ومما ذكر يظهر ما في انكار مثل هذا النوع من التامين، كما
يظهر من المحكي عن الاستاذ الشهيد المطهري(قدس سره)
في جواب السائل القائل بنفي حقيقة التامين في التامين على
الحياة بشرط البقاء بان هذااشكال وارد ((39)).
اذ لا مانع من اجراء عقد التامين بين الشركة والمؤمن له، بانه لو
لم يمت المؤمن له في المدة المعينة كان‏على المؤمن ان
يعطيه مبلغا معينا حتى يتمكن من تدارك بعض ما يمكن ان
يتفق له في تلك المدة. ولا يلزم‏في ذلك العلم بوقوع الامور
المذكورة، بل يكفي مجرد امكان وقوعها في الاضطراب
وتحقق التامين فيه بمثل‏عقد التامين، كما لا يخفى.

31- لو ادى المؤمن له الاقساط دفعة واحدة في التامين على
الحياة بشرط البقاء، فلا اشكال فيه، الا مما يحكى‏عن الاستاذ
الشهيد المطهري (قدس سره) حيث قال: فيه اشكال من جهة
ان ماهيته ماهية ربوية، اذ في هذه‏الصورة يرجع مااداه المؤمن
له اليه بعد مضي المدة مع زيادة الربح، ومسالة التامين فيه
تكون تبعا لتلك‏المعاملة الربوية ((40)).
يمكن ان يقال: ان الاقساط لم تقع في عقد التامين في قبال
الماخوذ زائدا عليه بعد مضي المدة المعينة، بل هي‏في قبال
التامين في المدة المذكورة، فلا وجه لشبهة الربا ولو سلم
المعاوضة بين الاقساط والماخوذزائدا.
فلا فرق في مجي‏ء الشبهة في جميع الصور، اذ اداء الاقساط
دفعة او مرات لا يوجب تفاوتا في وجود هذه‏الشبهة وعدمها،
فان كانت المعاملة ربوية ففي جميع الصور تكون كذلك، وان
قلنا بعدم كونها ربوية لانهامن المعدودات لا الموزونات فلا
اشكال في جميع الصور. وايضا لا تكون الاقساط قرضا حتى
تكون الزيادة‏موجبة للربا، لانها كما عرفت وقعت في قبال
التامين او في قبال الماخوذ زائدا، فلا تغفل.

32- عرفت ان التامين على الحياة بشرط البقاء في مدة معينة
لا اشكال فيه، فيجب على المستامن اداءالاقساط، كما يجب
على المؤمن اعطاء ما توافقا عليه بعد مضي المدة المذكورة
وبقاء حياة المؤمن له.
واما اذا مات المؤمن له في المدة المذكورة فلا شي‏ء على
المؤمن بالنسبة الى ما توافقا عليه، فانه مشروط‏ببقاء المؤمن له
الى تمام المدة، وهو غير حاصل.
وانما يقع الكلام في انه هل يجب اداء الاقساط الباقية بعد
الموت الى اخر المدة ام لا يجب؟
يمكن ان يقال بوجوب اداء الاقساط الباقية، اذ لا يبطل عقد
التامين بموت المؤمن له، ومع عدم بطلانه لا وجه‏لعدم وجوبه،
كما ان الاجارة لا تبطل بموت المستاجر او بموت المؤجر بناء
على المشهور بين‏المتاخرين.
اللهم الا ان يقال ببطلان عقد التامين بموت المؤمن له بتوهم
انه لا يبقى موضوع للتامين مع موته، فمع‏بطلان عقد التامين
من حين الموت لا وجه لبقاء وجوب الاقساط الباقية.
ولكن يمكن الذب عنه: بان موضوع العقد هو الحياة بشرط
البقاء، وعروض الموت لا يوجب تخلف‏الموضوع، لانه من اول
الامر يكون مشروطا بالبقاء، ومعنى اشتراطه بالبقاء هو امكان
عدم بقاء الحياة قبل‏تمام المدة، فلا تخلف في الموضوع.
نعم، لو جعل نفس العقد مشروطا ببقاء الحياة في تمام المدة،
بطل العقد بعروض الموت، ومع بطلانه لا وجه‏لوجوب اداء
الاقساط الباقية.
ولا مجال لما حكي عن الاستاذ الشهيد المطهري (قدس سره)
من ان جعل العقد مشروطا ببقاء الحياة لا يصح،للزوم التعليق
فيه، مع ان التنجيز من شرائط صحة المعاملات، والتعليق
ينتهي الى الجهل في الاقساط،لعدم العلم بمدة البقاء على قيد
الحياة.
وهكذا لا تصح هبة الاقساط الباقية بشرط الموت، فان التعليق
في جميع المعاملات حتى الهبة والقرض آباطل. نعم، يصح
ان يهب الاقساط الباقية بعد الموت تنجيزا ((41)).
لان تعليق العقد لا دليل على بطلانه الا فيما قام الاجماع عليه
كالبيع، بل العقد التعليقي واقع، كالوصية‏والنذر والعهد.
ثم ان اشكال التعليق ليس من ناحية استلزامه للجهل كما
يظهر من كلام الشهيد المطهري (قدس سره)، بل‏اشكاله من
ناحية قيام الاجماع، وهو دليل لبي يقتصر على مورده.
هذا مضافا الى ان الجهل المذكور في غير البيع كعقد التامين
لا دليل على بطلانه. نعم لا تعليق في نفس‏العقد حتى يبطل
بعروض الموت.
ومما ذكر يظهر ايضا ان المنع عن الهبة التعليقية او القرض
التعليقي لا دليل له.
فتحصل: ان عقد التامين على الحياة لا يبطل بعروض الموت،
ولا اشكال في هبة الاقساط الباقية بعد الموت‏بشرط حدوث
الموت قبل مضي المدة المعينة في عقد التامين، كما لا اشكال
في هبة الاقساط الباقية بعدعروض الموت، فلا تغفل.

33- وقد تقرر في تامين الشخص الثالث انه لو تصادمت سيارة
المؤمن له مع سيارة اخرى، وكان التصادم‏المذكور موجبا
للضمان شرعا، كان على المؤمن تحمل الخسارة الواردة على
الغير بحسب ما توافقاعليه.
ولا اشكال فيه، وانما الكلام فيما اذا لم يكن التصادم موجبا
للضمان شرعا وانما يحكم العرف باخذ الضمان،فان هنا شبهة
كما افاد الاستاذ الشهيد المطهري (قدس سره) وهي انه هل
يصح عقد الضمان في هذه‏الموارد التي يكون اخذ الضمان
ظلما، او لا يصح؟ فاللازم ان يبحث عن الصحة وحدودها، وكم
نظيرا له في‏الفقه ((42)).
وفيه:
اولا: ان عقد التامين لا ينحصر في ذلك، بل يعم الضمان
الشرعي والعرفي.
وثانيا: انه اعانة للمظلوم في عدم ابتلائه بافسد من هذا، وليس
ذلك اعانة للظالم، فهل يكون اقراض‏المستقرض لدفع الظلم
اعانة على الظلم؟! والمقام يشبه القرض المذكور، فكما ان
الاقراض لنجاة المبتلى‏بالظلم احسان الى المظلوم لا اعانة
للظالم، فكذلك تامين المظلوم لئلا يقع في الشدة والمحنة
ليس‏الاالاحسان.
نعم، تامين الظالم فيما يريده من الظلم اعانة للظالم وحرام،
واخذ الاقساط فيه اكل المال بالباطل، لعدم‏صلاحية تامين
الظالم للمقابلة والمعاوضة شرعا.
ومما ذكر يظهر حكم نظائر المقام واشباهه، فلا تغفل.

التعدد والوحدة في الولاية والامرة

آية اللّه محمد مهدي الاصفي

     لم يتناول الفقهاء هذا البحث بشكل كامل، 
     تتبعي في حدود  لهذه المسالة،
     والطريق الى هذه الدراسة لم تعبد من ناحيتهم
     بصورة كافية، لذلك فاني اقدر انه لابد
     من العمل في هذه الدراسة من البدايات.

لا يختلف فقهاء اهل السنة في القول بوجوب توحيد الامرة
والولاية، واذا قام احد بالتصدي لامامة المسلمين‏مع قيام امام
عادل كفوء بامر الامامة من قبله، وجب على المسلمين منعه
ونهيه عن ذلك، وان لم يرتدع تجب‏مقاتلته حتى يكف عن هذا
الامر.
واما عند الشيعة الامامية، فالمسالة واضحة في عصر الحضور،
فلا يجوز لاحد ان يتصدى للامامة مع قيام‏الامام المعصوم، ولا
يصح قيام الامام المعصوم الا بعد وفاة الامام المعصوم الذي
سبقه.
والروايات في ذلك كثيرة، ولا نريد دخول هذا البحث، لانه
اشبه بابحاث الكلام منه الى الفقه.
اما في عصر غيبة الامام المعصوم، فلم تتفق كلمات الفقهاء
على امر واضح، ولم يبحث الفقهاء هذه المسالة‏بصورة واضحة
فيما اعلم.
وقبل ان ادخل في تفاصيل هذا البحث، اجد من الضروري
الاشارة الى ان الذي يهمني في هذه الدراسة البحث‏عن الحكم
الشرعي في هذه المسالة من ناحية العنوان الاولي.
وبعد الفراغ من دراسة الحكم الاولي سوف نتعرض خلال هذا
البحث الى الحكم الثانوي في هذه المسالة‏التابع للعناوين
الثانوية في ضوء الضرورات الدولية وضرورات المنطقة بعد
وضوح الحكم الاولي فيها،كي يتسنى لنا ان نقتصر في الخروج
عما يقتضيه الحكم الاولي الى الحكم الثانوي بمقدار
الضرورات‏المقدرة في العنوان الثانوي، ونعود الى الحكم الاولي
كلما انتفى العنوان الثانوي او شككنا في‏تحققه.

تحرير محل النزاع:
لهذه المسالة فروض غير واقعية يتحدث عن حكمها الفقهاء، ولا
نعتقد ان هذه الفروض قد وقعت في وقت‏مضى او انها ستقع
مستقبلا، من قبيل:
ان يتصدى شخصان للحكم في دائرة ادارية وسياسية واحدة،
كل منهما بالاستقلال عن الاخر.
او يتصدى شخصان للحكم في دائرة ادارية وسياسية واحدة،
كل منهما يتصدى لغير ما تصدى له الاخر.
او يتصديا في دائرة واحدة بشرط ان يكسب كل منهما موافقة
الاخر قبل اصدار الحكم واتخاذ القرار. وامثال‏ذلك من الفروض
النادرة والتي هي من سنخ الافتراضات النظرية.
وعليه، ارى من المفيد ان ابتعد عن الفروض النظرية العديدة
لهذه المسالة، وادخل مباشرة في البحث عن‏الحالة الوحيدة
التي حصلت كثيرا في التاريخ الاسلامي، ونقدر انها ستحدث
فيما بعد ايضا.
وهي ان يتصدى شخصان او اكثر للحكم في دوائر سياسية
وادارية عديدة من العالم الاسلامي، كل منهم‏يتصدى للحكم
بصورة مستقلة عن الاخر.
واول من دعا الى هذا النهج من التعددية في الحكم معاوية بن
ابي سفيان، فقد روى الطبري ان معاوية طلب‏من الامام (ع) ان
يستقل كل منهما في الحكم، هو في الشام والامام (ع) في
العراق، فقبل الامام (ع) منه ذلك((43)).
ونحن لا ننفي ذلك، لكننا ننفي بشكل جازم ان يكون الامام
(ع) قد وافق معاوية على ذلك.
وقد اتفق المؤرخون على ان الامام (ع) كان قد اعلن قبيل
شهادته عزمه على قتال معاوية، وانه يخرج بمن معه‏من اهل
بيته واصحابه الاقربين الى معاوية حتى لو لم يخرج معه احد
غيرهم، الا ان عبد الرحمان بن ملجم‏المرادي الخارجي لعنه
اللّه لم يمهل الامام (ع) وعاجله بالشهادة.
ومهما يكن من امر، فان معاوية كان اول من طرح هذا المشروع
السياسي... وقد حصل شي‏ء من هذا القبيل في‏بدايات الحكم
العباسي، حيث كان يحكم فيها بقايا بني امية في الاندلس، وبنو
العباس يحكمون العراق‏ومناطق واسعة من العالم الاسلامي،
ونقدر ان المستقبل السياسي للعالم الاسلامي يشهد احداثا من
هذاالقبيل.
وعليه، فان دراسة هذه المسالة بعد عودة الاسلام الى السيادة
والحكم والى الساحة السياسية حاجة‏حقيقية. وعلينا ان
نتناول هذه المسالة بصورة جدية، حتى نصل الى نتائج علمية
يمكن الاعتمادعليها.

اولا - الحكم الاولي
الادلة على نفي مشروعية التعددية:
نذكر في هذا البحث طائفة من الادلة على عدم مشروعية
التعددية في الامرة والولاية في العالم‏الاسلامي.
ولست ادعي ان هذه المجموعة من الادلة لا يمكن التشكيك
في بعضها او في جملة منها، الا اني ادعي عدم‏امكان التشكيك
في مجموع هذه الادلة.
وفيما يلي احاول ان استعرض هذه الادلة الواحد بعد الاخر،
واحاول ان اتجنب استخدام المصطلحات الفقهية‏المعقدة كلما
وجدت الى ذلك سبيلا، الا ان اضطر الى ذلك، فاوضحه بقدر
ما يسعني من‏التوضيح.
وسنتناول البحث اولا حسب ما تقتضيه الادلة الاجتهادية،
واخرى حسب ماتقتضيه الادلة الفقاهتية.

1- ما تقتضيه الادلة الاجتهادية:
الدليل الاول - الروايات:
الرواية الاولى: ما رواه الصدوق في علل الشرائع وعيون اخبار
الرضا (ع)، عن فضل بن شاذان، عن الرضا(ع) ونحن ننقل من
هذه الرواية ما يتعلق ببحثنا هذا :
«فان قال قائل: فلم لا يجوز ان يكون في الارض امامان في وقت
واحد واكثر من ذلك؟ قيل: لعلل:
منها: ان الواحد لا يختلف فعله وتدبيره، والاثنين لا يتفق
فعلهما وتدبيرهما، وذلك انا لم نجد اثنين‏الامختلفي الهمم
والارادة، فاذا كانا اثنين ثم اختلفت هممهما وارادتهما
وتدبيرهما، وكانا كلاهما مفترضي‏الطاعة، لم يكن احدهما اولى
بالطاعة من صاحبه، فيكون في ذلك اختلاف الخلق والتشاجر
والفساد، ثم لايكون احد مطيعا لاحدهما الا وهو عاص للاخر،
فتعم معصية اهل الارض، ثم لا يكون لهم مع ذلك السبيل
الى‏الطاعة والايمان، ويكونون انما اتوا في ذلك من قبل الصانع
الذي وضع لهم باب الاختلاف والتشاجروالفساد اذ امرهم باتباع
المختلفين.
ومنها: انه لو كانا امامين لكان لكل من الخصمين ان يدعو الى
غير الذي يدعو اليه صاحبه في الحكومة، ثم لايكون احدهما
اولى بان يتبع صاحبه، فيبطل الحقوق والاحكام والحدود.
ومنها: انه لا يكون واحد من الحجتين اولى بالنطق والحكم
والامر والنهي من الاخر، واذا كان هذا كذلك وجب‏عليهما ان
يبتدئا بالكلام، وليس لاحدهما ان يسبق صاحبه بشي‏ء اذا كانا
في الامامة شرعا واحدا، فان جازلاحدهما السكوت جاز السكوت
للاخر، واذا جاز لهما السكوت بطلت الحقوق والاحكام، وعطلت
الحدود،وصار الناس كانهم لا امام لهم‏» ((44)).
هذه الرواية واضحة من حيث المتن، ولست اعرف مجالا
للمناقشة في دلالة هذه الرواية، ولذلك لا اتعرض‏لدراسة هذه
الرواية من حيث المتن.
واما البحث في الرواية من ناحية السند فراجع [الملحق].

الرواية الثانية: صحيحة حسين بن ابي العلاء: «قلت لابي عبد
اللّه (ع): تكون الارض ليس فيها امام؟
قال: لا.
قلت: يكون امامان؟
قال: لا، الا واحدهما صامت‏» ((45)).

الرواية الثالثة: صحيحة ابن ابي يعفور انه سال ابا عبد اللّه (ع):
«هل يترك الارض بغير امام؟
قال: لا.
قلت: فيكون امامان؟
قال: لا، الا واحدهما صامت‏» ((46)).

الرواية الرابعة: موثقة هشام بن سالم، قال: «قلت للصادق (ع):
هل يكون امامان في وقت واحد؟
قال: لا، الا ان يكون احدهما صامتا ماموما لصاحبه، والاخر
ناطقا اماما لصاحبه. واما ان يكون امامين ناطقين‏في وقت واحد
فلا» ((47)).
والتشكيك في دلالة هذه الروايات بان السؤال فيها عن الامام
المعصوم، وقياس غير المعصوم على‏المعصوم من القياس
الباطل لا يضر بالاستدلال، ذلك ان التعليل الوارد في الرواية
الاولى يعمم الحكم على‏عصري الحضور والغيبة، وما ورد في
الرواية الاخرى بحكم التعليل: «الا ان يكون احدهما صامتا
ماموما لصاحبه‏». والحيثية التعليلية واضحة في هذا النص.
واذا صح هذا في الامامين المعصومين فهو في غيرهما اولى.
فالروايات هنا: اما ان تكون عامة للمعصومين ولغير
المعصومين، واما ان تكون خاصة بالمعصومين، فتدل‏الرواية
على وجوب ذلك في غير المعصومين بنحو اولى، ويكون
المورد من موارد (قياس الاولوية)، وهو من‏القياس الصحيح.

الدليل الثاني - الاحتجاج بسيرة امير المؤمنين (ع):
والدليل الاخر على وحدة الولاية والامرة سيرة امير المؤمنين
(ع)، وهي سيرة هادية في هذا الامر، وقد خاض‏امير المؤمنين
(ع) في السنين الاربع التي حكم فيها حروبا ثلاثة متعاقبة،
وهي: (الجمل) و (صفين) و(النهروان).
وحجة الامام (ع) في الحروب الثلاثة هي تمرد جمع من
المسلمين على امامته وولايته. ولو كان تعدد الامرة‏والامامة
امرا سائغا في الشريعة، لم يكن هناك من سبب لخوض هذه
الحروب الثلاثة. اذا الحروب الثلاثة‏التي خاضها الامام (ع) مع
الناكثين والقاسطين والمارقين دليل كاف في راينا للقول
بوحدة محور الامامة‏والولاية، ذلك ان الامام (ع) كان هو
المبادر لقتال خصومه في الحروب الثلاثة، وليس العكس.

المسوغ لقتال معاوية في صفين:
حتى اذا افترضنا ان قتال الامام (ع) للناكثين في الجمل،
والمارقين في النهروان كان بسبب نقض البيعة من‏ناحية
الناكثين والمارقين، وليس بسبب الاقدام على الاعلان عن
حكومة جديدة ونظام جديد في عرض ولاية‏الامام (ع)
وحكومته. اقول: حتى على هذا الفرض، لا يصح مثل هذا
الافتراض في صفين، فان معاوية ومن كان‏يتبعه من اهل الشام
لم يبايعوا الامام (ع) من قبل كي يصح ان يقال عنهم: انهم
نقضوا البيعة، وان الامام (ع)قاتلهم بدليل نقضهم للبيعة، كما
كان شان الامام (ع) مع الناكثين والمارقين، حسب هذا
الفرض، ولا يبقى‏سبب اخر للقتال.
الا ان الامام (ع) كان يرى انه لا يحق لاحد ان يتصدى للولاية
والامرة مع قيام حكومة شرعية على وجه‏الارض، وكان يرى ان
البيعة التي تمت له في المدينة من قبل المهاجرين والانصار
ملزمة لكل المسلمين على‏وجه الارض، وكل تمرد وعصيان
لهذه الولاية بعد انعقادها بالبيعة هو من البغي الذي يامر اللّه
تعالى‏بمكافحته والقضاء عليه. وكلام الامام (ع) صريح وواضح
في هذا الشان.
يقول (ع): «وانما الشورى للمهاجرين والانصار، فان اجتمعوا
على رجل وسموه اماما كان ذلك للّه رضا، فان‏خرج عن امرهم
خارج بطعن او بدعة ردوه الى ما خرج عنه، فان ابى فاقتلوه
على اتباعه غير سبيل‏المؤمنين، وولاه اللّه ما تولى‏» ((48)).
ويقول (ع) في موضع اخر: «لانها بيعة واحدة، لا يثنى فيها
النظر، ولا يستانف فيها الخيار، والخارج منهاطاعن، والمروي
فيها مداهن‏» ((49)).
ويمكننا ان نختصر كلام الامام (ع) في نقطتين:
(1)- مساحة الولاية والامرة لا تتحدد بمساحة البيعة.
(2)- قتال المتمردين الذين يرفضون طاعة الحكومة الشرعية
القائمة بالفعل.
واليك توضيح هاتين النقطتين:

(1)- مساحة الولاية لا تتحدد بمساحة البيعة:
لا اشكال في ان الامام (ع) كان يرى ان مساحة الولاية والامرة
لا تتحدد بمساحة البيعة، ولا يمكن ان تتحدد،سيما في تلك
الايام، فقد كان من غير الممكن ان تتم البيعة للمرشح للامامة
من قبل المسلمين في كل اقطارالعالم الاسلامي.
وعليه، فليس من الضروري ان تنطبق مساحة الولاية والسيادة
على مساحة البيعة، فتعم البيعة الشرعية‏كل المسلمين في
مختلف اقطار العالم، حتى وان تمت البيعة في رقعة صغيرة
محدودة، بشرط ان تكون‏منطقة البيعة من الناحية الكمية
والكيفية بحجم مناسب.
وقد اجمع فقهاء المذاهب الاربعة من اهل السنة على ذلك،
على اختلاف في تقدير حجم مساحة البيعة، حتى‏قال بعضهم:
«ان البيعة تكون ملزمة حتى وان تمت من قبل شخص واحد».
ويتمسكون بقول العباس لعلي(ع) بعد وفاة رسول اللّه (ص):
«ابسط يدك ابايعك. فيقال: عم رسول اللّه (ص) بايع ابن عم
رسول اللّه (ص)،ويبايعك اهل بيتك فان هذا الامر اذا كان لم
يقل‏» ((50)).
وهو قول شاذ بالتاكيد، ولكن مما لا خلاف فيه ان البيعة لو
تمت في مساحة مناسبة الزمت عامة المسلمين،وعلى ذلك
اجماع فقهاء اهل السنة. ولم اجد لدى فقهاء الامامية حسب
تتبعي لهذه المسالة خلافا.
يقول امير المؤمنين (ع) برواية الشريف الرضي بهذا الصدد:
«ولعمري لئن كانت الامامة لا تنعقد حتى يحضرها عامة الناس،
فما الى ذلك سبيل، لكن اهلها يحكمون على‏من غاب عنها، ثم
ليس للشاهد ان يرجع، ولا للغائب ان يختار. الا واني مقاتل
رجلين: رجلا ادعى ما ليس له،واخر منع الذي عليه‏» ((51)).

(2)- قتال المتمردين على الحاكم الشرعي:
النقطة الثانية في كلام الامام (ع): قتال المتمردين على
الطاعة، وان كل من تمرد على الحكومة الشرعية يعتبرباغيا،
والموقف من الباغي النصيحة والنهي عن المنكر، فان لم يرتدع
فالقتل.

خطابا الامام (ع) الى المسلمين والى معاوية في صفين:
وللامام (ع) لدى التوجه الى صفين خطابان جديران
بالدراسة والتامل:
الخطاب الاول الى معاوية، والخطاب الثاني الى عامة
المسلمين.
اما خطاب الامام (ع) الى معاوية فيقول فيه: «ادخل فيما دخل
فيه الناس‏» ((52)). واما خطابه (ع) الى عامة‏المسلمين، فهو
الدعوة الى قتال معاوية بسبب البغي والتمرد والخروج عن
الطاعة.
ويقول الامام (ع) في ذلك صريحا: «فان شغب شاغب استعتب،
فان ابى قوتل‏» ((53)).

المناقشة السندية في خطابي الامام (ع):
والتشكيك في سند نهج البلاغة، وبالتالي في خطابي الامام
(ع) لدى التوجه الى صفين، ليس ذا جدوى، ذلك‏ان
المؤرخين وارباب السير قد رووا هذين الخطابين وغيرهما
بصورة مستفيضة لا يترك مجالا للشك، وقدحصل فيه ما يشبه
التواتر المعنوي.
والامر الاخر: ان السيرة القطعية لامير المؤمنين (ع) تؤكد
هذين الخطابين، وحسب تعبير الشيخ المفيد(رحمه اللّه) في
قصته المعروفة: هي من الدراية، وليست من الرواية. واذا كان
اصل الخطاب الذي يرويه‏الشريف الرضي في النهج من الرواية،
فالسيرة القطعية لامير المؤمنين (ع) من الدراية التي لا تحوج
الباحث‏الى بحث سندي.
فقد دعا الامام (ع) عامة المسلمين من الحجاز والعراق واليمن
وسائر اقاليم الاسلام الى قتال معاوية، وقدسقط في هذه
الحرب من الطرفين عدد كبير من القتلى.

روح خطاب الامام (ع) في صفين:
والان نتساءل:
هل يمكن الا يكون للامام (ع) خطاب الى ذلك الجمع الغفير
من الجيش الذي صحبه الى صفين؟
وهل يجوز ان ياخذ الامام (ع) ذلك الجيش الكبير الى صفين
دون ان يكون له اليهم خطاب؟
واذا كان لابد من خطاب، ولابد! فما هو روح هذا الخطاب؟
اوليس هذا الخطاب هو ان يقول لهم الامام (ع):
ا - انه قد تولى امامة المسلمين بحق، وانه الامام الشرعي
للمسلمين، وقد بايعه على ذلك المهاجرون‏والانصار، لا يشك
في ذلك احد؟!
ب - وان معاوية ومن معه من اهل الشام قد بغوا عليه وخرجوا
عما دخل فيه المسلمين من الطاعة؟!
ج - وهو يدعو المسلمين الى قتاله وقتال من يدافع عنه
ويخرج معه؟
في نظري: كما ان اصل الخطاب امر لابد منه وليس فيه شك،
كذلك محتوى الخطاب وروحه هو ما ذكرناه، من‏دون ريب.
فهو الامر الوحيد الذي يمكن ان يجمع الامام (ع) المسلمين
عليه يومذاك. فلو كان ما يقوله الامام (ع) غير ذلك‏لكان يكسب
طائفة من المسلمين ويبعد اخرى.

عود الى خطابي الامام (ع) في صفين:
ولكي لا نسترسل مع هذه النقطة اكثر من ذلك، نعود الى
صلب البحث مرة اخرى، فنقول: لقد كان للامام (ع)في هذه
الحرب خطابان:
خطاب الى معاوية، وخطاب الى المسلمين.
خطاب يطلب فيه من معاوية ان يدخل فيما دخل فيه
المسلمون، ويكف عن التمرد والعصيان.
وخطاب يطلب فيه من المسلمين ان يقاتلوا معاوية ومن معه
من جند الشام، ويصدوه عن التمردوالعصيان.
وروح هذين الخطابين وجوهرهما: اذا قامت للمسلمين دولة
وحكومة شرعية وقام بينهم امام يحكمهم‏بالحق، فلا يحق لاحد
ان يتصدى لامامة المسلمين ويدعو الناس الى نفسه في عرض
الولاية الشرعية‏القائمة، وليس في طولها.
وهذا هو روح هذا البحث، وهو الذي نريد اثباته في هذه الدراسة
من وحدة محور الولاية والامرة الشرعية‏في العالم الاسلامي.

هل كان خطاب الامام (ع) من الجدل، ام هو الحقيقة؟
قد يقول احد: ان لخطاب الامام (ع) باطنا وظاهرا. وكل منهما
صحيح.
اما باطن خطاب الامام (ع) الى المسلمين يومذاك، فهو دعوة
المسلمين الى قتال معاوية، لان رسول اللّه (ص)نص على
امامته يوم الغدير، وامامته تستند الى نص الغدير وليس الى
اختيار المسلمين وبيعتهم. ولا يجوزلاحد ان يخرج عما اوجبه
اللّه تعالى على المسلمين عامة من الطاعة بموجب هذا النص.
ومعاوية قد خرج من‏الطاعة. فهو يدعو المسلمين الى قتاله
بهذه الخلفية، وليس بسبب البيعة.
وهذا هو باطن القضية.
ولكن لما كان الناس في جيش الامام (ع) يومئذ لا يؤمنون
بنص الغدير، وكانوا يعتقدون ان الامامة انعقدت‏لعلي (ع)
بسبب البيعة، يلزمهم الامام جدلا برايهم.
وكان الامام (ع) يقول لهم: ان طاعته واجبة على كل
المسلمين بموجب نص الغدير، ويجب بنفس السبب
قتال‏الخارجين عليه، فاذا اصروا على انكار نص الغدير واصروا
على ان ولايته (ع) كانت بسبب بيعة المهاجرين‏والانصار، فان
عليهم ايضا ان يقاتلوا الباغين عليه والخارجين على طاعته.
وهذا هو ظاهر القضية.
الا ان هذا الظاهر ليس حجة علينا شرعا، فان من الممكن ان
هذه اللوازم كانت مما يؤمن بها ويراها فقهاءمدرسة الخلفاء.
والامام (ع) لا يرى ذلك ولا يصححه، غير انه يلزمهم بما
يلتزمون به.
هذه هي خلاصة للشبهة التي يمكن ان تثار على الاستدلال
السابق.

الاجابة على التشكيك، وتفسير خطاب الامام (ع) في صفين:
كانت حرب صفين اوسع الحروب نطاقا وافدحها خسائرا في
فترة حكم الامام (ع).
ولم يكن خصم الامام في هذه الحرب (الناكثين) الذين نكثوا
العهد ونقضوا البيعة كما في حرب الجمل، كما لم‏يكن خصم
الامام في هذه الحرب (المارقين) الذين مرقوا وخرجوا عن
الطاعة كما في النهروان، وانما كان‏خصمه (القاسطين)، وهم
لم يبايعوا من اول الامر حتى ينكثوا البيعة، ولم يدخلوا الطاعة
حتى يمرقواعنها.
هكذا كانت حرب صفين.
ولا يمكن ان يبدا الامام (ع) قتالا بهذه السعة وبهذا الحجم ومع
خصوم لم تسبق منهم بيعة ولا طاعة له دون‏ان يكون قد القى
اليهم الحجة كاملة وبين لهم ولجنده الذين صحبوه الى صفين
ما يريد منهم ومن خصومهم،ودون ان يكون قد خاطبهم في
ذلك خطابا واضحا، سيما اذا لا حظنا ان الامام (ع) هو الذي
سار الى صفين‏لقتالهم.

اطراف خطاب الامام (ع) في صفين:
وفي صفين طرفان لا محالة:
الطرف الاول: جنده الذين صحبوه الى صفين، والذين طلب
منهم الامام (ع) النصرة لقتال معاوية.
والطرف الثاني: معاوية وجنده من الشام، الذين كانوا يرفضون
الدخول في طاعة الامام (ع).
فلابد اذا ان يكون للامام (ع) خطاب مع هؤلاء واولئك، ولابد ان
يكون كل من هذين الخطابين واضحا لهؤلاء واولئك.
وفيما يلي نقدم تفسيرا لكل من خطابي الامام (ع) الى جنده
وخصومه:

ا - تفسير الخطاب الاول للامام (ع):
مال خطاب الامام (ع) الى جنده واهل الطاعة من اهل العراق
والحجاز واليمن الى نقطتين، ولكل منهما حكم‏يختلف عن
الاخر:
اولا: دعوتهم الى الطاعة لقتال معاوية بموجب البيعة التي تمت
منهم له (ع) في المدينة.
ثانيا: ان البيعة التي تمت له من قبل المهاجرين والانصار في
المدينة وهم فئة صغيرة محدودة من حيث‏الكم من
المسلمين تلزم عامة المسلمين بالطاعة، من بايعه منهم ومن
لم يبايعه.
والا فكيف يطلب من اهل العراق والحجاز واليمن ان يطيعوه
في الخروج الى قتال معاوية، واكثرهم لم‏يحضر البيعة يومئذ
بالمدينة؟! وكيف يطلب منهم قتال معاوية، وهم لم يبايعوه
قط؟!
فلابد ان تكون البيعة ملزمة لعامة المسلمين في كل مكان، من
بايع منهم ومن لم يبايع. ومن ينكث هذه البيعة‏او يخرج عن
الطاعة يستحق القتال.
ولابد ان يكون خطاب الامام لجنده متضمنا للنقطة الاولى
والثانية معا، ولابد ان يكون الجند الذين خرجوامع الامام (ع)
لقتال معاوية قد عرفوا من الامام (ع) كلا النقطتين، والا فان
خطاب الامام (ع) يكون ناقصا لامحالة.

حجية الظاهر والارادة الجدية في الخطابات:
والان نبدا بتفسير وتحليل كل من هاتين النقطتين، بعد
مقدمة قصيرة لابد منها، وتلك المقدمة: ان طريقة‏العقلاء في
التفاهم فيما بينهم قائمة على حجية الظواهر، فاذا كان للكلام
ظاهر اخذ به الناس واحتجوا به له‏وعليه، وكان حجة فيما بين
الناس في التفاهم ولو لم يكن الكلام نصا قطعيا في المراد.
وقد اخذ الشارع بهذا الاصل العقلائي وامضاه، ودليل امضائه انه
لم يبلغنا عن الشارع الغاؤه له، او جريه‏على اساس اخر في
التعامل مع ظاهر الكلام. وهذا وحده يكفي في حجية الظاهر،
وفضلا على ذلك: ان المشرع‏قد تعامل مع ظاهر الكلام في
مواقع كثيرة معاملة الحجة.
وهذا اصل هام في الاجتهاد. ولولا حجية الظاهر لم يمكن
التمسك بظواهر الكتاب والسنة، ولتعطل الاجتهاد،الا ان تاتي
قرينة واضحة تصرف الكلام عن ظاهره.
ومن مصاديق هذه القاعدة: ان الكلام حجة في الارادة الجدية
للمتكلم، بمعنى ان الكلام يدل على ان المتكلم‏جاد فيما يقول
وليس بهازل. وهذه هي احدى الدلالتين التصديقيتين للكلام،
في مقابل الدلالة التصورية‏الحاصلة قهرا من الكلام.
وقد اقر الشارع هذه الدلالة قطعا، الا ان تكون هناك قرينة
واضحة دالة على صرف الكلام عن الدلالة على‏الارادة الجدية
للمتكلم.
ومن هذا القبيل دلالة الكلام على ان المتكلم يقصد بالكلام
الحكم الواقعي وليس التقية، الا ان تكون هناك‏قرينة صارفة
للكلام عن الدلالة على ارادة المتكلم للحكم الواقعي، والا امكن
التشكيك في دلالة كل حكم واردفي الروايات على ارادة
المتكلم للاحكام الواقعية، واحتمال ارادة التقية بها. ومن
الطبيعي ان احتمال الخلاف‏يسقط الدليل عن الدلالة، وليس
هناك من صارف لهذا الاحتمال الا حجية الظاهر، والظاهر من
الكلام هو ارادة‏الحكم الواقعي.
ومن هذا القبيل دلالة الكلام على ان المتكلم يريد بالكلام
الحقيقة وليس الجدل، بمعنى ان الكلام ظاهر في‏ان‏المتكلم
ملتزم بما يقول ومؤمن به، وليس الكلام صادرا جدلا لالزام
الطرف الاخر بما يلتزم به، ولافحامه‏به.
وبهذا الظاهر يعمل الناس في تفاهمهم، ويحتجون به، ويلغون
احتمال خلافه. وقد اخذ الشارع بهذا الظاهر،واعتبره حجة،
والغى خلافه، وذلك بامضاء سيرة العقلاء في الاخذ بالظاهر
والغاء خلافه.
وانطلاقا من هذه المقدمة نقول:
اننا لا نستطيع ان نحكم بدلالة النقطة الاولى من خطاب
الامام (ع) على الارادة الجدية له (ع) في هذا المعنى‏بلا ريب،
وذلك لوجود قرينة قطعية صارفة للكلام عن هذه الدلالة
التصديقية، وهي ما ثبت لدينا بصورة‏قطعية ان امامته على
المسلمين كانت ثابتة بالنص من رسول اللّه (ص) يوم الغدير
وليست ببيعة المسلمين‏له، وانما خاطب الناس بذلك يومئذ
من باب الجدل، لالزام الناس بما كانوا يلتزمون به يومئذ من
امامة الامام(ع) بالبيعة، ووجوب طاعته بها.
وليس كذلك امر النقطة الثانية من خطاب الامام (ع) للناس،
ففي النقطة الثانية يقول لهم الامام (ع): ان البيعة‏اذا تمت
لاحد وصحت من قبل جمع من المسلمين (يعبا بهم) الزمت
المسلمين كافة، من حضر منهم البيعة‏ومن لم يحضر.
وهذا هو معنى كلام الامام في النقطة الثانية، وهو حجة في
الدلالة على الارادة الجدية للامام (ع) في حكم‏البيعة، وليست
هنالك من قرينة صارفة للكلام عن هذه الدلالة، كما كان
الشان كذلك في النقطة‏الاولى.
والاحتمال وحده لا يكفي لصرف الكلام عن ظاهره، ولا عن
الدلالة على الارادة الجدية للمتكلم، والا لم يبق لنامن الكتاب
والسنة ما يمكن ان يحتج به غير اقل القليل.
وشان ذلك شان (التقية)، فليس كلما احتملنا ان يكون الكلام
صادرا عن التقية صرفنا الكلام عن الدلالة على‏الارادة الجدية
للمتكلم فيما يكون الكلام ظاهرا او نصا فيه، والا لم يمكن
الاحتجاج برواية الا في موارد قليلة‏جدا، وانما نصرف الكلام عن
الدلالة على الارادة الجدية للمتكلم فيما اذا ثبت خلافه بقرينة
او دليل‏قطعي.
وليس لدينا في النقطة الثانية من خطاب الامام (ع) للناس
يومئذ قرينة واضحة على صرف الكلام عن الدلالة‏على الارادة
الجدية للمتكلم، كما في النقطة الاولى.
ومع هذا التوضيح تكون سيرة الامام امير المؤمنين (ع) في
صفين دليلا على حكم فقهي، وهو وحدة الامامة‏والولاية
السياسية في العالم الاسلامي.
هذا مجمل تفسير الخطاب الاول للامام (ع) في صفين.

ب - تفسير الخطاب الثاني للامام (ع) في صفين:
الخطاب الثاني للامام (ع) في صفين وجهه الى معاوية واهل
الشام، فقد خرج الامام من الكوفة الى صفين‏لقتال معاوية،
فلابد ان يكون قد اتم عليهم الحجة والبلاغ، ولابد ان يكون
خطاب الامام (ع) متضمنالنقطتين:
ماذا يريد منهم الامام (ع)؟ ولماذا؟
وهاتان النقطتان اهم ما في خطاب الامام (ع) ولا يمكن ان
يخلو منهما خطاب الامام (ع).
فليس من المعقول ان يخرج الامام من الكوفة لقتال معاوية
وجنده من اهل الشام دون ان يخبرهم بما يريدمنهم ودون ان
يبين لهم السبب في ذلك!
وهما موجودان في نهج البلاغة، والتشكيك في رواية الشريف
الرضي (رحمه اللّه) للنهج من حيث الارسال لايضر بما ذكرناه،
بدليل التوضيح المتقدم.
ولنتجاوز النقطة الاولى في خطاب الامام (ع)، ونتحدث عن
النقطة الثانية:
لماذا يطلب منهم الامام (ع) ان يدخلوا في الطاعة؟
ان جواب الامام واضح، فقد بايعه المهاجرون والانصار في
المدينة، وبيعتهم ملزمة لعامة المسلمين. فعليهم‏ان يدخلوا
فيما دخل فيه عامة المسلمين.
وهذا الخطاب موجود بالنص في كتاب كتبه الامام (ع) الى
معاوية، يرويه الشريف الرضي في نهج‏البلاغة:
«انه بايعني القوم الذين بايعوا ابا بكر وعمر وعثمان على ما
بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد ان يختار، ولاللغائب ان يرد،
وانما الشورى للمهاجرين والانصار، فان اجتمعوا على رجل
وسموه اماما كان ذلك للّه رضى،فان خرج عن امرهم خارج
بطعن او بدعة ردوه الى ما خرج منه، فان ابى قاتلوه على اتباعه
غير سبيل‏المؤمنين، وولاه اللّه ما تولى‏» ((54)).
ولسنا نريد ان نناقش هنا راي معاوية وخطابه لاهل الشام في
مطالبة الامام (ع) بدم عثمان، ولا نريد ان‏نتحدث عن جواب
الامام (ع) لمعاوية في هذه التهمة التي رفعها معاوية بوجه
الامام (ع).
ولكننا نريد ان نقول: لا يمكن ان يجهز الامام الجند لقتال
معاوية واهل الشام دون ان يبين لهم ما يريد منهم،ودون ان
يوضح لهم السبب في ذلك.
والتشكيك في دلالة هذا الخطاب على وجوب الطاعة على
عامة المسلمين اذا تمت البيعة للامام من قبل جمع‏يعبا به من
اهل الحل والعقد.. بان هذا الخطاب من قبيل الالزام الجدلي
بما كان اهل الشام يلتزمون به يومئذ،وليس في هذا الخطاب
دليل على الحكم الشرعي.
اقول: قد ناقشنا قريبا هذا التشكيك، وقلنا ان ذلك وارد في
الفقرة الاولى من الخطاب، وهو الدعوة الى الدخول‏في الطاعة،
واما في الفقرة الثانية من الخطاب فلا يجوز ان نصرفها عن
دلالتها التصديقية على الارادة الجدية‏للمتكلم وبالتالي على
الحكم الشرعي، وذلك لعدم وجود قرينة واضحة على ذلك،
والكلام واضح في بيان‏حكم شرعي محدد، وليس من دليل
على صرف الكلام عن هذه الدلالة.
وبهذا الشرح يتم الاستدلال بسيرة الامام امير المؤمنين (ع)
في صفين على وحدة الامامة والولاية السياسية‏للعالم
الاسلامي، ووجوب دخول عامة المسلمين في الطاعة اذا تمت
البيعة لامام المسلمين من قبل جمع من‏المسلمين من اهل
الحل والعقد يعبا بهم من حيث الكيف والكم.
ولسنا بحاجة الى توضيح عدم وجود خصوصية للمهاجرين
والانصار في الزام البيعة، وانما الملاك بعدالغاء هذه
الخصوصية هو ان تتم البيعة من قبل جمع يعتد به من اهل
الحل والعقد.

الدليل الثالث - وحدة الامة:
يشير القران الكريم الى وحدة الامة المسلمة في التاريخ وعلى
وجه الارض في موضعين:
الاول: في سورة الانبياء، وهو قوله تعالى: (ان هذه امتكم امة
واحدة وانا ربكم فاعبدون) ((55)).
والثاني: في سورة المؤمنون، يقول تعالى فيها: (وان هذه امتكم
امة واحدة وانا ربكم فاعبدون)((56)).
والوحدة من اهم اسس (الدعوة) و (السياسة) في القران.
اما عن الدعوة، فان اللّه تعالى ارسل رسولا للناس جميعا من
دون استثناء.
يقول تعالى: (وما ارسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا)
، و (يا ايها الناس اني رسول اللّه اليكم جميعا)((58))، و ((57))
(واوحي الي هذا القران لانذركم به ومن بلغ) ((59))، و (هو
الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق‏ليظهره على الدين كله).((60))
ومعنى ذلك ان هذا الدين لعامة البشرية، وليس دينا قوميا او
اقليميا، هذا اولا.
وثانيا: الوحدة السياسية للامة، وازالة الحواجز القومية
والاقليمية التي تفرق هذه الامة.
وقد تلونا عليكم ايتي الانبياء والمؤمنون من قبل، وهما
صريحتان واضحتان في الوحدة السياسية للامة.ولا نتصور
معنى لوحدة الامة غير الوحدة السياسية.
فان وحدة العقيدة مفروضة في الامة، ومن دونها لا تكون الامة
امة.
فلابد ان تكون الوحدة في شي‏ء اخر غير العقيدة، والا فلا تكون
هي امتنا والقران يقول: (وان هذه امتكم)! ولامعنى للوحدة اذا
لم تكن في العقيدة، الا ان تكون في البنية السياسية للامة،
فيكون معنى وحدة الامة هي‏وحدتها في الكيان السياسي،
ووحدة الكيان السياسي بوحدة الولاية والسيادة لا محالة.
والمقياس الذي وضعه اللّه تعالى للتقييم في هذه الامة هو
(التقوى)، وما اختلاف الناس في الاقوام والعشائروالاقاليم الا
للتعارف والتلاقح فيما بينهم، وليس للافتراق والتباعد: (يا ايها
الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى‏وجعلناكم شعوبا وقبائل
لتعارفوا ان اكرمكم عند اللّه اتقاكم) ((61)).
وقد ورد في القران والحديث شواهد كثيرة على هذه الحقيقة
في دين اللّه.
ففي الكتاب الذي كتبه امير المؤمنين (ع) لواليه على مصر
مالك الاشتر (رحمه اللّه) يوصيه بالناس ويقول له‏في ذلك: «ولا
تكن عليهم سبعا ضاريا تغتنم اكلهم، فانهم صنفان: اما اخ لك
في الدين. او نظير لك في الخلق‏»((62)).
وقال رسول اللّه (ص) للناس في خطابه التاريخي في العودة
من حجة الوداع: «لا فضل لعربي على عجمي‏ولا لعجمي على
عربي ولا لابيض على اسود ولا لاسود على ابيض الا بالتقوى‏»
. ((63))
وفي رواية اخرى: «ايها الناس ان ربكم واحد واباكم واحد كلكم
لادم وادم من تراب ان اكرمكم عند اللّه اتقاكم،ليس لعربي على
عجمي فضل الا بالتقوى، الا فليبلغ الشاهد منكم الغائب‏». ((64))
وعنه (ص): «الا ان العربية ليست باب والد، ولكنها لسان ناطق،
فمن قصر به عمله لم يبلغ به حسبه‏»((65)).
وعنه (ص) ايضا: «الا ان خير عباد اللّه اتقاه‏» ((66))، وعنه
(ص): «ان الناس من عهد ادم الى يومنا هذا مثل‏اسنان المشط،
لا فضل للعربي على العجمي ولا للاحمر على الاسود الا
بالتقوى‏» ((67)).
وايضا عنه (ص): «ليدعن رجال فخرهم باقوام، انما هم فحم
من فحم جهنم، او ليكونن اهون على اللّه من‏الجعلان التي
تدفع بانفها النتن‏» ((68)).
وبالتامل فيما ذكرناه من الايات والروايات وهو غيض من
فيض نصل الى نتيجة قطعية لا نشك فيها،وهي:
ان الاسلام يرفض التفريق والتفاضل فيما بين الناس، ويعمل
دائما لازالة الفواصل والحدود الطبقية‏والقومية والاقليمية،
ويجعل الناس امة واحدة على الصراط المستقيم الى اللّه.
ومع وضوح هذا الاتجاه في دين اللّه، كيف يمكن ان يقر الاسلام
التعددية في النظام السياسي والسيادة‏والدولة والولاية في
الامة الواحدة؟!
ونحن اذا راجعنا التاريخ الاسلامي، نجد ان التعددية في النظام
السياسي والولاية والسيادة هي من اكثراسباب الاختلاف
والصراع والتقاطع فيما بين المسلمين.
والمنافسة والصراع على السلطة من اكثر اسباب القتال
والحروب في تاريخ الاسلام وتاريخ‏البشرية.
والدين الذي يعتمد في اسس تعاليمه: (ان هذه امتكم امة
واحدة) ((69)) و (تعالوا الى كلمة سواء بينناوبينكم) ((70))، لا
يمكن ان يقبل التعددية في السيادة والنظام السياسي.

الامة والطاعة:
ومما يؤكد هذا المعنى ويعمقه، اهتمام الاسلام الاكيد بامر
الطاعة لاولياء الامور، وهذه الطاعة غير الطاعة للّهفي الاحكام
والتشريعات الثابتة التي ورد ذكرها في الكتاب والسنة.
يقول اللّه تعالى: (اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول واولي الامر منكم).((71))
وواضح لمن يتامل في هذه الاية ان الطاعة الثانية غير الطاعة
الاولى، فالطاعة الاولى هي الطاعة للّه،والطاعة للّه تخص
الاحكام الثابتة التي نطق بها الكتاب او السنة كالصلاة والصوم
وتفاصيلهما، والطاعة‏الثانية هي الطاعة للرسول ولاولياء الامور
من بعده، وهي في الامور السياسية والادارية التي
تقتضيهاوتتطلبها الضرورات السياسية والادارية والاقتصادية
وما يشبه ذلك، وهي المنطقة التي يصطلح عليهاالشهيد
الصدر (رحمه اللّه) ب (منطقة الفراغ)، وهذه الطاعة غير
الطاعة الاولى التي تفرضها الاية الكريمة للّه سبحانه.
وقد ورد ذكر هاتين الطاعتين مع بعض في اكثر من اية في
كتاب اللّه، يقول تعالى:
(قل اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول) ((72)).
(اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول ولا تبطلوا اعمالكم) ((73)).
التقوى والطاعة في سورة الشعراء:
وهذه الطاعة هي الاساس الثاني لدعوة الانبياء بعد التقوى،
ففي سورة الشعراء يلخص القران دعوة‏الانبياء في كلمتين:
التقوى والطاعة، (تقوى اللّه) و (طاعة الانبياء).
والتقوى: هي الالتزام بحدود اللّه تعالى، والطاعة: هي طاعة
الانبياء واولي الامر في الامور السياسية‏والادارية وفي كل شان
يتصل بالولاية والسيادة السياسية بشكل من الاشكال.
تاملوا في هذه الايات المباركات من سورة الشعراء:
(اذ قال لهم اخوهم نوح الا تتقون * اني لكم رسول امين * فاتقوا
اللّه واطيعون).
(كذبت عاد المرسلين * اذ قال لهم اخوهم هود الا تتقون اني
لكم رسول امين * فاتقوا اللّه واطيعون).
(كذبت ثمود المرسلين * اذ قال لهم اخوهم صالح الا تتقون اني
لكم رسول امين * فاتقوا اللّه واطيعون).
(كذبت قوم لوط المرسلين * اذ قال لهم اخوهم لوط الا تتقون *
اني لكم رسول امين فاتقوا اللّه واطيعون)((74)).
وهذه الايات بمجموعها تؤكد ان دعوة الانبياء (ع) تدور حول
هذين المحورين: التقوى والطاعة.
ولا يمكن ان تكون الطاعة غير الطاعة السياسية، فان اية طاعة
اخرى غير الطاعة السياسية ترتبط بمحورالتقوى، وهو المحور
الاول من هذين المحورين.
اذا، فالطاعة السياسية عنصر مقوم واساسي في بناء الامة،
وتعدد الطاعة في الحقيقة ضرب من التمردوالخروج على
الولاية والسيادة في الامة، وهو شي‏ء في مقابل الطاعة وضد
الطاعة.
والايات الكريمة بمجموعها تؤكد ان الامة الواحدة تتحقق بعد
وحدة العقيدة، بوحدة الطاعة ووحدة النظام،وهذان هما
العنصران المقومان للامة، (العقيدة) و (النظام السياسي).
وتعدد الطاعة بمعنى تعدد النظام السياسي، وهو بمعنى
انشطار الامة وتعددها، وليس لانشطار الامة‏وتعددها معنى اخر
غير هذا المعنى، فان الانتماء الى عقيدة اخرى غير التوحيد
يخرج صاحبه من هذه الامة‏الى امة الكفر، والقران يقول ان امة
التوحيد امة واحدة: (وان هذه امتكم امة واحدة)، وهذا المعنى
واضح في‏ايتي الانبياء والمؤمنون بادنى تامل.

الدليل الرابع - عموم المنزلة في النيابة:
في صياغة هذا الدليل نحتاج الى التمسك بنوعين من الادلة،
وهما:
ادلة ولاية رسول اللّه والائمة (ع) من بعده.
ادلة نيابة الفقهاء عن الامام المهدي عجل اللّه فرجه في الولاية
في عصر الغيبة.
وبضم هذين الدليلين الى بعض، وضميمة عموم المنزلة في
النيابة، تتم صياغة هذا الدليل.
اذا، عناصر هذا الدليل تتالف من ثلاث نقاط:
الاولى الولاية لرسول اللّه واولياء الامور من بعده (الائمة (ع))
في عصر الحضور، وهي ولاية عامة شاملة‏لكل المسلمين لا
شك في ذلك كما سوف ياتي توضيح ذلك ولا يقول احد
بالتفكيك والتجزي‏ء في هذه‏الولاية البتة، فهي ولاية واحدة
تابى التعدد والتجزؤ.
الثانية نيابة الفقهاء عن الائمة (ع) وعن الامام المهدي(عج)
في عصر الغيبة في امر الولاية.
الثالثة عموم المنزلة في نيابة الفقهاء عن الامام الحجة (عج)،
فان ادلة هذه النيابة دالة لا محالة على‏احلال الفقهاء في
الولاية بمنزلة الامام الحجة (عج). واطلاق النيابة في الولاية
يقتضي ان يكون للفقهاء كل مايكون للامام المعصوم من شؤون
الولاية الا ما خصه الدليل بهم (ع)، ويقتضي ان تكون مساحة
ولاية الفقيه‏هي نفس المساحة التي جعلها اللّه للامام المعصوم
الا ما ورد فيه دليل بالاستثناء والتقييد، وهذا هو معنى(عموم
المنزلة) في النيابة.
ومقتضى ذلك وحدة الامرة والولاية في عصر الغيبة.
واذا لم يكن هذا الحد من التوضيح كافيا، نضطر الى بسط
الكلام في هذه النقاط بشكل اوسع، واليك هذاالبسط
والتوضيح:
اما المسالة الاولى: فان اللّه تعالى امر المسلمين بطاعة رسوله
(ص)، وجعل له الولاية العامة الشاملة على‏المسلمين بلا اشكال
ولا شك، وورد الامر بذلك في اكثر من موضع من القران.
ومن اصرح هذه الايات واوضحها قوله تعالى في سورة الاحزاب:
(النبي اولى بالمؤمنين من انفسهم) ((75)).وقد اختلف
المفسرون في امر هذه الولاية وحدود دائرتها سعة وضيقا.
واقوى هذه الاراء واوضحها ان النبي (ص) له الولاية على
المؤمنين في كل ما يرتبط بشؤون الولاية‏السياسية والحكم.
والراي الاخر لا يقيد الولاية حسب هذا الراي بشؤون الولاية
السياسية والحكم وانمايوسعها ويطلقها في غير هذا الشان من
شؤون الانسان.
ومعنى الولاية في هذه الاية ان يكون رسول اللّه (ص) اولى في
هذه الامور على المؤمنين من انفسهم، وارادته(ص) فيها
مقدمة وحاكمة على ارادتهم، وهو معنى قوله تعالى: (اولى
بالمؤمنين من انفسهم).
وحذف المتعلق في كلمة (اولى) دليل على عموم الولاية
وشمولها لكل الشؤون الداخلة في دائرة الولاية‏السياسية، وهو
القدر المتيقن من الامر.
واما الكلام في مساحة هذه الولاية من المجتمع، فان الجمع
المحلى باللام في كلمة (المؤمنين) ان لم يكن نصافي العموم
فهو ظاهر فيه بلا كلام.
وعليه، فان الولاية النبوية تتضمن نوعين من العموم والشمول:
العموم في ابواب الولاية وانحائها،والشمول لمساحة المجتمع
والامة.
وهذه الولاية بكل ما فيها من الشمول والعموم انتقلت الى
الامام امير المؤمنين علي (ع) في غدير خم بموجب‏نص الغدير
الشهير: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه‏». ومن امير المؤمنين
(ع) انتقلت الولاية نفسها الى احدعشر اماما من ذريته (ع)،
وهي الان للامام الثاني عشر من اهل البيت (ع).