وهذا القدر كاف في هذا الموضع، اذ التفصيل يؤدي الى
التطويل، وله موضع اليق به، لانه نوع اخر، و((325)) انما دخل
منه في الفن الذي نحن فيه مادخل بالعرض والتبعية،
و((((326)) الغرض من ايراد هذه‏الطرق موافقة اهل هذا النوع.
والمرجو من اللّه سبحانه التوفيق في شرح طريقة جبرية
((327)) مستمرة في‏استخراج المسائل المبهمة مطردة في
المجهولات المختلفة والمختلطة، ولا سيما فيما يتعلق
بالوصايا [ ان‏شاء اللّه تعالى ((328)) ]، وهو المستعان وعليه
التكلان.

[العلاوة]
ولنختم المختصر بالعلاوة الموعودة في ذكر مثال يشمل اكثر
انواع الابواب المذكورة:
وهي ((329)) مسالة: متوفى خلف تركة وابوين، وثلاث
زوجات، وابنين، وبنتا، وخنثى مشكلا امره، واحدى‏زوجاته هي
ام البنت وابن واحد من ابنيه، وقد اوصى لاجنبي بمثل ما لابيه
الا نصف ما يبقى من الثلث بعداخراج نصيبه من الثلث، ولاخر
بمثل ما لامه الا ثلث ما يبقى ((330))، ولاخر بمثل مالابن
واحد الا سدس مايبقى.
ثم وقع الهدم على الابن الذي له ام، وعلى امه ((331)) التي
هي احدى الزوجات المذكورة وعلى بنت للابن، وخلفوا
المذكورين.
ومات الابن الاخر، وخلف ثلاثة بنين، وقد اقر احدهم بزوجة له
وابنة منها.
وماتت الزوجة الثانية ايضا، وخلفت ابن ابن اخيها لابيها، والذي
هو ابن ابن اختها ((332)) لامها ((333))،والذي هو ابن بنت
اختها لابيها، والذي هو ابن بنت اخيها ((334)) لامها، وابن
بنت اخت اخرى لابيهاايضا.
وماتت الزوجة الثالثة ايضا، وخلفت زوجا وعما وعمة، واقر الزوج
انها اوصت لاجنبي بثلث مالها.
ثم مات، وخلف ((335)) بنتين.
ولم يخلف غير المتوفى الاول منهم ((336)) تركة، ولم تقسم
تركته الى ان يبلغ ((337)) هذه الغاية. كيف‏يقسم ((338))؟
اصل المال بالطرق المذكورة مئة وثمانون، للاب اربعة
وعشرون، وللام اربعة وعشرون، وللزوجات ثمانية‏عشر
((339))، ولكل ابن اربعة وعشرون، وللبنت اثنا عشر، وللخنثى
ثمانية عشر، وللموصى له الاول ستة،وللثاني اثنا عشر، وللثالث
ثمانية عشر.
ثم تقسم الاربعة والعشرين التي هي للابن ((340)) المهدوم
عليه على ورثته، فنصيب امه ستة، وينتقل الى‏ابنتها ((341))،
والباقي لبنته ((342))، وينقل ((343)) الى جدي ابيها، للذكر
مثل حظ الانثيين.
ثم تقسم الستة التي هي ((344)) للزوجة ((345)) المهدوم
عليها على ورثتها، فنصيب بنتها اثنان، وابنهاالمهدوم معها
اربعة، وينتقل منها اثنان الى جده، وواحد الى جدته، وواحد الى
اخته، فيبلغ نصيب الجدثمانية وثلاثين، ونصيب الجدة احدى
وثلاثين، ونصيب البنت احدى وعشرين.
واما الاربعة والعشرون التي هي حصة الابن الاخر ((346))
فتقسمها على ورثته، والمقر لهما، فيكون لكل ابن‏ثمانية،
وللابن المقر ستة، وللزوجة المقر بها واحدة، ولابنتها المقر بها
واحدة. ((347))
فاما ((348)) الستة التي هي حصة الزوجة الثانية، فلذي
القرابات الاربع خمسة منها، ولذي القرابة الواحدة‏واحدة.
واما الستة التي هي حصة الزوجة الثالثة، فلزوجها ثلاثة منها
واحد ((349)) للموصى له المقر به، وواحدة((350)) لكل بنت
من بنتيه ولعمها اثنان، ولعمتها واحدة.
وهذا هو الجواب عنها وباللّه التوفيق، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل،
نعم المولى ونعم النصير ((351)).

نافذة:
تحقيقات فقهية:

جواهر الكلام في ثوبه الجديد

الشيخ خالد الغفوري

     صدر اخيرا كتاب (جواهر الكلام في ثوبه الجديد)
     اعداد وتحقيق: مؤسسة دائرة معارف الفقه الاسلامي
     طبقا لمذهب اهل البيت(ع)- لجنة الفهرسة الموضوعية   
     الناشر: مؤسسة دائرة المعارف1421ه / 2000م

ان علما لفقه من العلوم التي حظيت بعناية
فائقة من قبل علماء الاسلام على اختلاف
مذاهبهم، حيث لم تتوقف عجلة‏البحث والتحقيق فيه طرفة
عين منذ نشوئه وحتى يومنا هذا، وكان لمدرسة اهل البيت
صلوات اللّه عليهم‏القدح المعلى في هذا الصدد، فقد اثرت هذه
المدرسة المعطاء والتي اسستها يد العصمة والطهارة
المكتبة‏الفقهية بكم هائل من المصنفات وامدت الحركة
العلمية بعناصر الديمومة والنهوض، ولقد قيض اللّه
لهذه‏المدرسة رجالا فطاحل حملوا هذه الامانة الضخمة
ووعوها ورعوها، فلم يقصر لهم باع ولم يكل لهم يراع،وقد ادلى
كل بدلوه حتى اتوا من الدقة غايتها ومن التحقيق ذروته.
ومن الملاحظ في هذا المضمار تفنن علماء الفقه في تسجيل
نظرياتهم وفي تدوين مصنفاتهم، فلم تكن على‏وتيرة واحدة،
بل تنوعت من حيث الاغراض والاساليب والسعة والعمق، ولمع
من بينها كتاب «جواهرالكلام في شرح شرائع الاسلام‏» فكاد سنا
برقه يذهب بالابصار. ونظرا لما يتمتع به هذا السفر الخالد
من‏امتيازات خاصة صار محطا لانظار العلماء، وعليه دارت
رحى ابحاثهم ودراساتهم.
ومن حسن التوفيق ان من اللّه سبحانه علينا فجعل لنا نصيبا
في خدمة هذا الكتاب القيم وتحقيقه، فنساله‏تعالى ان يتقبل
ذلك منا ويجعله ذخرا لنا في الاخرة، وان ينفع به طلاب العلم
ورواده.

الدواعي والاهداف:
مما يجدر بيانه انه في عام 1411 (ه . ق) الموافق ل 1369 (ه .
ش) اصدر ولي امر المسلمين سماحة اية اللّهالعظمى السيد
علي الحسيني الخامنئي دام ظله قراره التاريخي بانشاء
مؤسسة دائرة معارف الفقه‏الاسلامي طبقا لمذهب اهل البيت
(ع)، وكان قد اوكل الى سماحة اية اللّه السيد محمود الهاشمي
حفظه اللّهتعالى مسؤولية الاشراف على ذلك، فبدا البحث
في ماهية الطرق الكفيلة بتامين هذا الغرض، وذلك من
خلال‏عقد الندوات والجلسات العلمية المتتالية والتي دامت
بضعة اشهر.
وتمخض عن ذلك انتخاب كتاب «جواهر الكلام في شرح شرائع
الاسلام‏» كركيزة ومنطلق لدائرة المعارف‏المنشودة، لما لهذا
الكتاب من ميزات فذة، منها:

1- الاستيعاب على مستوى الابواب الفقهية، وكذلك على
مستوى الفروع والاقوال والاستدلال.
2- العمق والدقة.
3- وضوح العبارة وطلاقتها دون التواء او عجمة.
4- تمثيله لراي المشهور غالبا، فان المؤلف (قدس سره) كان
لسان المشهور، كما وصفه بعض الاعاظم.
وقد بوشر العمل في تحقيق هذا الكتاب على نمطين:
الاول اعداد معجم فقه الجواهر:
وقد صدر هذا المعجم في ستة مجلدات من القطع الكبير، وهو
يتضمن عددا غفيرا من المصطلحات‏والعناوين الفقهية ابتداء ب
(ائمة) وانتهاء ب (يوم الشك). وسيصدر قريبا في طبعة جديدة
ومنقحة.
الثاني الفهرست التحليلي للجواهر:
واما الفهرست التحليلي والذي يحمل اسم (جواهر الكلام في
ثوبه الجديد) فهو عبارة عن تحليل تفصيلي‏منظم لكتاب
جواهر الكلام، والهدف منه تفكيك وتحليل ابحاث الكتاب،
واستخراج اراء ومتبنيات المؤلف‏على حدة، ثم تليها
الاستدلالات والمناقشات والاقوال مرتبة ومرقمة، مع الاشارة
الى النكات الدقيقة فيها،حتى يكون ذلك ضوء كاشفا ينير
الطريق امام المحققين والباحثين في معرفة مسائل هذا
الكتاب.
والفوائد المترتبة على هذا العرض الجديد لكتاب الجواهر
كثيرة، منها:

1- الحصول على خلاصة لكتاب الجواهر تشتمل على جميع
اراء صاحب الكتاب، سواء كانت واضحة‏ومشخصة في اصل
الكتاب، او مستلة من ثنايا البحث والمناقشة.
2- تحصيل الاقوال الواردة في المسالة بسهولة.
3- تفكيك مطالب الكتاب مما يساعد في حل كثير من
معضلاته وتيسير فهم مسائله، والذي يعد خدمة كبيرة‏لذات
الكتاب، بالاضافة الى طريقيته للموسوعة الفقهية.

تعريف الكتاب:
اولا - يبدا الكتاب بمقدمة في ثلاثة فصول:
الفصل الاول - مع صاحب الجواهر: حيث استعرض فيه تاريخ
حياة الشيخ صاحب الجواهر (قدس سره)وخصاله الاخلاقية،
وايضا اشير الى انجازاته العلمية ومؤلفاته، وكذلك دوره
الاجتماعي في حركة‏المرجعية الدينية، وفي نهاية هذا الفصل
عرجنا على ما قيل في صاحب الجواهر من المقطوعات
الادبية‏والشعرية، وهذا ما يعكس عظمة دوره وشخصيته
الكبيرة.
الفصل الثاني - جواهر الكلام في الميزان: فقد اوردنا نماذج من
كلمات العلماء والاساطين التي تشيد بمكانة‏الكتاب وصاحبه
وقيمة هذا السفر الضخم الذي سطرته يراعته. وذكرنا تاريخ
تاليف الكتاب، وعدد طبعاته،وراينا من المناسب ان نشير الى
شروح كتاب الجواهر والمشاريع العلمية التي دارت حوله، وفي
اخر هذاالفصل بينا ما يمتاز به هذا الكتاب من خصائص
وامتيازات فاق بها غيره.
الفصل الثالث - منهجنا في التحقيق: وقد بينا فيه مراحل
العمل وكيف تم انجاز هذا المشروع العلمي،وسياتي توضيحها.
ثانيا - اما متن الكتاب فهو يقع في 696 صفحة من القطع
الرحلي، وهو يبدا من اول بحث الطهارة الى اخر بحث‏الوضوء،
اي انه يحوي مادة مجلدين من القطع الوزيري.
ثالثا - اما منهجنا في تحقيق الكتاب: فقد كان معلوما لدينا الى
حد ما مدى الصعوبة التي سنواجهها في انجازهذا المشروع
الكبير، فراينا ان الانسب ان ينجز العمل ضمن عدة خطوات،
وكذا كان.

مراحل العمل:
لقد بدا العمل قبل اكثر من ثمان سنوات، وخلال هذه الفترة
حدثت تغييرات في تشكيلة بعض اللجان‏التحقيقية العاملة في
المؤسسة، كما واجريت بعض التعديلات على منهجية التحقيق
حتى استقر الراي على‏انجاز المشروع ضمن مرحلتين:

المرحلة الاولى - استخراج البطاقات: وقد انجز ذلك في عدة
خطوات، وهي:
1- استخراج المعلومات المطلوبة (المدعيات والاقوال
والاستدلال) وتثبيتها على بطاقات وجداول منظمة،وفق
ضوابط محددة. وقد كانت طريقة استخراج البطاقات في
البداية تعتمد على ما يفهمه المستخرج من‏مفاد لمطالب
الكتاب ثم يصوغه بعبارته الخاصة، غير انه اجري تعديل طفيف
على ضوابط استخراج‏البطاقة بحيث يحافظ فيها على عبارة
الكتاب كما هي الا في موارد خاصة ذكرت في برنامج العمل،
وفي نهاية‏عام 1415 ه اكتمل العمل التحقيقي بالنسبة لهذه
المرحلة.
والمنهج المتبع عمليا لهذه المرحلة هو: متابعة البحث في كل
مسالة من المسائل الواردة في كتاب الجواهرمن خلال ثلاثة
عناصر رئيسة:
ا - ما يدعيه صاحب الجواهر في كل مسالة وما يختاره من الاراء
والنظريات.
ب - الاراء والاقوال الاخرى التي نقلها صاحب الكتاب، سواء
كانت موافقة له او مخالفة.
ج - ادلة المسالة ومشخصاتها وكذلك المناقشات التي وردت
في الكتاب.
هذا، بالاضافة الى وجود حقول اخرى في البطاقات وضعت
لغرض اعداد برنامج كمپيوتري في المستقبل ان‏شاء اللّه.
ثم اننا قد اضفنا بعض الايضاحات اللازمة المختصرة وحصرناها
داخل معقوفين، وكذلك اضفنا عناوين‏عامة للفصول وعناوين
فرعية ايضا.
ومن الجدير بالذكر ان عملية تقطيع المطالب وتصنيفها في
البطاقات بقدر ما هي نافعة ومفيدة فانها عملية‏شاقة ودقيقة،
وقد واجهت بعض العقبات.
2- تصحيح وتدقيق هذه البطاقات من قبل بعض الخبراء.
3- تبييض مسودات تلك البطاقات.
4- استخراج الروايات والايات من مصادرها، وقد شكلت لجنة
تضم العديد من المحققين للقيام بهذا العمل،وبعدها تمت
مراجعة هذه الاستخراجات وتدقيقها. ثم اننا لم نكتف بمراجعة
كتاب الوسائل، بل كنا نرجع الى‏المصادر الاصلية، ونقارنها بما
هو موجود في الجواهر. وفي الموارد التي نعثر فيها على سقط
نشير الى‏ذلك عادة او نضعه بين معقوفين.
5- واما توثيق الاقوال فقد تم التعاون مع «مكتب الاعلام
الاسلامي بقم المقدسة قسم الابحاث والدراسات‏الاسلامية‏»
الذي قام باستخراج الاقوال بصورة اولية، وتم تدقيقها في
مؤسسة دائرة المعارف، وايضاحاولنا تصحيح الخلل ان وجد
سواء كان في نسبة القول او في النص المنقول.
وقد توخينا الدقة في جميع مراحل العمل، فلكل مرحلة اعدت
قائمة من الضوابط وورقة عمل تهدي المحقق‏خلال عمله
التحقيقي.

المرحلة الثانية - تحويل البطاقات بصورة كتاب: وتم ذلك في
عدة خطوات ايضا، وهي:
1- اعادة النظر في تلك البطاقات مرة اخرى من اجل اعدادها
وتهيئتها للطباعة بصورة كتاب، وذلك بتغييرالبطاقات من
شكلها العمودي الى الافقي، وتحويل التصنيف الثلاثي
للمعلومات الى ثنائي، فوضعت طائفة‏المدعيات في اعلى
الصفحة، وتليها طائفة (الادلة والاقوال) وجعلنا بين الطائفتين
خطا فاصلا، وقمنا بوضع‏ارقام تربط المدعيات بالادلة والاقوال.
وقد واجهتنا في عملية تحويل هذه البطاقات الى صورة كتاب
عدة صعوبات، منها:
* انقطاع تسلسل البحث.
* عدم انسجام العبارات وعدم الترابط خصوصا بين المدعيات.
* حدوث غموض في بعض العبارات، وابهام في مرجع الضمائر او
اسماء الاشارة.
والى حد ما سعينا لرفع هذا الخلل قدر المستطاع، وذلك من
خلال بعض الاضافات داخل معقوفين، ولكن‏بالرغم من ذلك
ربما يلاحظ احيانا تعقيد في العبارة او عدم طلاقة.
2- الطباعة، وقد ارتاينا طباعة الكتاب بالقطع الكبير (الرحلي)
لاسباب فنية.
3- المقابلة، حيث تجرى مقابلتان على الاقل لكل مجلد.
4- تقويم النص وضبطه، فقد صححنا ما ورد من سقط واغلاط
مطبعية او املائية في الطبعة الحروفية‏بالرغم من عدم
استقصائنا لجميع نسخ الجواهر. والسبب في عدم تتبعنا لجميع
النسخ الخطية والحجرية‏للجواهر ان هدفنا الاساس كان هو
تحليل مطالبه وتفكيكها.
وقد اعتمدنا في تحقيق هذا الكتاب ما يلي:
ا - دورتين من المطبوعة بالطباعة الحجرية.
احداهما: دورة كاملة في ستة اجزاء نسخ المجلد الاول منها
بتاريخ 17 شوال 1274 ه ، والثاني في 1275 ه ،والمجلد
الثالث في 1305 ه ، والرابع في 1270 ه ، والخامس في 1272
ه ، والسادس في سنة 1287 هآ.
والاخرى: مصورة عن نسخة فرغ الناسخ من نسخ مجلد
الطهارة منها بتاريخ 8 شعبان سنة 1270 ه، وعلى‏النسخة
بلاغات عديدة، منها ما على الصفحة 94 بلاغ نصه: «بلغ مقابلة
مع النسخة المصححة من النسخة‏الاصلية بحمد اللّه تعالى،
وهي نسخة عمدة العلماء الشيخ حسين القمشهي زيدت
بركاته، في النجف‏الاشرف في 17 شهر جمادى الثانية 1326ه».
وعلى الصفحة الاخيرة من المجلد السادس منها ما يلي:
«وقعت مقابلته مع نسخة العالم الورع التقي‏الشيخ محمد
حسين القمشهي، قابلتها مع النسخة الاصلية في النجف
الاشرف، وقد وقع الفراغ من مقابلته‏ضحوة يوم الاربعاء الثاني
عشر من شهر ربيع الاول سنة 1331 ه».
ب - الطبعة الحروفية المتداولة، والتي طبعت بالاوفسيت مرارا
في ايران والعراق. والتي تحتوي على دورة‏كاملة في 43 مجلدا.
5- ضبط متن (شرائع الاسلام) الذي اعتمده الشارح، وقد بينا
محال الاختلاف بينه وبين سائر نسخ‏الشرائع.
6- ضبط المتون والمقاطع التي نقلها صاحب الجواهر من
المصادر الاخرى، وتم تصحيح مواطن الخلل‏فيها.
7- ولكي تعم الفائدة اكثر قمنا بتطبيق طبعتنا هذه من حيث
عدد الصفحات على الطبعة الرائجة للجواهروهي طبعة احياء
التراث واضفنا اليها اخيرا طبعة جماعة المدرسين، فذكرنا في
كل عشر صفحات ما يقابلهامن الطبعتين المزبورتين وثبتنا
ذلك في طرف الصفحة.
8- الاخراج الفني، وقد حاولنا ان نجعل نهاية كل بحث او كل
فقرة على الاقل مع نهاية الصفحة اراحة للقارئ‏ولكي لا تختلط
المطالب بعضها ببعض مما قد يسبب تشويشا. وكل من له خبرة
في هذا الصعيد يعلم مدى‏صعوبة هذا الامر الا اننا قد تغلبنا
على جميع هذه الصعوبات برعاية اللّه وتوفيقه، ولهذا قد نضطر
احياناالى‏التصرف في اخراج الهوامش، فتارة نجعلها عمودا
واحدا، واخرى عمودين، بل ربما ندمج اكثر من هامش في‏رقم
واحد.
وقد تم بتوفيق اللّه وعنايته اخراج الكتاب بقالب عصري
وبثوب جديد حيث اجتمعت في هذه الطبعة‏للجواهر الدقة في
التحقيق والجمال في الاخراج، ويرى الناظر عدة امتيازات منها
المحافظة على متن‏وعبارات الكتاب كما هي من دون اي
نقصان، وفي الوقت نفسه تم فصل المدعيات واختيارات
المؤلف على‏حدة، وكذلك تشخيص الاقوال وفصلها عن
الاستدلالات والمناقشات بطريقة فنية دقيقة، وقد اثبتنا
مجموعة‏المختارات في اعلى الصفحة وبالحرف الكبير وتحتها
خط فاصل بينها وبين مجموعة الاستدلالات‏والمناقشات
والاقوال، وربطنا بين المجموعتين برقم كبير داخل معقوفين،
كما اننا ميزنا الاقوال‏بالخطالغامق نسبى ا. كما وتم حصر متن
الشرائع داخل قوسين كبيرين وامتازت كلماته باللون
الغامق.كل‏ذلك مع عدم التصر ف في تسلسل عبارات الكتاب
الاصلي.
ثم اننا قد قمنا بعرض المطالب سواء كانت مختارات او اقوال
او استدلالات ومناقشات بشكل مرتب ومرقم‏مع اعطاء عناوين
عامة وفرعية للفروع والمختارات في اعلى الصفحة وضعناها
داخل معقوفين وتختلف في‏نوع الحرف، ومن اجل توفير الوقت
على المراجع اضفنا بعض التوضيحات المختصرة في الموارد
اللازمة‏كتوضيح الضمائر المبهمة، وميزت هذه الاضافات عن
اصل المتن بوضعها داخل معقوفين مراعاة للامانة‏والدقة
العلمية.
هذا، وقد اخرج الكتاب باحدث طريقة وباروع صورة بحيث
يصلح ان يكون كتابا دراسيا في الحوزات‏العلمية، فان مجموعة
المختارات تمثل متنا فقهيا، علما بان هذه المختارات على
طائفتين بعضها عين عبارة‏الكتاب وبعضها منتزع من غضون
المناقشات والاستدلالات، وقد حاولنا ان لا نحيد عن تعابير
الكتاب‏ووضعناها داخل معقوفين وربطناها ايضا بمنشا الانتزاع
برقم.
واما بالنسبة للفهارس العامة فقد رجحنا ارجاءها فعلا تحاشيا
للتكرار على امل ان نلحقها باخر الكتاب ان‏شاء اللّه تعالى.
ثم ان هذا المشروع العلمي يعتبر تجربة جديدة في احياء التراث
الفقهي وابرازه باسلوب عصري قريب من‏الحالة الاكاديمية
الحديثة، نامل ان تطال المصادر الفقهية الاخرى.
كما نامل ان يحالفنا التوفيق لاشفاع هذا الكتاب (جواهر الكلام
في ثوبه الجديد) ببرمجته على جهازالحاسوب في المستقبل
ان شاء اللّه وبعد اكمال طباعة سائر المجلدات.
ومع هذا البيان الوافي لا يبقى مجال لتوهم ان عملنا حول
الجواهر كان عملا تكراريا او مجرد اعادة لطبعه،فاننا مضافا الى
ما قمنا به من تحقيق للكتاب بالمعنى الشائع للتحقيق من
قبيل تقويم المتن واستخراج‏مصادره وتسجيل بعض
التعليقات، وهو وان كان في نفسه عملا جليلا كما يحس
بذلك كل من يراجع كتابنا الا ان المهم والجديد في هذا
المشروع هو تفكيك مطالب الكتاب بعضها عن بعض وتحليلها
وتبويبهاواخراجها في قالب اكاديمي ومنهجي. اذا فهو تحقيق
بمعنى خاص.
وهذه التجربة حرية بان تدرس وتقوم وتعمم لبعض كتب
التراث الفقهي ذات السمة المرجعية، فاننا في هذه‏الاطروحة
قمنا باحياء احد اهم مصادر التراث وتجديده مع حفظ اصله
واصالته.

من فقهائنا:

زرارة بن اعين
القسم الثاني

الشيخ صفاء الدين الخزرجي

     تعرض المقال في القسم الاول منه الى السيرة 
     الشخصية من حياة زرارة، وفي هذا القسم يسلط 
     الضوء على‏الابعاد العلمية من شخصيته.

اولا: البعد الفقهي
ان تفوق زرارة في البعد الفقهي من بين كبار صحابة الائمة
(ع) كان امرا ظاهرا للعيان، نظرا لطول المدة التي‏اخذ فيها عن
الائمة المعصومين (ع) في مسائل الفقه ورواية الحديث، حتى
عد افقه الستة الذين انقادت لهم‏العصابة بالفقه كما وصفه
الكشي، بل هو افقه اصحابهم (ع) على الاطلاق، لان هؤلاء
الستة هم افقه الجميع،وهو افقههم.
وقد اشاد الامام الصادق (ع) بفقاهته في مواضع عديدة:

1- قوله (ع) فيه انه: «من اعلام الدين‏» ((352))، وانه «من
حفاظ الدين وامنائه على الحلال والحرام‏»((353))، وانه «من
ذوي الاستنباط‏» ((354)).
2- نيابته عن الامام الصادق (ع) في مناظرته الفقهية للرجل
الشامي، مما يدلل على اعتماد الامام عليه‏وتضلعه في الفقه.
3- شهادة الامام الصادق (ع) له بالفقاهة والفضل فيما رواه
الكافي في حديث مظاهرته من امته حيث قال(ع) له: «هكذا
يفعل الرجل الفقيه‏» ((355)).
كما ان لزرارة نفسه من العبارات ما يدل على رسوخ قدمه
وتقدمه في الفقه، يقول (رحمه اللّه) في حديث له‏في باب
الارث : «وكنت رجلا عالما بالفرائض والوصايا، بصيرا بها،
حاسبا لها» ((356)).
واما العوامل التي ساهمت في نضجه واجتهاده فهي عبارة عن
عدة امور، نشير اليها فيما يلي:

الاول: طول صحبته وتتلمذه على الامامين الصادقين (ع)،
حيث دامت اكثر من اربعة عقود، استمد فيها منهم‏انواع
المسائل الفقهية وقضايا الحلال والحرام في مختلف ابواب
الفقه من العبادات والمعاملات، مما زوده‏بثروة فقهية غزيرة
وواسعة.
واما مسائله وقضاياه مع الائمة (ع) فهي كثيرة ايضا، حاول من
خلالها استيعاب اكبر عدد ممكن من الابواب،مركزا على
البعض منها لاهميتها وتشعب مسائلها، كمسائل باب الحج التي
سال فيها الامام الصادق (ع)اربعين عاما، وكذا باب الارث
والفرائض.
وثمة خصوصيات ونقاط تستدعي التوقف في بعض اسئلته
واستفتاءاته من الائمة (ع) نشير اليها:

ا - انه لم يكن يكتف بالجواب مجردا عن الدليل والتعليل، بل
كان يسال عن وجهه اذا خفي عليه، فقد روى علي‏بن رئاب،
عن زرارة، عن ابي جعفر (ع) قال: «لا ينبغي نكاح اهل الكتاب.
قلت: جعلت فداك! واين تحريمه؟ قال:قوله: (ولا تمسكوا
((357)) ((358)) . بعصم الكوافر)»
وربما نجد روح التتبع والبحث لديه يحمله الى ان يفرض
للمسالة فروضا عديدة لتلقي الجواب فيها، ثم يبدافي تمحيص
تلك الاجوبة والموازنة بينها، فلربما تراءى له التنافي والتعارض
فيها، فيعود الى السؤال‏والبحث كرة اخرى، ورائده في ذلك
التفقه في الدين، والتعمق في احكامه.
ففي خبره عن ابي جعفر (ع)، قال: «سالته عن نصرانية كانت
تحت نصراني فطلقها:
1- هل عليها عدة مثل عدة المسلمة؟
فقال: لا، لان اهل الكتاب مماليك للامام...
2- ما عدتها ان اراد المسلم ان يتزوجها؟
قال: عدتها عدة الامة، حيضتان او خمسة واربعون يوما قبل ان
تسلم.
3- فان اسلمت بعدما طلقها؟
قال: عدتها عدة المسلمة.
4- فان مات عنها وهي نصرانية وهو نصراني، فاراد رجل من
المسلمين ان يتزوجها؟
قال: لا يتزوجها المسلم حتى تعتد من النصراني اربعة اشهر
وعشرا، عدة المسلمة المتوفى عنها زوجها.
5- كيف جعلت عدتها اذا طلقت عدة الامة، وجعلت عدتها اذا
مات عنها زوجها عدة الحرة المسلمة، وانت تذكرانهم مماليك
للامام؟!
قال: ليس عدتها في الطلاق كعدتها اذا توفي عنها زوجها، ان
الامة والحرة كلتيهما اذا مات عنهما زوجهما آسواء في العدة،
الا ان الحرة تحد والامة لاتحد» ((359)).

ب - يجد المتتبع لمسائله انه قد يسال عن اشياء لم يسبقه احد
في السؤال عنها، مما يعكس شدة تطلبه للعلم‏وسعة افقه، ففي
حديث له قال: «قلت لابي عبد اللّه (ع): جعلت فداك! الشحمة
التي تخرج مثلها من الداءاي‏شحمة هي؟ قال: هي شحمة البقر.
وما سالني عنها يا زرارة احد قبلك!» ((360)).

الثاني: رعاية الائمة (ع) له:
ان زرارة بن اعين بما كان يتمتع به من قابليات عقلية
وروحية كبيرة كان ومنذ البدء محلا لاهتمام ورعاية‏الامام
الباقر وولده الصادق (ع)، فقد حرصا على اعداده وانشائه فقيها
عارفا، ومحدثا ضليعا.
ومما زاد في عنايتهم واهتمامهم به هو تسليمه وانقياده لهم،
وانقطاعه عمن سواهم، فكان لا ياخذ علمه الا من‏معينهم، ولا
يقفو غير اثرهم، ولا يحط الا بفنائهم، فصار بذلك اهلا
للانتساب الى مدرستهم وتحمل‏رسالتهم.
ولربما استشعر مترجمنا تلك العناية وتجلت له وهو يتلمذ على
يدي الصادقين (ع)، فكان يعبر عن تلك‏الحالة فيقول: «اسمع
واللّه بالحرف من جعفر بن محمد (ع) من الفتيا، فازداد به
ايمانا» ((361)).
وقد تجسدت تلك العناية وتبلور ذلك الاهتمام بشخصية زرارة
في عدة قضايا، نشير اليها:
1- انهم (ع) كانوا يولون لمسائله عناية ملحوظة، ويجيبون عن
جميع ما يسال بلا استثناء، الا ما ندر، وذلك‏اما لضرورة او تقية
او حرج عليه او عليهم، وحتى في مثل هذه الحالات فانهم (ع)
كانوا يبعثون اليه بالجواب‏بعد رجوعه الى الكوفة، مما يعكس
فرط عنايتهم به.
قال زرارة: «سالت ابا عبد اللّه (ع) عن وقت صلاة الظهر في
القيظ فلم يجبني، فلما ان كان بعد ذلك قال لعمربن سعيد بن
هلال: ان زرارة سالني عن وقت الظهر في القيظ فلم اخبره،
فحرجت من ذلك، فاقرئه مني السلام،وقل له: اذا كان ظلك
مثلك فصل الظهر، واذا كان ظلك مثليك فصل العصر». ((362))
وفي رواية اخرى انه ساله (ع) عن الابراد بالصلاة في الصيف
فلم يجبه، وخرج، فدخل عليه ابو بصير، فقال‏له (ع): «ان زرارة
سالني عن شي‏ء فلم اجبه، وقد ضقت من ذلك، فاذهب انت
رسولي اليه، فقل...» الحديث((363)).
2- كانوا (ع) يطلعونه على بعض كتبهم الخاصة التي يتداولونها
بينهم وتعد من كتب الامامة، كصحيفة‏الفرائض التي هي من
املاء رسول اللّه (ص) وخط علي (ع) بيده ((364))، وثوقا به،
لامانته ومحله عندهم،وحرصا على تفقيهه وتعليمه.
3- اطلاعه على بعض الاحكام الخاصة به وببعض الشيعة، ففي
حديث ابن بكير السابق عندما ساله عن‏وقت الظهر في الصيف
ولم يجبه علق ابو بصير في ذيل الحديث فقال:
«وكان زرارة هكذا يصلي في الصيف، ولم اسمع احدا من
اصحابنا يفعل ذلك غيره وغير ابن بكير»((365)).
وفيه دلالة صريحة على ان الامام الصادق (ع) لم يكن يرغب
في اجابة زرارة عن سؤاله بحضور غيره، ولعله‏يشير الى
اختصاص العلم بمثل هذا الحكم ببعض خواص الامام (ع)، كما
يعضده كلام ابي بصير في ذيل‏الحديث.
4- انهم (ع) كانوا يبتدئونه بالتعليم والسؤال اذا سكت، سيما
في المسائل الهامة التي يكثر فيها البحث‏وتتطلب دقة واحاطة
بموضوعها، كمسائل باب الارث، فعن زرارة قال: «قال لي (ابو
عبد اللّه (ع)): يا زرارة، ماتقول في رجل مات وترك اخويه من
امه وابويه؟ قال: قلت: السدس لامه، وما بقي فللاب. فقال: من
اين هذا؟قلت: سمعت اللّه عزوجل يقول في كتابه العزيز: (فان
كان له اخوة فلامه السدس...) ((366))...» الحديث((367)).
وقد نلاحظ في بعض النصوص ان الامام (ع) يبتدره فيطرح
عليه مسالة ما في مناسبة خاصة ويجري‏الحديث فيها،
فيغتنم زرارة فرصة السؤال عن خصوصياتها وما يتعلق بها من
فروع، ففي حديث له قال:«مات ابن لابي جعفر (ع)، فاخبر
بموته، فامر به فغسل وكفن ومشى معه وصلى عليه، وطرحت
خمرة فقام‏عليها، ثم قام على قبره حتى فرغ منه، ثم انصرف
وانصرفت معه، حتى اني لامشي معه، فقال: اما انه لم
يكن‏يصلى على مثل هذا وكان ابن ثلاث سنين كان علي
(ع) يامر به فيدفن ولا يصلي عليه، ولكن الناس‏صنعوا شيئا
فنحن نصنع مثله‏» ((368)).
وهنا عندما يلاحظ زرارة مبادرة الامام (ع) بالحديث وفتحه
باب البحث، يطرح عليه سؤالين: الاول فيمايتعلق بوقت وجوب
الصلاة على الصبي، فاجابه (ع) قائلا: «اذا عقل الصلاة وكان ابن
ست سنين‏» ((369)).والثاني عن حكم الولدان، فقال (ع):
«سئل رسول اللّه (ص) عنهم فقال: اللّه اعلم بما كانوا عاملين‏»
. ((370))
5- انه كان له مدخل ووقت خاص يدخل فيه على الامام الباقر
(ع) ليختلي بالسؤال منه، خشية ان يجيبه تقية‏ممن يحضر في
المجلس. وقد كان وقت دخوله عليه بعد الظهر.

ملامح من دوره الفقهي:
لا شك في ان مدرسة الكوفة كانت تمثل امتدادا لاشعاع
مدرسة اهل البيت (ع) في المدينة المنورة. وقد تالقت‏في هذه
المدرسة شخصيات عرفت في العالم الاسلامي بمكانتها
العلمية والفقهية، فكانت تمثل بحق دورالمرجعية الدينية،
والوسائط التي تربط بين الائمة (ع) وقواعدهم.
وقد نالت تلك الشخصيات من اضراب محمد بن مسلم وابان
بن تغلب وزرارة بن اعين تاييد الامامين‏الباقر والصادق (ع)،
الامر الذي عزز مكانتها الاجتماعية، ومهد لتصديها للمرجعية
في الفتيا والحديث.
واما الدور الذي نهض به فقيهنا المترجم، فيمكن استيحاء
ابعاده من خلال الكلمات العديدة الصادرة في حقه‏من قبل
الائمة المعصومين (ع)، والتي لم تصدر لصرف التشريف
والاطراء حسب، بل لتحديد دوره العلمي‏والتعريف به.
فقد ورد في بعضها عن الامام الصادق (ع) انه قال: «لولا زرارة
لظننت ان احاديث ابي (ع) ستذهب‏»((371)).
وعده (ع) في حديث اخر من حفاظ الدين، واهل الاستنباط
والامانة على الحلال والحرام ((372)).
وفي خبر اخر اشاد (ع) بدوره في ابطال البدع، والرد على
الشبهات، والدفاع عن الحق ((373)).
ومما تجدر اليه الاشارة فيما يتصل بدوره الفقهي روايته
لجملة من الاحاديث التي تتضمن قواعد علمية‏هامة، كقاعدة
«لا ضرر»، والاستصحاب، وغيرهما.
واما منهجه في الفقه فهو منهج الفقهاء الرواة في اعتماد الخبر
لبيان الراي الفقهي، وربما كان يفتي بمضامين‏الاخبار ايضا.
كما انه قد نجد له فتاوى تستند الى استنباطه واجتهاده
الخاص، كما يشهد له ما رواه ابن‏مسكان قال: «تدارانا (اي
تناظرنا) عند زرارة في شي‏ء من امور الحلال والحرام، فقال
قولا برايه، فقلت: ابرايك‏هذا ام برواية؟ فقال: اني اعرف، اوليس
رب راي خير من اثر؟!» ((374)). وكان الى جانب ذلك ملما
باقوال‏العامة، مطلعا على ارائهم، مناقشا لها، رادا عليها بالحجة
والدليل ((375)).

زرارة والعمل بالراي:
قد توحي رواية ابن مسكان السابقة الى الذهن ان زرارة كان
ممن يرى العمل بالراي ويجيزه، الامر الذي‏كانت ترفضه
مدرسة اهل البيت (ع) وتحظر العمل به على اتباعها، بل يعد
رفضه من البديهات الفقهية‏والمعالم الواضحة في تلك
المدرسة.
والصواب هو ان زرارة لم يكن عاملا بالراي الذي لا يستند الى
حجة ودليل قاطع كما تقول به بعض المذاهب‏الفقهية، بل لعله
كان يرى الاجتهاد المصطلح الذي يستند الى حجة شرعية
مصححة. يقول السيد ابن‏طاووس في ذيل الحديث المذكور:
«ان قوله: رب راي خير من اثر، ليس قادحا، لان من الاثار ما
ليس معتبرالطريق، او معتبر الطريق وهو ظني، وقد يكون من
الراي ما هو مبني على طريق علمي وليس قياسا، فذلك‏ارجح
من الاثر الظني‏» ((376)).
وعلق عليه المحقق الداماد بان «قوله: اوليس رب راي خير من
اثر؟! حق لا معدى عنه، وذلك لانه ربما كان‏راي‏نتيجة برهان
عقلي يقيني والاثر ظني، فاليقين خير من الظن. وربما كان اثر
بصريح منطوقه مدافعاللاصول العقلية والقوانين اليقينية، وان
كان سليم الاسناد صحيح الطريق فيجب تاويله، وان لم
يكن‏محتملا للتاويل وجب طرحه‏» ((377)).
ومما يدعم هذا الراي انه قد ورد عن زرارة ما يؤيد رفضه
وانكاره للراي، ففي خبر عمر بن اذينة الذي روى‏فيه مناقشة
زرارة لبعض اراء العامة في باب الارث ساله ابن اذينة عن ارائه
التي ناقشهم فيها قائلا: «تقول‏هذا برايك؟ فقال: انا اقول هذا
برايي؟! اني اذا لفاجر، اشهد انه الحق من اللّه ومن رسوله (ص)»
. ((378))
وايضا قد روى عن ابي جعفر (ع) وصيته له التي يحذره فيها
من القياس والعمل به، قال (ع): «يا زرارة، اياك‏واصحاب
القياس في الدين! فانهم تركوا علم ما وكلوا به، وتكلفوا ما قد
كفوه، يتاولون الاخبار، ويكذبون‏على اللّه عزوجل. وكاني
بالرجل منهم ينادى من بين يديه فيجيب من خلفه، وينادى
من خلفه فيجيب من بين‏يديه! قد تاهوا وتحيروا في الارض
والدين‏» ((379)).

المجموع من فقهه وفتاواه:
ليس فيما بايدينا من المعلومات المتوفرة عن حياة زرارة ما
يدل على وجود اثر فقهي له، ولاجل هذاواستكمالا للكلام عن
البعد الفقهي فقد قمنا بمراجعة كاملة ومستوعبة لجميع
رواياته لضبط وتبويب‏شتات فقهه وارائه المتناثرة في ابواب
الحديث. فكان حصاد ذلك وحصيلته طائفة من الفتاوى في
ابواب‏الحج والخلع والمباراة والظهار والارث، وهي كما يلي:

مسائل من الحج:
1- عن اسماعيل الجعفي قال: «خرجت انا وميسر واناس من
اصحابنا، فقال لنا زرارة: لبوا بالحج. فدخلناعلى ابي جعفر (ع)
فقلنا له: اصلحك اللّه! انا نريد الحج ونحن قوم صرورة او كلنا
صرورة فكيف نصنع؟فقال: لبوا بالعمرة.
فلما خرجنا قدم عبد الملك بن اعين، فقلت له: الا تعجب من
زرارة قال لنا: لبوا، ان ابا جعفر (ع) قال لنا: لبوابالعمرة؟! فدخل
عليه عبد الملك بن اعين فقال له: ان اناسا من مواليك امرهم
زرارة ان يلبوا بالحج عنك،وانهم دخلوا عليك فامرتهم ان يلبوا
بالعمرة!
فقال ابو جعفر (ع): يريد كل انسان منهم ان يسمع على حدة،
اعدهم علي.
فدخلنا، فقال: لبوا بالحج، فان رسول اللّه (ص) لبى بالحج‏»
. ((380))

مسائل من الخلع والمباراة:
1- عن علي بن حديد، عن بعض اصحابنا، عن ابي عبد اللّه (ع)،
وعن زرارة ومحمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه(ع)، قال:
«المباراة تطليقة بائنة، وليس في شي‏ء من ذلك رجعة‏».
وقال زرارة: لا يكون الا على مثل موضع الطلاق اما طاهرا واما
حاملا بشهود ((381)).
2- عن علي بن حديد، عن بعض اصحابنا، عن ابي عبد اللّه (ع)،
وعن زرارة ومحمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه(ع)، قال: «الخلع
تطليقة بائنة، وليس لها رجعة‏». قال زرارة: لا يكون الا على
مثل موضع الطلاق اما طاهراواما حاملا بشهود ((382)).

مسائل من الظهار:
1- عن صفوان قال: حدثنا ابو عيينة عن زرارة قال: «قلت لابي
جعفر (ع): اني ظاهرت من ام ولدي، ثم واقعت‏عليها، ثم
كفرت. فقال: هكذا يصنع الرجل الفقيه، اذا واقع كفر» ((383)).
2- عن زرارة قال: «قلت لابي عبد اللّه (ع): رجل ظاهر ثم واقع
قبل ان يكفر؟ فقال لي: اوليس هكذا يفعل‏الفقيه؟!» ((384)).
قال الشيخ الطوسي في التهذيب: معنى هذا الحديث: انه اذا
كان الظهار مشروطا بالمواقعة فان الكفارة لاتجب الا بعد
الوط‏ء، فلو انه كفر قبل الوط‏ء لما كان مجزيا عمايجب عليه بعد
الوط‏ء، ولكان يلزمه كفارة‏اخرى اذا وطئ فنبه (ع) ان المواقعة
لمن كان هذا حكمه من افعال الفقيه الذي يطلب الخلاص من
وجوب كفارة‏اخرى عليه، وليس ذلك الا بالمواقعة. والذي يدل
ايضا على ان من كان ظهاره مطلقا غير مشروط وجامع
قبل‏الكفارة كان عليه كفارتان ((385)).

مسائل من الارث:
1- عن ابن اذينة قال: قال زرارة اذا اردت ان تلقي العول فانما
يدخل النقصان على الذين لهم الزيادة من الولدوالاخوة من
الاب، واما الزوج والاخوة من الام فانهم لا ينقصون مما سمي
لهم شيئا ((386)).
2- اذا ترك الرجل امه او اباه او ابنه او ابنته، فاذا ترك واحدا من
الاربعة فليس بالذي عنى اللّه عزوجل في‏كتابه: (قل اللّه
يفتيكم في الكلالة) ولا يرث مع الام ولا مع الاب ولا مع الابن
ولا مع الابنة احد خلقه اللّهعزوجل‏غير زوج او زوجة ((387)).
3- عن عمر بن اذينة قال: قلت لزرارة: اني سمعت محمد بن
مسلم وبكيرا يرويان عن ابي جعفر (ع) في زوج‏وابوين وابنة،
فللزوج الربع ثلاثة اسهم من اثني عشر سهما، وللابوين
السدسان اربعة اسهم من اثني عشرسهما، وبقي خمسة اسهم
فهو للابنة، لانها لو كانت ذكرا لم يكن لها غير خمسة من اثني
عشر سهما، وان‏كانت اثنتين فلهما خمسة من اثني عشر سهما،
لانهما لو كانا ذكرين لم يكن لهما غير ما بقي، خمسة من
اثني‏عشر.
قال زرارة: هذا هو الحق، اذا اردت ان تلقي العول فتجعل
الفريضة لاتعول فانما يدخل النقصان على الذين لهم‏الزيادة من
الولد والاخوات من الاب والام، فاما الزوج والاخوة للام فانهم لا
ينقصون مما سمى اللّه لهم شيئا((388)).
4- قال زرارة: الناس والعامة في احكامهم وفرائضهم يقولون
قولا قد اجمعوا عليه، وهو الحجة عليهم،يقولون في رجل
توفي وترك ابنته او ابنتيه وترك اخاه لابيه وامه او اخته لابيه
وامه او اخته لابيه او اخاه‏لابيه : انهم يعطون الابنة النصف او
ابنتيه الثلثين، ويعطون بقية المال اخاه لابيه وامه او اخته
لابيه اواخته لابيه وامه، دون عصبة بني عمه وبني اخيه، ولا
يعطون الاخوة للام شيئا.
قال: فقلت لهم: فهذه الحجة عليكم! انما سمى اللّه للاخوة للام
انه يورث كلالة، فلم تعطوهم مع الابنة شيئا،واعطيتم الاخت
للاب والام والاخت للاب بقية المال دون العم والعصبة، وانما
سماهم اللّه عزوجل كلالة كماسمى الاخوة للام كلالة، فقال
عزوجل من قائل: (يستفتونك قل اللّه يفتيكم في الكلالة)، فلم
فرقتم بينهما؟فقالوا: السنة واجماع الجماعة. قلنا: سنة اللّه
وسنة رسوله او سنة الشيطان واوليائه؟ فقالوا: سنة فلان‏وفلان.
قلنا: قد تابعتمونا في خصلتين وخالفتمونا في خصلتين: قلنا:
اذا ترك واحدا من اربعة فليس الميت يورث‏كلالة اذا ترك ابا او
ابنا، قلتم: صدقتم. فقلنا: او اما او ابنة، فابيتم علينا. ثم تابعتمونا
في الابنة فلم تعطواالاخوة من الام معها شيئا، وخالفتمونا في
الام، فكيف تعطون الاخوة للام الثلث مع الام وهي حية
وانمايرثون بحقها ورحمها؟! وكما ان الاخوة والاخوات للاب
والام والاخوة والاخوات للاب لا يرثون مع الاب شيئالانهم
يرثون بحق الاب، كذلك الاخوة والاخوات للام لا يرثون معها
شيئا.
واعجب من ذلك انكم تقولون: ان الاخوة من الام لا يرثون
الثلث ويحجبون الام عن الثلث فلا يكون لهاالاالسدس، كذبا
وجهلا وباطلا قد اجمعتم عليه.
فقلت لزرارة: تقول هذا برايك؟ فقال: انا اقول هذا برايي؟! اني
اذا لفاجر، اشهد انه الحق من اللّه ومن رسوله(ص) ((389)).
5- عن علي بن سعيد قال: قال لي زرارة: ما تقول في رجل
ترك ابويه واخوته لامه؟ فقلت: لامه السدس وللاب‏ما بقي، فان
كان له اخوة فلامه السدس.
فقال: انما اولئك الاخوة للاب والاخوة للاب والام، وهو اكثر
لنصيبها ان اعطوا الاخوة للام الثلث واعطوهاالسدس، وانما
صار لها السدس وحجبها الاخوة للاب والاخوة من الاب والام،
لان الاب ينفق عليهم فوفرنصيبه، وانتقصت الام من اجل
ذلك. فاما الاخوة من الام فليسوا من هذه في شي‏ء ولا
يحجبون امهم عن‏الثلث.
قلت: فهل يرث الاخوة من الام شيئا؟
قال: ليس في هذا شك، انه كما اقول لك ((390)).
6- عن موسى بن بكر قال: قلت لزرارة: ان بكيرا حدثني عن
ابي جعفر (ع) ان الاخوة للاب والاخوات للاب‏والام‏يزادون
وينقصون، لان هن لا يكن اكثر نصيبا من الاخوة والاخوات
للاب والام لو كانوا مكانهن، لان اللّهعزوجل يقول: (ان امرؤ
هلك ليس له ولد وله اخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها ان لم
يكن لها ولد)، يقول: يرث‏جميع مالها ان لم يكن لها ولد،
فاعطوا من سمى اللّه له النصف كملا، وعمدوا فاعطوا الذي
سمى اللّه له النصف‏كملا، وعمدوا فاعطوا الذي سمى اللّه له
المال كله اقل من النصف، والمراة لا تكون ابدا اكثر نصيبا
من رجل‏لو كان مكانها.
قال: فقال زرارة: وهذا قائم عند اصحابنا لا يختلفون فيه. ((391))
7- عن زرارة قال: «قال لي ابو عبد اللّه (ع): يا زرارة، ما تقول
في رجل ترك ابويه واخوته من امه؟
قال: قلت: السدس لامه، وما بقي فللاب.
فقال: من اين قلت هذا؟
قلت: سمعت اللّه عزوجل يقول في كتابه: (فان كان له اخوة
فلامه السدس).
فقال: ويحك يا زرارة! اولئك الاخوة من الاب، فاذا كان الاخوة
من الام لم يحجبوا الام عن الثلث‏» ((392)).
8- عن عمر بن اذينة قال: قلت لزرارة: ان اناسا حدثوني عنه
يعني ابا عبداللّه (ع) وعن ابيه (ع) باشياء في‏الفرائض،
فاعرضها عليك، فما كان منها باطلا فقل: هذا باطل، وما كان
منها حقا فقل: هذا حق ولا تروه‏واسكت.
وقلت له: حدثني رجل عن احدهما (ع) في ابوين واخوة لام
انهم يحجبون ولا يرثون، فقال: هذا واللّه هو الباطل،ولكني
ساخبرك ولا اروي لك شيئا، والذي اقول لك هو واللّه الحق، ان
الرجل اذا ترك ابويه فللام الثلث وللاب‏الثلثان في كتاب اللّه،
فان كان له اخوة يعني للميت، يعني اخوة لاب وام او اخوة
لاب فلامه السدس وللاب‏خمسة اسداس، وانما وفر للاب من
اجل عياله، واما اخوة لام ليسوا للاب فانهم لا يحجبون الام عن
الثلث ولايرثون، وان مات رجل وترك امه واخوة واخوات لام
واب واخوة واخوات لاب واخوة واخوات لام وليس الاب‏حيا
فانهم لا يرثون ولا يحجبونها، لانه لم يورث كلالة ((393)).

ثانيا: البعد الروائي
اشتهر ال اعين بالحديث وروايته، حتى قال ابو غالب فيهم:
«وال اعين اكثر اهل بيت في الشيعة، واكثرهم‏حديثا وفقها،
وذلك موجود في كتب الحديث ومعروف عند رواته‏» ((394)).
ولعل من نافلة القول الخوض في هذا المجال في شخصية
زرارة، فهو من ائمة الحديث واكابر المحدثين في‏عصر الامامين
الصادقين (ع). ولا شك فان طول صحبته لهما تؤهله للظفر
باكبر عدد ممكن من الحديث.ونحن وان لم يصلنا تحديد دقيق
لمقدار ذلك كما ورد في نظرائه من اضراب محمد بن مسلم
الذي كان يحفظ‏ثلاثين الف حديث من احاديث اهل البيت (ع)
الا ان طبيعة صلته وصحبته الطويلة لهم (ع) والتي
تجاوزت‏الاربعة عقود تقتضي بذاتها حفظه وتحمله عنهم
عددا كبيرا من الاخبار.
وقد افصح زرارة عما لديه من حديثهم عندما ساله الامام الباقر
(ع) فاجابه بانه يحفظ الشي‏ء الكثير منها. هذاقبل اختصاصه
بالامام الصادق (ع).
وايا كان، فالواصل الينا من حديثه الذي امكن ضبطه في
مصادرنا الروائية يتجاوز الالفي رواية((395)).
والثابت انه روى عن الامامين الصادقين (ع). وعده الشيخ في
اصحاب الكاظم (ع) ايضا ((396)). ونقل بعض‏الاجلاء انه روى
عن الامام زين العابدين (ع) ((397)).
فلا وقع حينئذ لما ادعاه الذهبي من ان زرارة قلما كان يروي،
وكذا ما نقله عن سفيان من انه ما راى ابا جعفر(ع) ((398))،
فان منشا كل ذلك هو عدم الالمام والاحاطة باحوال هذا
المحدث الكبير، ان لم نقل ان منشاه‏التحامل عليه، او الازدراء
لشخصه والحط من شانه.

وثاقته ومرجعيته في الحديث:
ان جلالة زرارة ووثاقته امر ثابت لا يعتريه الريب، فقد اشار
الائمة (ع) في اكثر من نص الى مكانته في‏الحديث، وكلماتهم
في هذا الشان كثيرة، وهي اوسمة كبيرة في حق هذه
الشخصية الفذة. ومن تلك الكلمات‏الرائعة التي يغنينا ذكرها
عن توثيقات ائمة الحديث والرجال قول الامام الصادق (ع)
عندما عرضت عليه‏رواية لزرارة يرويها عن ابيه الباقر (ع) :
«انه لا يجوز رد حديثه‏» ((399))، وقول الامام الرضا (ع)
لسائله‏في رواية زرارة: «اوترى احدا كان اصدع بالحق منه؟!». ((400))
وبعد، فزرارة الشخصية التي طالما اشاد الامام الصادق (ع)
بدورها، حيث كان لها قصب السبق في احياءامرهم، ونشر
تعاليمهم، وتركيز معالم مدرستهم (ع). وفي هذا المضمار
يقول (ع): «ما اجد احدا احيا ذكرناواحاديث ابي (ع) الا زرارة
وابا بصير...» الحديث ((401)).
وخصه (ع) بقوله: «لولا زرارة لظننت ان احاديث ابي (ع)
ستذهب‏» ((402)).
وقد كان لدوره هذا وما صدر فيه من توثيق وتصديق من جهة
الائمة (ع) اثر كبير في تركيز مرجعيته في‏نفوس اتباع اهل
البيت (ع) على الصعيد المذكور، فكان يرجع اليه الرواة في
تلقي الحديث، وكان ذلك ايضاباشارة من الامام الصادق (ع) ،
فانه لما اخبره الفيض بن المختار باختلاف شيعتهم في الكوفة
فيما يرووه‏عنهم، ارشده (ع) الى زرارة وقال: «اذا اردت حديثنا
فعليك بهذا الجالس واوما بيده الى رجل من اصحابه، فسالت
عنه، فقالوا: زرارة » ((403)).
وهكذا فقد كان زرارة مرجعا في معرفة الحديث، ورايه ميزانا
لتشخيص الصحيح من السقيم، يرجع اليه‏الرواة ويستمدون
منه فيما يعرض لهم.
ففي خبر عمر بن اذينة وهو من المكثرين في الرواية عنه انه
كان يرجع اليه ويلوذ به في رفع ما يشك فيه‏ويلتبس عليه،
قال: «قلت لزرارة: ان اناسا حدثوني عنه يعني ابا عبداللّه (ع)
وعن ابيه (ع) باشياء،فاعرضها عليك، فما كان منها باطلا فقل:
هذا باطل، وما كان منها حقا فقل: هذا حق ولا تروه واسكت‏». ((404))
وقد كانت طريقته في تحمل الحديث وسماعه التقيد بكتابته
وضبطه، عملا بوصية الامام الصادق (ع) في‏ذلك، خشية ضياع
النص او تغيره.
كما انه (رضي اللّه عنه) كان في غاية الادب في تعامله مع
الامام الصادق (ع)، لا يلح عليه في السؤال، ولا يثقل‏عليه في
المجلس، بل يكتفي بالسؤال يطرحه بين يديه، فان اجابه بادر
الى فتح الواحه وتدوين ما سمع من‏فيض الامام وعلمه، وان هو
امسك عن جوابه لم يعد الى السؤال وفوض الامر اليه.
ففي ذات مرة، دخل على الامام الصادق (ع) وتوجه اليه بمسالة
حول وقت صلاة الظهرين والابراد بها في‏الصيف، وفتح الواحه
ليكتب، فلم يجبه الامام (ع) بشي‏ء، فاطبقها، ثم قال: «انما
علينا ان نسالكم، وانتم اعلم‏بما عليكم‏»، وخرج ((405)).
وقد اخذ زرارة بذلك الادب الرفيع وتعلمه من الامام ابي جعفر
الباقر (ع) حينما ساله في قوله تعالى: (فاسالوااهل الذكر ان
كنتم لا تعلمون) ((406)): من المعنون بذلك؟ فقال (ع):
نحن. فساله ثانية: فانتم المسؤولون؟ فاجابه: نعم. قال زرارة:
ونحن السائلون؟ فقال الامام: نعم. فقال له: فعلينا ان نسالكم؟
فاجابه: نعم. فتابع‏السؤال: وعليكم ان تجيبونا؟ فقال: لا، ذاك
الينا، وان شئنا فعلنا، وان شئنا تركنا. ثم قال (ع) كالمستدل
:(هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب) ((407)) ((408)) .