ضرره.
ثم قال: «بل في الرياض «وينبغي القطع في هذه الصورة بما
عليه الاصحاب: قال‏: واما فيما عداها فالظاهرايضاذلك، لما
ذكر وان كان الاحوط عدم الاضرار على الاطلاق، واما الاخبار
الدالة على نفي الاضرار في ملك‏المضارفمع قصور سند
بعضها وعدم مكافئته لما مضى‏يمكن حملها على ما اذا قصد
المالك بالتصرف‏الاضرار دون دفع الحاجة، كما يشعر به بعض
تلك الاخبار((297)) ثم على تقدير تسليم ترجيح نفي الضرر
فلاوجه لتخصيصه بصورة تفاحش الضرر مع عمومه وشموله
للغير» ((298))» ((299)) انتهى.
اقول: الذي يظهر من كلام الاصحاب في المسالة ان الاختلاف
فيها من حيث الحكم بالجواز من بعض والمنع من‏آخر، بل من
حيث الحكم بالجواز في تصرف، والمنع عن مشابهه من شخص
واحد متحقق على وجه يطمان به عدم‏وجود الاجماع في
المسالة كما اعترف به في الجواهر، قال: وبالجملة فالغرض ان
المسالة لم يكن فيها اجماع‏محقق على جهة الاطلاق وجعل
المدار في الحكم بالمنع والجواز كون التصرف في ماله على
وجه يترتب عليه‏الضرر في مال الغير بتوليدية فعله، بحيث
يكون له فعل وتصرف في مال الغير واتلاف له يتولد من فعله
فعل في‏مال الغير، وعدمه كما اذا كان تصرفه في ماله لا توليد
فيه على الوجه المزبور وان حصل الضرر مقارنالذلك((300)).
اقول: لم يظهر لي وجه لما افاد (قدس سره) من التفصيل بين
الموارد والحكم بالمنع فيما اذا كان التصرف في ماله‏على وجه
يترتب عليه الضرر في مال الغير بتوليدية فعله بحيث يكون له
فعل وتصرف في مال الغير واتلافه له،وعدم المنع فيما اذا كان
تصرفه في ماله لا توليد فيه على الوجه المزبور وان حصل
الضرر فيه، فانه لو كان المرادان التصرف في مال الغير واتلافه
لا يجوز فهذا امر مسلم لا يشك فيه احد، ولا يدور مدار الضرر
بل دائر مداررضا المالك وعدمه، وان كان المراد منه ان يكون
التصرف في ماله على وجه يوجب صدق اسناد ايقاع الضرر
اليه‏فهذا ايضا ليس دائرا مدار توليدية فعله، والذي يمكن ان
يقال: انه بعد مفروغية حرمة الاضرار بالغير يتوجه‏النهي الى
المتصرف في كل مورد يصح استناد الاضرار فيه اليه عرفا، بل
ولا يحتاج‏في ذلك الى تحقق فعل‏وتصرف من المالك في
ملكه، فاذا صح الاستناد المزبور ولو مع ترك الفعل راسا يتوجه
النهي اليه ايضا كما في‏موارد الاضرار بالنفس.
وبالجملة: لما كان الضرر من الافعال التوليدية، فكما يمكن ان
يتولد من فعل التصرف يمكن ان يتولد من ترك‏الفعل، فكلما
يتولد الضرر يصح استناده الى الفاعل او التارك يتوجه النهي
اليه، ولو كان كلام في بعض المصاديق‏لكان اما من جهة الكلام
في حرمة مثل هذا الضرر على الغير فيما له، او من جهة صدق
استناد الضرر اليه، واماالضرر على مال افسد، فلما لم يدل على
حرمته بعنوانه دليل نقلي ولا عقلي لا يصح ملاحظة التعارض
او ترجيح‏اقل الضررين في هذا المجال، اذ الذي يحرم هو الضرر
على الغير، نعم فيما لو دار الامر بين ايقاع الضرر على‏الغير
بالتصرف في ملكه والحرج على نفسه عند الترك لا يحرم
الضرر على الغير بلحاظ حكومة دليل نفي‏الحرج‏على ادلة
الاحكام الاولية، ومنها هذا الحكم.
هذا كله بناء على عدم استفادة قاعدة لا ضرر من الروايات
الواردة في الحاكمية، لقول النبي (ص) او قضائه اوحكمه،
واضح. واما اذا قلنا بمقالة القوم فقد يستشكل بان هذه القاعدة
كما تكون حاكمة على جواز التصرف في‏ملكه تكون حاكمة
على لزوم ترك هذا الاضرار بالغير.
وقد يجاب: بانه لا يعقل ان يتكفل دليل نفي نفسه او مصاديقه،
فقوله: «لا ضرر ولا ضرار» انشاء لنفي الاحكام‏الضررية على
مسلكهم، فهذا الانشاء لا يمكن ان ينفي نفس لا ضرر، فيكون
الدليل النافي نافيا لنفسه ومثبتا لذاته‏او مصاديقه التي هي هو.
فرع:
لو احيا ارضا وغرس في جانبها غرسا تبرز اغصانها الى المباح او
تسري عروقه اليه لم يكن لغيره احياؤه ولوحاول الاحياء كان
للغارس منعه، لانه من الحريم التابع للملك الذي يرجع فيه
الى العرف.
ويشهد له رواية الصفار عن العسكري (ع)، «في رجل باع بستانا
له فيه شجر وكرم فاستثنى شجرة منها هل له‏ممر الى البستان
الى موضع شجرته التي استثناها، وكم لهذه الشجرة التي
استثناها الى حولها بقدر اغصانها اوبقدر موضعها الذي هي ثابتة
فيه؟ فوقع: له من ذلك على حسب ما باع وامسك، فلا يتعدى
الحق في ذلك ان شاءاللّه»((301)).
ورواية السكوني عن ابي عبداللّه (ع)، قال: «قضى النبي (ص)
في رجل باع نخلا واستثنى غلة نخلات، فقضى له‏رسول اللّه
(ص) بالمدخل اليها والمخرج منها ومدى جرائدها»((302))،
فانهما لا تدلان الا على استحقاق مالك‏الشجرة والنخلات،
واختصاصه بمقدار يحتاج اليه في اصلاحها وقطف ثمرتها
واشباهها، وذلك وان ورد في غيرالموات الا ان تقرير الامام (ع)
لما ارتكز في ذهن الراوي شاهد على ان ذلك لحكم العرف به،
مضافا الى مرسلة‏الصدوق، ورواية((303)) عقبة بن
خالد((304))، فانهما مطلقتان وتدلان بالاطلاق على
المطلوب، ومصرحتان بان‏ذلك من الحريم والحقوق، والظاهر
انه ثابت للغرس الذي لم يكن بعد برزت اغصانه او سرت عروقه،
ولااختصاص بما برزت او سرت بالفعل، والاستعداد كاف في
ذلك.
واما لو اعد الارض للغرس وهياها له او غرس جملة منها، فهل
يكفي ذلك في ثبوت الحريم للغرس الذي بعد لم‏يغرس او
يبقى على اصل الموات، ففيه على ما في الجواهر وجهان، قال:
«اولهما لا يخلو من قوة واللّهالعالم‏»((305)) وقال قبل ذلك:
«نعم، ظاهر المصنف وغيره ثبوت الحريم المزبور
للغرس‏»((306)).
اقول: ما الدليل على قوة ما اختاره (قدس سره)، اذ الروايات لا
تدل على ازيد من ثبوت ذلك للشجرة والنخلات‏والنخلتان
والنخلة، وهذه الالفاظ ظاهرة في الموجود منها، وحكم العرف
على ازيد من ذلك لم يثبت، فما ظهر ممن‏اعتبر الغرس في
ذلك كالمصنف وغيره هو الحق.
حكم احياء المشعر:
يشترط في حصول الملك بالاحياء، ان لا يسميه الشرع مشعرا
للعبادة كعرفة ومنى والمشعر وغير ذلك من‏الاماكن المشرفة
والمواضع المحترمة التي جعلها اللّه تعالى مناسك للعبادة، قال
في الجواهر: «فهي في الحقيقة‏ليست من الموات الذي هو
بمعنى المعطل عن الانتفاع فضلا عن وضع يد سائر المسلمين
عليها وتعلق حقوقهم‏بها، بل هي اعظم من الوقف الذى يتعلق
به حق الموقوف عليهم بجريان الصيغة من الواقف‏»((307)).
اقول: انكار صدق الموات عرفا على اراضي المشعر وعرفات
ومنى مكابرة واضحة، ومجرد تعينها لانتفاع‏المسلمين بمثل
تلك الانتفاعات او انتفاع المسلمين بها لو كان مخرجا لها عن
الموات فلا محالة يلزمه صدق‏المحياة عليها، وذلك خلاف
الوجدان.
وقياسها على الوقف مع الفارق، اذ الموات من الاوقاف من
مصاديق الموات بالعارض، وقد تقدم سابقا ان من‏شروط
التملك بالاحياء ان لا يكون عليها يد او لا يكون لها مالك
معروف، وليس المانع فيها تعلق حق الموقوف‏عليهم بها، اذ
المانع قد حصل قبل ان يتعلق بها حق لهم، واما وضع يد سائر
المسلمين عليها وتعلق حقوقهم بهافمما لا يمكننا التصديق
به، اذ مجرد حكم الشارع وضعا او تكليفا على امر واقدام
المسلمين بامتثال التكليف اوالحكم لا يصيره متعلقا لحق
شرعي لهم كما في جواز التصرفات في المباحات.
واستدل في الشرائع على هذا الشرط بقوله: «فان الشرع دل
على اختصاصها موطنا للعبادة فالتعرض لتملكهاتفويت لتلك
المصلحة‏»((308))، انتهى.
فان ثبت تفويت المصلحة بتملكها فهو، واما لو لم يثبت كما قال
بعد ذلك: «اما لو عمر فيها مالا يضر ولا يؤدي الى‏ضيقها عما
يحتاج اليه المتعبدون كاليسير لم امنع منه‏»((309))، وان قال
في الجواهر: «فمن الغريب ما وقع من‏المصنف بل كاد يكون
كالمنافي للضروري، بل فتح هذا الباب فيها يؤدي الى اخراجها
عن وضعها.
واغرب منه موافقة بعض من تاخر عنه على ذلك بتخيل ان
المنع من جهة مزاحمة الناسكين، فمع فرض عدمهاكاليسير
يتجه الجواز حينئذ لانتفاء العلة المزبورة، وفيه ما لا يخفى بعد
ما ذكرناه.
واعجب من ذلك تفريعهم على التقدير المزبور الذي هو معلوم
الفساد انه هل يجوز للناسك الوقوف بها مع عدم‏الاذن او مع
النهي او لا يجوز مطلقا او مع وجود غيره من المكان بخلاف ما
لو تضيق؟ مع ان القول بالملك يابى‏القول بالجواز مطلقا الا ان
يجعله مراعى بعدم الاضرار، فيتجه التفصيل حينئذ، الا ان
ذلك كله كما ترى لا ينبغي ان‏يسطر، واللّه العالم‏»((310)).
[وكذا اشترطوا ان لا يكون مما اقطعه امام الاصل...
وايضا ان لا يسبق اليه سابق بالتحجير... والتحجير: هو ان
ينصب عليها المروز او يحوطها بحائط...]((311)).
واحتمال كون ذلك كله من الشروع في الاحياء كما في بعض
كتب الشافعية على ما حكي‏بل قد يقال: انه مقتضى‏ما سمعته
من الفاضل في القواعدكما ترى، وان كان الحكم فيها بتحقق
الاولوية موافقا لما سمعته من تحققهابالسبق المتحقق بنصب
العلامة المزبورة مع احتمال القول بان الاصل عدم ثبوت
الاولوية المقتصر في الخروج‏منه على المتيقن وهو التحجير
بمعنى الشروع في الاحياء وفعل اثر من آثاره، وبعض الامثلة
المذكورة من بعض‏ان لم تحمل على الاشتباه من الذاكر لها
بانها من الشروع في الاحياء يمكن حملها على الموات تكون هي
اثرا من‏آثاره على ما قواه في الجواهر بقوله: «ولعل هذا لا يخلو
من قوة‏»((312)).
ولكنك خبير بعدم امكان حمل بعضها على ذلك، فاي موات
يحتمل كون مجرد تشخيص الحدود فيه من الشروع‏في
الاحياء.
والحق ان يقال:بعد الاعتراف بعدم وجدان نص يشتمل على
لفظ التحجير كي نبحث عن سعة نطاق معناه ومدى‏دلالته‏ان
ما يمكن ان يسند اليه هو قضاوة العرف في امثال المقام بان
للسابق احقية لا تصلح لمعارضته في‏ذلك.
«وعلى كل حال، فلا اشكال في عدم جواز بيعه لعدم حصول
الملك به بل ولا هبته، ولكن عن القواعد انه قال: «لم‏يصح على
اشكال‏»، وعن جامع المقاصد انه جوز نقله بالهبة كالصلح. وهما
معا كما ترى.