وليس من المنطقي ان
نترقب اكتشاف نظرية عامة وراء كل
مجموعة من تلك المجاميع، وانما نؤمن بنظرية
عامةواحدة
تقوم على اساسها احكام الشريعة الموجودة ضمن تلك
المجاميع، ففي حالة التنافر بين عناصر
المجموعةالواحدة التي
يتبناها الممارس، يتعين عليه في عملية الاكتشاف ان
يزيل
العناصر القلقة التي تؤدي الى التناقضعلى الصعيد
النظري،
ويستبدلها بنتائج واحكام في اجتهادات اخرى اكثر
انسجاما
وتسهيلا لعملية الاكتشاف،ويكون مجموع ملفقة من
اجتهادات
يتوفر فيها الانسجام لينطلق منها ويخرج في النهاية
باكتشاف
الرصيدالنظري لتلك المجموعة الملفقة من الاحكام
الشرعية.
واقل ما يقال في تلك المجموعة: انها صورة من الممكن
ان
تكون صادقة كل الصدق في تصوير واقع
التشريعالاسلامي.
وليس امكان صدقها ابعد من امكان صدق اية صورة اخرى
من
الصور الكثيرة التي يزخر بها الصعيدالفقهي
الاجتهادي. وهي
بعد ذلك تحمل مبرراتها الشرعية، لانها تعبر عن
اجتهادات
اسلامية مشروعة تدور كلهافي فلك الكتاب والسنة،
ولاجل
ذلك يصبح بالامكان للمجتمع الاسلامي ان يختارها في
مجال
التطبيق من بينالصور الاجتهادية الكثيرة للشريعة
التي يجب
عليه ان يختار واحدة منها.
وعملية الاختيار هذه هي عملية اجتهاد لكن في حدود
انتخاب
صورة من الصور الاجتهادية، فيختار المجتهد هنا
لابشكل
عشوائي او مزاجي بل ينتقي في كل مجال اقوى العناصر
التي
يجدها واكثر الفتاوى انسجاما واقدرها علىمعالجة
مشاكل
الحياة وتحقيق الاهداف العليا للاسلام، فانه من
المستحيل في
بعض الاحيان اكتشاف النظريةالاسلامية والقواعد
العامة شاملة
كاملة منسجمة مع بنائها العلوي وتفصيلاتها
التشريعية
وتفريعاتها الفقهية الا على اساس المجال الذاتي
للاختيار.
وهذا كل ما يمكن انجازه في عملية الاكتشاف للاقتصاد
الاسلامي عندما يعجز الاجتهاد الشخصي للممارس
عنتكوين
النقطة المناسبة للانطلاق. بل ان هذا هو كل ما نحتاج
اليه
تقريبا بهذا الصدد. وماذا نحتاج بعد ان
نكتشفمذهبا اقتصاديا
يتمتع بامكان الصدق والدقة في الصياغة، بدرجة لا
تقل عن
حظ اي صورة اجتهادية اخرى،وتتوفر فيها مبررات
النسب
الاسلامي، باعتبار انتسابها الى مجتهدين اكفاء،
وتحمل من
الاسلام رخصة التطبيقفي الحياة الاسلامية ((67))؟!
اضواء:
1- لقد نبه (قدس سره) ان الممارس لفقه النظرية بامكانه
ان
يدرس النظرية على الصعيد التطبيقي، فان
التطبيقيحدد
ملامح النظرية الاسلامية وخصائصها، كما تحددها
نصوص
النظرية في مجالات التشريع، باعتبارانالاسلام قد
دخل حياة
المجتمع بوصفه النظام السائد في عصر النبوة، وقد جس
د
عمليا آنذاك.
ولكن النصوص التشريعية للنظرية اقدر على تصوير
المذهب
من الواقع التطبيقي ، لان تطبيق نص تشريعي فيظرف
معين
قد لا يستطيع ان يعكس المضمون الضخم لذلك النص، ولا
ان
يصور مغزاه الاجتماعي كاملا،فيختلف الهام التطبيق
ومعطاه
التصوري للنظرية عن المعطى الفكري ((68)).
2- كما وحذر (قدس سره) من خطر العنصر الذاتي وتسرب
الذاتية الى عملية الاجتهاد القائمة على اساس من
فهمالاحكام
والمفاهيم من النصوص، ويشتد الخطر ويتفاقم عندما
تفصل
بين الشخص الممارس والنصوص التييمارسها فواصل
تاريخية
وواقعية كبيرة، وحين تكون تلك النصوص بصدد علاج
قضايا
يعيش الممارس واقعامخالفا كل المخالفة لطريقة
النصوص في
علاج تلك القضايا، كالنصوص التشريعية والمفهومية
المرتبطةبالجوانب الاجتماعية من حياة الانسان،
ولاجل هذا
كان خطر الذاتية على عملية اكتشاف النظرية العامة
اشد
منخطرها على عملية الاجتهاد في احكام اخرى فردية:
كالحكم بطهارة بول الطائر او حرمة البكاء في
الصلاة.
وبالنظر لاهمية هذا البحث وخطورته وتاثيره على
العملية
الاجتهادية لابد من عرضه بشكل واضح وواف،فانوعي
هذه
المسالة تقر ب حالة استنباط الاحكام الفرعية الى
الموضوعية
وتحصنها من التورط في المخالفةللواقع، هذا من
ناحية. ومن
ناحية اخرى تجعل عملية التعامل مع الفتاوى والاراء
الفقهية
لاي فقيه، وتقويمهاوتفعيلها في استنباط النظرية
العامة عملية
منطقية، اذ لا يمكن التعويل على وجة نظر فقهية خاصة
ما
دامتمهددة بخطر الذاتية.
من هنا تصدى (قدس سره) الى تحديد منابع هذا الخطر،
وقد
اشار بهذا الصدد الى اربعة اسباب بوصفها
اهمالمنابع لخطر
الذاتية:
ا - تبرير الواقع: ان عملية تبرير الواقع هي: المحاولة
التي يندفع
فيها الممارس بقصد او بدون قصد الى تطويرالنصوص،
وفهمها فهما خاصا يبرر الواقع الفاسد الذي يعيشه
الممارس،
ويعتبره ضرورة واقعة لا مناص عنهانظير ما قام به
بعض
المفكرين المسلمين، ممن استسلم للواقع الاجتماعي
الذي
يعيشه، وحاول ان يخضع النصللواقع، بدلا عن
التفكير في
تغيير الواقع على اساس النص، فتاول ادلة حرمة الربا
والفائدة.
وخرج من ذلك بنتيجةتواكب الواقع الفاسد، وهي: ان
الاسلام
يسمح بالفائدة اذا لم تكن اضعافا مضاعفة، وانما
ينهى عنها اذا
بلغت مبلغافاحشا، يتعدى الحدود المعقولة.
ب - دمج النص ضمن اطار خاص: واما عملية دمج النص ضمن
اطار معين فهي: دراسة النص في اطار فكري غيراسلامي.
وهذا
الاطار قد يكون منبثقا عن الواقع المعاش، وقد
لايكون.
فيحاول الممارس ان يفهم النص ضمن ذلكالاطار
المعين،
فاذا وجده لا ينسجم مع اطاره الفكري اهمله، واجتازه
الى
نصوص اخرى تواكب اطاره، او لاتصطدم به على اقل
تقدير.
ومن الاطارات الفكرية التي تلعب دورا فعالا في
عملية فهم
النص: الاطار اللغوي، كما اذا كانت الكلمة الاساسية
فيالنص
لفظا مشحونا بالتاريخ اي ممتدا ومتطورا عبر الزمن،
فمن
الطبيعي ان يبادر المارس بصورة عفوية الى
فهمالكلمة، كما
تدل عليه في واقعها، لا في تاريخها البعيد. وقد يكون
هذا
المدلول حديثا في عمر الكلمة، ونتاجا لغويالمذهب
جديد، او
حضارة ناشئة، ولاجل ذلك يجب عند تحديد معنى النص
الانتباه الشديد الى عدم الاندماج فياطار لغوي
حادث، لم
يعش مع النص منذ ولادته.
وقد يتفق ان تساهم عملية الاشراط الاجتماعي
للملكية في
تضليل الممارس للنص عن الفهم الصحيح. فالكلمةحتى
اذا
كانت محتفظة بمعناها الاصيل على مر الزمن، قد تصبح
خلال
ملابسات اجتماعية معينة بين مدلولها فكرخاص او
سلوك
معين مشروطة بذلك الفكر او السلوك، حتى ليطغى
احيانا
مدلولها السيكولوجي على اساسعملية الاشراط التي
ينتجها
وضع اجتماعي معين على مدلولها اللغوي الاصيل، او
يندمج
على اقل تقدير المعطى اللغوي للكلمة
بالمعطي الشرطي
النفسي، الذي هو في الحقيقة نتيجة وضع اجتماعي
يعيشه
الممارس، اكثر منكونه نتيجة للكلمة ذاتها.
ج - تجريد الدليل الشرعي من ظروفه وشروطه: ان تجريد
الدليل الشرعي من ظروفه وشروطه هو عملية
تمديدللدليل
دون مبرر موضوعي.
وهذه العملية كثيرا ما ترتكب في نوع خاص من الادلة
الشرعية
وهو ما يطلق عليه فقهيا اسم: (التقرير) ونظرا الىان
هذا النوع
من الادلة له اثر كبير على عملية الاجتهاد في
الاحكام
والمفاهيم، التي تتصل بالمذهب الاقتصادي..فمن
الضروري ان
نبرز الخطر الذي يتهدد هذا الدليل نتيجة لتجريده عن
ظروفه
وشروطه.
ولنشرح اولا معنى (التقرير): ان التقرير مظهر من
مظاهر السنة
الشريفة، ونعني به سكوت النبي (ص) او الامامعن عمل
معين
يقع على مراى منه ومسمع، سكوتا يكشف عن سماحه به
وجوازه في الاسلام.
والتقرير على قسمين: لانه تارة: يكون تقريرا لعمل
معين يقوم
به فرد خاص، كما اذا شرب احد الفقاع امام النبي(ص)،
فسكت
عنه، فان هذا السكوت يكشف عن جواز شربه في الاسلام.
واخرى: يكون تقريرا لعمل عام، يتكررصدوره من الناس
في
حياتهم الاعتيادية، كما اذا عرفنا من عادة الناس في
عهد
التشريع الاسلامي قيام الافرادباستخراج الثروات
المعدنية،
وتملكها بسبب استخراجها، فان سكوت الشريعة عن هذه
العادة
وعدم معارضتها..يعتبر تقريرا منها ودليلا على سماح
الاسلام
للفرد باستخراج المادة الطبيعية وتملكها. وهذا ما
يطلق عليه
فيالبحث الفقهي اسم: العرف العام او (السيرة
العقلائية).
وعملية التجريد هذه تتخذ شكلين: ففي بعض الاحيان
يجد
الممارس نفسه يعيش واقعا عامرا بسلوك
اقتصاديمعين،
ويحس بوضوح هذا السلوك واصالته وعمقه، الى درجة
يتناسى
العوامل التي ساعدت على ايجاده،والظروف الموقتة
التي
مهدت له. فيخيل له ان هذا السلوك اصيل، وممتد في
التاريخ
الى عصر التشريع، بينما هووليد عوامل وظروف معينة
حادثة،
او من الممكن ان يكون كذلك على اقل تقدير.
واما الشكل الاخر من عملية التجريد في دليل التقرير
فهو ما
يتفق عندما ندرس سلوكا معاصرا لعهد التشريعحقا،
ونستكشف سماح الاسلام به من سكوت الشريعة عنه. فان
الممارس في هذه الحالة قد يقع في خطا التجريد،عندما
يجرد
ذلك السلوك المعاصر لعهد التشريع عن خصائصه،
ويعزله عن
العوامل التي قد تكون دخيلة فيالسماح به، ويعمم
القول: بان
هذا السلوك جائز وصحيح اسلاميا في كل حال. مع ان من
الضروري لكي يكونالاستدلال بدليل التقرير
موضوعيا: ان
ندخل في حسابنا كل حالة من المحتمل تاثيرها في موقف
الاسلام من ذلكالسلوك. فحين تتغير بعض تلك
الحالات
والظروف يصبح الاستدلال بدليل التقرير عقيما.
د - اتخاذ موقف معين بصورة مسبقة تجاه النص: ونقصد
باتخاذ
موقف معين تجاه النص: الاتجاه النفسيللباحث، فان
للاتجاه
اثره الكبير على عملية فهم النصوص. ولكي تتضح فكرة
الموقف، نفترض شخصينيمارسان دراسة النصوص ، يتجه
احدهما نفسيا الى اكتشاف الجانب الاجتماعي وما
يتصل
بالدولة من احكامالاسلام ومفاهيمه، بينما ينجذب
الاخر
لاتجاه نفسي نحو الاحكام التي تتصل بالسلوك الخاص
للافراد.
فان هذينالشخصين بالرغم من انهما يباشران نصوصا
واحدة،
سوف يختلفان في المكاسب التي يخرجان بها
مندراستهما
لتلك النصوص، فيحصل كل منهما على مكاسب اكبر فيما
يتصل باتجاهه النفسي وموقفه الخاص،وقد تنطمس امام
عينيه
معالم الجانب الاسلامي الذي لم يتجه اليه نفسيا.
وهذا الموقف النفسي الذي تفرضه ذاتية الممارس لا
موضوعية
البحث، لا يقتصر تاثيره على اخفاء بعض
معالمالتشريع، بل قد
يؤدي احيانا الى التضليل في فهم النص التشريعي،
والخطا في
استنباط الحكم الشرعي منه، وذلكحينما يريد
الممارس ان
يفرض على النص موقفه الذاتي الذي اتخذه بصورة
مسبقة، فلا
يوفق حينئذ الى تفسيرهبشكل موضوعي صحيح.
3- ونحن نضيف هنا ملاحظة اخرى وهي انه عند تجميع
الاحكام والنصوص ينبغي ان لا نهمل
الاحكاموالنصوص الدالة
على الاداب والسنن مستحبة كانت او مكروهة فان ذلك
قد
يكون مؤثرا جدا في البعد التطبيقيوالتنفيذي.
4- كما ونؤكد على انه لا فرق في تطبيق هذا المنهج سواء
كان
على صعيد اكتشاف المذهب والبنى التحتية ام
علىصعيد
اكتشاف النظرية للبنى الفوقية ذاتها، فان الممارس
في كلا
الصعيدين يحاول اكتشاف النظرية العامة، اذ قديتكون
التشريع
من عدة طوابق يبنى بعضها على بعض.
5- ضرورة الانفتاح على الواقع، بمعنى معرفة حجم
وابعاد
الحاجة البشرية في المجال الذي يراد استنباط
نظريةعامة فيه،
بل لابد من الاطلاع والالمام الى حد ما بالحلول
البشرية
المقدمة.
فلو اردنا ان نكتشف النظرية الاقتصادية في الاسلام
لابد من
الرجوع الى الواقع لنرى منشا المشكلة الاقتصادية
ماهو، وكيف
فهمت المدارس الاقتصادية الاخرى تلك المشكلة؟
فالراسمالية تعتقد ان المشكلة
الاقتصاديةالاساسية هي قلة
الموارد الطبيعية نسبيا، نظرا الى ان الطبيعة
محدودة، فلا
يمكن ان يزاد في كمية الارض التييعيش عليها
الانسان، ولا
في كمية الثروات الطبيعية المتنوعة المخبوءة فيها،
مع ان
الحاجات الحياتية للانسانتنمو باطراد، وفقا
لتقدم المدنية
وازدهارها. الامر الذي يجعل الطبيعة عاجزة عن تلبية
جميع
تلك الحاجاتبالنسبة الى الافراد كافة، فيؤدي ذلك
الى
التزاحم بين الافراد على اشباع حاجاتهم، وتنشا عن
ذلك
المشكلةالاقتصادية.
فالمشكلة الاقتصادية في راي الراسمالية هي: ان
الموارد
الطبيعية للثروة لا تستطيع ان تواكب المدنية،
وتضمناشباع
جميع ما يستجد خلال التطور المدني من حاجات ورغبات.
والماركسية ترى: ان المشكلة الاقتصادية دائما هي
مشكلة
التناقض بين شكل الانتاج وعلاقات التوزيع. فمتى
تمالوفاق
بين ذلك الشكل وهذه العلاقات ساد الاستقرار في
الحياة
الاقتصادية، مهما كانت نوعية النظام
الاجتماعيالناتج عن
التوفيق بين شكل الانتاج وعلاقات التوزيع.
والسؤال المطروح هو: هل ان المشكلة بنظر الاسلام هي
قلة
الموارد الطبيعية؟ ام ان المشكلة نابعة من
التناقضبين شكل
الانتاج وعلاقات التوزيع؟ او شيء آخر لا هذا ولا
ذاك ((69))؟
فلابد من تحديد المشكلة في مرحلة سابقة قبل التفكير
في
حلها. وهكذا الحال عندما نريد بحث النظرية
السياسيةفي
الحكم، فهل ان المشكلة نابعة من اعطاء الفرد دورا
اساسيا
وكونه هو الاصل والغاء دور المجتمع؟
امانالمشكلة نابعة من
اعطاء الدور الاساسي للمجتمع والغاء دور الفرد
وكون المجتمع
هو الاصل؟ ام ان المشكلةبنظر نابعة من امر آخر
غيرهما؟
اذن فتشخيص ماهية المشكلة والقضية التي يراد بحثها
يجب
ان يكون اولا على اساس الواقع، لا على
اساسالتحليل الذهني
المجرد.
هذا من جانب، ومن جانب آخر ضرورة الوقوف على
التجارب
التي عاشتها البشرية، لمعرفة النتائج التي
انتهتاليها والاسباب
التي ادت اليها، قال تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن
فسيروا
في الارض فانظروا كيف كان عاقبةالمكذبين) ((70))،
فقد
اكدت هذه الاية على ضرورة التتبع لاحداث التاريخ من
اجل
استكشاف ما تنطوي عليه مناسباب ومنعطفات، ومن ثم
الاعتبار بذلك. ولا داعي لحصر الاعتبار في حدود
الانعكاسات
الاخلاقية او العقيديةفحسب كما هو المتعارف، حيث
يقال
عادة بان الانسان والامم التي كذبت الانبياء
ورسالاتهم انتهوا
نهاية تعسةولم تبق لهم باقية. بل ان دائرة
الاعتبار من احداث
التاريخ اوسع من ذلك بحيث يشمل عملية تحليل
الحضاراتالسابقة، وما مرعلى الامم الماضية من
ظروف، لكي
نوظف هذا الوعي في عملية اكتشاف خط السير
الصحيحوتشخيص جهة الحركة فعلا ومستقبلا.
القيمة الاصولية
لفقه النظرية:
ان كل ما ذكر عن معطيات فقه النظرية هو جيد ونافع،
وربما
تكون آثارها اوسع من ذلك، ولكن هذا كله لا يقتضيان
نسترسل مع الايقاع الخلا ب لشعارات فقه النظرية ما
لم يتضح
لنا التبرير الشرعي لهذا النمط من الطرح وماينطلق
منه من
اساس فلابد اذن من تثبيت المباني اصوليا اولا ثم
البدء بتشييد
معالم فقه النظرية في مجال معين.ويتحتم علينا البحث
عن
مدى امكان اثبات حجية هذه الاطروحة والسعي الجاد
لفذلكة
التخريج الغني لها.
ان امامنا طريقين لبيان القيمة الشرعية لهذا السنخ
من
الاستنتاج والاستنباط وتختلف النتيجة المترتبة
على كلواحد
من الطريقين سعة وضيقا:
الطريق الاول: محاولة تحصيل الادلة الشرعية
المتعارفة في اية
عملية استنباط فقهية، فمن المعلوم ان
الاستدلالالفقهي على
نوعين:
النوع الاول: الاستناد الى دليل لبي. وتقريبه باننا
من خلال
التامل في حيثيات الادلة الشرعية وتقليبها ظهرا
لبطن،والنظر اليها من زاوية الواقع الخارجي
والتطبيقي
للشريعة كنظام عام وبلحاظ اتجاهاتها العامة يمكننا
انتزاعنكات
تشكل مفاصل لبنود النظرية، خصوصا اذا ادركنا ان
الشريعة
مهما تكثرت احكامها فهي مترابطة فيما بينهابل قد
تتداخل
وتشترك جميعا في تحقيق اهداف كلية واغراض عامة
مقصودة
للمولى عزوجل. وهذه النكاتالمتصيدة من الادلة
ربما تكون
احتمالية او ظنية بدوا، الا ان تجميع القرائن سواء
اكانت لفظية
ام غيرها متصلة اممنفصلة وتحكيم الارتكازات
العقلائية
والمتشرعية في هذا الاطار يقود الى تصعيد القيمة
الاحتمالية
الى درجةاليقين او الى مستوى الاطمئنان على
الاقل، سيما اذا
صاحب ذلك استبعاد وتضعيف للفرضيات
والاحتمالاتالمخالفة. وكم لهذه المنهجية في
الفقه من نظائر
وكم لهذا الدليل من اشباه، وما هو بعزيز، اذ ان
الفقيه كثيرا
مايسلك الطريق نفسه في تحصيل القطع بان هذا الحكم
او
ذاك مما لا يرضى بتفويته الشارع فيفتي من هذا
المنطلقجازما دون اي تردد بضرورة التصدي لتنفيذه
وحتمية تحقيقه خارجا. وكذا القناعة بكون هذا الحكم
اهم من
ذاكفيقدم عليه في الامتثال، او الجزم بالغاء
الخصوصية في
موضوع لتعدية الحكم منه الى آخر، بل اننا لو
كشفناالنقاب عن
اغلب الارتكازات المتشرعية والتي كثيرا ما يلجا
اليها المجتهد
في تبرير بعض استنباطاته لوجدنا انهانشات من تراكم
الاحتمالات وعلوقها في صفحة اللا شعور تدريجا حتى
تنقلب
قضية يقينية مسلمة لا يعتريها ايشك. وحركة العقل
هنا
وهناك واحدة، فانها تتم طبقا لقوانين الاستقراء
وقواعده.. سواء
كانت هذه الحركة متعمدةاو دون التفات. وكذا ما نحن
فيه،
فانه عبارة عن محاولة تبيين وتجلية نكات لازمة غير
بينة،
نظير ما يسمى فياصطلاح علماء القرآن بعملية
التاويل للمتن
القرآني، فالتاويل في حقيقته استنباط لنكات غير
ظاهرة من
اللفظنقطع بكونها مرادة في الخطاب وان صعب
استفادتها
مباشرة، والتاويل ممارسة علمية ومنطقية وليست
كمايتصور البعض رجما بالغيب. كذلك الغوص في الادلة
الشرعية لاكتشاف الملاكات الكبروية واستنباط
نظريةعامة في
احد الاصعدة عبر تقصي الموارد الجزئية من خلال تتبع
الاحكام الفرعية وادلتها الموضعية، بل
انبعضهذه النكات التي
نصل اليها بعد لاي لعل ها كانت مرتكزة في اذهان
الرساليين
في العصر الاول الا انه قد عفا عليهاالزمن على اثر
غياب الحالة
التطبيقية وبعد افول المعايشة اليومية للشريعة
كنظام عام
يملا كل مشاعرالانسانواحاسيسه.
النوع الثاني: الاستناد الى الدليل اللفظي، فانه
لا خلاف بينهم
ولا اشكال عندهم في كبرى حجية ظهور
الخطاباتالشرعية
في الجملة وان المعاني المستكشفة من ظاهر الادلة
اللفظية
هي مقصودة للشارع المقدس وان وقع بحثصغروي اثارته
طائفة في خصوص ظهورات الكتاب العزيز لشبهة تصدى
الاصوليون لردها. والظهور علىنوعين: ظهور مقطعي
وهو
المتعارف بحثه في علماصول الفقه مفصلا. والثاني
هو الظهور
المجموعي.
بيان ذلك: ان المتكلم الملتفت يبين مراده الجدي
عادة ضمن
عبارة او عبارتين مع الاتصال او ما هو بحكمه،
لكنربما يتعذر
عليه ذلك لسبب من الاسباب فيلجا الى الكشف عن تمام
مراده من خلال مجموع بيانات يقولها فيمناسبات
عديدة وفي
اوقات مختلفة قد تكون طويلة نسبيا، ففي كل فرصة
يبين
بعضا مما يريد ويكشف عن شيءمن مقصوده، حتى اذا
اكمل
كلماته كلها تجلى للمخاطب المعنى المكنون في نفسه
على
التمام. كما هو الحالبالنسبة الى الاستاذ الذي
يريد تدريس
النظرية النسبية لتلاميذه الناشئين، فانه لا
يستطيع ايصال
فكرته بدقةدفعة واحدة، بل يضطر الى استدراج اذهان
التلاميذ
شيئا فشيئا بعد التمهيد وطي بعض المقدمات، فاذا
قضى معهم
وطرا تهيات عقولهم لادراك النظرية بصورة تامة،
فهنا اعتمد
الاستاذ لاجل بيان تمام مراده على مجموعةمن
البيانات. وهذا
طريق عقلائيقد يسلكهالمتكلم لاسباب معينة
مرتبطة بهاو
بالمخاطب او بالخطاب ذاته، ولايستبعد من الشارع ان
يتخذ
هذا السبيل لوجود مبررات كثيرة، فانه لا يخفى على
احد عمق
النظريات ودقةالمفاهيم ومتانة المباني الفقهية
التي لم تكن
تتناسب والعقلية الساذجة للمخاطبين آنذاك. وهذا ما
يدعو
الى اعتمادسبيل البيانات التدريجية التي تلحظ
بلحاظين :
اللحاظ الاستقلالي واللحاظ الارتباطي لكن يكون
من
جهتينمختلفتين. وبعبارة اخرى: ان للفظ عدة دلالات.
الدلالة التصورية الوضعية والدلالة التصديقية
الاستعماليةوالدلالة التصديقية الجدية.. ثم قد
تنعقد في طول
الدلالات الثلاث دلالة رابعة وهي دلالة تصديقية
ايضا
ولكنلمجموع الخطابات لا لكل واحد منها تكون كاشفة
عنالمراد الغائي بالرغم من انحفاظ تلك الدلالات
المتقدمة
كلفيرتبتها. ويشهد لذلك بل يدل عليه ما ورد من
كون
خطابات الشرع كتابا وسنة متحدة ويفسر بعضها
بعضا.وتجدر
الاشارة الى ان تحصيل الظهور المجموعي وحشد رعيل
كبير
من الادلة اللفظية ليس بالمتيسر في كثيرمن
الاحيان، لذا فان
امكانية الاستناد الى الوجه الاول اقرب الى واقع
الادلة الشرعية
المتوفرة لدينا.
وهنا نود الاشارة الى ما وقع فيه بعض الكتاب من جعله
(فقه
النظرية) في قبال (فقه النص)، وكانه توهم ان
عمليةاستنباط
النظرية العامة هي عملية تحرر من قيود النص والادلة
النقلية
اللفظية، ومحاولة لالغاء المنهجية
الفقهيةالتقليدية. بل
الصحيح ان هذا النحو من الاستنباط بالامكان ان
يعتمد على
الادلة اللفظية التي ترتبط بموضوعالبحث، بل لا
يسوغ اغفالها
في حالة وجودها، هذا من جهة. ومن جهة اخرى ان فقه
النظرية يقع في طول فقهالاحكام الفرعية، ومن
الواضح ان
الاحكام الفرعية غالبا ما تستند الى النص،
وبالتالي فان فقه
النظرية يستند الىالنص، لكن تارة بصورة مباشرة
واخرى مع
الواسطة.
وبعبارة اخرى: ان فقه النظرية هو عملية الاستفادة
من النص
وتفعيله الى اقصى ما يمكن من آفاق في عالمالدلالة.
الطريق الثاني: هو ان يقال بانه لا داعي للاصرار على
ضرورة
تحصيل الحجية لفقه النظرية من خلال
الادلةالشرعية
التقليدية، بل يمكن التوصل الى نتائجها التطبيقية
من خلال
ادلة الولاية العامة، فانها تدل على انه
منحقالولي الفقيه
الجامع للشرائط ان ينتخب اي طريق يراه منسجما مع
الشريعة
في مجال اعمال ولايته وادارتهللمجتمع والدولة.
ولا شك بان
هذا الطريق ان لم يكن مقطوعا او مطمئنا بنسبته الى
الشارع فلا اقل من كونهمظنونا بنسبته ظنا قويا،
فان اكتشاف
النظرية لا يقوم على اساس الاحتمال الضعيف، فان مثل
ذلك
لا يعتنى بهعلميا ومنطقيا اذ لا يمكن ادعاء نظرية
عامة على
مثل هذا الاساس الهش.
ومن هنا يمكن القول بان النظرية العامة ان لم يكن
اقوى
احتمالا من سائر الاجتهادات الفقهية الفردية فليس
باقل.
يقول الشهيد الصدر (قدس سره): «واقل ما يقال في تلك
المجموعة: انها صورة من الممكن ان تكون صادقة
كلالصدق
في تصوير واقع التشريع الاسلامي، وليس امكان صدقها
ابعد
من امكان صدق اي صورة اخرى منالصور الكثيرة التي
يزخر
بها الصعيد الفقهي الاجتهادي. وهي بعد ذلك تحمل
مسوغاتها
الشرعية، لانها تعبر عناجتهادات اسلامية مشروعة
تدور كلها
في فلك الكتاب والسنة، ولاجل ذلك يصبح بالامكان
للمجتمع
الاسلامي انيختارها في مجال التطبيق من بين الصور
الاجتهادية الكثيرة للشريعة التي يجب عليه ان
يختار
واحدةمنها» ((71)).
بل في بعض الموارد التي نفتقد فيها الى الموقف
الشرعي
الواضح قد يتعين الاخذ بالنظرية العامة، بناء
علىتمامية
مقدمات الانسداد.
وليعلم ان هذه الموارد كثيرة جدا ومحل ابتلاء الولي
الفقيه،
فهو عند ممارسته لولايته في ملء منطقة الفراغ
قديستعين
بكل ما له كاشفية عن حكم اللّه.
ولا ينبغي الاستيحاش كثيرا من العمل طبقا لفتوى
اخرى
مخالفة لفتوى المجتهد نفسه، فقد ذكروا امكانية
ذلكبالنسبة
للقاضي اذا احتكم اليه متخاصمان مقلدان لمن فتواه
يخالف
فتوى هذا القاضي فانه يحكم طبقا لفتوىمجتهدهما،
بل ربما
يظهر بعض الفقهاء تعين ذلك عليه.
ومن هنا حاول بعض المحققين ان يحل ما يذكر من اشكال
حول مشروعية حكم القاضي طبقا للقوانين
القضائيةللدولة
الاسلامية وان خالفت نظره وفتواه، ولا يكون ذلك
حكما بغير
ما انزل اللّه، لان اجتهاد المجتهد الاخر صحيححتى
عند
المجتهد المخالف نظره معه، وحجيته ثابتة عند
مقلديه حتى
في نظر المجتهد الاخر ((72)).
الفرق بين الطريقين:
ان سلوك اي من الطريقين يختلف من حيث النتائج سعة
وضيقا كالتالي:
1- بناء على اعتماد الطريق الاول، فانه يمكن ترتيب كل
الثمرات المذكورة آنفا، اما بناء على سلوك الطريق
الثانيفلا
يمكن ترتيب جملة من الثمرات، من قبيل الافتاء في
مسالة
فرعية بالاستناد الى نظرية عامة، فانه في مثل
هذهالحالة يرجع
الى الادلة الخاصة محرزة او غير محرزة، والا الى
الاصول
العملية، فلا اثر للنظرية العامة في مثل هذاالفرض.
2- بناء على الطريق الثاني يمكن الافادة من
الاجتهادات
الفقهية المتنوعة، بخلاف الاول فهو يعبر عن اجتهاد
فقيهواحد
على فرض امكانه.
نوع الادلة المستخدمة:
ان عملية استنباط النظرية العامة وعملية استنباط
الحكم
الشرعي الخاص يشتركان في بعض الادلة ويختلفان
فياخرى،
وهذا الاختلاف نابع من الطبيعة والهدف من كل من
العمليتين، فان الممارس لفقه النظرية انما
يحاولاكتشاف
النظرية الاسلامية فهو مكتشف، فلا تسعفه في مهمته
هذه غير
الادلة الكاشفة كالادلة القطعيةوالامارات، اما
الاصول العملية
محرزة كانت او غير محرزة فباعتبار افتقارها
للكاشفية فلا
تسمن ولا تغني منجوع، بخلاف الممارس لفقه الاحكام
الخاصة فانه يريد تحديد الموقف للمكلف باية وسيلة
كانت ولو
من خلالالاصل العملي.
مناقشات:
اتماما للبحث حاولنا الاشارة الى بعض الايرادات
التي قد تورد
على فقه النظرية والتصدي للاجابة عليها. وننبهعلى
اننا لم
نذكر الاشكالات الواردة على بعض الاستنتاجات او
الاستفادات
التي ذكرها السيد الشهيد (قدس سره)في محاولته
لاكتشاف
النظرية الاقتصادية في الاسلام، لكونها ايرادات
صغروية، لا ترد
على اصل المنهج، فلذا لمنتعرض لها، واقتصرنا على
ذكر
الاشكالات الكبروية المطروحة على اصل هذا النحو من
المنهجية. وهي:
المناقشة الاولى: ربما يظن احد ان فقه النظرية لا
ربط له
بالفقه بالمعنى المتداول ولا علاقة له بالاجتهاد
المعروففي
الاوساط العلمية. وليس بين الامرين الا مجرد
التشابه الاسمي.
فبامكان اي مفكر وان لم يكن فقيها ان يخلصالى
فرضية
واحدة تفسر طائفة من الاحكام الفرعية. ولا حاجة الى
اعمال
قواعد الاستنباط كتطبيق الاصول اللفظيةاو اجراء
الاصول
العملية او اعمال ضوابط التزاحم بين الاحكام او
الاستفادة من
قوانين التعارض بين الادلة.فكلمن يتمت ع بذهنية
عصرية
ومرونة عقلية وذوق منهجي يتسنى له التصدي لهذا
النمط
من البحث ويتمكن مناستنباط نظرية عامة في مجال
معين.
فلا خصوصية للفقيه هنا ما دام دوره دور التنظير
الصرف. بل
ممارسةالفقيه لفقه النظرية يعد متعبة له ومشغلة
عن وظيفته
الاصلية. وربما يدعى ان غيره قد يكون اقدر على ذلك
وقديتحمس لهذه المناقشة رعيل من الكتاب والمفكرين
الذين
مارسوا بشكل صريح او غير صريح استنباط
النظرياتالعامة في
دراساتهم وقاموا بمحاولات بهذا الصدد.
المناقشة الثانية: قد يستبعد البعض فقه النظرية من
دائرة
البحث العلمي بذريعة ان طريقة البحث تفتقد
الضابطةالتي
يتم على ضوئها حركة العقل من المعلوم الى المجهول.
فلا
يدرى كيف يتم انتخاب وانتقاء الفرضية
ابتداءدونسائر
الفرضيات؟!. ولماذا تغفل الفرضيات الاخرى طرا حتى
يخلو
الجو للنظرية المحظوظة وحدها لاشريك
لها؟!وماهوالضمان
لعدم التحيز المقصوداو غير المقصود من قبل الباحث.
ومن اين
لنا ان نحرز الموضوعية فيبحثه؟!.
المناقشة الثالثة: ربما ينطلق بعض الاستصحابيين في
رفضه
وعدم قبوله هذا المنهج من شبهة الحداثة وتوهمعدم
الاصالة
وكونه منهجا دخيلا. اذ من يتخذ هذا السبيل لا ضمان
لصحة
ما ينتهي اليه من النتائج. فهو لا ينجومن الوقوع في
احد
محذورين خطيرين:
اما محذور المخالفة الدينية وتقليد الافكار
المستوردة ومحاكاة
ما ابتدعه الوضعيون من قوانين ونظريات
لتنظيمالحياة
انطلاقا من توجهاتهم المادية وتصوراتهم الخاصة.
والا فلا عين
ولا اثر لذلك فيما بين ايدينا من كتبومصنفات
علماء الاسلام
رضواناللّه عليهم.
او محذور المخالفة المذهبية والتخلي عن بعض
المباني
المسلمة عندنا وانتحال مباني المدارس الفقهية
الاخرىكمدرسة الراي والقياس والاستحسان. وهل هذا
الا
قضاء على اصول المذهب وقواعده؟!
هذا، وقد تحامل بعض من كتب متهجما، فقدم تقييما
لكتاب
(اقتصادنا) وما تضمنه من اطروحة جديدة، وقدخالف فيه
الانصاف والمنطق قائلا: «فليس هنا جديد، لا في
العرض، ولا
في الاكتشاف، ولا في البناء حسب تعبيره.والكتاب
بهذه
الطريقة ينزع العقل المسلم من جذوره، ويسلمه الى
متاهات
لا ضابط لها...» ((73)).
المناقشة الرابعة: لماذا اقتصر المعصومون (ع) على
اعطاء
الاحكام بهذا الشكل المقطع والمتراكم، ولو كانت
ثمةحاجة
الى ذلك لبينوها لنا، فنحن نجد النبي (ص) رغم انه اسس
دولة لم يكن يبين الاسلام النظري على شكلنظريات
عامة؟
المناقشة الخامسة: ان استنباط الخط النظري يعني
الوصول
الى اللازم العام عرفا او عقلا لهذه الاحكام.
ومن المعلوم ان بعض تلك الاحكام قد تم التوصل اليها
من
خلال تطبيق الاصول العملية [: الدليل الفقاهتي]
منقبيل:
(الاستصحاب، التخيير، الاحتياط، البراءة) بعد
فقدان الدليل
الاجتهادي عليها.
ومن المسلم به ان لوازم الاصول ليست بحجة، بل حتى لو
افترضنا ان تلك الاحكام الكاشفة قد استنبطت كلها
من الامارات التي تعد لوازمها حجةفان هناك شكا
حقيقيا في
كون لازم الجمع بين الحكمين من الامور
المعترفبحجيتها
في التصور العرفي الممضى من قبل الشارع. وتكون
النتيجة
هي الشك في حجية اللازم، وهو هنا هذاالخط المذهبي
المستنبط، والشك في الحجية كاف للقطع بعدمها، كما
هو
تعبير الاصوليين ايضا، فكيفالخلاص؟ ((74)).
المناقشة السادسة: ان استنباط النظرية العامة لا
ينتج الحجية
القطعية، بيان ذلك:
ان عملية الاستنباط هذه تنحل الى تطبيقين للاجتهاد:
التطبيق الاول: ويتم في مجال استنباط الاحكام
الفرعية من
مظانها الاصلية (الكتاب والسنة)، وعلى اساس من
علماصول
الفقه، وهو اجتهاد مشروع لا غبار عليه يؤدي الى
حجية
النتيجة المستنبطة حتى مع احتمال مخالفتهاللواقع
الاسلامي، وذلك بعد حصول الظن المعتبر المنتج
للحجية
والتي تؤدي للمعذرية عند مخالفة النتيجةللواقع
الشرعي
تماما كما تعني التنجيز للاحكام على المكلف.
التطبيق الثاني: ويتم في مجال استنباط الخطوط
النظرية من
الاحكام والمفاهيم، وهنا يكمن الاشكال في
عمليةالاجتهاد
هذه، فيقال: انها لا تنتج الحجية القطعية، لان بعض
هذه
الاحكام الكاشفة قد لا يقبلها هذا المجتهد
نفسه،وانما اختارها
من مجتهدين آخرين لكونها اكثر انسجاما مع باقي
الاحكام
التي اريد ان تعبر عن خط نظريعام ((75)).
ردود:
وفي مواجهة هذه التشكيكات وغيرها يتحتم علينا
التزام
الموضوعية التامة وان نعد كامل العدة للاجابة
المقنعةلوجداننا
قبل الاخرين:
1- لا يخفى ان مهمة استنباط النظريات العامة عملية
علمية
وفنية تفتقر الى التخصص الفقهي بارقى درجاته.
ولايكفي في
صلاحية الباحث في هذا الصعيد الاطلاع الاجمالي
والعام على
الفقه. بل لا محيص من تحليه بالاستعدادالتام وتوفره
على
معدات تؤهله للورود في البحث. لذا فان الفقه
ومؤسساته لا
يتحمل مسؤولية المحاولات التيصدرت من بعض
المفكرين
الاسلاميين الذين يتمتعون بثقافة فقهية عامة لا
تصل الى
مستوى التخصصوالخبروية. وذلك لان مهمة اكتشاف
النظرية العامة في ميدان معين يتوقف بالضرورة على
توفر
مجموعةعناصر في الباحث:
احدها الاحاطة الكاملة فعلا لا قوة بشتى الاحكام
الفرعية
والهيمنة على قواعد الشريعة واساسياتها. ولا
يلقاها الا من سبر
غور الادلة على تنوعها واشرب في قلبه الفقه وذاق
عسيلته.
واطلع على معاريض الكلام. سيما اذا لاحظناان الفقيه
في مثل
هذه الابحاث ينهض باعباء مسؤولية التاسيس ويعالجها
فردا.
يجرب فيها مهارته بكل ما اوتيمن قوة ملتقطا
الادلة من هنا
وهناك.
وبعبارة اخرى ان الفقيه في اثناء بحثه عن النظرية
العامة يواجه
مركبا معقدا يتالف من عدة عمليات استنباططولية
وعرضية:
فعليه اولا ان يجتاز مهمة استنباط الادلة وتحديد
مظانها
وجمعها.
وثانيا استنباط ذات النظرية من تلك الادلة وبمر
الصناعة.
وثالثا محاكمة النظرية على ضوء الاهداف الكبرى
والاطمئنان
من مدى انسجام النظرية المكتشفة مع
الاتجاهاتالعامة
للشريعة والتاكد الكامل من عدم ابتلائها بالمعارض
الفوقاني.
والذي يعبر عنه في كلمات فقهائنا بمذاقالشارع
الذي يتطلب
ادراكه شامة فقهية خاصة.
ورابعا تقويم النظرية ومحاكمتها من خلال الواقع
العملي.. لا
بمعنى الاستسلام.. بل بمعنى الافادة من
التجاربالسابقة
والمعاشة من اجل التكميل والاحكام.. والتثبت من عدم
وجود
فراغ او خلل او اية نقطة ضعف في البين..والتاكد من
امكانية
اجرائها وعدم شذوذها.
وواضح ان كل واحدة من هذه العمليات لها مشكلاتها
وصعوباتها. فاذن الخوض في دراسة واستنباط
النظرياتالعامة
وظيفة شاقة في غاية الصعوبة. وهو في حقيقته وواقعه
استنباط مركب لا بسيط.
من هنا يمكن القول باننا حتى لو سلمنا صلاحية
الفقيه
المتجزي كما يرى البعض للافتاء ببعض الفروع
اوللقضاء في
الخصومات باي معنى فسرنا التجزي فلا يمكن التسليم
بصلاحيته هنا وقابليته على اكتشاف
النظريةالعامة. ولا يمكن
قياس المقام عليه.
اضف الى ذلك ان اكتشاف النظرية يتوقف على عناصر
اخرى
ايضا من قبيل المعرفة القانونية الواسعة
والاطلاععلى الفقه
الوضعي والنظريات الحقوقية الحديثة ومبانيها.
ويتطلب اشرافا
كافيا على المجال الذي يريد استنباطالنظرية فيه
كالاقتصاد او
السياسة او الادارة وغير ذلك. وكذلك ضرورة تحلي
المستنبط
بذهنية مرنة قادرة علىالابتكار بحيث لا تعوق
حركتها
مخلفات ما مضى. ولا يدفعها تطلعها للمستقبل الى
العجلة
وارتجال الراي.
ومن الواضح ان هذه الخصال كلها لا تجتمع الا في
الاوحدي
من الفقهاء وما ادري كيف يبرر ممارسة ذلك من
قبلغير
المتخصص ومن لم يكن واجدا للشرائط التي يندر
اجتماعها
في فرد. وهل يكون مثله في ذلك الا كحاطب ليلاو زارع
في
غير ارضه. ولعل اثمه اكبر من نفعه وان كان ذلك منه عن
حسن نية وقصد القربة.
2- واما دعوى عدم اصالة هذا المنهج فيدفعها ان
المعيار في
الحكم على امر بكونه اصيلا او لا هو صحة
الاسنادوالنسبة الى
الشريعة فبعد قيام الدليل المحكم على قضية من
القضايا يصح
وصفها بالاصالة وكونها منتمية الىالشريعة ولا
عيب في
اسنادها واضافتها للدين الحنيف. فليست الاصالة
مساوقة
للقدم ولا الحداثة تساوق الابتداعفكم من بدعة
قديمة عاشت
بين الناس دهورا. وكم من فكرة حقة التفت اليها
المتاخرون.
وكم ترك الاول للاخر.
فاننا لو رجعنا الى الشريعة واستنطقناها وامكننا
تحصيل بعض
الخيوط لنسيج نظرية مستقاة من معين
الادلةالشرعية فاية
غضاضة في ذلك؟!. وهل ان التصدي لاكتشاف عناصر القوة
في
الفقه المعطاء يعد امرامستهجنا؟!. وهل هذا الا رجوع
الى تلك
المقولة المشؤومة الداعية الى غلق باب الاجتهاد
بمغاليق
التحجر واقفال الذيلية غيرالمشروعة؟!. وتعطيل
العقل ومنعه
عن الكدح لتحصيل اليقين بفراغ الذمة امام البارئ
عزوجلوالخروج من عهدةالتكاليف الشرعية والفوز
بمرتبة
الامتثال والطاعة.
صحيح ان الافكار الوافدة من الغرب كان لها دور
ملحوظ في
اثارة البحث والتساؤل عن النظريات العامة
فيالاسلام مما فتح
باب التفكير في ذلك على مصراعيه. فكانت حيثية
تعليلية لهذا
النمط من البحث العلمي في داخلالاطار الاسلامي.
وهذا غير
دعوى عدم اصالة هذا المنهج وكون فقه النظريات قالب
دخيل
ومستورد.
اجل، انه مجال خطير يمكن ان تزل فيه الاقدام فلا
يسوغ لكل
احد اعطاء الراي كما تقدمت الاشارة الى ذلك
مفصلا.بل لا بد
للباحث من التوفر على ما يعصمه من الانزلاق فعليه
الاحتياط
التام كما يحتاط في الفتيا في الفروع الجزئيةبل
ان الامر هنا
اخطر واهم.
ونذكر بانه قد تبنى هذا المسلك وبشر به بعض كبار
فقهائنا
الاعلام ممن كان في قمة التخصص الفقهي. الا وهوآية
اللّه
السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره)، فهي مشروع
واطروحة نابعة من صميم المؤسسة الفقهيةولم يعرض
عليها من خارجها .
3- واما عدم بيان النبي (ص) والائمة من بعده للنظرية
العامة
فقد اجاب عنه السيد الشهيد (قدس سره) بالنفي،قال:
«اذ ان
النبي (ص) كان يعطي هذه النظريات، ولكن من خلال
التطبيق ومن خلال المناخ القرآني العام الذي
كانيبينه في
الحياة الاسلامية، وكان كل فرد مسلم في اطار هذا
المناخ
يفهم هذه النظرية ولو فهما اجماليا ارتكازيا،لان
المناخ والاطار
الروحي والاجتماعي والفكري والتربوي الذي رسمه
النبي
(ص) كان قادرا على ان يعطي النظرةالسليمة،
والقدرة
السليمة على تقييم المواقع والمواقف والاحداث» ((76)).
ثم قال: «اذن، الصحابة الذين عاشوا في كنف الرسول
(قدس
سره) اذا كانوا لم يتلقوا النظريات بصيغ عامة
فقدتلقوها تلقيا
اجماليا ارتكازيا، انتقشت في اذهانهم وسرت في
افكارهم»
. ((77))
4، 5- واما الاشكالان الاخيران فيظهر جوابهما من خلال
مراجعة ما ذكرناه من محاولة لاثبات حجية
النظريةالعامة
المستنبطة.
تطبيقات لهذا المنهج:
لقد طبق السيد الشهيد (قدس سره) هذا المنهج في سبيل
اكتشاف المذهب الاقتصادي في الاسلام، وقد عقد
لذلكبحثا
موسعا في كتابه (اقتصادنا) وانتهى الى اكتشاف نظرية
عامة
محكمة في المجال الاقتصادي.
كما نرى شبح هذا المنهج في بيانه لمعالم السياسة
المصرفية
منطلقا في هذا المجال من التركيب بين حقائق اوقضايا
مستمدة من المذهب الاقتصادي ومستوحاة من الروح
العامة
للتشريع الاسلامي، قال(قدس سره) «وهذه
القضايا هي
كما
ياتي:
ا- ان الفائدة محرمة لانها في حقيقتها نوع من الاجر
يتقاضاه
الراسمالي على انتفاع المقترض بماله،
والنظريةالاسلامية
للاجور تربط شرعية الاجر بوصفه لقاء ما يتفتت من
العمل
المختزن في الشيء المستاجر خلالالانتفاع به.
وراس المال
النقدي لا يتفتت شيء من العمل المختزن فيه عند
اعادته على
صورة وفاء للقرض فلايوجد اذن مبرر للاجر من وجة
النظر
الاسلامية.
ب - ان الاسلام حرم اكتناز الذهب والفضة وعدم
انفاقهما في
سبيل اللّه تعالى، قال اللّه سبحانه وتعالى:
(والذينيكنزون
الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل اللّه فبشرهم
بعذاب اليم)
وليس الذهب والفضة الا مثالين للنقد، والنقد
هوالذي من شانه
ان ينفق فهذا يعني ان اكثار النقد محرم والاكتناز
مفهوم مرن
يتحدد وفقا لدرجة امكانات تحركالمال في الحياة
الاقتصادية
ومدى القدرة المتوفرة بصورة نوعية على توظيف المال
واستثماره، فكلما كانتامكانات التحرك اكبر
والقدرة على
التوظيف اوسع نطاقا كان تجميد المال في فترة قصيرة
نسبيا
اكتنازا، بينما اذاتضاءلت امكانات التحرك وقدرات
التوظيف
وكانت الحياة الاقتصادية خاملة بدرجة واخرى لم
يصدق
الاكتناز الا على فترة زمنية اطول، وقد يكون هذا هو
السبب
في اعتبار ركود المال لدى صاحبه سنة كاملة شرطا في
ثبوتزكاة النقدين، على اساس ان الحياة
الاقتصادية وقتئذ لم
تكن توفر شروطا افضل لتحرك المال، فلكي يكونتجميد
النقد
اكتنازا لابد ان يظل المال راكدا في حوزة صاحبه سنة
كاملة.
وتقوم الفكرة في حرمة الاكتناز على اساس النظرية
الاسلامية
عن النقد، فان الاسلام يؤمن بان التبادل في
الاصلانما هو
تبادل الطيبات، اي تبادل سلعة بسلعة كما هي الحالة
في عصر
المقايضة قبل ظهور النقد، لان هذا هوالاسلوب
الوحيد الذي
يكفل لكل منتج في المجتمع ان يبادل منتوجه بما يسد
حاجته. ولم يكن ظهور النقد للقضاءعلى جوهر
المقايضة، بل
لتيسيرها. فبدلا من المعاوضة بين الحنطة والقطن
يبيع زارع
الحنطة حنطته بنقدويشتري بذلك النقد قطنا،
فالمبادلة بين
الحنطة والقطن ثابتة ولكن من خلال عمليتين. واما
اذا حول
النقد الى اداةاكتناز واصبح زارع الحنطة يبيع
الحنطة بنقد
ويدخر النقد ولا يشتري به قطنا فان هذا يعني ان
القطن او
بتعبير اعمان جزءا من المنتوج الكلي للمجتمع سوف
يظل
عاجزا عن دخول السوق واكمال دورته بالتحول الى نقد
لكييستانف الانتاج من جديد، وبالمقابل يخلق
الاكتناز
للمكتنز قدرات جديدة للاستثمار وغزو السوق لم
يكنبالامكان
ان تتواجد لو استمر تطبيق روح المقايضة بصورة
امينة.
ج - ان مبدا الزكاة في الاسلام يحتوي على فرض ضريبة
على
اكتناز النقد، لانه يفرض نسبة معينة على
المالالمدخر سنة
من النقود الذهبية او الفضية، واذا لاحظنا ما
ذكرناه سابقا من
ان تحديد السنة قد يرتبط بشروطالحياة الاقتصادية
المعاصرة
للتشريع ولاحظنا ما اوضحناه في بحوثنا عن الاقتصاد
الاسلامي من ان الزكاةكمبدا قابل للتوسعة
والتطبيق على
مختلف الثروات وفقا لما يراه ولي الامر الشرعي،
امكننا ان
ننتهي الى فكرةاسلامية في جذرها وروحها العامة،
وهي ان
الاكتناز يمكن مقاومته عن طريق وضع ضريبة على النقد
المكتنز،وتدخل هذه الفكرة في المؤشرات الاسلامية
العامة
التي تملا على اساسها منطقة الفراغ ويضع ولي الامر
العناصرالمتحركة في الاقتصاد الاسلامي في حدود
صلاحياته،
وعلى هذا الاساس يمكن لولي الامر ان يضع
وفقالصلاحيته
الضريبة المذكورة. وليس من الضروري ان تتخذ هذه
الضريبة
شكل الجباية، بل بالامكاناستحصالها باشكال اخرى
احدث
كالطريقة التي تستحصل بها كثير من الضرائب او
الاجور
الحكومية عن طريقالالزام بالصاق طابع مالي على
العريضة او
الوثيقة ونحو ذلك، فيمكن استعمال نفس الطريقة
بالنسبة الى
ضريبةالاكتناز.
د - ان التربية الاسلامية للفرد في المجتمع الاسلامي
على
الاحسان والايثار وخلق منطق للمعاوضة مختلف
عنمنطق
المعاوضة المالية والمادية وهي التجارة التي لا
تبور في
مصطلح القرآن الكريم، والحث الفائق علىمساعدة
المستضعفين والاقراض للمحتاجين بروح الاخوة
والمحبة
وطلبا للثواب والمغفرة. ان ذلك كله يشكلارضية
روحية
ونفسية فريدة تنمو في مناخها الخاص دوافع الخير
وتتوفر
لدى كثير من الناس الرغبة فيالاقراض من اجل
الخير، وليس
هذا فرضا مثاليا في المجتمع الاسلامي، بل هو حقيقة
وهناك
مؤشرات عديدة علىهذه الحقيقة ومنها صناديق القرض
الحسن التي نشات قبل قيام المجتمع الاسلامي ونمت من
خلال مشاعرالاحسان والايثار التي جعلت عددا كبيرا
من
الناس يتبرعون بجزء من اموالهم للاقراض بدون
فائدة، فاذا
كان هذاهو اثر التربية الاسلامية على فرد لم يعش في
ظل
مجتمع اسلامي فما ظنك باثرها في اطار المجتمع
الاسلاميالمتكامل».
ثم قال (قدس سره): «بعد ان حددنا في الفقرة السابقة
المركب النظري الذي يعتمده البنك في المجتمع
الاسلامياساسا لممارسة مهمته الموضوعية ودوره في
الحياة
الاقتصادية نستطيع ان نتعرف على الطريقة التي
تمكنالبنك
الاسلامي من تجميع الكميات المتفرقة من النقد بدون
اغراء
بالفائدة الربوية ولا استعمال
للاساليبالراسمالية. فان البنك
يعلن انه حاضر لتلقي اية كمية من النقود يرغب
صاحبها في
ايداعها لديه ويحدد شكلينلهذا التلقي...» ((78))
هذا، وتجدر الاشارة الى انه (قدس سره) قد استفاد من
بعض
خصوصيات هذا المنهج وان لم يكن بصدد اكتشافنظرية
عامة
وهو امكانية انتخاب اي اجتهاد من بين الاجتهادات
المشروعة،
وذلك ما نراه في ورقة العمل التيقدمها تحت عنوان
لمحة
تمهيدية عن مشروع دستور الدولة الاسلامية في
ايران، عندما
اقترح امكانية الاستفادةمن جميع الاجتهادات
لملء منطقة
الفراغ في مختلف المجالات.
قال (قدس سره): «ان اي موقف للشريعة يحتوي على اكثر
من
اجتهاد يعتبر نطاق البدائل المتعددة من
الاجتهادالمشروع
دستوريا ويظل اختيار البديل المعين من هذه البدائل
موكولا
الى السلطة التشريعية التي تمارسها الامةعلى ضوء
المصلحة
العامة» ((79)).
والباب مفتوح على مصراعيه لاستقبال تطبيقات جديدة،
سيما
بعد ان مكن اللّه عباده في الارض واخذوا
يمارسونالحكم
والسلطة، فنحن احوج من اي وقت مضى لتقديم النظريات
العامة في مختلف المجالات لاسناد
الدولةالاسلامية. والذي
يترقب منه المبادرة مدرسة الشهيد الصدر (قدس سره)
فهي
مدعوة قبل غيرها لمواصلةمنهجية استاذها ومؤسسها.
ومهما يكن من امر فلكي يتضح منهج استنباط فقه
النظرية
العامة بصورة مفصلة وما تضمنه من خطوات
ينبغيتسليط
الضوء على النموذج الفذ الذي عرضه الشهيد الصدر
(قدس
سره) في اكتشافه للنظرية الاقتصادية فيالاسلام.
استنباط النظرية الاقتصادية في الاسلام ((80)):
ان الاطروحة التي قدمها السيد الشهيد (قدس سره)
تتالف من
عدة فصول، وسنقتصر على استعراض القسمالاول من
النظرية
بصورة مختصرة وهي نظرية توزيع ما قبل الانتاج.
|