واما النحو الرابع: وهو ان تكون الحوالة عبارة عن تغيير
المدين فاما ان تكون حوالة على بري‏ء او على مدين،فاما اذا
كانت الحوالة على بري‏ء فهي عقد، لانها تمس شانين: شان
المحتال وشان المحال عليه، اما الاول فلانه‏الذي يحدث
الانتقال في ماله من وعاء الى وعاء آخر اي من ذمة زيد الى
ذمة خالد فهو تصرف في ماله، فلابدمن‏دخله الانشائي في
المعاوضة، واما الثاني فلانه الذي تشتغل ذمته عند الحوالة
للمحتال، وحيث ان ذمته ملك له‏فاشغالها لعمرو المحتال
تصرف في ملك المحال عليه، فلابد من دخله الانشائي ايضا،
واما المحيل فهو اجنبي،لان المعاوضة لاتوجب التصرف في
ماله بل توجب التصرف فيما عليه من الدين، وهذا لايسبب
دخله الانشائي في‏الحوالة.
واما اذا كانت الحوالة على مدين فقد يقال: انها تصرف قائم بين
المحتال والمحال عليه من دون دخل للمحيل في‏ذلك، وقد
يقال: انها تصرف قائم بين المحيل والمحتال من دون دخل
للمحال عليه في ذلك، وقد يقال: انها تصرف‏قائم بين المحيل
والمحتال والمحال عليه، حسب التصورات الفنية للموقف.
وتوضيحه: انه لو احال زيد دائنه عمرا على خالد الذي هو مدين
للمحيل فالذي يحدث ان الدين الثابت لعمرو على‏زيد قد انتقل
من ذمته الى ذمة خالد واصبح عمرو يملك الدين في ذمة
المدين الجديد، ففي هذا المورد تكون الحوالة‏تصرفا في شان
المحتال والمحال عليه، اما الاول فلان الدين الذي كان ثابتا
لعمرو على زيد قد انتقل من ذمة الى‏اخرى، وهذا تصرف فيه،
فلابد من دخل انشائي من قبل المحتال في ذلك لانه ملكه،
واما الثاني فلان ذمة المحال‏عليه قد اشتغلت بدين جديد
للمحتال فهو تصرف في ذمة خالد التي هي تحت سلطان
نفسه، ومجرد كونه مديناللمحيل لايبرر للمحيل ان يجعله
مدينا لشخص آخر كيفما شاء وفي اي جزء من ذمة المدين، اذن
فهو تصرف في‏شان المحال عليه ايضا، فلابد من دخله
الانشائي، واما المحيل فلا دخل له اصلا، لانه ليس تصرفا في
ملكه.
وبتعبير اوضح: ان في المقام مالين: المال الذي يملكه زيد في
ذمة خالد، والمال الذي يملكه عمرو في ذمة زيد، فاماالاول فلا
تمسه الحوالة بناء على النحو الرابع، لان تغيير المدين لايوجب
تغير الدين الثابت للمحيل على المحال‏عليه بل هو محفوظ،
واما الثاني فهو الذي تمسه الحوالة، باعتبار انها تمس شانين:
شان المحتال لانه ماله، وشان‏المحال عليه لانه الذي اشتغلت
ذمته به، فلابد من دخلهما معا، دون المحيل لانه ليس تصرفا
في ملكه.
نعم، لو فرضنا ان المحيل استدعى من المحال عليه هذا
التصرف فيضمن للمحال عليه، وحينذاك لابد من
دخله‏الانشائي، وقد يؤدي هذا الاستدعاء الى سقوط الدين
الثابت على المحال عليه للمحيل بالتهاتر بين الدينين
كماسبق، الا ان الاستدعاء مسالة اخرى لا تمت الى موضع
البحث بصلة.
اذن فعلى التقريب المزبور يتحقق صدق القول الاول، وان
الحوالة على مدين بناء على انها تغيير للمدين تصرف‏قائم
بين المحتال والمحال عليه فقط.
واما القول الثاني وهو ان الحوالة هنا تصرف بين المحيل
والمحتال دون المحال عليه فهو مبني على ان نفترض‏ان
الدائن كما يملك المال في ذمة مدينه فكذلك يملك من ذمة
المدين ذاك المقدار الذي يستوعبه المال، فهو مالك‏للمال
والذمة لا بكاملها، بل هو مالك لجزء منها وهو الجزء الذي
انحفظ فيه المال، فتكون الحوالة حينئذ بناء على‏النحو الرابع
تصرفا في شان المحيل والمحتال دون المحال عليه، اما
المحيل فلانه دائن ويملك جزء من ذمة‏مدينه المحال عليه
كما مر، فله التصرف فيه باشغاله بما يريد بشرط ان لايتعدى
الجزء المملوك له الى سائراجزاء ذمة المدين المحال عليه، واما
المحتال فلانه الذي يملك المال في ذمة المحيل، فاذا اراد
المحيل نقله من ذمة‏نفسه الى ذمة اخرى فهو يتضمن تصرفا
في ملك المحتال، فلابد من دخله الانشائي، واما المحال عليه
فلا دخل‏له، وذلك لانه ليس تصرفا في ملكه وفي شان من
شؤونه.
والفرق بين هذا التقريب الذي يحقق صدق القول الثاني وان
الحوالة هنا تصرف بين المحيل والمحتال دون‏المحال عليه
وبين التقريب الاول الذي حقق صدق القول الاول وانها
تصرف بين المحتال والمحال عليه دون‏المحيل ان التقريب
الاول مبني على ان الدين الذي ينقل من ذمة المحيل الى ذمة
المحال عليه لا ينقل الى نفس‏الجزء من الذمة الذي كان يملكه
المحيل بل نقل الى جزء آخر من ذمة المحال عليه، وحيث ان
الجزء الاخر كان تحت‏سلطان المحال عليه نفسه فكان لابد من
دخله الانشائي، واما هنا فحيث فرضنا ان الدين ينتقل الى نفس
الجزء من‏الذمة الذي كان يملكه المحيل دون الاجزاء الاخرى
فكان لابد من دخل المحيل فيه، لانه تصرف في ملكه
وهوالجزء من ذمة المحال عليه، ولا دخل للمحال عليه فيه،
لانه ليس تصرفا في ملكه وفي شان من شؤونه.
واما القول الثالث: وهو ان الحوالة بناء على انها تغيير للمدين
تصرف قائم بين المحيل والمحتال والمحال عليه‏ولكل من
هؤلاء الدخل الانشائي فيه فهو مبني على نسف المبنى الذي
تدخل في التقريب السابق وعدم تبني الراي‏القائل بان الدائن
يملك جزء من ذمة مدينه، فاذا لم نتبن هذا القول فمعناه ان
ذمة المحال عليه بكاملها مملوكة‏لنفسه ولا يملكها ولا جزء
منها الدائن، فهي بجميعها تحت سلطان نفسه، وحيث ان
الحوالة تتضمن التصرف‏في ذمة المحال عليه فهي تصرف
يمس شانه، فلابد من دخله الانشائي، كما ان للمحتال الدخل
الانشائي، لانهاتصرف في ماله الذي يملكه في ذمة المحيل،
وللمحيل ايضا الدخل الانشائي، لانها تصرف في ماله الذي
يملكه في‏ذمة خالد المحال عليه.
هذا هو غاية ما يمكن من توضيح التقاريب الثلاثة.
وحينئذ: فلا اشكال في بطلان التقريب الاول، لانه مبني على
ان للدائن الحق في ان يشغل سائر الاجزاء من ذمة‏المدين غير
الجزء الذي يملكه. وهذا غير صحيح، فان الحوالة لاتوجب
اشغال ذمة المحال عليه بكاملها، بل‏ان‏الدين الثابت للمحتال
على المحيل ينتقل الى نفس الجزء من الذم ة الذي يملكه
المحيل على المحال عليه .
والبرهان عليه: انهم اتفقوا على براءة ذمة المحال عليه بمجرد
الحوالة قبل الاداء، وهذا دليل على ان المال المنقول‏من ذمة
المحيل الى ذمة المحال عليه انما انتقل الى نفس الجزء من
الذمة الذي كان ظرفا ووعاء مملوكا للمحيل،ويعني هذا ان دين
المحيل على المحال عليه قد سقط وحل محله دين في ذمة
المحال عليه للمحتال، بينما لو كان‏الامر كما يقوله التقريب
الاول وان الدين الثابت للمحتال على المحيل ينتقل الى جزء
آخر من ذمة المحال عليه غيرالجزء المملوك للمحيل لما كان
يبرا المحال عليه بمجرد الحوالة، بل غايته ضمان المحيل لو
كان هو المستدعي،والضمان فرع الاداء وفي طوله، والحال انهم
اتفقوا على براءة ذمة المحال عليه قبل الاداء.
اذن فالتقريب الاول واضح البطلان.
فيدور الامر بين التقريب الثاني والثالث، وحيث انا بينا ارتكازية
كون الدائن مالكا للوعاء والذمة ايضا كما هو مالك‏للمال
المظروف فالصحيح هو التقريب الثاني، لانه الذي يحقق هذه
الارتكازية دون الثالث لانه ينسفها.
وبذلك انتهى الحديث عن عقد الحوالة وتبين ما هي حدودها.

«فقه النظرية ‏»
لدى الشهيد الصدر (قدس سره)

الشيخ خالد الغفوري

تمهيد
فقه النظرية هو عملية استنباط واكتشاف الاطار العام للموقف
الفقهي تجاه مجال معين من مجالات الحياة كالمجال
الاقتصادي او الاجتماعي او القضائي او السياسي او الاعلامي
وغير ذلك وبلورة المعالجة الاسلامية‏وصياغتها بصورة نظرية
كلية محكمة تكون بمثابة قاعدة جامعة لشتات الاحكام
الفرعية وصالحة لان تنبثق‏عنها الابنية العلوية من الاحكام
والقوانين لتنظيم الحياة.
وهذا الاتجاه التنظيري يعتبر جديدا نسبيا في اجوائنا
الاسلامية، سيما في مراكز العلوم الاسلامية، فان تاريخ‏ظهورها
على الساحة الفكرية قد لا يتعدى خمسة او ستة عقود، فقبل
ذلك لم تكن هذه الرؤية متداولة ولا واضحة‏المعالم.
وتعد بحق اطروحة آية اللّه العظمى الشهيد محمد باقر الصدر
(قدس سره) في بلورة النظرية الاسلامية في
المجال الاقتصادي التجربة الرائدة والناضجة في هذا المضمار،
حيث قام بمحاولة موفقة لكيفية اكتشاف مباني
وقواعدالمذهب الاقتصادي في الاسلام وفق منهجية مبتكرة
ومحددة بعد ان خاض معركة فكرية حادة مع اهم
المدارس‏الاقتصادية واكثرها اقتدارا وهيمنة على الساحة، وهما
الاتجاه الاشتراكي والاتجاه الراسمالي.
ولا نبالغ اذا قلنا بان هذه الاطروحة القيمة ظلت يتيمة لم
تشفع باخرى رغم مرور حقبة من الزمن ليست بقصيرة،فلا غرو
ان تعتبر احد الفتوحات الفكرية الكبرى في تاريخنا المعاصر،
واحد الانجازات الهامة في عصرناالحاضر، والتي كان لها بالغ
الاثر في تغيير الخطاب الاسلامي شكلا ومضمونا وابعادا،
وفتحت للعقل الاسلامي‏آفاقا رحيبة للتجديد الاصيل، وشقت
الطريق امام الرسالة للمنافسة المتكافئة مع الاخر، بل ساهمت
مساهمة‏مؤثرة في قلب مركز الاقتدار الفكري لصالح الاتجاه
الاسلامي في الصراع الثقافي المحتدم بينه وبين
الاتجاهات‏الوضعية، ولا زالت في ذاكرتنا تلك الايام العجاف
حين كان خصماؤنا الوضعيون يتبجحون بمل‏ء
افواههم‏بامتلاكهم منهجية تامة حول برنامج الحياة لزعمهم ان
سر تفوقهم هو انطلاقهم من نظرية عامة كاساس‏تصوري تقف
عليه بناءاتهم التفصيلية المتكثرة كافة. وكنا يومها نتوارى من
القوم تحاشيا للاحراجات اذ لم يكن‏باستطاعتنا ان نقدم وقتئذ
اكثر من اجابات سريعة ومرسلة ومتناثرة حول ما يكتنف
الشريعة الحنيفة من‏ابهامات وفراغات متوهمة على اصعدة
حساسة وخطيرة لا يمكن الغض عنها او تاجيل البحث فيها الى
وقت‏سياتي.
من هنا ندرك حجم الانعطاف المبين الذي حدث في مسار
الفكر ومدى التوسع الكبير في افق الذهنية الاسلامية‏ببركة
فقه النظرية وما رافق ذلك من نقلة ملحوظة وتحول بارز من
موقع الدفاع الغاضب الى موقع السباق‏الحضاري الواعي.. ولا
نزال نحن نستصحب المنهج ذاته في حالات الزهو والتالق
الفكري.. وما نفتا نسترجع‏مفرداته بعينها في اوج الخطاب
الثقافي.

معطيات فقه النظرية:
اجد من اللازم البحث حول مدى جدوى النظريات العامة، وهل
ثمة فوائد وآثار عملية يمكن ان تترتب على ذلك اولا؟ فقد
يظن الظانون والذين يلقون الكلام بغير حساب ان ذلك لا يعدو
ان يكون تحليلا صرفا لا طائل تحته.
لذا ينبغي فهرسة الثمرات العملية وتشريح الانعكاسات الواقعية
والاثار الناشئة من تلك النظريات وعلى اصعدة‏شتى، فان لفقه
النظريات العامة بركات كثيرة وفوائد جمة، وسنبوب بعض هذه
الثمرات حسب الابعاد المتوقعة‏لفقه النظرية.

1- الفكر والثقافة:
تشكل النظرية العامة رقما صعبا في المعادلة الثقافية والفكرية،
وتوفر امامنا فرصا ذهبية للامتداد والزحف نحواقتحام وفتح
الساحة الثقافية المناوئة وتقصر المسافات للوصول الى
الاهداف الرسالية وتقرب البعيد، حيث‏يتم‏بواسطة الصياغات
العام ة ضغط الكم الهائل من الاحكام الممتدة افقيا والتي
يتعذر عادة الاحاطة بهاتصورامن قبل الملا العام فضلا عن
القناعة بها ضمن قوالب ناجزة وقواعد معدودة يسهل دركها
ولا يصعب‏تصديقها، ففرق كبير بين الخطاب المنفوش
والبيانات الموزعة و بين الخطاب المركز والحاوي لعصارات
المنهج‏الاسلامي وخلاصات البرنامج الحضاري المتبنى. ولا
ريب في رجحان الاسلوب الثاني باعتباره يخلق في
الاذهان‏وضوحا وانكشافا، ويرفع النفوس الى مستوى الشهود
الرسالي. ونحن وان استطعنا ان نزرع في الساحة الثقافية‏جوا
من الوضوح في الاطار العقائدي او في الاطار الاخلاقي او
المعنوي الا ان ذلك وحده غير كاف، فانه يدفع‏الجمهور الى
نصف الطريق حيث يمدهم برؤية كونية ويعرفهم هويتهم
الوجودية ويقف عند هذا الحد، ولايعرفهم هويتهم الحضارية،
مما يجعل الحاجة الى مكمل لهذه الرؤية اكثر الحاحا..
وهذا المتمم للوعي يتمثل بتحصيل الرؤية الحياتية ووعي
الموقف، وان فقه النظرية بتامين ذلك لجدير، فمن‏خلاله
يمكن تقديم صورة متجانسة لوجهي الواقع، اي الواقع الموجود
والواقع المطلوب، فيزيد المؤمنين ايمانا مع‏ايمانهم ويكسبهم
الثقة العالية بدينهم والاطمئنان الراسخ برسالتهم، وتثبت
بذلك اقدامهم على الحق المبين ولايهنوا تجاه امواج الغزو
الثقافي، بل يمكنهم حينئذ الانطلاق لخوض المنافسة والنزال
مع الغير، فان للنظرية العامة‏لبهاء وسحرا وان عليها لطلاوة
تاخذ بمجامع العقول وتجتذب الافئدة. ولا نريد ان نبالغ في
تصوير مدى الاثرالاعلامي والثقافي للنظريات العامة، فان بعض
الاباطيل والاتجاهات الهزيلة استطاعت ان تجد لها مكانا
في‏الساحة الثقافية وتسبغ على نفسها سمة المسلك لانها
تسربلت بزي النظرية العامة. وهذه حقيقة لا ينكرها الا مكابر،
فان النظرية العامة هي العملة الرائجة في سوق الافكار، وهي
اللغة المفضلة في عصرنا الراهن، وهي‏الموضة الراقية بنظر
المثقف.
واعرب الشهيد الصدر (قدس سره) عن اهمية فقه النظرية
بقوله: «... تكون الحاجة الى دراسة نظريات القرآن‏والاسلام
حاجة حقيقية ملحة، خصوصا مع بروز النظريات الحديثة من
خلال التفاعل بين انسان العالم الاسلامي‏وانسان العالم الغربي،
بكل ما يملك من رصيد كبير وثقافة متنوعة في مختلف
مجالات المعرفة البشرية، حيث‏وجد الانسان المسلم نفسه امام
نظريات كثيرة في مختلف مجالات الحياة، فكان لابد لكي
يحدد موقف الاسلام من‏هذه النظريات وان يستنطق نصوص
الاسلام ويتوغل في اعماق هذه النصوص لكي يصل الى مواقف
الاسلام‏الحقيقية سلبا وايجابا، لكي يكتشف نظريات الاسلام
التي تعالج نفس هذه المواضيع التي عالجتها التجارب‏البشرية
الذكية في مختلف مجالات الحياة‏» ((50)).

2- الادارة والحكم:
مقدمة نقول: ان التكاليف الشرعية على قسمين فردية
واجتماعية، ولا يعرف الفرق بينهما من خلال لحاظ
صيغة‏الافراد او الجمع في الخطاب، بل ان الفرق ابعد من ذلك
واعمق.. فهو ناشئ في مرحلة المبادئ والملاكات ويستمرالى
مرحلة الامتثال بل يتجاوز ذلك ويمتد الى الاثار واللوازم.
والعلة في ذلك تعود الى الاختلاف بين طبيعة
الفردوالمجتمع، فالمجتمع ليس هو حصيلة تصاعد كمي
وعددي مسبب عن ضم فرد الى آخر واضافته رياضيا ، بل‏هو
مركب ذو ماهية مستقلة وشخصية ذات كيان خاص وان كان
غير خارج عن الافراد الا ان الفارق بين الوجودالفردي
والاجتماعي مضافا الى الفارق الكمي فارق كيفي ينشا من
عنصر العلاقات المتشابكة التي تربط افرادالمجتمع بعضهم
ببعض. وان شئت قلت: ان للفرد حيثيتين وعنوانين: احدهما
من حيث هو، والاخر من حيث هوجزء من كل.
وهذا الفرق ليس فرقا اعتباريا بل هو فرق واقعي ينسحب
ويترتب عليه جملة من الاثار، كاختلاف السنن التي‏تحكم كل
منهما، واختلاف طبيعة الدور الذي يلعبه الفرد والمجتمع،
ومجال حركة كل منهما في الحياة.
واستدل السيد الشهيد (قدس سره) على الفرق بين كيان الفرد
وكيان المجتمع بالايتين الكريمتين، وهما:
اولا قوله تعالى: (لكل امة اجل اذا جاء اجلهم فلا يستاخرون
ساعة ولا يستقدمون) ((51)).
ثانيا قوله تعالى: (ولكل امة اجل فاذا جاء اجلهم لا يستاخرون
ساعة ولا يستقدمون) ((52)).
وقرب الاستدلال بقوله: «نلاحظ في هاتين الايتين الكريمتين
ان الاجل اضيف الى الامة، الى الوجود المجموعي‏للناس، لا الى
هذا الفرد او ذاك الفرد بالذات. اذن، هناك وراء الاجل المحدود
المحتوم لكل انسان بوصفه الفردي،اجل آخر وميقات آخر
للوجود الاجتماعي للافراد، للامة بوصفها مجتمعا ينشى‏ء ما
بين افراده العلاقات‏والصلات القائمة على اساس مجموعة من
الافكار والمبادئ المسندة بمجموعة من القوى والقابليات. هذا
المجتمع‏الذي يعبر عنه القرآن الكريم بالامة له اجل، له موت،
له حياة، له حركة، كما ان الفرد يتحرك فيكون حيا ثم يموت
،كذلك الامة تكون حية ثم تموت، وكما ان موت الفرد يخضع
لاجل وقانون، كذلك الامم ايضا لها آجالها المضبوطة‏وقوانينها.
وهناك نواميس تحدد لكل امة هذا الاجل...» ((53)).
وهذا الفرق ينسحب الى احكام ووظائف كل منهما، فان
التفاوت بين الاحكام والتكاليف الفردية جوهري. من هنانلمس
البون الشائع بين خطاب (اقيموا الصلاة) ((54)) وبين خطاب
(والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما) ((55)) رغم
اتحادالصيغتين لفظا، فان الخطاب الاول موجه الى فرد او
مجموعة افراد لا يصدق عليهم اي جامع حقوقي فكل
مكلف‏يمكنه امتثال هذا الامر، بينما الثاني يقصد به الكيان
والجهة. فالامة من حيث هي كيان ذات شخصية
حقوقية‏مسؤولة عن اقامة الدين وحدوده، لا ان كل مكلف
يسوغ له اجراء ذلك وتنفيذه. وليس من الصحيح تصوير
الفرق‏بين النحوين على اساس العينية والكفائية في التكاليف،
فان (صلاة الاموات) من الاحكام الكفائية الا انها ليست‏حكما
اجتماعيا. كما ان العكس صحيح ايضا فرب تكاليف واحكام
اجتماعية تكون عينية يوكل امرها الى طائفة‏معينة بل الى
شخص واحد كالاحكام المرتبطة بولي الامر.
وعلى اية حال فان الكتب الفقهية عكفت على تشخيص
التكاليف الفردية وربما بعض التكاليف الاجتماعية
احياناآبصورة مفصلة وبيان كيفية تطبيقها وامتثالها وتفصيل
شرائطها.. في حين ان وظيفة‏فقه‏النظرية التصدي‏لمعالجة
وبحث التكاليف في دائرة اوسع من الفرد، اي بحث التكاليف
الاجتماعية، فان هذا المجال الفقهي الواسع‏بمستوى من
الخطورة والضرورة يفوق فقه الفرد بمراتب ما دمنا نعتقد بان
قيادة الاسلام للمجتمع من المسلمات‏اليقينية فقهيا، اذ من
الواضح ان رسم الصورة الاسلامية في طريقة حكم وادارة
المجتمع لا يكفي فيه استعراض اواستنباط الاحكام الفردية او
بعض الاحكام الاجتماعية المتناثرة هنا وهناك.
ونحن نجد الفقيه لا يدخر جهدا في استنباط الموقف الشرعي
تجاه مسالة جزئية تطرح من قبل شخص واحد اواثنين، فنراه لا
يقر له قرار حتى يعرف حكم اللّه ليعرفه السائل والمستفتي.
فالمامول بالفقيه ان يبذل قصارى ما في‏وسعه لاستخراج
الموقف الشرعي تجاه الحركة الاجتماعية العامة وكيفية
توجيهها وادارتها، ولا ريب في ان من‏جملة الحلول ان لم نقل
اقربها واقواها هو النظرية العامة، ولا اقل من القول بان التوفر
على رؤية شاملة وامتلاك‏قاعدة عامة للانطلاق في معالجة
قضايا حكم المجتمع وادارته وما يكتنف ذلك من ملابسات
وتعقيدات خير من‏المعالجات المقطعية والتي تؤدي الى الهرج
والمرج واشاعة الفوضى قطعا سواء على صعيد الحاكم
الشرعي‏الاعلى ولي الامر او على مستوى اجهزته المتعددة
ودوائره المختلفة، فان مثل هذه الاجهزة تصدر يومياعشرات
القرارات..
انه من المسلم فقهيا ان هناك جملة من الحوادث تركت
الشريعة امر معالجتها الى ولي الامر سواء آمنا بتمامية ادلة‏ولاية
الفقيه او ناقشنا في ذلك وتمسكنا بحبل الحسبة، فانه لا شك
من وجود مساحة مرنة لكي يتحرك فيهاالمتصدي ويحدد فيها
الموقف. ومن المعلوم ان تحديد الموقف مشروط اولا: بمراعاة
المصلحة العامة وثانيا: بمايكون منسجما مع مذاق الشارع.
والقيد الاول احرازه عن طريق دراسة الظروف داخلا وخارجا
ووعي المرحلة‏والتقديرات المستقبلية. واما احراز القيد الثاني
فهو امر صعب مستصعب، لانه ما من حكم ولائي الا ويتزاحم
مع‏بعض الاحكام سواء كانت واقعية او ظاهرية ترخيصية او
الزامية وان كانت الترخيصية اخف اشكالا واهون من‏قبيل
التصادم مع مبدا سلطنة الناس على نفوسهم واموالهم
وشؤونهم الخاصة بهم، ولا سبيل للخروج من هذاالمازق الا
بتوفر ولي الامر على رؤية واضحة ومحيطة بالاتجاهات العامة
للشريعة ومذاقها الذي هو بمثابة‏ملكوت الاحكام الشرعية وام
الكتاب لها فحينئذ يمكن تحديد الخطوط الحمراء التي لا
يمكن تخطيها بحال.
اذن فان تطبيق الشريعة كنظام يتوقف على تحديد الاتجاهات
العامة للتشريع.. والا تكون التجربة ساذجة‏ومتعثرة تحكم على
نفسها بالفشل.
يقول (قدس سره): «لابد من ان يتوغل هذا الاتجاه الموضوعي
في الفقه ليصل الى النظريات الاساسية، لا ان‏يكتفي بالبناءات
العلوية والتشريعات التفصيلية، بل ينفذ من خلال هذه البناءات
العلوية الى النظريات الاساسية‏والتطورات الرئيسية التي تمثل
وجهة نظر الاسلام، لاننا نعلم ان كل مجموعة من التشريعات
في كل باب من ابواب‏الحياة ترتبط بمثل تلك النظريات
والتطورات.
ففي مجال الحياة الاقتصادية ترتبط تلك الاحكام بنظرية
الاسلام بالمذهب الاقتصادي الاسلامي، وفي مجال‏النكاح
والطلاق وعلاقات المراة مع الرجل ترتبط بنظرياته الاساسية
عن المراة والرجل ودور كل منهما. هذه‏النظريات الاساسية
تشكل القواعد النظرية لهذه الابنية العلوية، لابد من التوغل
عموديا ايضا اليها، ومحاولة‏اكتشافها بقدر الامكان‏» ((56)).
ونحن نلمس الحاجة الماسة الى فقه النظرية في عدة مجالات
عملية، منها ما يلي:
المجال الاول: التقنين: وهذا ما يمكن ان نتصوره على
مستويين:
المستوى الاول: تحديد الاسس الكلية للقوانين بصورة
اجمالية، او ما يصطلح عليه بالدستور. ومن المعلوم اننا لوقصرنا
النظر على دائرة الاحكام الفرعية والفردية ولم نتقدم خطوة
الى الامام في اقتناص النظريات العامة فسوف‏نعجز عن اراءة
الحل الاصيل، ولانهتدي الى تحصيل الاتجاهات والبنى
التحتية التي تقف عليها كل التفاصيل‏والفروع، فمثلا كيف
يمكن تحديد الرؤية الاسلامية تجاه تحديد وظائف كل من
القوى الثلاث العليا: وهي القوة‏المقننة والقوة القضائية والقوة
التنفيذية، وهل انها تعمل مستقلة او غير مستقلة بعضها عن
بعض؟
ان الرؤية الشاملة اي فقه النظرية سيعين كثيرا في تقديم
الاجابة المتينة وبشكل محدد تجاه هذه المسائل‏واشباهها.
المستوى الثاني: سن القوانين والانظمة التفصيلية اللازمة
لادارة المجتمع: فمع رفضنا للفقه الوضعي وما يتبنى‏من
تقنينات. كيف يمكن تامين هذه الحاجة ومل‏ء الخلا؟! فهل من
المعقول الاستغناء عن نظام التربية والتعليم ام‏هل يمكن غض
النظر عن نظام البلديات ام هل من المعقول اغفال التخطيط
الصحي او الاقتصادي او الامني، ام هل‏يمكن اهمال تنظيم
الجيوش والقدرات الدفاعية وسائر الدوائر؟! فهل ان الدولة
الاسلامية شرعا مسؤولة عن‏تعليم افراد المجتمع وتوفير
امكانات ذلك؟
هل ان من واجب الدولة تقديم الخدمات الصحية؟ وباي
مستوى وكيف؟
هل ان للدولة الاسلامية جهازا امنيا، وما هي حدود صلاحياته
وكيف يمارس نشاطه؟
هل ان سن الخدمة العسكرية الاجبارية امر سائغ شرعا او لا؟
وغير ذلك من الاسئلة الكثيرة المنبثقة من صميم الواقع
الاجتماعي. ان كثيرا من هذه الظواهر والاسئلة لا نمتلك‏اجوبة
واضحة عنها، وانى لنا بالاجابة مع عدم امتلاك صورة محيطة
على الموقف العام والنظرية العامة.
فان ما لدينا من الاحكام الفرعية والفردية مع قلتها وعدم
نظرها الى هذه الزوايا سرعان ما تتاكل بسبب ما تبتلى‏به من
تزاحم، فلو تصدينا مثلا لمعالجة النظام المصرفي من خلال ما
نمتلك من احكام فرعية فقط كحرمة الربا.فيا ترى هل يحالفنا
التوفيق في تقديم النموذج الناضج! الحق: اننا ما لم نكتشف
التكييف الشرعي للمعاملات‏المصرفية على ضوء النظرية
الاقتصادية العامة وفي ظل التصور التام حول الثروة وحقيقة
المال وسائرالعناصر المقومة لحركة الاقتصاد فستنحسر
الحلول في عمليات الترقيع والترميم.
وربما سعى بعض الفقهاء لحل المشكلة من زاوية النظر الى
الفرد، فيتفنن في تصيد طريق شرعي ولو صوري‏ومتكلف
غير ملتفت الى ان هذه مجرد عمليات تسكين لا ترقى الى
مستوى الحل، ولذا نرى المكلف يستلم فتاوى‏لا ترضي وجدانه،
لانها معالجات مقطعية تنظر الى المراد الشرعي بعين واحدة
ومن افق ضيق.
المجال الثاني: النظام القضائي والحقوقي: فان التعامل مع باب
القضاء والحقوق طبقا للاحكام الجزئية والحدودوالديات وبعض
الابواب المتفرقة لا يؤمن لنا العدالة المنشودة، بل ربما يؤول
الامر الى اشاعة الفوضى واختلال‏النظم العام، لان كل مجتهد
يقضي وفق اجتهاده فتجد الحالة الواحدة لها اكثر من معالجة
نتيجة لاختلاف في‏الاجتهاد. وكذلك الحال بالنسبة الى
الموقف تجاه وسائل الاثبات وطرق التحقيق والاستجواب. وهل
هناك مجال‏لاعطاء حق الدفاع وجعل الوكيل الحقوقي من قبل
الفرد . وكيفية التعامل مع نظام العقوبات البدنية او المالية
اوالحقوقية او السياسية. وعشرات المسائل الاخرى التي لو
لوحظت مستقلة لانتهينا الى نتائج غير متسقة واذالوحظت
كاجزاء من كل او جزئيات لكلي لاعطت نتائج ليست مقصودة
وغير مرضية للشارع.
هذا كله بالنسبة الى الجانب التشريعي من عملية القضاء واما
بالنسبة الى تحديد كيفية اجراء الاحكام وسيرالدعاوى والجانب
التشريفاتي فهذه ايضا حاجة اخرى ترجع الى مجال التقنين.
المجال الثالث: التنفيذ: فان طريقة تطبيق النظرية الاسلامية
على ارض الواقع قد يكون بطرق عديدة، فان انتخاب‏اي طريق
من هذه الطرق قد يتم على ضوء النظرية العامة، فهي قد تلقي
باشعاعاتها على طريقة الاجراء ايضا.
ففي اطار تحديد النظام البنكي نلمس مدى التاثير الذي تتركه
النظرية العامة على ذلك، يقول الشهيد الصدر (قدس‏سره):
«من الواضح ان الاسلام لا يقر البنك الراسمالي بصورته التي
شرحناها، لانه:
اولا يتناقض مع احكام الشريعة الاسلامية والقانون المدني
للفقه الاسلامي التي حرمت الاقراض بفائدة.
وثانيا يتناقض مع اسس الاقتصاد الاسلامي وروحه العامة في
توزيع الثروة واستثمارها... فلا يكفي فقط‏التخلص من التناقض
الاول، بل لابد من حل كلا التناقضين بين البنك الراسمالي
والاسلام لكي نحصل على بنك‏اسلامي حقيقي يشكل جزءا
اصيلا في الصورة الكاملة لاقتصاد المجتمع الاسلامي، وليس
مجرد عملية ترقيع‏للبنك الراسمالي... وبدلا من استخدام
وسائل راسمالية في انجاز المهمة الموضوعية يستخدم البنك
في المجتمع‏الاسلامي وسائل ذات طابع اسلامي في هذا
المجال، وبذلك يحصل المجتمع على المكاسب الموضوعية
للنشاط‏المصرفي في الحياة الاقتصادية ولكن في اطار المذهب
الاقتصادي الاسلامي ووفقا لمقولات الحياة الاسلامية،ويعبر
ذلك في الحقيقة عن تحول عظيم في طبيعة النشاط
المصرفي.
ويمكن تلخيص هذا التحول في النقاط التالية:
اولا ان عملية تجميع الاموال وتوظيفها تتولا ها في المجتمع
الاسلامي الدولة نفسها عن طريق بنك رسمي، ولايسمح
بالاستثمارات المصرفية في القطاع الخاص، وبهذا ينفصل
الهدف التنموي لهذه العملية عن مغزاهاالراسمالي، اذ تصبح
عملية تجميع الاموال عملية اجتماعية تنوب فيها الدولة
بمعنى من المعاني عن اصحاب‏الاموال انفسهم. واي قدرة
جديدة يخلقها هذا التجمع لن تكون ملكا لفرد او افراد
محدودين، كاولئك الذين‏يسيطرون على النشاط المصرفي
ويمسكون بزمام الحياة الاقتصادية كلها في المجتمعات
الراسمالية.
ثانيا ان الدولة لا تعتمد في تجميع الاموال والكميات
المبعثرة او المدخرة من النقود على الاغراء بدخل ثابت
تحت‏اسم فوائد، كما تصنع البنوك الراسمالية، وانما تنطلق في
رسم سياستها في هذا المجال من التركيب بين حقائق اوقضايا
مستمدة من مذهبها الاقتصادي ومستوحاة من الروح العامة
للتشريع الاسلامي‏» ((57)).
وبعد ان اوضح الشهيد (قدس سره) تلك القضايا والحقائق
المستمدة من المذهب الاقتصادي قال: «بعد ان حددنا آفي
الفقرة السابقة المركب النظري الذي يعتمده البنك في
المجتمع الاسلامي اساسا لممارسة مهمته الموضوعية‏ودوره
في الحياة الاقتصادية نستطيع ان نتعرف على الطريقة التي
تمكن البنك الاسلامي من تجميع الكميات‏المتفرقة من النقد
بدون اغراء بالفائدة الربوية ولا استعمال للاساليب الراسمالية...»
. ((58))
المجال الرابع: القرارات المصيرية: اذ لا ريب في تعرض الامة
الاسلامية والمجتمع الاسلامي الى حالات عصيبة‏وازمات
داخلية او خارجية على اصعدة مختلفة، وفي مثل هذه الحالات
اما يكون الموقف من ولي الامر موقفامتخذا على اساس
المصالح الدنيوية والخبرة الخاصة والمهارة الذاتية، واخرى ان
يضاف الى ذلك الخطوط‏العريضة التي تعين او ترجح موقفا
معينا على غيره.

3- الاجتهاد والافتاء:
ان فقه النظرية بمقدار ما يساهم في تكوين نظرة متكاملة
وتحصيل رؤية شاملة سوف يدخل بنفسه كنعصرمؤثر في
استنباط الاحكام الفرعية ايضا، فان النظريات العامة تعط‏ي
للادلة الشرعية بعدا جديدا شانها في ذلك‏شان اية قاعدة فقهية
اخرى لكن بافق ارحب واوسع، وبذلك يتطور لدينا مفهوم
القاعدة الفقهية ، وتبرز مواردجديدة لها. هذا من جانب ومن
جانب آخر ان فقه النظرية سينفع باتجاه تفعيل عملية الاجتهاد
وادخال عنصري‏الزمان والمكان في الاستنباط. وانت خبير بان
اخضاع عملية الاجتهاد لتاثير الزمان والمكان مطلقا ومن
دون‏وضع حدود يعني مسخ الشريعة ومحقها، الا اننا يمكننا
تحصين الاجتهاد من تلك الاخطار بفقه النظرية الذي هوبنيان
مرصوص وحصن واق.
وايضا من جملة الاثار التشريعية معرفة مدى الموافقة او
المعارضة مع الروح العامة للكتاب، فقد ذكر الفقهاء في‏بعض
الابواب كالشروط والاصوليون في باب التعارض مقياسا وهو
عدم مخالفة الشرط او الحديث مع الكتاب‏الكريم، والا فيسقط
الشرط وكذلك يسقط الحديث عن الاعتبار عند المخالفة.
والتفسير المشهور لذلك: ان كل حديث لا يكون في القرآن
دلالة ولو بالعموم او الاطلاق توافق مدلوله وتشهدعليه لا
يكون مقبولا ((59)).
وفي قبال ذلك اختار الشهيد الصدر (قدس سره) بانه ليس
المراد من المخالفة والموافقة المضمونية الحدية مع‏آيات
الكتاب، بل انها تشمل حالات المخالفة مع الروح العامة للقرآن
الكريم، وما لا تكون نظائره واشباهه موجودة‏فيه. ويكون المعنى
حينئذ ان الدليل اذا لم يكن منسجما مع طبيعة تشريعات
القرآن ومزاج احكامه العام لم يكن‏حجة، فمثلا لو وردت رواية
في ذم طائفة من الناس وبيان خستهم في الخلق او انهم قسم
من الجن، قلنا ان هذامخالف مع الكتاب الصريح في وحدة
البشرية جنسا وحسبا ومساواتهم في الانسانية ومسؤولياتها
مهما اختلفت‏اصنافهم والوانهم. واما مجي‏ء رواية تدل على
وجوب الدعاء عند رؤية الهلال مثلا فهي ليست مخالفة مع
القرآن‏الكريم وما فيه من الحث على التوجه الى اللّه والتقرب
منه عند كل مناسبة وفي كل زمان ومكان. وهذا يعني‏ان‏الدلالة
الظنية المتضم نة للاحكام الفرعية فيما اذا لم تكن مخالفة
لاصل الدلالة القرآنية الواضحة تكون بشكل‏عام موافقة مع
الكتاب وروح تشريعاته العامة، خصوصا اذا ثبتت حجيتها
بالكتاب نفسه ((60)) ولا ريب في‏ان‏النظرية العامة تكشف
النقاب عن هذه الروح العامة للقرآن.

منهجية الاستنباط في فقه النظرية:
تجدر الاشارة الى ان المنهج الذي ابتكره السيد الشهيد (قدس
سره) كان في حدود اكتشاف النظرية العامة في‏مجال
الاقتصاد. وبما اننا بصدد دراسة المنهج العام لفقه النظرية لذا
حاولنا تجريد هذا المنهج عن تلك‏الخصوصية وطرحه بشكل
عام بقدر الامكان، ثم نذكر التطبيق الخاص بعد ذلك، وقد
سعينا قدر المستطاع الى‏المحافظة على متن عباراته (قدس
سره) الواردة في بحثه القيم في كتاب (اقتصادنا).
وفي البدء اكد (قدس سره) على ضرورة التمييز بين المذهب
والقانون، فان المذهب هو: مجموعة من النظريات‏الاساسية
التي تعالج مشاكل الحياة على مستوى الاتجاه العام. والقانون
هو: التشريع الذي يعالج مشاكل الحياة‏وينظمها على مستوى
التفاصيل. وعلى هذا لا يصح الخلط بين المذهب والقانون
وعدهما امرا واحدا. فانك‏ترى‏دولا كثيرة في العالم تتبنى
مذهبا معينا كالراسمالية، ولكنها قد تختلف في تشريعاتها
القانونية، لان تلك‏التشريعات القانونية ليست من المذهب
الراسمالي.
ثم اننا لابد ان ندرك باستيعاب الروابط التي تشد احدهما الى
الاخر باعتبارهما مندمجين في مركب عضوي نظري‏واحد.
فالمذهب بنظرياته وقواعده يشكل قاعدة لبناء فوقي من
القانون، ويعتبر عاملا مهما في تحديد اتجاهه‏العام.
وكون المذهب قاعدة نظرية للقانون لا ينفي اعتبار المذهب
بدوره بناء علويا لقاعدة يرتكز عليها، فان البناءالنظري الكامل
للمجتمع يقوم على اساس نظرة عامة. ويضم طوابق متعددة
يرتكز بعضها على بعض، ويعتبر كل‏طابق متقدم اساسا وقاعدة
للطابق العلوي المشاد عليه، فالمذهب والقانون طابقان من
البناء النظري، والقانون هوالطابق العلوي منهما الذي يتكيف
وفقا للمذهب، ويتحدد في ضوء النظريات والمفاهيم الاساسية
التي يعبر عنهاذلك المذهب.
وعلى ضوء ذلك تتحدد حركة البحث في الشريعة الاسلامية،
فان الباحث هنا دوره دور المكتشف، فانه امام‏تشريع منجز تم
وضعه وهو مدعو الى تمييزه بوجهه الحقيقي وتحديد هيكله
العام والكشف عن قواعده الفكرية‏وابرازه بملامحه الاصيلة
ونفض غبار التاريخ عنها، والتغلب بقدر الامكان على كثافة
الزمن المتراكم المسافات‏التاريخية الطويلة وايحاءات التجارب
غير الامينة التي مارست ولو اسميا عملية تطبيق الاسلام،
والتحرر من‏آخر الثقافات غير الاسلامية التي تتحكم في فهم
الاشياء، وفقا لطبيعتها واتجاهها في التفكير. ووظيفة الباحث
هي‏محاولة التغلب على كل هذه الصعاب واجتيازها للوصول
الى النظرية العامة.
وبهذا يتعين على عملية الاكتشاف ان تبدا الطريق من البناء
العلوي الى القاعدة وتنطلق من جمع الاثار وتنسيقهاالى الظفر
بصورة محددة للمذهب.

مراحل وخطوات المنهج:
يتالف هذا المنهج من مرحلتين اساسيتين:
الاولى: هي استيعاب البناء العلوي من التصميم الاسلامي.
والثانية: هي اكتشاف القواعد والنظريات العامة التي يقوم على
اساسها البناء العلوي، ويرتكز عليها ذلك الحشدمن الاحكام.
وهذا هو النصف الثاني من عملية الاكتشاف التي تنطلق من
البناء العلوي الى القاعدة، ومن التفصيلات التشريعية‏الى
العموميات النظرية.
ومن الجدير بالذكر ان هذا لا يعني ان يتم انجاز كل مرحلة
بخطوة واحدة، بل غالبا ما يتم السير في عدة خطوات‏تضمنية،
وسوف يتبين بعض هذه الخطوات عند ذكر النموذج والتطبيق
الذي قدمه السيد الشهيد (قدس سره).

المرحلة الاولى - البناء العلوي:
الخطوة الاولى: عملية تجميع الاحكام التي تعتبر بناء فوقيا
والتي تساهم في القاء الضوء على عملية الاكتشاف، ففي المجال
الاقتصادي لابد من جمع الاحكام المرتبطة بالمعاملات
والحقوق التي تنظم العلاقات المالية بين الدولة‏والامة وتحديد
موارد الدولة وسياستها العامة في انفاق تلك الايرادات. واما
الاحكام التي لا تساهم في ذلك فهي‏خارجة عن مجال البحث.
يقول (قدس سره): «فعلى سبيل المثال: نذكر الربا، والغش،
وضريبة التوازن، وضريبة الجهاد. فان الاسلام قدحرم الربا في
المعاملة كما حرم الغش ايضا، غير ان تحريم الربا والمنع عن
القرض بفائدة يساهم في عملية‏الاكتشاف، لانه جزء من بناء
علوي لنظرية توزيع الثروة المنتجة، فهو يكشف عن القاعدة
العامة للتوزيع في‏الاسلام... واما حرمة الغش فليس لها اطار
مذهبي، ولذلك قد تتفق عليها قوانين جميع البلاد المختلفة
في مذاهبهاالاقتصادية.
وكذلك الامر في ضريبتي التوازن والجهاد، فان الضريبة التي
يشرعها الاسلام لحماية التوازن كالزكاة مثلا تدخل‏في عملية
الاكتشاف دون ضريبة الجهاد التي يامر بها الاسلام لتمويل
جيش المجاهدين، فانها تتصل بدورالدعوة في الدولة
الاسلامية، لا بالمذهب الاقتصادي في الاسلام‏» ((61)).
اذن فعملية التجميع هذه ليست عشوائية بل هي عملية انتقاء
موضوعي. وهذا يتوقف على احاطة باحكام الشريعة‏واطلاع
واسع على قوانينها.
الخطوة الثانية: استحضار العناصر الاخرى التي تساهم في
عملية الاكتشاف الى جانب الاحكام، وهي:
1- المفاهيم: والمراد كل راي للاسلام او تصور اسلامي يفسر
واقعا كونيا او اجتماعيا او تشريعيا، وهي وان‏كانت لا تشتمل
على احكام بصورة مباشرة ولكن قسما منها بالرغم من ذلك
ينفعنا في عملية الاكتشاف.
ولكي يتضح بشكل عام الدور الذي يمكن ان يؤديه هذا النمط
من المفاهيم ناخذ مثالا لمفهومين اسلاميين دخلا في‏عملية
اكتشاف المذهب الاقتصادي.
فاحد هذين المفهومين هو: مفهوم الاسلام عن الملكية القائل
بان اللّه تعالى استخلف الجماعة على المال والثروة في‏الطبيعة،
وجعل من تشريع الملكية الخاصة اسلوبا يحقق ضمنه الفرد
متطلبات الخلافة، من استثمار المال‏وحمايته، وانفاقه في
مصلحة الانسان فالملكية عملية يمارسها الفرد لحساب
الجماعة، ولحسابه ضمن‏الجماعة.
والمفهوم الاخر هو: راي الاسلام في التداول بانه شعبة من
شعب الانتاج، لان الانتاج دائما هو انتاج منفعة، والتاجربجلبه
للسلعة المنتجة واعدادها في متناول المستهلكين يحقق
منفعة جديدة، بل لا منفعة للسلعة بالنسبة الى‏المستهلكين
بدون ذلك الاعداد.
ففي ضوء هذين النموذجين لمفاهيم الاسلام نستطيع ان
نستوعب ونحدد الدور الذي يمكن ان يؤديه امثال
هذه‏المفاهيم على صعيد البحث وفي عملية الاكتشاف.
فهناك من المفاهيم ما يقوم بدور الاشعاع على بعض الاحكام،
وتيسير مهمة فهمها من نصوصها الشرعية‏والتغلب على
العقبات التي تعترض ذلك، فالمفهوم الاول يهيي‏ء الذهنية
الاسلامية ويعدها لتقبل نصوص شرعية‏تحد من سلطة المالك
وفقا لمتطلبات المصلحة العامة للجماعة، لان الملكية بموجب
ذلك المفهوم وظيفة اجتماعية‏يسندها الشارع الى الفرد
ليساهم في حمل اعباء الخلافة التي شرف اللّه بها الانسان على
هذه الارض، وليست حقاذاتيا لا يقبل التخصيص والاستثناء،
فمن الطبيعي ان تخضع الملكية لمتطلبات هذه الخلافة ومن
اليسير في هذاالضوء تقبل نصوص تحد من سلطة المالك
وتسمح بانتزاع المال من يد صاحبه في بعض الاحايين.
كالنصوص‏الاسلامية في الارض التي تؤكد ان الارض اذا لم يقم
صاحبها باستثمارها ورعايتها وفقا لمتطلبات الخلافة تنتزع‏منه
ويسقط حقه فيها وتعط‏ى لاخر.
وبعض المفاهيم الاسلامية يقوم بانشاء قاعدة يرتكز على اساسها
مل‏ء منطقة الفراغ الذي اعط‏ي لولي الامر حق‏ملئها. فالمفهوم
الاسلامي عن التداول يصح ان يكون اساسا لاستعمال الدولة
صلاحياتها في مجالات تنظيم‏التداول، فتمنع في حدود
الصلاحيات كل محاولة من شانها الابتعاد بالتداول عن الانتاج
وجعله عملية لاطالة‏الطريق بين المستهلك والسلعة المنتجة،
بدلا عن ان يكون عملية اعداد للسلعة وايصال لها الى يد
المستهلك.
2- منطقة الفراغ: وليس المراد بهذا الاصطلاح ان هناك جملة
من الامور قد اهملت واغفلت في الشريعة، بل المرادالمساحة
التي اوكلت الشريعة تعمدا امر تحديدها بيد ولي الامر، نظير ما
يقال بالنسبة الى المباحات التي تركت‏الشريعة تحديد الموقف
فيها الى الفرد المكلف فقد يختار الفعل فيقدم عليه وقد يختار
الترك فيحجم عنه، وان كان‏المثال يقرب من جهة ويبعد من
جهة اخرى كما يقال.
من هنا نشير الى تعسف البعض في الاستشكال على هذا
الاصطلاح قائلا: «يستحدث باقر الصدر مقولة وجودالفراغ في
التشريع الاسلامي الى ان قال: ونحن لا نقدر ابدا على
التسليم بوجود فراغ في التشريع، لان الامورالمستحدثة التي لا
نص فيها قد بلغنا امر المشرع بالاجتهاد في معرفة احكامها...»
. ((62))
ومن الطريف ان السيد الشهيد (قدس سره) كان يحدس ان
مثل هذا الوهم ربما يطرا على بعض الاذهان، لذا فقدبادر الى
دفعه قائلا: «ولا تدل منطقة الفراغ على نقص في الصورة
التشريعية، او اهمال من الشريعة لبعض الوقائع‏والاحداث، بل
تعبر عن استيعاب الصورة، وقدرة الشريعة على مواكبة العصور
المختلفة، لان الشريعة لم تترك‏منطقة الفراغ بالشكل الذي
يعني نقصا او اهمالا، وانما حددت للمنطقة احكامها بمنح كل
حادثة صفتها التشريعية‏الاصيلة مع اعطاء ولي الامر صلاحية
منحها صفة تشريعية ثانوية حسب الظروف.
فاحياء الفرد للارض مثلا عملية مباحة تشريعيا بطبيعتها،
ولولي الامر حق المنع عن ممارستها وفقا لمقتضيات‏الظروف‏»
. ((63))
والاكثر طرافة هو انه (قدس سره) كان قد جعل عنوان الفصل
(منطقة الفراغ ليست نقصا)، فهل يبقى مجال‏للاشكال بعد هذا
التوضيح كله، افلا يبصرون؟!
فعلى صعيد الاقتصاد يبين السيد الشهيد ان المذهب
الاقتصادي في الاسلام يشتمل على جانبين:
احدهما: قد ملى‏ء من قبل الاسلام بصورة منجزة لا تقبل
التغيير والتبديل.
والاخر: يشكل منطقة الفراغ في المذهب قد ترك الاسلام
مهمة ملئها الى الدولة (ولي الامر) يملؤها وفقا
لمتطلبات‏الاهداف العامة للاقتصاد الاسلامي ومقتضياتها في
كل زمان.
وقد اطلق على الاول اسم (العناصر الثابتة)، وعلى الثاني اسم
(العناصر المرنة والمتحركة)، ويمكن تشخيص‏النوع الثاني من
خلال المؤشرات الاسلامية العامة التي تدخل في نطاق العناصر
الثابتة، فالعناصر الثابتة تلقي‏ضوءا على العناصر المتحركة
. ((64))
اذن فالمذهب الاقتصادي يرتبط ارتباطا كاملا بنظام الحكم
في مجال التطبيق، فما لم يوجد حاكم او جهاز حاكم لايتاح
مل‏ء منطقة الفراغ في المذهب الاقتصادي بما تفرضه الاهداف
الاسلامية وفقا للظروف، وبالتالي يصبح من‏المتعذر تطبيق
المذهب الاقتصادي كاملا بنحو نقطف ثماره ونحقق اهدافه . ((65))
وهكذا الحال عندما نمارس اكتشاف اية نظرية من نظريات
الاسلام المرتبطة بنظام الحياة فاننا لابد وان ناخذبعين
الاعتبار نظام الحكم الذي يراه الاسلام، فهذا يعد ركنا اساسيا
في تطبيق الشريعة، وبالتالي فلا يمكن اغفاله‏في عملية
اكتشاف النظرية العامة في المجالات المختلفة.
ولا شك بان التمييز بين العناصر الثابتة التي لا يطالها التبدل
وبين العناصر المتحركة التي يحددها الحاكم وولي‏الامر مسالة
في غاية الاهمية ولها دور كبير في تحديد الاتجاه العام
للتشريع، فان الخلط بين النوعين من العناصريقود الى الاشتباه
في تعيين ذلك الاتجاه العام.

المرحلة الثانية - اكتشاف النظرية العامة:
وهي عملية التركيب بين الاحكام، اي ان ندرس كل واحد منها
بوصفه جزءا من كل، وطرفا من صيغة عامة‏مترابطة لننتهي
من ذلك الى اكتشاف القاعدة العامة التي تشع من خلال الكل
او من خلال المركب وتصلح لتفسيره‏وتبريره.
يقول (قدس سره): «فالغاء فائدة راس المال في عقد القرض،
والسماح بالكسب الناتج عن ايجار وسيلة الانتاج في‏عقد
الاجارة، ومنع المستاجر عن ان يتملك بسبب عقد الاجارة
المادة الطبيعية التي يحوزها اجيره كل هذه الاحكام‏لابد بعد
التاكد من صحتها شرعا ان تدرس مترابطة، ويركب بينها
ليتاح لنا الخروج منها بالقاعدة الاسلامية‏لتوزيع الثروة المنتجة
التي تميز موقف الاسلام من التوزيع عن موقف المذهب
الاشتراكي الذي يقيم توزيع الثروة‏المنتجة على اساس العمل
وحده، وموقف المذهب الراسمالي الذي يقيم توزيعها على
اساس العناصر المشتركة‏في تكوين الثروة المنتجة المادي
والبشري‏» ((66)).
ثم انه بعد انجاز الخطوات السابقة في المرحلة الاولى تصبح
امام الباحث مجموعة من العناصر التي يمارس‏اجتهاده في
ضوئها. وهذه الخطوة من اهم الخطوات واصعبها فكل ما تقدم
بمثابة المقدمة والوظيفة الاساسية‏للباحث تتمثل في عملية
الاستنتاج، فان عملية تجميع العناصر وان كانت في كثير من
الاحيان لا تتم بسهولة الا ان‏الصعوبة تكمن في كيفية
الاستفادة من هذه العناصر باتجاه النظرية العامة، لان النصوص
لا تبرز في الغالب‏مضمونها التشريعي او المفهومي الحكم او
المفهوم ابرازا صحيحا محددا لا يقبل الشك في اية جهة من
جهاته،بل كثيرا ما ينطمس المضمون او تبدو المضامين
مختلفة وغير متسقة، وفي هذه الحالات يصبح فهم
النص‏واكتشاف المضمون المحدد من مجموع النصوص التي
تعالج ذلك المضمون عملية اجتهاد معقدة لا فهمابسيطا.
وعلى اية حال، فان طبيعة العملية تفرض عليه نوع الاحكام
التي يجب ان ينطلق منها، وتحتم ان تكون نقطة‏الانطلاق
مجموعة متسقة ومنسجمة من الاحكام، فان استطاع ان يجد
هذه المجموعة فيما يضمه اجتهاده‏الشخصي من احكام
وينطلق منها في عملية الاكتشاف لفهم الاسس العامة
للنظرية الاسلامية دون ان يمنى‏بتناقض او تنافر بين عناصر
تلك المجموعة فهي فرصة ثمينة تتحد فيها شخصية
الممارس بوصفه فقيهايستنبط الاحكام مع شخصيته بوصفه
مكتشفا للنظريات.
واما اذا لم يسعد بهذه الفرصة ولم يسعفه اجتهاده بنقطة
الانطلاق المناسبة، فلا يؤثر ذلك على تصميمه في‏العملية، ولا
على ايمانه بان واقع التشريع الاسلامي يمكن ان يفسر تفسيرا
نظريا متسقا شاملا، وسوف لن يصل‏الى طريق مسدود.
والسبيل الوحيد الذي يتحتم على الممارس سلوكه في هذه
الحالة: ان يستعين بالاحكام التي‏ادت اليها اجتهادات غيره من
المجتهدين، لان في كل اجتهاد مجموعة من الاحكام تختلف
الى حد كبير عن‏المجاميع التي تشتمل عليها الاجتهادات
الاخرى.