الوجه
الثالث:
ان يقال: سلمنا وقوع التعارض بين الطائفة الدالة
على مالكية
المسلمين والطائفة الدالة على مالكية الامام (ع)
بقسميهاوتساقطهما بالتعارض، الا انه بعد ذلك يرجع
الى العام
الفوقاني الدال على ان الارض كلها للامام (ع)، فان
هذا العام
الفوقانيورد عليه مخصص وهو دليل مالكية
المسلمين، وقد
ابتلي المخصص بالمعارض في خصوص الموات منه
وسقطبالمعارضة، فيرجع الى العام الفوقاني الدال
على مالكية
الامام (ع) لكل ارض، ومنها الارض الميتة المفتوحة
عنوة التي
هيمحل الكلام، والعام الفوقاني عبارة عن قوله (ع)
في رواية
مسمع بن عبد الملك المتقدمة في الطائفة الرابعة:
«الارض
كلها لنا،فما اخرج اللّه منها من شيء فهو لنا...»،
وايضا من قبيل
قوله (ع) في رواية ابي خالد الكابلي عن ابي جعفر (ع):
«والارض كلها لنا...».
الوجه الرابع:
ان يقال: مع التنزل عن كل ما تقدم وفرض التعارض
والتساقط
وعدم وجود عام فوقاني يرجع اليه، فيرجع الى الاصل
العمليوهو عبارة عن استصحاب مالكية الامام (ع) ،
فان
الارض الميتة كانت ملكه (ع) قبل الفتح، ويشك في
ملكيته
(ع) لها بعدالفتح، فتستصحب ملكيته (ع) لها.
وهذا الوجه موقوف على سبق تشريع مالكية الامام (ع)
زمانا
على تشريع مالكية المسلمين، فانه حينئذ يجري
استصحابمالكيته.
واما اذا كان تشريع مالكية المسلمين اسبق من تشريع
مالكية
الامام (ع) من حيث الزمان فلا يجري استصحاب مالكيته
(ع)
لهابعد الفتح، اذ بعد الفتح لا يشك في مالكيته (ع)
لها بل
يقطع بعدمها وانها ملك المسلمين، فان دليل مالكية
الامام
(ع) حينئذيعارض دليل مالكية المسلمين ويتساقطان،
ويرجع
بعد ذلك الى استصحاب مالكية المسلمين.
وكذلك لا يجري استصحاب مالكية الامام (ع) فيما لو
فرض ان
تشريع مالكية المسلمين كان مقارنا لتشريع مالكية
الامام
(ع)زمانا، فانه حينئذ يتعارضان ويتساقطان، ولا مجال
لاستصحاب مالكية الامام (ع) ، اذ لايقين بثبوتها
سابقا، كما
لايقين بثبوتمالكية المسلمين سابقا ايضا، اذ
المفروض تقارن
تشريعهما من دون سبق احدهما على الاخر.
اذن فقد اتضح ان بالامكان رفع التعارض بين دليل
مالكية
المسلمين ودليل مالكية الامام (ع) بالنسبة الى مادة
الاجتماع
وهيالارض الميتة المفتوحة عنوة باحد هذه الوجوه
الاربعة
واثبات مالكية الامام (ع) لها» ((26)).
(د) - بحثه لحكم الجعالة في صورتين:
الاولى: لو فرض للعامل عوض مرتبط بارباح الجاعل،
كما اذا
كان الجاعل من منتجي الاسرة الخشبية فيجعل لكل من
يعمل
منالواحه سريرا نصف ما سوف يجنيه من الارباح
فترتبط
مكافاة العامل بنتائج العملية وارباحها ارتفاعا
وانخفاضا.
الصورة الثانية: لو فرض مكافاة ترتبط بنتائج
العملية واربحاها
لادوات الانتاج، كان يقول: من اعانني بجهاز لتقطيع
الخشبفله علي كذا.
قال (قدس سره): «اما النقطة الاولى وهي علاقة تاجر
الاسرة
بالعامل في الجعالة فتوضيحها ان الجعل الذي يفرضه
تاجرالاسرة للعامل في الجعالة يمكن تصويره بانحاء.
1- ان يجعل له نصف الخشب الذي يملكه التاجر فعلا وذلك
بان يقول التاجر: من عمل سريرا من خشبي هذا فله نصف
هذاالخشب وفي هذه الحالة يكون العوض شخصيا وعينا
خارجية معينة ولا اشكال فيه.
2- ان يجعل له مالا في الذمة يحدد بكونه مساويا لنصف
الثمن
او الربح الذي سوف يحصل عليه التاجر عند بيع السرير
لواراد
بيعه بمعنى ان تاجر الاسرة يقول من عمل سريرا من
خشبي
هذا فله في ذمتي مال بقدر نصف الثمن الذي سوف
يتاحالحصول عليه عند بيع السرير بعد اكمال صنعه.
وفي هذه الحالة يكون العوض امرا في الذمة ولا اشكال
فيه الا
من ناحية ان العوض هنا غير محدد تحديدا كاملا،
فبناء على
عدماشتراط تعيين العوض في باب الجعالة كتعيين
الاجرة في
الاجارة لا مانع من الالتزام بصحة هذه الجعالة.
3- ان يجعل للتاجر نصف الثمن الشخصي الذي سوف يحصل
عليه عند بيع السرير لا مالا في ذمته يعادل النصف او
يفرضله
نصف الربح العيني الذي سوف يوجد في البضاعة.
ولابد لتحقيق هذه الصورة من الالتفات الى شيء وهو
ان
العامل في باب الجعالة يملك الجعل باتيانه للعمل
ففيما اذا
كان الجعلنصف الثمن الذي سوف يحصل عليه البائع لا
نتصور
ملكية العامل لشيء على التاجر لان الجعل ليس عينا
شخصية
مملوكةللتاجر فعلا ليملكها العامل بالعمل ولا
مالا في ذمته
ليعقل تملك العامل له بعد انجاز عمله.
وهذا الاشكال نظير الاشكال في اجارة الارض وجعل
الاجرة
شيئا من حاصلها فان الاجرة في هذا الفرض ليست عينا
خارجياوشيئا خارجيا موجودا في ملك المستاجر فعلا
ولا مالا
في ذمته ليصبح بعقد الاجارة ملكا للمؤجر فمن اختار
بطلان
الاجارةبهذا النحو لاجل هذا الاشكال لزمه في محل
الكلام ايضا
لان الجعل في الصورة المشار اليها كالاجرة في تلك
الاجارة لا
هو امرخارجي مملوك فعلا للجاعل ولا شيء في ذمته
فاي
شيء يملك العامل على الجاعل بالعمل ومن لم ياخذ
بهذا
الاشكال بعينالاعتبار في باب الاجارة يمكنه
البناء على صحة
الجعالة في المقام ايضا.
هذا هو ملخص الكلام في النقطة الاولى.
واما النقطة الثانية وهي علاقة تاجر الاسرة باداة
الانتاج
فتوضيحها ان الجعالة هنا تتصور على انحاء ايضا
بلحاظ ما
يجعلبازائه الجعل.
الاول: ان يكون الجعل بازاء منفعة اداة الانتاج بان
يقول تاجر
الاسرة اني اجعل دينارا لمن انتفع بالاداة التي
يملكها في
تقطيعالخشب وهذه الجعالة باطلة لان الجعالة لابد
ان تتضمن
جعلا على عمل لا على منافع الاموال فلا يمكن فرض
المجعول
له منفعةاداة الانتاج.
الثاني: بان يكون الجعل بازاء تمليك صاحب الاداة
منفعة اداته
لتاجر الاسرة والفرق بين هذا وسابقه ان الجعل هنا
يكون
علىعمل وهو تمليك المنفعة من قبل صاحب الاداة لا
على
منفعة المال ولكن الاشكال في تصور تمليك المنفعة من
قبل
صاحب الاداةفانه ان كان تمليكا مجانيا بعنوان
الهبة فهو
يتوقف على القول بصحة الهبة في المنافع وعدم
اختصاصها
بالاعيان كما هوالمعروف وان كان تمليكا بعنوان
الاجارة فهو
خلاف المفروض ونظيره ان يفرض الجعل على اباحة مالك
الاداة للتصرف فيهاوالانتفاع بها لا على تمليك
منافعها وعلى
اي حال لا يكون الجعل بازاء مساهمة اداة الانتاج في
العملية بل
بازاء عمل يصدر منمالك الاداة وهو التمليك
والاباحة ولهذا
يستحقه ولو لم تساهم الاداة في الانتاج اصلا.
الثالث: ان يكون الجاعل هو مالك الاداة لا تاجر
الاسرة بان
يقول مالك الاداة من اعطاني نصف هذا الخشب فله
منفعة
هذه الاداةجعلا بحيث تكون منفعة الاداة والعمل
الذي جعل له
هذا الجعل هو اعطاء تاجر الاسرة نصف الخشب لمالك
الاداة اي
تمليكهنصف الخشب ولا ياتي فيه الاشكال السابق في
هبة
المنافع لان هذا يدخل في باب هبة الاعيان لا
المنافع ولكن
منفعة الاداة فيهذا الفرض تكون بنفسها مكافاة
والكلام انما هو
في تحديد نوع مكافاتها لا في صيرورتها مكافاة على
شيء آخر».
الخصيصة الثالثة الذوق العرفي: من العناصر الدخيلة
في
فقاهة المجتهد هو فهمه الادلة فهما عرفيا، والا فلا
قيمةللاستظهار ان لم يكن عرفيا، فان حجية الظهور
المراد بها
الظهور النوعي لا الشخصي، بل ان الفهم العرفي ليس
ضروريا
علىمستوى الظهورات بل هو ضروري على مستوى فهم بعض
الادلة الاخرى كالسيرة العقلائية والارتكاز
العقلائي، فان لم
يتمتعالفقيه بذهنية عرفية فلا يمكنه التعاطي مع
الادلة
اللفظية ولا اللبية ولا يمكنه تحليل مسائل العقود
والمعاملات،
لانها اعتباراتعرفية امضاها الشارع، بل ان تشخيص
الموضوعات وفروض المسالة يتطلب شامة عرفية. وكل من
له
ادنى خبرة بالاستنباطيعرف مدى خطورة هذا الامر في
عملية
الاجتهاد، بل حتى لو رجعنا خطوة الى الوراء وعدنا
الى القواعد
العامة والادلةالمشتركة ووردنا دائرة علم الاصول
لوجدنا
اهمية الفهم العرفي في البحوث الاصولية فضلا عن
التطبيقات
الفقهية.
ويتفاوت الفقهاء فيما بينهم في درجة الفهم والذوق
العرفي
عند تعاملهم مع الادلة.
وكتاب بحوث في شرح العروة الوثقى باجزائه الاربعة
مليء
بالموارد التي اعمل فيها الشهيد الصدر (قدس سره)
فهمهالعرفي، وسنكتفي بذكر نموذج من البحوث التي
الحقها
في كتابه (البنك اللاربوي في الاسلام):
ففي مقام مناقشته للتخريجات التي تستهدف تحويل
الفائدة
التي يتقاضاها البنك الى كسب محلل وتطويرها بشكل
مشروعاورد سبعة تخريجات معتمدا في رد اكثرها على
نكات
عرفية.
واليك مناقشة التخريج الاول: «لاحظنا في وضع سياسة
البنك
اللاربوي تجاه الفوائد الربوية على القروض ان تصاغ
بشكليميزها بقدر الامكان نصا وروحا عن فكرة الربا
المحرم
في الاسلام.
واما اذا قطعنا النظر عن هذه الملاحظة فهناك
تخريجات
فقهية متعددة يمكن تصويرها بصدد محاولة تحويل
الفائدة الى
وجهمشروع. ولكي يستكمل البحث عناصره الفقهية نذكر
فيما
يلي اهم ما يمكن اءن يقال اءو قيل فعلا من هذه
التخريجات
مع مناقشتها:
[التخريج الاول]
انه في القرض يتمثل عنصران: احدهما، المال المقترض
من
الدائن للمدين. والاخر، نفس الاقراض بما هو عمل
يصدر
منالمقرض. والربا: هو وضع زيادة بازاء المال
المقترض.
فالفائدة حيث توضع في مقابل المال المقترض تصبح ربا
محرما،ولكنها اذا فرض بازاء نفس الاقراض بما هو عمل
يصدر
من الدائن على اساس الجعالة تخرج بذلك عن كونها ربا.
فالشخص الذي يحاول ان يحصل على قرض يقوم بانشاء
جعالة
يعين فيها جعلا معينا على الاقراض فيقول: من
اقرضنيدينارافله درهم. وهذه الجعالة تغري مالك
الدينار
فيتقدم اليه ويقرضه دينارا وحينئذ يستحق عليه
الدرهم، وهذا
الاستحقاقلا يجعل القرض ربويا، لانه ليس بموجب
عقد
القرض بل هو استحقاق بموجب الجعالة. ولهذا لو فرض ان
الجعالة انكشفبطلانها بوجه من الوجوه ينتفي بذلك
استحقاق
المقرض للدرهم وان كان عقد القرض ثابتا، لان
استحقاق
الدرهم نتج عنالجعالة، لا عن عقد القرض. والدرهم
في
الجعالة موضوع بازاء الاقراض بما هو عمل لا بازاء
المبلغ
المقترض بما هو مال. فهذانظير من يجعل جعالة لمن
يبيعه
بيته، فلو قال شخص: «من باعني داره كان له درهم»
كان البائع
مستحقا للدرهم لا بموجبعقد البيع، بل بموجب
الجعالة، وهو
بازاء نفس البيع والتمليك بعوض بما هو عمل، لا
بازاء الدار
المبيعة. ولهذا لا يسري علىالدرهم حكم العوضين.
والكلام حول هذا التقريب من جهتين: الاولى، من جهة
الصغرى. والثانية، من جهة الكبرى.
اما من جهة الصغرى: فقد فرض في هذا التقريب ان
الدرهم
موضوع بازاء نفس عملية الاقراض لا على المال
المقترض،
ولكنيمكن ان يقال بهذا الصدد ان الارتكاز
العقلائي قائم على
كون الدرهم في مقابل المال المقترض لا في مقابل نفس
الاقراض،وجعله بازاء عملية الاقراض مجرد لفظ.
وعليه فلا نتصور الجعالة في ذلك، لان الجعالة فرض
شيء على
عمل لا على مال. وبعد ارجاع الدرهم في محل الكلام
بالارتكازالعقلائي الى كونه مجعولا في مقابل المال
لا تكون
هناك جعالة بل يكون الدرهم ربويا، لانه زيادة على
المال
المقترض.
واما من جهة الكبرى: بمعنى انا لو افترضنا ان
المتعاملين
(الدائن والمدين) تحررا من ذلك الارتكاز العقلائي
واتجهت
ارادةالمدين حقيقة الى جعل الدرهم بازاء نفس
عملية
الاقراض، فهل هذه الجعالة صحيحة؟ او لا؟..
ولكي نعرف جواب ذلك لابد ان نعرف حقيقة الجعالة،
فانه
يمكن القول فيها ان استحقاق الجعل المحدد في
الجعالة ليس
فيالحقيقة الا بملاك ضمان عمل الغير بامره به لا
على وجه
التبرع، فانت حين تامر الخياط الخاص بان يخيط لك
الثوب
فيمتثللامرك تضمن قيمة عمله وتشتغل ذمتك باجرة
المثل.
وهذا نحو من ضمان الغرامة في الاعمال على حد ضمان
الغرامة فيالاموال، وبامكانك في هذه الحالة ان
تحول اجرة
المثل منذ البدء الى مقدار محدد فتقول: من خاط الثوب
فله
درهم، او: اذا خطتالثوب فلك درهم، فيكون الضمان
بمقدار
ما حدد في هذا الجعل، ويسمى هذا جعالة. فالجعالة
بحسب
الارتكاز العقلائي تنحلالى جزءين: احدهما: الامر
الخاص او
العام بالعمل اي بالخياطة مثلا. والاخر: تعيين مبلغ
معين بازاء
ذلك. والجزء الاول منالجعالة هو ملاك الضمان،
والضمان هنا
من قبيل ضمان الغرامة لا الضمان المعاوضي. والجزء
الثاني
يحدد قيمة العملالمضمونة بضمان الغرامة حيث ان
اجرة
المثل هي الاصل في الضمان ما لم يحصل الاتفاق على
الضمان
بغيرها.
واذا تحقق هذا فيترتب عليه ان الجعالة لا تتصور الا
على عمل
تكون له اجرة المثل في نفسه وقابل للضمان بالامر به
كالخياطةوالحلاقة.. واما مالا ضمان له في نفس ولا
تشمله
ادلة ضمان الغرامة فلا تصح الجعالة بشانه، لان فرض
الجعل
في الجعالةليس هو الذي ينشئ اصل الضمان، وانما
يحدد
مقداره. وعلى هذا الاساس لا تصح الجعالة على
الاقراض مما
هو عمل، لانمالىة الاقراض في نظر العقلاء في نظر
العقلاء انما
هي مالية المال المقترض وليس لنفس العمل بما هو
مالية
زائدة. ومع فرضكون مالية المال المقترض مضمونه
بالقرض
فلا يتصور عقلائيا ضمان آخر لمالية نفس عملية
الاقراض.
وبتعبير واضح: ليس عندنا في نظر العقلاء الا مالية
واحدة وهي
مالية المال المقترض، وتضاف الى نفس عملية
الاقراضباعتبار
ذلك المال. فليس هناك الا ضمان غرامة واحد، ولا
يتصور في
الارتكاز العقلائي ضمانان من ضمانات الغرامة:
احدهماللعمل،
والاخر للمال المقترض، والمفروض ان المال المقترض
مضمون بعقد القرض، والضمان الحاصل بعقد القرض هو
مننوع ضمان الغرامة وليس ضمانا معاوضيا، ومعه فلا
مجال
لفرض ضمان غرامة آخر لنفس عملية الاقراض.
وبناء على ذلك لا تصح الجعالة على الاقراض، لان
الجعالة دائما
تقع في طول شمول ادلة ضمان الغرامة للعمل المفروض
لهالجعل.. ففي مورد لا تشمله ادلة ضمان الغرامة
ولا يكون
العمل فيه مضمونا بالامر على الامر لا تصح فيه
الجعالة((27))».
الخصيصة الرابعة الابداع والتجديد: لا ريب في ان
عملية
الاجتهاد من العمليات المعقدة، فكل مجتهد عندما
يبدا
باعدادمقدمات البحث في اية مسالة فقهية ثم يستنبط
منها
الموقف الشرعي حسب تشخيصه انما يقوم بعملية اكتشاف
جديدة،فكلعملية اجتهاد في نفسها تستبطن الابداع
والتجديد، بخلاف التقليد والاحتياط فان ه تقليد
ايضا التي
تعني متابعة فتوىالغير. ولكن المراد بالابداع
والتجديد هنا انما
هو تقييم العملية الاجتهادية بالقياس الى غيرها من
عمليات
الاجتهاد السابقةعليها، اي يجب ان نزن الممارسة
الاجتهادية
بميزان تخصصي، لا بالنظر العادي، فان العرف قد
يعتني ببعض
الابداعاتالجزئية، بل يعد ما ليس بابداع ابداعا،
وقد يهمل
بعض الابداعات التي تعبر عن فتح علمي جليل.
والابداع
بالمعنى المراد لهصور، منها:
1- اعطاء فتوى جديدة وتبني راي فقهي غير متعارف، ولو
على
مستوى اضافة او حذف قيد او شرط.
2- اضافة نكتة استدلالية اما بابتكار دليل جديد او
ابتكار وجوه
وتقريبات للادلة، واما بتغيير مسار البحث اصلا
وتغيير
مركزالثقل في البحث.
3- استنباط حكم مسالة مستحدثة.
4- ابتكار اطروحة كاملة لمعالجة ظاهرة معينة سواء
استبطنت
هذه الاطروحة رايا مستحدثا او لا.
وتختلف قيمة الابداع حسب درجه الابداع ومقدار
الاستفادة
من كلمات او اشارات السابقين وحسب حجم الابداع وحسب
اهميةالابداع، ومدى الاثار المترتبة عليه فقهيا
او مدى
الانعكاس في الواقع الحياتي للناس.
وتراث الشهيد الصدر (قدس سره) الفقهي حافل بالوان
عديدة
من الابداع والتجديد، من ذلك:
(اولا)- تقديمه اطروحة البنك اللاربوي في الاسلام،
وهي
اطروحة جديدة تعبر عن فتح كبير، وفي الوقت نفسه
اشتملت
فيداخلها على جملة ابتكارات موضعية مهمة.
ولا شك بان ابتكار مجموعة مترابطة من الاحكام ضمن
اطار
موحد اهم بكثير من تقديم حل الاستفتاء في مسالة
واحدةمستحدثة، هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى هناك
حيثية خطيرة وهي ان معالجة المسائل المستحدثة
غالبا لا
يعدو ان يكونعملية ترقيعية ومعالجة موضعية في
حدود
ضيقة. اما اذا تمت هذه المعالجة في اطار منظومة
شاملة
فستكون المعالجة اكثراتقانا واحكاما، وهذا ماصنعه
الشهيد
الصدر في كتابه (البنك اللاربوي في الاسلام)، بل انه
تعدى
ذلك الى اثارة حيثية اخرىفي طول الحيثية الاولى،
وهي اننا
نكرر السؤال مرة اخرى بالنسبة لهذه الاطروحة، فهل
انها لا
تعدو ان تكون عملية ترقيع فيكيان تشريعي اكبر او
لا؟ فقد
ميز (قدس سره) بين حالتين: حالة من يقدم اطروحة ضمن
واقع اسلامي سليم، وحالة من يقدماطروحة ضمن واقع
غير
اسلامي.
قال: «اود لدى محاولة التخطيط لاطروحة البنك
اللاربوي ان
اشير الى نقطة اساسية في هذه المحاولة، وهي: اننا
يجب
اننميز بصورة جوهرية بين الموقفين التاليين:
ا - موقف من يريد ان يخطط لبنك لا ربوي ضمن تخطيط
شامل للمجتمع، اي بعد ان يكون قد تسلم زمام القيادة
الشاملة لكل مرافق المجتمع، فهو يضع للبنك اطروحته
الاسلامية كجزء من صورة اسلامية كاملة وشاملة
للمجتمع
كله.
ب - وموقف من يريد ان يخطط لانشاء بنك لا ربوي بصورة
مستقلة عن سائر جوانب المجتمع، اي مع افتراض
استمرار
الواقعالفاسد والاطار الاجتماعي اللااسلامي
للمجتمع، وبقاء
المؤسسات الربوية الاخرى من بنوك وغيرها، وتفشي
النظامالراسمالي مضمونا وروحا في الحياة
الاقتصادية والحياة
الفكرية والخلقية للناس.
ان هذين الموقفين يختلفان اختلافا اساسيا.. اذ على
مستوى
الموقف الاول يطبق حكم الاسلام بتحريم الربا على
البنك
ضمنتطبيق شامل للنظام الاسلامي كله، وبذلك يؤتى
تحريم
الربا في مجال التطبيق كل ثماره المرجوه، ولا يخلق
مضاعفات، ويساهم مع باقي اجزاء النظام الاسلامي في
تحقيق
الاهداف الرئيسية التي يتوخاها الاسلام في تنظيمه
الاجتماعي.
وقد قلنا في كتاب «اقتصادنا»: ان النظام الاسلامي
كل مترابط
الاجزاء، وتطبيق كل جزء يهيء امكانيات النجاح
للجزء الاخر
فيمجال التطبيق، ويساعده على اداء دوره الاسلامي
المرسوم.
واما على مستوى الموقف الثاني، فان تحريم الربا سوف
يطبق
على بنك خاص بينما يبقي غير مطبق على سائر
المؤسساتالنقدية والمالية الاخرى، ويبقى كثير من
جوانب
النظام الاسلامي معطلا في واقع الحياة.. وهذه
التجزية في
مقام التطبيقسوف لن تسمح للتطبيق الجزئي المحدود
لفكرة تحريم الربا ان يؤتي كل ثماره، ويحقق نفس
الاهداف
والمكاسب التيبامكانه ان يحققها لو وضع ضمن تطبيق
شامل
للنظام الاسلامي كله.
ولكن هذا لا يشكل عذرا عن التطبيق الشرعي حيث يمكن،
لان كل حكم من احكام الاسلام واجب التطبيق على اي
حال،
سواءطبقت الاحكام الاخرى ام لا. وتطبيق كل حكم يقرب
المجتمع نحو امكانية التطبيق الشامل للشريعة
المقدسة.
وهكذا نعرف ان الشخص الذي يتاح له الموقف الاول
يمكنه ان
يصوغ اطروحة البنك اللاربوي بشكل ينطبق على
احكامالشريعة الاسلامية نصا وروحا، ويساهم في
تحقيق
الاهداف الرئيسية التي يتوخاها الاقتصاد
الاسلامي، من توازن
اجتماعي،وعدالة في التوزيع، وغير ذلك، ولا يمني
بتناقض
بين اطروحة البنك اللاربوي، وباقي جوانب المجتمع.
ذلك
لان الموقف الاوليعني ان تنظم كل جوانب المجتمع
على
اساس الاسلام، ومع وحدة الاساس للتنظيم الاجتماعي
في كل
المجالات لا يبقى مجالللتناقض او نشوء
المضاعفات.. الا تلك
المضاعفات التي قد تنشا عن ضغوط المجتمعات الاخرى
الربوية التي تعايشالمجتمع الاسلامي.
وعلى العكس من ذلك من فرض عليه الموقف الثاني.. لانه
موقف ضيق بطبيعته، اذ تفرض عليه الارضية والاطار
بصورةمسبقة، وهذا يجعل اطروحة البنك اللاربوي
غير مرنة
ولا حرة في اتخاذ افضل صيغة لها من الناحية
الاسلامية، بل
انهامضطرة الى اتخاذ صيغة صالحة للعيش والحركة ضمن
ذلك الاطار والارضية، وقادرة على معاصرة البنوك
الاخرى
التيتواصل نشاطها الربوي حتى بعد قيام البنك
اللاربوي
المزمع ايجاده» ((28)).
ثم شرع في بيان سياسة الاطروحة المقترحة، فقال:
«وحديثنا
الان عن اطروحة البنك اللاربوي المقترحة يجب ان
يكون
بروحالموقف الثاني، لان المفترض بقاء الواقع كما
هو من سائر
نواحيه.. الاقتصادية، والاجتماعية، والفكرية
والسياسية، ولو
كنانعالج الموضوع بروح الموقف الاول لكان لنا حديث
غير هذا
الحديث.
وروح الموقف الثاني تفرض علينا ان نفتش عن صيغة
شرعية
معقولة للبنك اللاربوي، ولكي تكون الصيغة المقترحة
كذلكيجب ان تتوفر فيها عناصر ثلاثة:
الاول: ان لا يكون البنك المقترح مخالفا لاحكام
الشريعة
الاسلامية.
الثاني: ان يكون البنك قادرا على التحرك والنجاح في
الجو
الفاسد للواقع المعاش اي ان لا تخلق صيغته
الاسلامية
فيهتعقيداوتناقضا شديدا مع واقع المؤسسات
الربوية الراسمالية
وجوها الاجتماعي العام بالدرجة التي تشله عن
الحركةوالحياة..
نقول هذا فعلا، بينما لم يكن هذا التناقض الشديد
ليشكل خطرا
على البنك اللاربوي لو اتيح لنا الموقف الاول، اذ
نستاصلحينئذ كل المؤسسات الربوية ونجتث كل
جذورها
الاقتصادية والاجتماعية والفكرية. وهكذا نعرف ان
الصعوبة لا
تكمن فياعطاء صيغة اسلامية لا ربوية للبنك، بل في
اعطائه
هذه الصيغة مع افتراض ان يعيش ضمن الواقع الفاسد
ومؤسساته المختلفة.
الثالث: ان تمكن الصيغة الاسلامية البنك اللاربوي
لا من
النجاح كمؤسسة تجارية تتوخى الربع فحسب، بل لابد
للبنكاللاربوي هذا ان يكون قادرا ضمن تلك الصيغة
على
النجاح بوصفه بنكا، اي ان يؤدي في الحياة
الاقتصادية نفس
الدور الذيتقوم به البنوك فعلا، من تجميع رؤوس
الاموال
العاطلة ودفعها الى مجال الاستثمار والتوظيف على
ايدي
الاكفاء من رجالالاعمال، وتمويل القطاعات
التجارية
والصناعية والقطاعات الاخرى بما تحتاجه من المال،
وتكثير
وسائل الدفع التي تعوضعن العملة وتساهم في اتساع
حركة
التبادل ونشاطها من شيكات (صكوك) وغيرها.
واضافة الى ذلك، لابد للبنك لكي ينجح باعتباره بنكا
في بلد
من البلاد النامية ان يؤدي دورا طليعيا في تنمية
اقتصاد
البلدالذي يشكل النبك جهازا من اجهزته المالية
الحساسة،
وان يساهم مساهمة فعالة في تطوير الصناعة في ذلك
البلد
ودفعها الىالامام.
نستخلص من ذلك، ان سياسة البنك اللاربوي المقترح
يجب
ان توضع على ثلاثة اسس:
اولا: ان لا يخالف احكام الشريعة المقدسة.
ثانيا: ان يكون قادرا على الحركة والنجاح ضمن اطار
الواقع
المعاش بوصفه مؤسسة تجارية تتوخى الربح.
ثالثا: ان تمكنه صيغته الاسلامية من النجاح بوصفه
بنكا، ومن
ممارسة الدور الذي تتطلبه الحياة الاقتصادية
والصناعيةوالتجارية من البنوك، وما تتطلبه ظروف
الاقتصاد
النامي والصناعة الناشئة من ضرورة التدعيم
والتطوير.
وعلى ضوء هذه السياسة، سوف نتحدث عن الاطروحة
المقترحة للبنك دون ان نتقيد بحصر نشاط البنك
المقترح
في نطاقالدائرة التقليدية لنشاطات البنوك
التجارية (بنوك
الخصم والودائع)، او الدائرة التقليدية لنشاطات
بنوك
التخصص (بنوكالعمال)، او اي دائرة اخرى محدودة من
هذا
القبيل، بل اننا سوف نفكر في اي نشاط يمكن ان يقوم
به
البنك، اذا كان منسجما معالاسس الثلاثة
المتقدمة، سواء كان
هذا النشاط من اختصاص هذه الدائرة او تلك..» ((29)).
(ثانيا)- اطروحته حول شكل وطبيعة دستور الدولة
الاسلامية
التي قدمها في كتابه (لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع
دستورالجمهورية الاسلامية)، بل بعض حلقات سلسلة
(الاسلام
يقود الحياة)، وهذه الاطروحات تتضمن ايضا ابداعات
جزئية.
(ثالثا)- اطروحته في اكتشاف المذهب الاقتصادي في
الاسلام،
وهي من اروع ما كتب الى الان، وهذه الاطروحة
حاشدةبالابداعات الضمنية ومفعمة بالاجتهادات في
المسائل
الجزئية.
(رابعا)- افتاؤه بطهارة اصحاب العقائد المنحرفة من
المسلمين
رغم كفرهم، قال: «من ينسب نفسه الى الاسلام ويعلن في
نفسالوقت عقائد دينية اخرى تتعارض مع شروط
الاسلام
شرعا، وذلك كالغلاة الذين يشهدون الشهادتين ولكنهم
يغالون
فيبعض الانبياء او الاولياء من اهل البيت (ع) او
غيرهم غلوا
يتعارض مع الاسلام، وكذلك النواصب الذين ينصبون
العداء
لاهلالبيت الذين اذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم
تطهيرا،
فان هؤلاء الغلاة والنواصب كفار ولكنهم طاهرون
شرعا ما
دامواينسبون انفسهم الى الاسلام» ((30)).
(خامسا)- بيانه لثبوت الهلال وتشريحه لذلك بنحو لم
يعهد
ممن قبله، قال (قدس سره): «شهر رمضان وشعبان من
الشهورالقمرية وهي تتكون تارة من تسعة وعشرين يوما
واخرى
من ثلاثين يوما حسب طول الدورة الاقترانية للقمر
وقصرها،
وهيدورة القمر حول الارض، حيث ان القمر يتحرك حول
الارض من المغرب الى المشرق، وهو كالارض نصفه يواجه
الشمس،فيكون نيرا ويكون الوقت في المناطق الواقعة
فيه
نهارا ونصفه الاخر لا يقابل الشمس فيكون مظلما،
ويكون
الوقت في المناطقالواقعة فيه ليلا، فاذا ما دار
القمر حل الليل
في المناطق التي كانت في النصف النير وطلع النهار
في
المناطق التي كانت فيالنصف المظلم، والقمر اثناء
دورته هذه
حول الارض تارة يصبح في موضع بين الارض والشمس على
صورة يكون مواجهابموجبها للارض بوجهه المظلم
ومختفيا
عنها بوجهه المنير اختفاء كاملا، واخرى يصبح في
موضع على
نحو تكون بينه وبينالشمس، وثالثة يكون بين هذين
الموضعين وحينما يكون القمر في الموضع الواقع بين
الارض
والشمس على النحو الذيوصفناه لا يمكن ان يرى منه
شيء
وهذا هو المحاق، ثم يتحرك عن هذا الموضع فتبدو لنا
حافة
النصف او الوجه المضيءالمواجه للشمس وهذا هو
الهلال،
ويعتبر ذلك بداية الحركة الدورية للقمر حول الارض
وتسمى
بالحركة الاقترانية، لان بدايتهاتقدر من حين
اقتران القمر
بالارض والشمس وتوسطه بينهما على النحو الذي
وصفناه
وابتداؤه يتجاوز هذه النقطة.
وكلما بعد القمر عن موضع المحاق زاد الجزء الذي
يظهر لنا
من وجهه او نصفه المضاء ولا يزال الجزء المنير
يزداد
حتىيواجهنا النصف المضاء بتمامه في منتصف الشهر
ويكون
القمر اذ ذاك بدرا وتكون الارض بينه وبين الشمس، ثم
يعود
الجزءالمضيء الى التناقص حتى يدخل في دور المحاق،
ثم يبدا
دورة اقترانية جديدة وهكذا. وعلى هذا الاساس تعتبر
بداية
الشهرالقمري الطبيعي عند خروج القمر من المحاق
وابتدائه
بالخروج عن حالة التوسط بين الارض والشمس،
وابتداؤه
بالخروجهذا يعني ان جزءا من نصفه المضيء سيواجه
الارض
وهو الهلال، وبذلك كان الهلال هو المظهر الكوني
لبداية الشهر
القمريالطبيعي. وظهور الهلال في اول الشهر يكون
عند
غروب الشمس ويرى فوق الافق الغربي بقليل ولا يلبث
غير
قليل فوق الافقثميختفي تحت الافق الغربي، ولهذا
لا يكون
واضح الظهور وكثيرا ما تصعب رؤيته، بل قد لا يمكن ان
يرى
بحال من الاحواللسبب او لاخر، كما اذا تمت مواجهة
ذلك
الجزء المضيء من القمر للارض ثم غاب واختفى تحت
الافق
قبل غروب الشمس، فانهلا تتيسر حينئذ رؤيته ما
دامت
الشمس موجودة، او تواجد بعد الغروب ولكن كانت مدة
مكثه
بعد غروب الشمس قصيرة جدابحيث يتعذر تمييزه من بين
ضوء الشمس الغاربة القريبة منه، او كان هذا الجزء
النير المواجه
للارض من القمر (الهلال)ضئيلا جدا لقرب عهده
بالمحاق الى
درجة لا يمكن رؤيته بالعين الاعتيادية للانسان،
ففي كل هذه
الحالات تكون الدورةالطبيعية للشهر القمري قد
بدات على
الرغم من ان الهلال لا يمكن رؤيته.
ولكن الشهر القمري الشرعي في هذه الحالات التي لا
يمكن
فيها رؤية الهلال لا يبدا تبعا للشهر القمري
الطبيعي بل يتوقف
ابتداءالشهر القمري الشرعي على امرين: احدهما: خروج
القمر
من المحاق وابتداؤه بالتحرك بعد ان يصبح بين الارض
والشمس،وهذا يعني مواجهة جزء من نصفه المضيء
للارض.
والاخر: ان يكون هذا الجزء مما يمكن رؤيته بالعين
الاعتيادية
المجردة.
وعلى هذا الاساس قد يتاخر الشهر القمري الشرعي عن
الشهر
القمري الطبيعي، فيبدا هذا ليلة السبت مثلا ولا
يبدا ذاك الا
ليلةالاحد، وذلك في كل حالة خرج فيها القمر من
المحاق،
ولكن الهلال كان على نحو لا يمكن ان يرى.
والشهر القمري الطبيعي كما مر قد يكون كاملا يتكون
من
ثلاثين يوما، وقد يكون ناقصا يتكون من تسعة وعشرين
يوما،
ولايكون ثمانية وعشرين يوما ولا واحدا وثلاثين
يوما بحال من
الاحوال. واما الشهر القمري الشرعي فهو ايضا قد
يكون
ثلاثينيوما، وقد يكون تسعة وعشرين يوما، ولا يكون
اقل من
هذا ولا اكثر من ذاك.
وقد تقول: ان الشهر القمري الشرعي قد يتاخر ليلة عن
الشهر
القمري الطبيعي كما تقدم، وان الشهر القمري
الطبيعي قد
يكونتسعة وعشرين يوما كما مر، وهذان الافتراضان
اذا
جمعناهما في حالة واحدة امكننا ان نفترض شهرا قمريا
طبيعيا
ناقصا بداليلة السبت وتاخر عنه الشهر القمري
الشرعي يوما
فبدا ليلة الاحد نظرا الى ان الهلال في ليلة السبت
لم يكن
بالامكان رؤيته،وفي هذه الحالة نلاحظ ان الشهر
القمري
الشرعي قد يكون ثمانية وعشرين يوما، وذلك لان الشهر
القمري الطبيعي بحكمافتراضه ناقصا سينتهي في
تسعة
وعشرين يوما ويهل هلال الشهر التالي في ليلة الاحد
بعد مضي
تسعة وعشرين يوما، وقديكون هذا الهلال في ليلة
الاحد ممكن
الرؤية فيبدا الشهر القمري التالي طبيعيا وشرعيا
في هذه
الليلة، ونتيجة ذلك ان يكونالشهر القمري الشرعي
الاول
مكونا من ثمانية وعشرين يوما، لانه تاخر عن الشهر
القمري
الطبيعي الناقص يوما وانتهىبنهايته.
والجواب: ان في حالة من هذا القبيل تعتبر بداية
الشهر القمري
الشرعي الاول من ليلة السبت على الرغم من عدم رؤية
الهلاللكي لا ينقص الشهر الشرعي عن تسعة وعشرين
يوما،
وبهذا امكن القول ان الشهر القمري الشرعي يبدا في
الليلة
التي يمكن انيرى في غروبها الهلال لاول مرة بعد
خروجه من
المحاق او في الليلة التي لم ير فيها الهلال كذلك
ولكن رؤي
هلال الشهر اللاحقفي ليلة الثلاثين من تلك الليلة
((31)).
وامكان الرؤية هو المقياس لا الرؤية نفسها فقد لا
تتحقق الرؤية
لعدم ممارسة الاستهلال او لوجود غيم ونحو ذلك غير
ان
الهلالموجود بنحو يمكن رؤيته لولا هذه الظروف
الطارئة
فيبدا الشهر الشرعي بذلك وبكلمة ان وجود حاجب يحول
دون
الرؤيةكالغيم والضباب لا يضر بالمقياس، لان
المقياس امكان
الرؤية في حالة عدم وجود حاجب من هذا القبيل.
ولا وزن للرؤية المجهرية وبالادوات والوسائل
العلمية المكبرة،
وانما المقياس امكان الرؤية بالعين الاعتيادية
المجردة،وتلك
الوسائل العلمية يحسن استخدامها كعامل مساعد على
الرؤية
المجردة وممهد لتركزيها.
وقد تختلف البلاد في رؤية الهلال فيرى في بلد ولا
يرى في
بلد آخر فما هو الحكم الشرعي؟
والجواب: ان هذا الاختلاف يشتمل على حالتين:
الاولى: ان يختلف البلدان لسبب طارئ كوجود غيم او
ضباب
ونحو ذلك، وفي هذه الحالة لا شك في ان الرؤية في احد
البلدينتكفي بالنسبة الى البلد الاخر، لان
المقياس كما تقدم
هو امكان الرؤية لا الرؤية نفسها وامكان الرؤية
هكذا ثابت في
البلدين معاولا يضر به وجود حاجب في احد البلدين
يمنع عن
الرؤية فعلا كغيم ونحوه كما تقدم.
الثانية: ان يختلف البلدان اختلافا اساسيا
لتغايرهما في خطوط
الطول او تغايرهما في خطوط العرض على نحو يجعل
الرؤيةفي
احدهما ممكنة وفي الاخر غير ممكنة بذاتها وحتى بدون
غيم
وضباب وذلك يمكن افتراضه في صورتين:
احداهما: ان يكون هذا التفاوت بسبب اختلاف البلدين
في
خطوط الطول على نحو يكون الغروب في احد البلدين قبل
الغروبفي البلد الاخر بمدة طويلة، وبيان ذلك:
اننا عرفنا
سابقا ان القمر بعد خروجه من المحاق ومواجهة جزء من
نصفه
النير للارضيظل هذا الجزء النير يزداد وكلما
ابتعد عن المحاق
اتسع وازداد ونضيف الى ذلك ان الليلة اي ليلة تسير
تدريجيا بحكمكروية الارض من المشرق الى المغرب
فتغرب
الشمس في بلد بعد غروبها في بلد آخر بدقائق او ساعات
حسب
موقع البلدينفي خطوط الطول، والغروب في كل خط
يسبق
الغروب في الخط الواقع في غربه ويتاخر عن الغروب في
الخط
الواقع فيشرقه فقد تغرب الشمس في بلد كالعراق
مثلا، ويكون
القمر قد خرج من المحاق، ولكن الهلال لا يمكن رؤيته
لضالته
مثلا غيرانه يصبح بعد ساعات ممكن الرؤية، لان الجزء
النير من
القمر يزداد كلما بعد عن المحاق فحين تغرب الشمس في
بلد
يقع فيغرب العراق بعد ساعات عديدة يكون بالامكان
رؤية
الهلال.
والصورة الاخرى: التي يكون الهلال بموجبها ممكن
الرؤية في
احد البلدين دون الاخر ان نفترض البلدين واقعين على
خططول واحد، بمعنى ان الغروب فيهما يحدث في وقت
واحد
ولكنهما مختلفان في خطوط العرض فاحدهما ابعد عن
الاخر
عن خطالاستواء، ونحن نعلم ان طول النهار وقصره
يتاثر
بخطوط العرض فالنهار الواحد والليل الواحد يكون في
بعض
المناطقاطول منه في بعضها تبعا لما تقع عليه من
خطوط
العرض ويختلف بسبب ذلك ايضا في الغالب طول مكث
الهلال
في تلكالمناطق، اذ يمكث في بعضها اطول مما يمكث في
بعضها الاخر، فاذا افترضنا ان مكثه في احد هذين
البلدين كان
قصيرا جدا علىنحو لا يمكن رؤيته ومكثه في البلد
الاخر كان
طويلا نسبيا نتج عن ذلك اختلاف البلدين في امكان
الرؤية.
وقد يتميز بلد عن بلد آخر في امكان الرؤية على اساس
كلا
الاعتبارين السابقين بان نفترض انه واقع في خط طول
غربيبالنسبة الى البلد الاخر وواقع ايضا على خط
عرض آخر
يتيح للهلال مكثا اطول.
وهكذا نلاحظ ان البلاد قد تختلف في امكان الرؤية
وعدم
امكانها فهل يكون الشهر القمري في كل منطقة من
الارض
مرتبطابامكان الرؤية فيها بالذات فيكون لكل افق
شهره
القمري الخاص فيبدا في هذا الافق الغربي في ليلة
متقدمة
وفي افق شرقي فيليلة متاخرة او ان الشهر القمري له
بداية
واحدة بالنسبة الى الجميع فاذا رؤي الهلال في جزء
من العالم
كفى ذلك للاخرين؟
وبكلمة اخرى: هل حلول الشهر القمري الشرعي امر نسبي
يختلف فيه افق عن افق فيكون من قبيل طلوع الشمس
فكماانالشمس قد تطلع في سماء بغداد ولا تطلع في
سماء
دمشق فيكون الطلوع بالنسبة الى بغداد ثابتا
والطلوع بالنسبة
الىدمشق غير متحقق كذلك بداية الشهر القمري
الشرعي او
ان حلول الشهر القمري الشرعي امر مطلق وظاهرة كونية
مستقلة لايمكن ان يختلف باختلاف البلاد؟
وتوجد لدى الجواب على هذا السؤال في مجال البحث
الفقهي
نظرية تؤكد على الافتراض الثاني وتقول: بان حلول
الشهر
لايمكن ان يكون نسبيا، وان يكون لكل منطقة شهرها
القمري
الخاص، وان من الخطا قياس ذلك على نسبية الطلوع
التي
تجعللكل منطقة طلوعها الخاص، وذاك لان طلوع الشمس
عبارة عن مواجهة هذا الجزء من الارض او ذلك الشمس،
ولما
كانتالشمس تواجه اجزاء الارض بالتدريج بحكم
كرويتها
وحركتها اي الارض حول نفسها، فمن الطبيعي ان يكون
الطلوع نسبيافتطلع الشمس على هذا الجزء من الارض
قبل
ذاك. واما بداية الشهر القمري فهي بخروج القمر من
المحاق
اي ابتدائه بالتحركبعد ان يتوسط بين الشمس
والارض، وهذه
ظاهرة كونية محددة تعبر عن موقع جرم القمر من جرمي
الشمس والارض، ولاتتاثر بهذا الجزء من الارض او
ذاك، فلا
معنى لافتراض النسبية هنا وللقول بان الشهر يبدا
بالنسبة الى
هذا الجزء من الارض فيليلة السبت وبالنسبة الى
ذلك الجزء
في ليلة الاحد.
وهذه النظرية ليست صحيحة من الناحية المنهجية،
لانها تقوم
على اساس عدم التمييز بين الشهر القمري الطبيعي
والشهرالقمري الشرعي، فان الشهر القمري الطبيعي
يبدا
بخروج القمر من المحاق ولا يتاثر باي عامل آخر،
ولما كان
خروج القمر منالمحاق قد يؤخذ كظاهرة كونية محددة
لا تتاثر
بهذا الموقع او ذاك، فلا معنى حينئذ لافتراض
النسبية فيه
((32))،
واما الشهرالقمري الشرعي فبدايته تتوقف على
مجموع عاملين: احدهما: كوني وهو الخروج من المحاق،
والاخر: ان يكون الجزء النيرالمواجه للارض ممكن
الرؤية،
وامكان الرؤية يمكن ان ناخذه كامر نسبي يتاثر
باختلاف
المواقع في الارض، ويمكن ان ناخذهكامر مطلق محدد
لا يتاثر
بذلك، وذلك لاننا اذا قصدنا بامكان الرؤية امكان
رؤية الانسان
في هذا الجزء من الارض، وفي ذاك كانامرا نسبيا
وترتب على
ذلك ان الشهر القمري الشرعي يبدا بالنسبة الى كل
جزء من
الارض اذا كانت رؤية هلاله ممكنة في ذلكالجزء من
الارض
فقد يبدا بالنسبة الى جزء دون جزء، واذا قصدنا
بامكان الرؤية
امكان الرؤية ولو في نقطة واحدة من العالمفمهما
رؤي في
نقطة بدا الشهر الشرعي بالنسبة الى كل نقاط كان
امرا مطلقا
لا يختلف باختلاف المواقع على الارض.
وهكذا يتضح ان الشهر القمري الشرعي لما كان مرتبطا
اضافة
الى الخروج من المحاق بامكان الرؤية وكانت الرؤية
ممكنةاحيانا في بعض المواضع دون بعض كان من
المعقول ان
تكون بداية الشهر القمري الشرعي نسبية. فالمنهج
الصحيحللتعرف على ان بداية الشهر القمري هل هي
نسبية او
لا؟ الرجوع الى الشريعة نفسها التي ربطت شهرها
الشرعي
بامكانالرؤية لنرى انها هل ربطت الشهر في كل
منطقة بامكان
الرؤية في تلك المنطقة او ربطت الشهر في كل المناطق
بامكان الرؤية في اي موضع كان؟
والاقرب على اساس ما نفهمه من الادلة الشرعية هو
الثاني،
وعليه فاذا رؤي الهلال في بلد ثبت الشهر في سائر
البلاد((33))
».
(سادسا)- عند توضيحه للطريق الثاني من طرق ثبوت الهلال
قال (قدس سره): «اتضح ان بداية الشهر القمري
الشرعيتتوقف
على امرين: خروج القمر من المحاق وكون الهلال ممكن
الرؤية
بالعين الاعتيادية المجردة في حالة عدم وجود
حاجب،والان
نريد ان نوضح كيف يمكن اثبات هذين الامرين
واحرازهما
بطريقة صحيحة شرعا.
ان اثبات ذلك يتم باحد الطرق التالية:
الاول: الرؤية المباشرة بالعين الاعتيادية المجردة
فعلا لان
رؤية الهلال فعلا تثبت للرائي ان القمر قد خرج من
المحاقوانبالامكان رؤيته والا لما رآه فعلا.
الثاني: شهادة الاخرين برؤيتهم، فاذا لم يكن الشخص
قد راى
الهلال مباشرة ولكن شهد الاخرون برؤيتهم له كفاه
ذلك
اذاتوفرت في هذه الشهادة احد الامرين التاليين:
او لا: كثرة العدد، وتنوع الشهود على نحو يحصل
التواتر او
الشياع المفيد للعلم او الاطمئنان، فاذا كثر العدد
ولم
يحصلالعلم او الاطمئنان من اجل منشا معقول لم
يثبت
الهلال، فالكثرة العددية عامل مساعد على حصول
اليقين
ولكنها ليستكلشيء في الحساب بل ينبغي للفطن ان
يدخل
في الحساب كل ما يلقي ضوءا على مدى صدق الشهود او
كذبهم او خطاهم،ونذكر الامثلة التالية على سبيل
التوضيح:
1- اذا احصي اربعون شاهدا بالهلال من بلدة واحدة فقد
يكون
تواجدهم جميعا في بلدة واحدة يعزز شهادتهم، بينما
اذا
احصياربعون شاهدا من اربعين بلدة استهل ابناؤها
فشهد
واحد من كل بلدة لم يكن لهم نفس تلك الدرجة من
الاثبات،
والسبب فيذلك ان تواجد اربعين شخصا على خطا في
مجموعة المستهلين من بلدة واحدة امر بعيد نسبيا،
بينما
تواجد شخص واحد علىخطا في مجموعة المستهلين من كل
بلد اقرب احتمالا.
2- وفي نفس الحالة السابقة قد يصبح الامر على العكس،
وذلك فيما اذا كانت تلك البلدة التي شهد من اهاليها
اربعون
شخصاواقعة تحت تاثير ظروف عاطفية غير موجودة في
المدن
الاخرى.
3- وكما ينبغي ان يلحظ الشهود بالاثبات كذلك يلحظ نوع
وعدد المستهلين الذين استهلوا وعجزوا عن رؤية
الهلال،
فكلما كانعدد هؤلاء الذين عجزوا عن الرؤية كبيرا
جدا
ومتواجدا في آفاق نقية صالحة للرؤية وقريبة من
مواضع
شهادات الشهود شكلذلك عاملا سلبيا يدخل في
الحساب.
4- ونوعية الشهود لها اثر كبير ايجابا وسلبا على
تقرير النتيجة،
ففرق بين اربعين شاهدا يعرف مسبقا انهم لا يتورعون
عنالكذب واربعين شاهدا مجهولي الحال واربعين
شاهدا يعلم
بوثاقتهم بدرجة واخرى.
5- قد تتحد مجموعة من الشهادات، في المكان بان يقف
عدد
المستهلين في مكان مشرف على الافق فيرى احدهم
الهلال
ثم يهديالاخر الى موضعه فيراه ثم يهتدي الثالث
اليه وهكذا،
وفي مثل ذلك تتعزز هذه الشهادات، لان وقوعها كلها
فريسة
خطا واحدفي نقطة معينة من الافق بعيد جدا، وقدرة
المشاهد
الاول على اراءة ما رآه تعزز الثقة بشهادته.
6- التطابق العفوي في النقاط التفصيلية بين الشهود
بان
يشهد عدد من الاشخاص المتفرقين من بلدة واحدة
ويعطي
كل منهمنقاطا تطابق النقاط التي يعطيها الاخر من
قبيل ان
يتفقوا على زمان رؤية الهلال وزمان غروبه عن
اعينهم، فان
ذلك عاملمساعد على حصول اليقين.
7- ينبغي ان يلحظ ايضا مدى ما يمكن استفادته من
استخدام
الوسائل العلمية الحديثة من الادوات المقربة
والرصد
المركز،فان رؤية الهلال بهذه الوسائل وان لم تكن
كافية لاثبات
الشهر ولكن اذا افترضنا ان التطلع الى الافق رصديا
لم يتح
رؤيةالهلال، فهذا عامل سلبي يزيل من نفس الانسان
الوثوق
بالشهادات ولو كثرت، اذ كيف يرى الناس بعيونهم
المجردة ما
عجزالرصد عن رؤيته؟!
8- بل يدخل في الحساب ايضا التنبؤ العلمي المسبق بوقت
خروج القمر من المحاق، فانه اذا حدد وقتا وادعى
الشهود
الرؤيةقبل ذلك الوقت كان التحديد العلمي المسبق
عاملا
سلبيا يضعف من تلك الشهادات، فان احتمال الخطا في
حسابات النبوءةالعلمية وان كان موجودا ولكنه قد
لا يكون ابعد
احيانا عن احتمال الخطا في مجموع تلك الشهادات او
على
الاقل لا يسمح بسرعةحصول اليقين بصواب الشهود في
شهادتهم.
ثانيا: تواجد البينة في الشهود.
والبينة على الهلال تكتمل اذا توفر ما يلي:
1- ان يشهد شاهدان رجلان عدلان برؤية الهلال فلا تكفي
شهادة الرجل الواحد ولا النساء وان كن عادلات.
2- ان لا يقع اختلاف بين الشاهدين في شهادتهما على
نحو
يعني ان ما يفترض احد الشاهدين انه رآه غير ما رآه
الاخر.
3- ان لا تتجمع قرائن قوية تدل على كذب البينة او
وقوعها
في خطا، ومن هذه القرائن ان ينفرد اثنان بالشهادة
من بين
جمعكبير من المستهلين لم يستطيعوا ان يروه مع
اتجاههم
جميعا الى نفس النقطة التي اتجه اليها الشاهدان في
الافق
وتقاربهم فيالقدرة البصرية ونقاء الافق وصلاحيته
العامة
للرؤية، وهذا معنى قولهم (ع): «اذا رآه واحد رآه
مئة» ((34)).
سابعا افتاؤه بحصر حرمة استعمال اواني الذهب
والفضة في
الاكل والشرب دون سائر الاستعمالات ((35)).
ثامنا افتاؤه بان المتنجس الثاني لا ينجس ((36)).
وفي الختام، نرجو ان نكون قد وفقنا في كلمة هذا
العدد
لتسليط الضوء على جانب من البعد الفقهي في مدرسة
الشهيد
الصدرالمعطاءة سائلين المولى القدير التوفيق
للاستمرار في
هذه المحاولة وتطويرها انه سميع مجيب.
ولا حول ولا قوة الا باللّه
رئيس التحرير
الحوالة
حقيقتها وبعض
مقوماتها
تقرير بحث سيدنا الشهيد السعيد
آية اللّه العظمى
السيد محمد باقر الصدر (قدس سرهالشريف)
القاه في ليالي شهر رمضان سنة 1390 ه . ق
|
الشهيد آية اللّه السيد
محمد باقر الصدر (قده)
تقرير: سماحة السيد علي رضا الحائري
وقد عدد لها في العروة عشرين فرعا او ما يقاربها،
ونحن سوف
لا نتعرض للفروع جميعها بحسب تعدادهاالترتيبي بحيث
نذكر
فرعا بعد آخر، بل ننسق البحث في ترتيب بحيث تتحفظ
فيه
الفروع وتنطبق عليه، ويتشكلهذا الترتيب في فصول
ثلاثة((37)):
الفصل الاول: في بيان حقيقة الحوالة وتكييفها
الفقهي والانحاء
المتصورة لهذه المعاوضة مع الموازنة فيه
بينالفقه الجعفري
وسائر المذاهب الاسلامية وغير الاسلامية، وهذا
الفصل سوف
يشكل القواعد الاساسية لفقهالحوالة بحيث ينطوي
تحته ما
يستنبط في الحوالة.
الفصل الثاني: في بيان مقومات الحوالة واركانها،
وهي ثلاثة:
ا - العقد المقوم للحوالة.
ب - المتعاقدان اللذان يقعان طرفي الحوالة.
ج - المال الذي يقع موضوعا للحوالة.
الفصل الثالث: في بيان احكام الحوالة وآثارها، وفيه
ثلاثة
بحوث:
ا - في احكامها وآثارها بلحاظ المحيل مع المحال.
ب - في احكامها وآثارها بلحاظ المحال مع المحال عليه.
ج - في احكامها وآثارها بلحاظ المحيل مع المحال عليه.
الفصل الاول:
في بيان حقيقة الحوالة والانحاء المتصورة فيها
وتحقيق هذا الفصل يتم بتقديم امور ثلاثة:
الامر الاول:
في ان الديون كلها تشتمل على احدى المرتبتين: الذمة
والعهدة، فلابد من بيان معنى الذمة والعهدة، فنقول:
ان الذمة والعهدة من المفاهيم التي وضعها الفقه
الاسلامي،
فهما وعاءان اعتباريان من الاعتبارات
العقلائيةيختلفان من
حيث المظروف الذي يحتويانه، فان كان المظروف امرا
شخصيا وعينا خارجية فظرفه العهدة، وانكان امرا
كليا لا
شخص له خارجا فظرفه الذمة، فالذمة: هو الوعاء الذي
صاغه
العقلاء واعتبروه ظرفا للامورالكلية، والعهدة: هو
الوعاء الذي
صاغوه واعتبروه ظرفا للامور الجزئية الشخصية
الخارجية.
|