بسم اللّه الرحمن الرحيم

وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون

«كلمة التحرير»

الشهيد الصدر... الفقيه المجدد

(النبوغ العظمة الخلود العبقرية السمو) هي ادوات كل
كاتب عند ما يتصدى للكتابة عن شخصية كبيرة.. (المجاز
آالاستعارة الكناية المبالغة) هي الاليات التي يعتمدها في
صناعة البيان.. فيبدا ينحت الجمل والعبارات على
صفحاته‏واوراقه.. ويضغط بكل ما اوتي من قوة في سبيل تفعيل
قريحته لخلق اجواء الاثارة وتصعيد ملكة الفصاحة الى اقصى
مايمكن.. وغالبا ما يشعر الكاتب بان غرضه لم يشبع بعد فيقفز
جدار الواقع ويلجا الى باحات الوهم.. وكثيرا ما يحس بان
هدفه‏لم يتحقق فيطرق باب مخيلته مسترحما عسى ان يظفر
بصورة اكثر جذابية واشد بهاءا..
غير اني لا اشعر وانا اريد الحديث عن الشهيد الصدر (قدس
سره) بالحاجة الى تكلف التعبير.. ولا اجدني مضطرا الى‏ورود
منطقة الخيال لاستعارة اللوحات الادبية.. فانه يكفي للتعريف
به ان اعرض بعض اللمحات عن خصاله وان انقل قطرة‏من بحر
عطائه النظري او العملي.. ثم ادع المجال له (قدس سره)
ليتحدث عن نفسه لا بلغة الالفاظ بل بلغة الانجازات وماصنعته
يداه من كيان، من هنا سيلمس القارئ الموقر منا في هذه
الكلمة الافتتاحية خروجا عما الفه في الاعداد السابقة من‏ناحية
الصياغة والبيان.. وانها للمرة الاولى التي امارس الكتابة فيها
بقلم لا املك تسييره ولا استطيع ايقافه.. وانها للمرة‏الاولى
التي اعبر فيها بكلمات ليست من بنات افكاري.. وانها للمرة
الاولى التي اقف فيها مدهوشا قد ازدحمت امامي رؤى و
آراءومواقف وبطولات لرجل كان كل الرجل.. لقد تالق له في
كل سماء من سماوات العلى نجم ولما يافل.. وبزغت في كل افق
من آفاق‏الكمال له شمس ولما تغرب... فلنطل على واحد من
تلك الافاق اطلالة سريعة وسنتوقف في بعض المحطات بما
يتناسب مع‏خط المجلة باعتبارها متخصصة في دائرة الفقه،
وبما يتناسب مع الافتتاحية من الاختصار بالقدر الممكن.

في افق المؤسسة الفقهية:
شرع في دراسته لعلوم الشريعة يافعا لكن لا كما شرع غيره من
طلبة العلوم الدينية... اذ الظروف العائلية التي مرت به كانت‏في
منتهى القساوة بحيث لم تترك لمن يعيشها خيارا خصوصا
لمن كان في مثل سنه آنذاك.. بيد انه لم ينحن لها وصمم
فعاش‏كما اراد.. او قل: كما ارادت له رسالته ان يعيش.. لقد
قطع المراحل الدراسية المعهودة كافة بطريقة شاقة لا يقوى
على سلوكهاسواه.. فاستوعب ما عند الاصحاب واعط‏ى لكن لا
كما يعط‏ي الاخرون.. فقد وفى للحوزة العلمية ايما وفاء وخدم
المؤسسة‏الفقهية ايما خدمة..
على صعيد علم الاصول:
ففيما يرتبط بالهيكل العام في ترتيب البحوث الاصولية لم
يخلد الى الراحة متكلا على المنهج المعروف في مدرسة
الشيخ‏الانصاري (رحمه اللّه) بل اقترح في قبال ذلك التقسيم
المالوف تقسيمين مبتنيين على لحاظ حيثيات فنية:

الاول: التقسيم بلحاظ نوع الدلالة من حيث كونها لفظية او
غير لفظية :
1- مباحث الالفاظ
2- مباحث الاستلزام العقلي:
(1) المستقلا ت العقلية.
(2) غير المستقلا ت العقلية.
3- مباحث الدليل الاستقرائي:
(1) التواتر.
(2) الاجماع.
(3) السيرة.
4- الحجج الشرعية:
(1) الامارات.
(2) الاصول العملية الشرعية.
5- الاصول العملية العقلية.

الثاني: التقسيم بلحاظ كاشفية الدليل عن الحكم الشرعي:
1- الادلة (المحرزة):
(1) الادلة الشرعية: ويصنف البحث فيه الى ثلاث جهات:
الاولى: في تحديد دلالات الدليل الشرعي: اللفظ‏ي وغير
اللفظي.
الثانية: في اثبات صغراه، اي صدوره من الشارع.
الثالثة: في حجية تلك الدلالات.
(2) الادلة العقلية: ويصنف البحث فيه الى جهتين:
الاولى: البحث الصغروي، اي اثبات القضايا العقلية: المستقلا ت
العقلية وغير المستقلا ت العقلية
الثانية: البحث الكبروي، اي حجية الدليل العقلي.
2- الاصول العملية:
وكلا التقسمين يشتركان في امرين:
(1) مقدمة تشتمل على: الحكم الشرعي وحجية القطع.
(2) خاتمة في التعارض بين الادلة.
وقد سار على المنهج الاول في البحث الخارج (بحوث في علم
الاصول) في حين رجح المنهج الثاني في كتابه (دروس في
علم‏الاصول) لانه اكثر قدرة على اعطاء الدارس صورة واضحة
عن دور القاعدة الاصولية في المجال الفقهي ورؤية اجلى
لكيفية‏الممارسة الفقهية لقواعد علم الاصول.
* بين ملامح مدرسته الاصولية بدقة عقلية حلق فيها الى (غاية
الفكر) بمهارة قلما توفر عليها احد.. وتراه يصول ويجول
في‏ميادين الاصول الشائكة والمعقدة متدرعا ب (مباحث
الاصول) ومزمجرا ب (بحوث في علم الاصول) وهو ابن بجدتها
مقلبامختلف النظريات ظهرا لبطن سابرا اغوارها فيخرج ظافرا
حائزا قصب السبق لم يسبقه سابق ولم يلحقه لاحق حتى
انك‏لتلاقي صعوبة في دراسة التراث الاصولي لهذا الرجل، لا
من جهة عدم وضوح الاسلوب او غموض العبارة، بل من ناحية
جدة‏الفكرة او افقها الجديد والعميق الذي اعطاه لها السيد
الشهيد (قدس سره)، فانك لا تجد لبعض افكاره ونظرياته
شبيها في‏كتب السابقين، ومن هنا يجد الدارس او الممارس
لتدريس كتبه مشقة في فهم افكاره، ولا معين لهم يرجعون
اليه لتوضيح‏هذه الافكار.. والملاحظ انه لم يتجاوز دائرة علم
الاصول استرسالا مع روح المناظرة والمباحثة وانسيابا مع حب
الاستطلاع..فلم يمزج بين المباحث الاصولية والفلسفية
والكلامية والفقهية.. ففي اول وهلة ميز بين البحث الاصولي
والبحث الفقهي،وميز بين القاعدة الفقهية والقاعدة الاصولية،
فمنح بذلك لعلم الاصول هوية مستقلة تفصله عن العلوم
اللصيقة به‏والمتداخلة معه، وقدم تعريفا لعلم الاصول قطع فيه
النزاع الطويل الذي استهلك جهدا ووقتا من الباحثين في هذا
المجال‏فخلصهم بذلك من غياهب (العوارض الذاتية) وجعلهم
يعرفون العلم كما يعرفون ابناءهم قال (قدس سره): «انه
العلم‏بالعناصر المشتركة في استنباط جعل شرعي‏».. كان يحس
بثقل التكليف الشرعي ومسؤوليته تجاه مولاه عزوجل
كعبدتضاءل امام عظيم سلطانه فوضع في عنقه نير (حق
الطاعة) له حتى فيما يحتمل او يظن فضلا عما لو قطع بمراده
سبحانه..فجميع ذلك عنده (منجز).. ولم يكن يصغي لايقاع
مقولة المشهور (قبح العقاب بلا بيان) ولم تطربه انغام (البراءة
العقلية)التي ركن اليها غيره.. ولم يركض وراء (معذرية) تؤمن
له راحة البال.. فمنجزية الاحتمال كانت تدعوه الا يقر له قرار
حتى‏يتيقن بورود الموقف الحاسم من الشارع سلبا او ايجابا..
وقد اتعب نفسه الزكية في لم شتات القرائن والاحتمالات من
هنا وهناك حتى تصاعدت قيمتها ب (التوالد الموضوعي)
وبارك اللّه له فيها بحكمته فتحولت ب (التوالد الذاتي) الى
وضوح‏وانكشاف تام.. لم يفهم (الحكم الشرعي) على اساس انه
مجرد خطاب صادر من الشارع.. بل فهمه على اساس ما له من
محتوى‏ومضمون في (عالم الثبوت) من (ملاك) و (ارادة) و
(اعتبار) لا انه صرف (ابراز) في (عالم الاثبات).. و كان ينظر
الى الحكم‏الشرعي بمنظار الواقع فاكتسبت (الاحكام الظاهرية)
لديه معنى آخر.. فخى بينها و بين (الاحكام الواقعية) تحت
مظلة(التزاحم الحفظ‏ي) من دون ان ينزلق في محذور
(اجتماع الضدين) و (اجتماع المثلين).. ما كان سطحيا فلم يعر
اهمية كبيرة‏للالفاظ والمهم هو المعنى لديه.. فالالفاظ عنده
اصوات متى اقترنت بالمعاني (قرنا اكيدا) تسربلت بلباس
(الدلالة).. ولم تنشاالدلالة بين الالفاظ والمعاني بتاثير
(الاعتبار) او (التعهد) او دعوى (السببية الذاتية) بينهما..
لقد وضع (التواتر) تحت مجهره الدقيق فبانت عناصره الصغيرة
التي اجتمعت وتكاثرت وبرزت كوحدة يقينية منسجمة
لايعتريها ريب او شك..
وانزل (الاجماع) من عرشه كاحد الادلة الاربعة وارجعه الى
السنة المطهرة باعتباره وسيلة اثبات لها احيانا.. وطفق‏بتشريح
(الاجماع) على طاولة (نظرية الاحتمال) فازال عنه لغز (قاعدة
اللطف) ونجاه من اسطورة (الاجماع الدخولي)..
لقد كان واقعيا فليس البخس من شيمه فاعط‏ى (الحسن) حقه
فاكبره وعشقه وكان يفر من (القبح) فراره من الاسد.. لانه
ادرك‏بعقله و وجدانه ان (الحسن والقبح امران واقعيان) لم
ينبثقا من (الاعتبار) المبتني على المصالح التي يراها الناس..
كان هذا ديدنه في مسيرته الاصولية.. وكان هذا منطقه في
البحث الاصولي.. لذا لا تجده يمر على مطلب دون ان يتوقف
معلقا اومضيفا او مغيرا لاتجاه البحث فيه وواضعا اياه في مساره
الصحيح.. كانت نظرته حول طبيعة هذا العلم من الوضوح
بمكان..وتحصلت لديه رؤية خاصة عنه فاسس واصل وابان له
(المعالم الجديدة)..
لم يتعامل مع علم الاصول بنظرة موضعية ولم يركز نظره على
ذات العلم ومسائله كما هي عليه الان فحسب.. وانما
سرح‏بطرفه الى مدى ابعد فراح ينقب عن نسبه وتاريخ نشاته
ومراحل تطوره.. وبدا (قدس سره) رحلته التاريخية فعرف ان
علم‏الاصول كان قد ولد في احضان على الفقه.. ولم يك يشك
في ان بذرة التفكير الاصولي وجدت لدى اصحاب الائمة (ع)
منذ ايام‏الصادقين على مستوى تفكيرهم الفقهي.. وما كانت
آنذاك فكرة (العناصر المشتركة) واهمية دورها في عملية
الاستنباط‏بالوضوح والعمق الكافيين.. وانما اتضحت معالمها
وتعمقت بالتدريج خلال توسع العمل الفقهي.. ولم تنفصل
دراسة‏العناصر المشتركة بوصفها دراسة علمية مستقلة عن
البحوث الفقهية وتصبح قائمة بنفسها الا بعد مضي ردحا من
الزمن.. ان‏ظهور علم الاصول والانتباه العلمي الى العناصر
المشتركة في عملية الاستنباط كان يتوقف على وصول عملية
الاستنباط الى‏درجة من الدقة والاتساع وتفتح الفكر الفقهي
وتعمقه، ولهذا لم يكن من المصادفة ان يتاخر ظهور علم
الاصول تاريخيا عن‏ظهور علم الفقه والحديث.. واخذ يتطور
تدريجيا.. وقد ضغط (قدس سره) هذا التطور في ثلاثة عصور:
الاول: العصر التمهيدي: وهو عصر وضع البذور الاساسية لعلم
الاصول، ويبدا هذا العصر بابن ابي عقيل وابن الجنيدوينتهي
بظهور الشيخ..
الثاني: عصر العلم: وهو العصر الذي اختمرت فيه تلك البذور
واثمرت وتحددت معالم الفكر الاصولي وانعكست على‏مجالات
البحث الفقهي في نطاق واسع.. ورائد هذا العصر هو الشيخ
الطوسي ومن رجالاته الكبار ابن ادريس والمحقق الحلي‏والعلا
مة والشهيد الاول..
الثالث: عصر الكمال العلمي: وهو العصر الذي افتتحته في
تاريخ العلم المدرسة الجديدة التي ظهرت في اواخر
القرن‏الثاني عشر الهجري على يد الاستاذ الوحيد البهبهاني..
وبدات تبني للعلم عصره الثالث بما قدمته من جهود متضافرة
في‏الميدانين الاصولي والفقهي.. وفي هذه المدة تعاقبت اجيال
ثلاثة من نوابغ هذه المدرسة:
ويتثمل الجيل الاول في المحققين الكبار من تلامذة الاستاذ
الوحيد كبحر العلوم وكاشف الغطاء والميرزا القمي والسيد
علي‏الطباطبائي واسد اللّه التستري..
ويتمثل الجيل الثاني في النوابغ الذين تخرجوا على بعض
هؤلاء.. كالشيخ محمد تقي بن عبد الرحيم وشريف العلماء
والسيدمحسن الاعرجي والمولى احمد النراقي والشيخ محمد
حسن النجفي..
واما الجيل الثالث فعلى راسه تلميذ شريف العلماء المحقق
الكبير الشيخ مرتضى الانصاري وقد قدر له ان يرتفع بعلم
الاصول‏في عصره الثالث الى القمة..
ولا يزال علم الاصول والفكر العلمي السائد في الحوزات
العلمية الامامية يعيش العصر الثالث الذي افتتحته مدرسة
الاستاذالوحيد..
والى هنا يتوقف (قدس سره) وينهي رحلته مؤرخا للعلم ولكنه
واصل مسيرته اصوليا واتى بما لم تات به الاوائل فغربل
هذاالعلم واخلاه من كل نقاط الضعف وقدمه خالصا سائغا
للشاربين حتى صار عصره عصرا رابعا او كاد..

على صعيد علم الفقه:
لقد امتازت مدرسة اهل البيت (ع) على صعيد الفقه بعدة
خصائص ميزتها عن المدارس الفقهية الاسلامية الاخرى من
حيث‏المباني الاصولية، فمن الواضح لكل من له ادنى خبرة
بالفقه وادلته ان هذه المدارس تتفق في الجملة على بعض
الادلة‏كالكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة والاجماع والعقل،
كما تختلف في بعض آخر كالقياس والاستحسان
والمصالح‏المرسلة ومذهب الصحابي وشبه ذلك. وقد وقفت
مدرسة اهل البيت (ع) موقفا موضوعيا تجاه هذه الاصول
فقبلت ما قامت‏عليه الحجة ورفضت الاستناد الى القياس
والاستحسان والمصالح المرسلة لعدم قيام الدليل المحرز على
حجيتها بل انها لاتفيد اكثر من الظن. وهذا يعني قلة الخيارات
الممكنة امام عملية الاستدلال في الاطار الشيعي، وطبق
الحسابات المتعارفة كان‏ينبغي ان يغلق باب الاجتهاد في هذه
المدرسة او ان ينحسر الى حد كبير، الا اننا نرى العكس تماما
حيث التطور الملحوظ الذي‏شهدته هذه المدرسة خلال
تاريخها الطويل، فلم تتوقف هذه الحركة يوما ما واخذت تؤتي
اكلها كل حين باذن ربها، والسبب‏الاكبر يعود الى مؤسسي هذه
المدرسة وهم ائمة اهل البيت (ع) الذين احكموا ركائز هذا
الكيان وسقوه بماء الرسالة وامدوه‏بعناصر البقاء والديمومة، مما
دفع بخريجي هذه المدرسة المباركة ان ينموا ذلك البذر
ويواصلوا رعايته حتى صار زرعااخرج شطاه فازره فاستغلظ
فاستوى على سوقه يعجب الزراع.
وفقيهنا الشهيد الصدر (قدس سره) احد ابناء هذه المدرسة لم
يشذ عن اصولها ولا عن طريقتها.. ففي مقدمة كتاب
الفتاوى‏الواضحة حدد مصادر الفتوى، قال (قدس سره): «ونرى
من الضروري ان نشير اخيرا بصورة موجزة الى المصادر
التي‏اعتمدناها بصورة رئيسية في استنباط هذه الفتاوى
الواضحة، وهي كما ذكرنا في مستهل الحديث عبارة عن
الكتاب الكريم‏والسنة الشريفة المنقولة عن طريق الثقاة
المتورعين في النقل مهما كان مذهبهم. اما القياس
والاستحسان ونحوهما فلا نرى‏مسوغا شرعيا للاعتماد عليها.
واما ما يسمى بالدليل العقلي الذي اختلف المجتهدون
والمحدثون في انه هل يسوغ العمل به او لا فنحن وان كنا
نؤمن بانه‏يسوغ العمل به ولكنا لم نجد حكما واحدا يتوقف اثباته
على الدليل العقلي بهذا المعنى، بل كل ما يثبت بالدليل
العقلي فهو ثابت‏في نفس الوقت بكتاب او سنة.
واما ما يسمى بالاجماع فهو ليس مصدرا الى جانب الكتاب
والسنة وانما لا يعتمد عليه الا من اجل كونه وسيلة اثبات في
بعض‏الحالات.
وهكذا كان المصدران الوحيدان هما الكتاب والسنة ونبتهل الى
اللّه تعالى ان يجعلنا من المتمسكين بهما ومن استمسك
بهما(فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها واللّه سميع
عليم)» ((1)).
اذن فالاليات التي اعتمدها في الاستنباط في الجملة هي
الادلة المتعارفة في مدرسة اهل البيت (ع)، والتي اسماها
بالعناصرالمشتركة لا عن تقليد وتبعية غير واعية، بل تبناها بعد
ما ثبتت حجيتها بالدليل، وهذا ما عالجه نظريا في اطار علم
اصول‏الفقه كما تقدمت الاشارة الى ذلك. وبعد ان احكم اسس
عملية الاستنباط وما تبتني عليه من قواعد كلية شرع في
ممارسة‏الاستدلال وتفعيل تلك الادلة المشتركة في استخراج
الاحكام الشرعية الفرعية. ونحن اذ نذكر بالمباني الاصولية لا
رغبة في‏التكرار والاعادة وانما نريد التاكيد على شدة الارتباط
بين عالم الاصول وعالم الفقه ومدى تاثير الاول في الثاني، فان
الدقة‏والعمق في علم الاصول سيلقيان بظلالهما على عملية
الاجتهاد واستخراج الاحكام، فكلما تكاملت الخبرة الاصولية
لدى‏المجتهد ونضجت عنده المباني كلما توفق في عملية
الاستدلال واستطاع ان يعمل هذه المباني بمهارة تامة. ونلمس
هذا الامربشكل جلي في عملية اجراء الاصول العملية، فان
تشخيص كون المورد الذي يعالجه المجتهد مجرى لاي اصل
من الاصول‏العملية في غاية الاهمية، فهل هو مجرى لاصالة
البراءة او لاصالة الاحتياط او غيرها من الاصول؟ وتحديد
الاجابة على هذاالسؤال بدقة سيحدد النتيجة التي سينتهي
اليها الفقيه في مقام الافتاء وبيان الموقف الشرعي، وبلا شك
تتفاوت هنا الاجابة‏بحسب تفاوت خبرة المجتهد الاصولية.
وايضا يبرز لنا بوضوح اثر الخبرة الاصولية على عملية
الاستنباط في اعمال قواعد التعارض عند ما يواجه الفقيه
ادلة‏متعارضة ويحاول حل هذا التعارض والتنافي بين الادلة،
فان الاصولي الماهر يعالج التعارض بعمق ومتانة في حين
قديتعامل الاصولي الاعتيادي بسطحية.
من هنا نعرف ان توفر الشهيد الصدر (قدس سره) على رؤية
اصولية دقيقة وامتلاكه مبان متقنة واصول محكمة
اكسبه‏عنصر قوة في عملية تطبيق تلك المباني وممارسة
الاستنباط، فان المهارة المتميزة في مجال الفقه التي تمتع بها
(قدس‏سره) لا يمكن فصلها عن الارضية الاصولية التي ارسى
عليها بحوثه الفقهية. وهذه البحوث وان لم تكن من الناحية
الكمية‏بتلك السعة والاستيعاب، اذ لم تكن لديه الفرصة الكافية
لمعالجة ابواب فقهية كثيرة بيد ان المقدار الذي بحثه يكشف
بصورة‏واضحة معالم مدرسته الفقهية المتينة، ويعكس مساحة
التجديد والتطوير الذي تم على يده (قدس سره).

* ان اهم دراساته الفقهية الاستدلالية هي:
(1) بحوث في شرح العروة الوثقى: وهو تلخيص وايجاز لما القاه
في مجلس الدرس خلال الفترة (10 / جمادي الثانية /
1385)الى اواسط سنة 1393 هجرية، وقد حرره بقلمه وفرغ
من كتابته في اليوم الرابع عشر من جمادى الاولى سنة
1397هجرية.
وهو شرح لمتن فقهي معروف في الاوساط الحوزوية وهو كتاب
العروة الوثقى لفقيه اهل البيت (ع) السيد محمد
كاظم الطباطبائي اليزدي (قدس سره). وقد تيسر للسيد

الشهيد ان يشرح بعض فصول هذا الكتاب وهو بحث المياه
واقسامها،والاعيان النجسة وقسما كبيرا من احكام النجاسات.
(2) بحث احياء الموات: وهو عبارة عن تقريرات لبحث عقده في
ايام العطلة. وقد بحث (قدس سره) ذلك مرتين:
المرة الاولى سنة 1381 ه، واشتمل البحث على ثلاثة مقامات
(ادلة ملكية الامام للموات، الادلة المعارضة، احكام
الموات)،وبعد ذلك تعرض لبحث اخبار التحليل وبحث
المعادن، واحتوت الخاتمة على بعض الاستدراكات.
والمرة الثانية سنة 1391 ه، بحث فيه ثلاث مسائل: الاولى:
ملكية الارض الموات، الثانية: ما يكتسب بالاحياء، الثالثة:
بقاءحق المحيي بعد اهماله.
(3) بحث الحوالة: وهو ايضا تقريرات لبحث كان قد القاه في
ليالي شهر رمضان سنة 1390 ه. وقد فهرس البحث في
ثلاثة‏فصول: الاول في بيان حقيقة الحوالة وتكييفها الفقهي،
والثاني في بيان مقوماتها واركانها وهي ثلاثة (العقد
المتعاقدان المال)، والثالث في بيان احكام الحوالة وآثارها، الا
انه لم يكمل بحثه الى الاخير بل توقف عند الركن الثاني من
الفصل الثاني،اي بحث المتعاقدين.
(4) بحث الخمس: وهو عبارة عن تقرير لبحوثه كتبها احد
تلامذته، ولم تطبع الى الان. وقد اشير الى بعض آرائه ونظرياته
في‏بحوث تلامذته.
(5) هذا، وقد نقل بعض طلا به قسما من آرائه ونظرياته في
العقود التي طرحها ابان تدريسه لكتاب (المكاسب)
للشيخ‏الانصاري.
(6) بعض البحوث الاستدلالية التي اوردها (قدس سره) في
كتابي (اقتصادنا) و (البنك اللاربوي) سيما في الملاحق
التي‏اوردها آخر الكتابين المذكورين.
(7) البحوث الاستدلالية المتفرقة، حيث تطرق في كتبه
الفتوائية الى بعض الاستدلالات، كما نجد بعض الاستدلالات
في كتبه‏الفكرية والثقافية.

* واما كتبه الفتوائية، فهي:
(1) تعليقة على كتاب منهاج الصالحين (للسيد الحكيم): وقد
استوعب فيها اكثر الابواب الفقهية.
(2) الفتاوى الواضحة: ولم يكمل منها سوى الجزء الاول الذي
تضمن قسم العبادات فقط. وهي رسالة عملية فريدة من
نوعهامن ناحية المنهجية والاسلوب والبيان.
(3) تعليقة على مناسك الحج للسيد ابي القاسم الخوئي.
(4) موجز احكام الحج.
(5) تعليقة على فصل صلاة الجمعة من كتاب الشرائع.
(6) تعليقة على (بلغة الراغبين) وهي رسالة عملية لخاله الشيخ
محمد رضا آل ياسين (رحمه اللّه).

خصائص مسلكه الفقهي:
وعلى ضوء التراث الذي تركه (قدس سره) يمكن اقتناص عدة
خصائص لمسلك السيد الشهيد (قدس سره) امتاز بها عن‏سائر
المسالك الفقهية:
الخصيصة الاولى تاكيده لمرجعية القرآن الكريم: ولا ريب في
كون القرآن الكريم المصدر الاساسي للتشريع، ولاتجد فقيها
مهما كان اتجاهه الا ويستند في تخريج قسما من الاحكام
استنادا الى الكتاب. والذي نريد بيانه بهذا الشان هو توسعة‏دائرة
هذه المرجعية، وذلك في بعدين:
البعد الاول: لمرجعية القرآن الكريم: استخدام الايات في
الاستدلال على بعض الاحكام التي تعارف الفقهاء فيها
على‏استخدام ادلة اخرى غير الكتاب غافلين عن دلالة بعض
الايات عليها، حيث لم يعدوها من جملة آيات الاحكام، وهذا ما
نراه جليافي استدلاله لاثبات خط‏ي الخلافة والشهادة
والمساحة التي يتحرك فيها كل منهما، ففيما يرتبط بخط
الخلافة استدل بالايات‏التالية:
(1) (واذ قال ربك للملائكة اني جاعل في الارض خليفة قالوا
اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح
بحمدك‏ونقدس‏لك قال اني اعلم ما لا تعلمون وعلم آدم
الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني باسماء
هؤلاء ان كنتم صادقين‏قالوا سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا
انك انت العليم الحكيم قال يا آدم انبئهم باسمائهم فلما انباهم
باسمائهم قال الم اقل لكم اني‏اعلم غيب السماوات والارض
واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) ((2)).
(2) (اذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح) ((3)).
(3) (هو الذي جعلكم خلائف في الارض) ((4)).
(4) (يا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس
بالحق) ((5)).
(5) (انا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فابين ان
يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا). ((6))
ثم قال (قدس سره): «ان اللّه سبحانه وتعالى شرف الانسان
بالخلافة على الارض فكان الانسان متميزا عن كل عناصر
الكون‏بانه خليفة اللّه على الارض وبهذه الخلافة استحق ان
تسجد له الملائكة وتدين له بالطاعة كل قوى الكون المنظور
وغيرالمنظور.
والخلافة التي تتحدث عنها الايات الشريفة المذكورة ليست
استخلافا لشخص آدم (ع) بل للجنس البشري كله لان من
يفسد في‏الارض ويسفك الدماء وفقا لمخاوف الملائكة ليس
آدم بالذات بل الادمية والانسانية على امتدادها التاريخي
فالخلافة اذن، قداعطيت للانسانية على الارض ولهذا خاطب
القرآن الكريم في المقطع الثاني والمقطع الثالث المجتمع
البشري في مراحل‏متعددة وذكرهم بان اللّه قد جعلهم خلائف
في الارض وكان آدم هو الممثل الاول لها بوصفه الانسان الاول
الذي تسلم هذه‏الخلافة وحظ‏ي بهذا الشرف الرباني فسجدت
له الملائكة ودانت له قوى الارض.
وكما تحدث القرآن الكريم عن عملية الاستخلاف من جانب اللّه
تعالى كذلك تحدث عن تحمل الانسان لاعباء هذه الخلافة
بوصفهاامانة عظيمة ينوء الكون كله بحملها قال اللّه سبحانه
وتعالى:
(انا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فابين ان
يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا). ((7))
واستخلاف اللّه تعالى خليفة في الارض لا يعني استخلافه على
الارض فحسب بل يشمل هذا الاستخلاف كل ما
للمستخلف‏سبحانه وتعالى من اشياء تعود اليه واللّه هو رب
الارض وخيرات الارض ورب الانسان والحيوان وكل دابة تنتشر
في ارجاءالكون الفسيح وهذا يعني ان خليفة اللّه في الارض
مستخلف على كل هذه الاشياء ومن هنا كانت الخلافة في
القرآن اساساللحكم وكان الحكم بين الناس متفرعا على جعل
الخلافة كما يلاحظ في المقطع الرابع من المقاطع القرآنية
المتقدمة((8))المرتبطة بالخلافة.
ولما كانت الجماعة البشرية هي التي منحت ممثلة في آدم
هذه الخلافة فهي اذن المكلفة برعاية الكون وتدبير امر
الانسان‏والسير بالبشرية في الطريق المرسوم للخلافة الربانية.
وهذا يعط‏ي مفهوم الاسلام الاساسي عن الخلافة وهو ان اللّه
سبحانه وتعالى اناب الجماعة البشرية في الحكم وقيادة
الكون‏واعماره اجتماعيا وطبيعيا، وعلى هذا الاساس تقوم
نظرية حكم الناس لانفسهم وشرعية ممارسة الجماعة البشرية
حكم‏نفسها بوصفها خليفة عن اللّه» ((9)).

وبالنسبة الى خط الشهادة ذكر اولا الايات الكريمة التالية:
(1) (فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء
شهيدا) ((10)).
(2) (وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس
ويكون الرسول عليكم شهيدا) ((11)).
(3) (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت انت
الرقيب عليهم وانت على كل شي‏ء شهيد) ((12)).
(4) (ويوم نبعث في كل امة شهيدا عليهم من انفسهم وجئنا
بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شي‏ء
وهدى‏ورحمة‏وبشرى للمسلمين) ((13)).
(5) (هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول
شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس) ((14)).
(6) (ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام
نداولها بين الناس وليعلم اللّه الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء
واللّه لايحب الظالمين) ((15)).
(7) (انا انزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين
اسلموا للذين هادوا والربانيون والاحبار بما استحفظوا من
كتاب اللّهوكانوا عليه شهداء) ((16)).
(8) (واشرقت الارض بنور ربها ووضع الكتاب وجي‏ء بالنبيين
والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون) ((17)).
ثم قال معقبا على الاية السابقة: «ومن هنا امكن القول بان خط
الشهادة يتمثل:
اولا: في الانبياء.
وثانيا: في الائمة الذين يعتبرون امتدادا ربانيا للنبي في هذا
الخط.
وثالثا: في المرجعية التي تعتبر امتدادا رشيدا للنبي والامام في خط الشهادة.
والشهادة على العموم يتمثل دورها المشترك بين الاصناف
الثلاثة من الشهداء فيما يلي:
اولا استيعاب الرسالة السماوية والحفاظ عليها.
(بما استحفظوا من كتاب اللّه وكانوا عليه شهداء) ((18)).
ثانيا الاشراف على ممارسة الانسان لدوره في الخلافة
ومسؤولية اعطاء التوجيه بالقدر الذي يتصل بالرسالة
واحكامهاومفاهيمها.
ثالثا التدخل لمقاومة الانحراف واتخاذ كل التدابير الممكنة
من اجل سلامة المسيرة.
فالشهيد مرجع فكري وتشريعي من الناحية الايديولوجية
ويشرف على سير الجماعة وانسجامه ايديولوجيا مع
الرسالة‏الربانية التي يحملها ومسؤول عن التدخل لتعديل
المسيرة او اعادتها الى طريقها الصحيح اذا واجه انحرافا في
مجال التطبيق‏»((19)).
وقال في موضع آخر: «... فاعلن عن الغيبة الكبرى وبذلك بدات
مرحلة جديدة من خط الشهادة تمثلت في المرجعية وتميز
في‏هذه المرحلة خط الشهادة عن خط الخلافة بعد ان كانا
مندمجين في شخص النبي او الامام وذلك لان هذا الاندماج لا
يصح‏اسلاميا الا في حالة وجود فرد معصوم قادر على ان
يمارس الخطين معا، وحين تخلو الساحة من فرد معصوم فلا
يمكن حصرالخطين في فرد واحد.
فخط الشهادة يتحمل مسؤوليته المرجع على اساس ان
المرجعية امتداد للنبوة والامامة على هذا الخط. وهذه
المسؤولية‏تفرض:
اولا: ان يحافظ المرجع على الشريعة والرسالة ويرد عنها كيد
الكائدين وشبهات الكافرين والفاسقين.
ثانيا: ان يكون هذا المرجع في بيان احكام الاسلام ومفاهيمه
مجتهدا ويكون اجتهاده هو المقياس الموضوعي للامة من
الناحية‏الاسلامية وتمتد مرجعيته في هذا المجال الى تحديد
الطابع الاسلامي لا للعناصر الثابتة من التشريع في المجتمع
 الاسلامي‏فقط بل للعناصر المتحركة الزمنية ايضا باعتباره هو
الممثل الاعلى للايديولوجية الاسلامية.
ثالثا: ان يكون مشرفا ورقيبا على الامة وتفرض هذه الرقابة
عليه ان يتدخل لاعادة الامور الى نصابها اذا انحرفت عن
طريقهاالصحيح اسلاميا وتزعزعت المبادئ العامة لخلافة
الانسان على الارض.
والمرجع الشهيد معين من قبل اللّه تعالى بالصفات والخصائص
اي بالشروط العامة في كل الشهداء التي تقدم ذكرها ومعين‏من
قبل الامة بالشخص، اذ تقع على الامة مسؤولية الاختيار الواعي
له.
واما خط الخلافة الذي كان الشهيد المعصوم يمارسه فما دامت
الامة محكومة للطاغوت ومقصية عن حقها في الخلافة
العامة‏فهذا الخط يمارسه المرجع ويندمج الخطان حينئذ
الخلافة والشهادة في شخص المرجع وليس هذا الاندماج
متوقفا على‏العصمة لان خط الخلافة في هذه الحالة لا يتمثل
عمليا الا في نطاق ضيق وضمن حدود تصرفات الاشخاص ما
دام صاحب الحق‏في الخلافة العامة قاصرا عن ممارسة حقه
نتيجة لنظام جبار فيتولى المرجع رعاية هذا الحق في الحدود
الممكنة ويكون‏مسؤولا عن تربية هذا القاصر وقيادة الامة
لاجتياز هذا القصور وتسلم حقها في الخلافة العامة.
واما اذا حررت الامة نفسها فخط الخلافة ينتقل اليها فهي التي
تمارس القيادة السياسية والاجتماعية في الامة بتطبيق احكام
اللّهوعلى اساس الركائز المتقدمة للاستخلاف الرباني. وتمارس
الامة دورها في الخلافة في الاطار التشريعي
للقاعدتين‏القرآنيتين التاليتين:
(وامرهم شورى بينهم) ((20)).
(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يامرون بالمعروف
وينهون عن المنكر...) ((21)). فان النص الاول يعط‏ي للامة
صلاحية‏ممارسة امورها عن طريق الشورى ما لم يرد نص خاص
على خلاف ذلك والنص الثاني يتحدث عن الولاية وان كل
مؤمن‏ولي‏الاخرين ويريد بالولاية تولي اموره بقرينة تفريع الامر
بالمعروف والنهي عن المنكر عليه، والنص ظاهر في
سريان‏الولاية بين كل المؤمنين والمؤمنات بصورة متساوية.
وينتج عن ذلك الاخذ بمبدا الشورى وبراي الاكثرية عند
الاختلاف.
وهكذا وز ع الاسلام في عصر الغيبة مسؤوليات الخطين بين
المرجع والامة بين الاجتهاد الشرعي والشورى الزمنية فلم
يشاان تمارس الامة خلافتها بدون شهيد يضمن عدم انحرافها
ويشرف على سلامة المسيرة ويحدد لها معالم الطريق من
الناحية‏الاسلامية، ولم يشا من الناحية الاخرى ان يحصر
الخطين معا في فرد ما لم يكن هذا الفرد مطلقا اي معصوما.
وبالامكان ان نستخلص من ذلك ان الاسلام يتجه الى توفير جو
العصمة بالقدر الممكن دائما وحيث لا يوجد على الساحة
فردمعصوم بل مرجع شهيد ولا امة قد انجزت ثوريا بصورة
كاملة واصبحت معصومة في رؤيتها النوعية بل امة لا تزال
في‏اول الطريق فلابد ان تشترك المرجعية والامة في ممارسة
الدور الاجتماعي الرباني بتوزيع خط‏ي الخلافة والشهادة وفقا
لماتقدم.
ومن الضروري ان يلاحظ ان المرجع ليس شهيدا على الامة
فقط بل هو جزء منها ايضا وهو عادة من اوعى افراد الامة
واكثرهاعطاء ونزاهة وعلى هذا الاساس وبوصفه جزءا من الامة
يحتل موقفا من الخلافة العامة للانسان على الارض وله رايه
في‏المشاكل الزمنية لهذه الخلافة واوضاعها السياسية بقدر ما
له من وجود في الامة وامتداد اجتماعي وسياسي في صفوفها.
وهكذا نعرف ان دور المرجع كشهيد على الامة دور رباني لا
يمكن التخلي عنه ودوره في اطار الخلافة العامة للانسان
على‏الارض دور بشري اجتماعي يستمد قيمته وعمقه من
مدى وجود الشخص في الامة وثقتها بقيادته الاجتماعية
والسياسية‏»((22)).
البعد الثاني لمرجعية القرآن الكريم: النظرة الى دليلية الكتاب
لا من خلال حدود ضيقة، وهي الدلالات اللفظية لكل آية‏آية،
بل النظرة اليه نظرة مجموعية وانتزاع المفهوم او الموقف
القرآني على ضوء ذلك، وعلى هذا الاساس يكون منطلقنا
في‏فهم الاخبار والروايات وتحديد دلالاتها، ففي باب التعارض
مثلا تعتبر موافقة الحديث وعدم مخالفته للكتاب الكريم
ضابطة في‏قبول الحديث والا فيسقط الحديث عن الحجية.
والتفسير المشهور لذلك: ان كل حديث لا يكون في القرآن
دلالة ولو بالعموم او الاطلاق توافق مدلوله وتشهد عليه لا
يكون‏مقبولا ((23)).
وفي قبال ذلك اختار الشهيد الصدر (قدس سره) بانه ليس
المراد من المخالفة والموافقة المضمونية الحدية مع آيات
الكتاب،بل انها تشمل حالات المخالفة مع الروح العامة للقرآن
الكريم، وما لا تكون نظائره واشباهه موجودة فيه. ويكون
المعنى‏حينئذ ان الدليل اذا لم يكن منسجما مع طبيعة
تشريعات القرآن ومزاج احكامه العام لم يكن حجة، فمثلا لو
وردت رواية في ذم‏طائفة من الناس وبيان خستهم في الخلق
او انهم قسم من الجن، قلنا ان هذا مخالف مع الكتاب الصريح
في وحدة البشرية‏جنسا وحسبا ومساواتهم في الانسانية
ومسؤولياتها مهما اختلفت اصنافهم والوانهم. واما مجي‏ء رواية
تدل على وجوب‏الدعاء عند رؤية الهلال مثلا فهي ليست
مخالفة مع القرآن الكريم وما فيه من الحث على التوجه الى اللّه
والتقرب منه عند كل‏مناسبة وفي كل زمان ومكان. وهذا يعني
ان الدلالة الظنية المتضمنة للاحكام الفرعية فيما اذا لم تكن
مخالفة لاصل الدلالة‏القرآنية الواضحة تكون بشكل عام موافقة
مع الكتاب وروح تشريعاته العامة، خصوصا اذا ثبتت حجيتها
بالكتاب نفسه((24)).
ونظير ذلك يقال بالنسبة الى الضابطة في قبول الشرط في
العقود والمعاملات، فكل ما خالف الروح العامة للكتاب
فيلزم‏ويجب الوفاء به والا فلا.
الخصيصة الثانية القدرة على التحليل: يتميز الفقهاء الذين
ينتمون الى الاتجاه الاصولي في المدرسة الامامية عادة‏بالدقة
والتحليل، وان تفاوتت درجة الدقة من فقيه لاخر، وهذه الدقة
لها منشان:
المنشا الاول: اعمال القواعد الاصولية في عملية استنباط
الاحكام، ففرق كبير بين تعامل الاصولي مع الادلة وبين تعامل
غيرالاصولي من ناحية الدقة، اذ ان الوسائل والاليات المتاحة
للاصولي اكثر عدة وعدة، وهذا ما يجعله يتحرك في مساحة
مرنة‏يصول ويجول ويكر ويفر. في حين ان من يفقد هذه
الاليات او اكثرها لا يقوى على المناورة الا في حدود ضيقة لا
تتجاوز منطقة‏الاسانيد او الاستظهارات من المتون. بل ان
اقتحام هذه المناطق ليس بالامر الهين.
المنشا الثاني: ان الدقة الاصولية تلقي بظلالها على ذهنية
الفقيه فتمنحها عمقا في تعامله العلمي مع كل فكرة، سيما
علم الفقه‏الذي هو اقرب الى الاصول من حبل الوريد.
من هنا نجد ان الدراسات التي قام بها اصحاب الاتجاه الاصولي
يطغى عليها العمق وعدم السطحية، ومن ضمنها ابحاث
السيدالشهيد (قدس سره)، فهو مضافا الى الدقة التي يشترك
بها مع غيره من الاصوليين تميز بنبوغ خاص مكنه من
التحليق في‏آفاق مفتوحة فيطرح وجوها جديدة وتقريبات
واحتمالات لم تخطر على بال من قبله.
وليس المراد بالدقة والتحليل الخروج عن حدود البحث
الفقهي والجنوح الى عالم الفلسفة والمنطق او البحوث
الكلامية،فان‏مثل ذلك وان صدق عليه مفهوم الدقة ويكشف
عن براعة وعمق الباحث الا انه لا يكشف عن فقاهته، بل المراد
هو تعميق‏المطالب داخل دائرة البحث الفقهي.

ولنورد بعض النماذج:
(ا) - في بحثه حقيقة الحوالة ذكر اربعة تصورات واشار الى ان
بعضها يناسب الحوالة على المدين وبعضها يناسب الحوالة
على‏البري‏ء وبعضها يناسب كلا القسمين، وهذه الانحاء
المتصورة هي:
(1) الوفاء،
(2) التنازل،
(3) تغيير الدائن مع الحفاظ على اصل الدين والمدين،
(4) تغيير المدين مع الحفاظ على اصل الدين والدائن.
وسياتي التعرض لتفصيل هذه الانحاء في بحث الحوالة الاتي.

(ب) - في بحثه للقول بوحدة الوجود وهل انه موجب للكفر او لا
افاد قائلا: «لا شك في ان الاعتقاد بمرتبة من الثنائية، التي
توجب‏تعقل فكرة الخالق والمخلوق، مقوم للاسلام، اذ بدون
ذلك لا معنى لكلمة التوحيد. فالقول بوحدة الوجود، ان كان
بنحو يوجب‏عند القائل بها رفض تلك الثنائية، فهو كفر، واما اذا
لم ير القائل تنافيا بين وحدة الوجود ومرتبة معقولة من الثنائية
المذكورة،فلا كفر في قوله، ولو فرض ثبوت التنافي واقعا.
وتوضيح الحال في ذلك: ان مفهوم الوجود المنتزع من الخارج،
تارة يقال: بان منشا انتزاعه نفس ما يقع موضوعا في
القضية‏الحميلة، التي يكون مفهوم الوجود محمولا فيها، وهذا
معناه القول باصالة الماهية. واخرى: يقال: بان منشا انتزاعه
حقيقة‏وراء ذلك، وتكون الماهية بدورها منتزعة عن تلك
الحقيقة ايضا، وهي سنخ حقيقة لو امكن تصورها مباشرة، لكان
ذلك‏مساوقا للتصديق بوجودها وطارديتها للعدم، وهذا قول
باصالة الوجود.
وعلى الاول لا اشكال في التكثر لتعدد الماهيات. واما على
الثاني: فتارة يقال: ان نسبة مفهوم الوجود الى تلك الحقيقة،
نسبة‏الكلي الى الفرد، بنحو تتكثر الافراد، او نسبة العنوان الى
المعنون مع وحدته. فعلى الاول، يكون مفهوم الوجود ذا
مناشئ‏انتزاع متعددة بعدد افراده. وعلى الثاني، تثبت وحدة
حقيقة الوجود.
وعليه فتارة: يقال بان هذه الحقيقة مختصة باللّه تعالى، وان
موجودية غيره بالانتساب اليه لا بوجدانه للحقيقة نفسها،
وهذاقول بوحدة الوجود وتعدد الموجود.
واخرى: يقال بان تلك الحقيقة لا تختص بالواجب تعالى، بل
كل الموجودات ذاقت طعمها، فهذا قول بوحدة الوجود
والموجود.
وعليه فتارة: يقال بفارق بين الخالق والمخلوق في صقع
الوجود، نظير الفارق بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي في
صقع‏الماهيات.
واخرى: يرفض هذا الفارق، ويدعى انه لا فرق بينهما الا
بالاعتبار واللحاظ، لان الحقيقة ان لوحظت مطلقة كانت هي
الواجب،وان لوحظت مقيدة كانت هي الممكن. والاحتمال
الاخير في تسلسل هذه التشقيقات هو الموجب للكفر، دون
الاحتمالات‏السابقة، لتحفظها على المرتبة اللازمة من الثنائية‏» . ((25))

(ج) - في بحثه لاحياء الموات وحله التعارض بين ادلة مالكية
الامام للموات الشاملة للميتة المفتوحة عنوة وغيرها، وبين
ادلة‏مالكية المسلمين للارض الخراجية المفتوحة عنوة الشاملة
للميتة والعامرة، ومادة الاجتماع الارض الميتة المفتوحة
عنوة،فيشملها كل من الدليلين باطلاقه ويتعارضان. وبعد ان
رد محاولة استاذه (قدس سره) في حل هذا التعارض قال:
«اذن فالتحقيق في علاج التعارض بين دليل مالكية الامام (ع)
ودليل مالكية المسلمين في مادة الاجتماع وهي الارض
الميتة‏المفتوحة عنوة هو ان يقال: ان دليل مالكية المسلمين
للاراضي الخراجية المفتوحة عنوة يحتمل فيه احتمالان بدوا:
الاول: ان يكون موضوعه ما كان ملكا للكفار سابقا واخذه
المسلمون عنوة بالسيف.
الثاني: ان يكون موضوعه ما كان تحت سيطرة الكفار سابقا
سواء كان ملكا لهم او لا واخذه المسلمون عنوة وبالسيف.
فان بني على الاحتمال الاول بحيث يكون ميزان مالكية
المسلمين كون الشي‏ء سابقا ملكا للكفار فحينئذ لا تعارض
اصلا بين‏دليل مالكية المسلمين ودليل مالكية الامام (ع)
بالنسبة الى مادة الاجتماع وهي الارض الميتة المفتوحة
عنوة بل تكون‏مشمولة لدليل مالكية الامام (ع) بالخصوص.
واما دليل مالكية المسلمين فهو قاصر عن الشمول لها، لان
دليل مالكية‏المسلمين انما يشمل الارض الميتة المفتوحة
عنوة التي كانت سابقا ملكا للكفار كما هو المفروض فلابد
من احراز كونهاسابقا ملكا للكفار كي يتم به موضوع دليل
مالكية المسلمين، ومن المعلوم انه لم يدل دليل على انها
كانت سابقا ملكا للكفار كي‏يشملها دليل مالكية المسلمين، بل
غاية ما دل عليه الدليل مالكية الكافر للارض التي يحييها.
اذن فالارض الميتة المفتوحة عنوة خارجة تخصصا عن دليل
مالكية المسلمين فهي ملك للامام (ع)، ولا تعارض اصلا
بين‏الدليلين، بل ان دليل مالكية الامام (ع) وارد على دليل
مالكية المسلمين ورافع لموضوعه.
واما ان بني على الاحتمال الثاني بحيث يكون ميزان مالكية
المسلمين كون الارض المفتوحة عنوة تحت سيطرة الكفار
سابقافحينئذ تكون الارض الميتة المفتوحة عنوة مشمولة
لدليل مالكية المسلمين ايضا، لانها كانت سابقا تحت سيطرة
الكفاروجدانا، فيقع التعارض بين دليل مالكية المسلمين
ودليل مالكية الامام (ع)، وحينئذ يتم العلاج الفني للتعارض
باحد وجوه‏اربعة:

الوجه الاول:
ان يقال بتقديم دليل مالكية الامام (ع) على دليل مالكية
المسلمين، لان الاول عام وضعي، كما في قوله (ع): «كل ارض
خربة...»او قوله: «الموات كلها للامام (ع)...».
واما الثاني فهو مطلق حكمي ثابت بمقدمات الحكمة، فيقدم
العام الوضعي على المطلق الحكمي، اما لان العام الوضعي
واردعلى المطلق الحكمي باعتبار ان الاول منجز والثاني
معلق، واما لان العام الوضعي اظهر من المطلق الحكمي على
اقل تقدير،فينتج ان الارض الميتة المفتوحة عنوة ملك الامام
(ع).

الوجه الثاني:
ان يقال: كلما تعارضت طائفتان من الروايات وكانت احداهما
منقسمة الى قسمين: قسم يصلح ان يعارض الطائفة
الاخرى‏دلالة‏وقسم لايصلح لذلك بل لو خلي مع الطائفة
الاخرى لكانت الطائفة الاخرى واردة عليه ورافعة لموضوعه،
فحينئذ لا تقع‏المعارضة بين الطائفة الاخرى ومجموع
القسمين للطائفة الاولى، بل تقع المعارضة بين القسم الاول
للطائفة الاولى مع‏الطائفة الثانية، وبعد التساقط يرجع الى
القسم الثاني للطائفة الاولى.
وهذه القاعدة لها نظائر كثيرة في الفقه، منها: ما هو محل
الكلام، فان هنا طائفتين من الروايات متعارضتين: احداهما
طائفة‏الروايات الدالة على مالكية الامام (ع)، والثانية طائفة
الروايات الدالة على مالكية المسلمين، الا ان الطائفة الاولى
الدالة على‏مالكية الامام (ع) تنقسم الى قسمين: قسم من
الروايات دال على مالكية الامام (ع) منجزا، وقسم من الروايات
دال على مالكية‏الامام (ع) معلقا على كون الارض لا رب لها،
فاذا نسب القسم الاول الى الطائفة الثانية الدالة على مالكية
المسلمين لكانت‏النسبة هي التعارض، واذا نسب القسم الثاني
اليها لكانت النسبة الورود، فان الطائفة الثانية ترفع موضوع
القسم الثاني من‏الطائفة الاولى وتبين ان للارض ربا وهم
المسلمون، فلا يبقى موضوع لمالكية الامام (ع)، فحينئذ لا تقع
المعارضة بين‏الطائفة الثانية مع مجموع القسمين للطائفة
الاولى، لاستحالة كون القسم الثاني من الطائفة الاولى معارضا
للطائفة الثانية‏لانه مورود لها، بل الطائفة الثانية الدالة على
مالكية المسلمين تعارض بالقسم الاول من الطائفة الاولى
الدال على مالكية الامام(ع) منجزا، وبعد التساقط يرجع الى
القسم الثاني من الطائفة الاولى الدال على مالكية الامام (ع)
معلقا على كون الارض لارب‏لها.
وهذا الوجه وان كان صحيحا وفنى ا من حيث الكبرى فلقد
طبقناه في موارد كثيرة في الفقه الا انه من حيث الصغرى
بعد وقوع‏المعارضة بين الروايات الدالة على مالكية الامام (ع)
منجزا والروايات الدالة على مالكية المسلمين وتساقطهما
والرجوع الى‏الروايات الدالة على مالكية الامام (ع) لما لا رب له
يفتقر الى ضم استصحاب عدم وجود رب لها سابقا الى تلك
الروايات كي‏يتم به موضوع مالكية الامام (ع) وهو عدم وجود
رب للارض، كما بيناه سابقا.
ومن هنا كان هذا الوجه موقوفا على عدم تشريع مالكية
المسلمين قبل تشريع الانفال، فان هنا ثلاثة امور:
الاول: تشريع مالكية الامام (ع) للانفال.
الثاني: تشريع مالكية المسلمين للارض المفتوحة عنوة .
الثالث: وقوع نفس الفتح خارجا الذي هو موضوع الامر الثاني.
فان فرض ان تشريع مالكية الامام كان قبل تشريع مالكية
المسلمين من حيث الزمان او كان مقارنا له، فبعد تساقط
الطائفة‏الثانية مع القسم الاول من الطائفة الاولى والانتهاء الى
القسم الثاني يصح التمسك باستصحاب عدم وجود رب
للارض،وبذلك يتم موضوع مالكية الامام (ع).
واما ان فرض ان تشريع مالكية المسلمين كان قبل تشريع
مالكية الامام (ع) فلا يجري استصحاب عدم وجود رب للارض،
لان‏الرب قد ثبت لها سابقا وهم المسلمون، فلا يتم موضوع
مالكية الامام (ع).