نظرية توزيع ما قبل الانتاج:
وقد تقدم بيان ان اكتشاف النظرية يمر بمرحلتين:

المرحلة الاولى: تجميع الاحكام
لقد بدا ببحث التوزيع بدلا من الانتاج، لان توزيع مصادر الانتاج
يسبق عملية الانتاج، وكل تنظيم يتصل بنفس‏عملية الانتاج او
السلع المنتجة يصبح في الدرجة الثانية.
وحصر مصادر الانتاج في الطبيعة واستبعد من البحث عنصري
العمل وراس المال، باعتبار ان العمل عنصرمعنوي وليس ثروة
مادية، واما راس المال فهو في الحقيقة ثروة منتجة وليس
مصدرا اساسيا للانتاج، ثم قسم‏المصادر الطبيعية الى:
1- الارض.
2- المواد الاولية التي تحويها الطبقة اليابسة من الارض.
3- المياه الطبيعية.
4- بقية الثروات الطبيعية كاللالى‏ء والمرجان والطيور وقوة
انحدار الشلالات.
ثم بدا بدراسة هذه المصادر:

1- الارض:
وقد قام بتقسيم الارض الى اربعة اقسام رئيسية، ثم جمع
احكام كل قسم من ناحية الملكية بعد ذلك استنتج
(قدس‏سره) من مجموع هذه الاحكام ان ملكية الارض نلحظها
بلحاظين:
اللحاظ الاول مع اغفال العنصر السياسي:
فهنا الارض تكون غالبا على قسمين: اما عامرة طبيعيا وهي
ملك للدولة، واما ان تكون ميتة فهي ملك للامام ايضا،وهي
ملكية ذات طابع عام.
قال (قدس سره): «نستطيع الان ان نستوعب الصورة كاملة
وان نحدد النظرة العامة، فالارض بطبيعتها ملك‏الامام، ولا
يملك الفرد رقبتها، ولا يصلح اي اختصاص فردي بها الا على
اساس ما ينفقه الشخص على الارض من‏عمل لاجل اعدادها
واستثمارها، وهذا الاختصاص او الحق الذي يكسبه الفرد نتيجة
لعمله فيها لا يمنع الامام عن‏فرض الطسق او الضريبة على
الارض المحياة لتساهم الانسانية الصالحة كلها في الاستفادة
منها، ولا يتعارض‏هذا مع العفو عن الطسق او الضريبة احيانا
لظروف استثنائية‏» ((81)).
اللحاظ الثاني مع ابراز العنصر السياسي:
ان مساهمة الارض فعلا في الحياة الاسلامية وتوفير امكاناتها
المادية بشريا تنشا تارة عن سبب اقتصادي، وهوعملية الاحياء
التي ينفقها الفرد على ارض داخلة في حوزة الاسلام، كما تنشا
تارة اخرى عن سبب سياسي، وهوالعمل الذي يتم بموجبه ضم
ارض حية عامرة الى حوزة الاسلام، وكل من العملين له
اعتباره الخاص في‏الاسلام.
وهذا العمل السياسي على نوعين: اما فتح الارض جهاديا، واما
اسلام اهلها عليها طوعا، والاول يعتبر عمل الامة لاعمل الفرد،
ولذلك تكون هي صاحبة الارض، ويطبق على الارض مبدا
الملكية العامة.
واما الثاني فهو عمل الافراد الذين اسلموا طوعا، ولاجل ذلك
اعترف الاسلام هنا بحقهم في الارض العامرة التي‏اسلموا
عليها، وسمح لهم بالاحتفاظ بها.
فالشريعة على الصعيد النظري اذن لم تعترف بالملكية الخاصة
لرقبة الارض الا في حدود احترامها للملكيات‏الثابتة في الارض
قبل دخولها في حوزة الاسلام طوعا وصلحا.
وهذا الحكم انما يشرع نظرا لمراعاة مصلحة الرسالة، والا فلو
اخذت هذه الارض منهم لشكل ذلك عقبة كبيرة في‏وجه
الدعوة وامتدادها في مختلف مراحلها.
وبعد هذا التقسيم الرياضي للاراضي وانواعها وبيان احكام كل
قسم يخطو خطوة اخرى متقدمة ويحاول تنضيج‏هذه الصورة
التشريعية، وذلك ان الموارد التي لم نحكم بكونها ملكا للدولة
هي:
اولا - الارض المفتوحة العامرة حين الفتح:
ان هذه الارض قبل الاحياء كانت ميتة، فرقبتها ملكا للدولة
وللمحيي لها وهو هنا الكافر له حق الاحياء،والنصوص بشان
الارض المفتوحة لا يفهم منها سوى ان ما كان للكافر من حق
في الارض ينتقل بالفتح الى الامة‏ويصبح حقا عاما، ولا تدل
على ان حق الامام يسقط بالفتح، لان المسلمين انما يغنمون
من اعدائهم لا من امامهم،وعلى هذا فسوف تظل رقبة الارض
ملكا للامام ويتحول ما فيها من حق خاص الى حق عام للامة.
ثانيا - الارض التي اسلم اهلها عليها طوعا:
والكلام فيها نظير الكلام في المفتوحة عنوة، اي ان رقبة
الارض للدولة وكان لصاحبها حق خاص وهو حق‏الاحياء،
والاسلام يحقق ما له من حقوق، لا انه يمنحه من الحقوق ما لم
يكن له، وعليه فيظل محتفظا بحق الاحياءمع بقاء الارض ملكا
للدولة، ولهذا وجدنا انه اذا اهمل الارض ولم يعمرها كان على
الامام ان يبادر الى الاستيلاءعليها.
ثالثا - الارض التي صولح اهلها على ان تكون لهم:
ان عقد الصلح هو عقد سياسي، وليس عقد معاوضة، فلا يعني
اسقاط ملكية الدولة لرقبة الارض، وانما يعني رفع‏اليد عن
ارضهم وتركها لهم في مقابل امتيازات معينة، ووجوب الوفاء
بهذا العقد يحتم على الامام الا يفرض عليهم‏اجرة، وهذا غير
نقل ملكية رقبة الارض، فالمصالحة على ان تكون الارض لهم
تعني المدلول العملي لهذه العبارة،لانه هو المهم بالنسبة الى
المصالحين، لا المدلول التشريعي.
فاذا تم كل ما تقدم امكن القول بان المبدا في الارض ان تكون
كلها ملك الدولة، ولا استثناء لذلك اطلاقا، والى جانب‏ذلك
يوجد حق الاحياء الذي يجعل الفرد المحيي اولى من غيره اذا
مارس الاحياء في حالة عدم منع الامام منه سواءكان مسلما او
كافرا ويكون حقا خاصا غير انه اذا كان كافرا واحتل المسلمون
ارضه عنوة في حرب جهادية تحول‏هذا الحق الخاص الى حق
عام واصبح قائما بالامة الاسلامية ككل اي تتحول من الاموال
الخاصة للدولة الى الاموال‏العامة لها التي لابد ان تستثمرها في
المصالح المقررة لها مع الاحتفاظ بها.

2- المواد الاولية في الارض: وهي تنقسم الى:
ا - المعادن الظاهرة: اي تكون طبيعته المعدنية بارزة التي لا
تحتاج الى تعدين، وهي خاضعة لمبدا الملكية العامة،والمراد
بها لجميع الناس لا خصوص المسلمين اي من المشتركات
العامة.
ب - المعادن الباطنة: وهي التي تحتاج الى تعدين، وهي على
قسمين:
الاول: القريبة من سطح الارض، وهي كالظاهرة.
الثاني: البعيدة من سطح الارض، وهي لا تملك بالملكية
الخاصة، وان اختلف في كونها من المشتركات العامة اوانها
ملك للدولة.
وانما اجازت الشريعة لكل فرد ان ياخذ من مواردها المعدنية
وفقا لحاجته دون اضرار بالاخرين، هذا بالنسبة الى‏المعادة
الظاهرة.
واما المستترة كمناجم الذهب والحديد فهي يمكن ان تملك
ملكية خاصة باكتشافها عن طريق الحفر، لان الحفربمنزلة
الاحياء، كما انه اسلوب للحيازة والحيازة تعتبر سببا لتملك
الثروات الطبيعية. ولكن هذه الملكية لا تمتد في‏اعماق الارض
والى عروق المادة المعدنية وجذورها، وانما تشمل المادة التي
كشف عنها الحفر، كما انها لا تمتدافقيا خارج حدود الحفرة
التي انشاها المكتشف الا بالقدر الذي يتوقف عليه ممارسته
لاستخراج المادة من الحفرة.وهو ما يسمى فقهيا بحريم
المعدن.
وهذا لا يمنع اي فرد آخر ان يمارس الحفر في موضع آخر من
نفس ذلك المعدن ولو كان يمتص نفس الينابيع‏والجذور التي
يمتصها المكتشف الاول، لان الاول لا يملك العروق والينابيع.
نعم هناك اتجاه فقهي يذهب الى تملك المادة المستخرجة
خاصة، وان كان له حق الاولوية في الاستفادة من الحفرة‏التي
حفرها.
ثم انه يمكن القول ان لم يكن اجماع بعدم الفرق بين
المناجم الموجودة في الارض التي لايختص بها احد
وبين‏المناجم التي توجد في الاراضي المملوكة او المختصة،
اي لا تكون ملكا لاصحاب الاراضي، وان وجب لدى‏استثمارها
الاستئذان من صاحب الارض، لان احياء المنجم يتوقف على
التصرف في الارض. وقد افتى بذلك‏الامام مالك.
وللدولة الحق في اقطاع الارض او المعدن الى فرد من اجل
احيائه اذا رات ان السماح للافراد باستثمار تلك الثروات‏افضل
الاساليب للاستفادة منها في ظرف معين، فهو اسلوب من
اساليب الاستثمار، ولذلك لا يجوز للدولة اقطاع‏الفرد ما يزيد
على طاقته ويعجز عن استثماره.
وليس الاقطاع سببا لتملك الفرد المقطع المصدر الطبيعي،
وانما للفرد حق الاستثمار ليس الا ، ولذا يجب ان لا
تطول‏الفترة المتخللة بين الاقطاع والبدء بالعمل.
واما بعد ممارسته العمل فان الاقطاع لا يبقى له اثر من الناحية
الشرعية، بل يحل العمل محله، فيصبح للفرد من‏الحق في
الارض او المعدن ما تقرره طبيعة العمل، كما تقدم.
ونحن نلاحظ ان الاقطاع يكون في حدود المصادر الطبيعية
التي من شان العمل فيها ان يمنح العامل حقا او لونا
من‏الاختصاص بها، وهي الموات، واما اذا لم يكن المصدر
الطبيعي بحاجة الى احياء ولا يؤدي فيها العمل الى حق‏خاص
للعامل فلا يجوز الاقطاع. واما اقطاع الارض الخراجية التي هي
ملك للامة فهو ليس اقطاعا في الحقيقة بل هوتسديد لاجرة
على خدمة، اذ قد يتفق للدولة ان تمنح شيئا من الارض
الخراجية وتسمح له بالسيطرة على خراجهاالذي هو ملك
للامة، ويجب صرفه في مصالحها، ومنها دفع اجور الولاة
والقضاة، فكما يمكن دفع اجورهم‏مباشرة من بيت المال يمكن
ان يكون بالسماح لهم بالحصول مباشرة على ربح بعض املاك
الامة، وليس للفردالمقطع اي حق اصيل في رقبة الارض ولا
في منافعها.
كما ان الاسلام ايضا منع الحمى الذي كان يمارسه الاقوياء في
الجاهلية، وحصر ذلك في النبي الذي لا يحمي‏لنفسه وانما
كان يحمي لصلاح عامة المسلمين.

3- المياه الطبيعية: وهي على قسمين:
ا - المصادر المكشوفة كالبحار والانهار والعيون الطبيعية.
وهذا القسم من المياه يعتبر من المشتركات العامة بين الناس،
فليس لفرد خاص ان يتملكها، لكن اذا حاز شخص‏منها كمية
ملك الكمية التي حازها، وبدون الحيازة لا يملك من الماء
شيئا، فلو تسرب الماء من النهر الى منطقة دون‏عمل منه فلا
يبرر تملكه له، بل يبقى الماء على اباحته العامة ما لم يبذل
عمل في حيازته.
ب - المياه الجوفية: وهذا القسم لا يختص به احد ما لم يعمل
للوصول اليه والحفر لاجل كشفه، فاذا كشفه انسان‏بالعمل
والحفر اصبح له حق في العين المنكشفة يجيز له الاستفادة
منها ويمنع الاخرين من مزاحمته، لانه هوالذي خلق بعمله
فرصة الانتفاع بتلك العين، فهو اولى بها من غيره ويملك ما
يتجدد من مائها، لانه لون من الوان‏الحيازة، ولكنه لا يملك
نفس العين الموجودة في اعماق الطبيعة قبل عمله، ولذا يجب
عليه اذا اشبع حاجته من الماءبذل الزائد للاخرين مجانا، لان
المادة لا تزال من المشتركات العامة.

4- بقية الثروات الطبيعية: وتعتبر من المباحات العامة، وهي
الثروات التي يباح للافراد الانتفاع بها، وتملك‏رقبتها، فالاباحة
في المباحات العامة اباحة تملك لا مجرد اباحة انتفاع.
وقد اقام الاسلام الملكية الخاصة للمباحات العامة على اساس
العمل لحيازتها على اختلاف الوانه. ولا تملك بدون‏العمل، فلا
يكفي دخولها في حدود سيطرة الانسان لتصبح ملكا له ما لم
ينفق عملا ايجابيا في حيازتها.

المرحلة الثانية: اكتشاف النظرية العامة
ان دراسة النظرية العامة لتوزيع ما قبل الانتاج تكون في عدة
خطوات، وفي كل خطوة يتم تناول جانبا منها،ويجمع من
البحوث السابقة النصوص التشريعية والفقهية والاحكام التي
تكشف عن ذلك الجانب وتبرهن عليه.
وبعدها تجمع في النهاية خيوط النظرية كلها في مركب واحد
وتعطى لها صيغة عامة.

1- الجانب السلبي من النظرية ((82))
ولنبدا بالجانب السلبي من النظرية، ومحتوى هذا الجانب كما
سنعرف الايمان بعدم وجود ملكيات وحقوق‏خاصة ابتدائية
في الثروة الطبيعية الخام بدون عمل.
بناؤه العلوي:
1- الغى الاسلام الحمى، وقال: لا حمى الا للّه وللرسول، وبذلك
نفى اي حق خاص للفرد في الارض بمجرد السيطرة‏عليها،
وحمايتها بالقوة.
2- اذا اقطع ولي الامر ارضا لفرد، اكتسب الفرد بسبب ذلك
حق العمل في تلك الارض، دون ان يمنحه الاقطاع حقافي
ملكية الارض، او اي حق آخر فيها، ما لم يعمل، وينفق جهده
على تربتها.
3- لا تملك الينابيع، والجذور العميقة للمنجم ملكية خاصة
ولا يوجد لاي فرد حق خاص فيها، كما اوضح العلا مة‏الحلي
ذلك في التذكرة قائلا: «واما العرق الذي في الارض فلا يملكه
بذلك ومن وصل اليه من جهة اخرى فله‏اخذه‏».
4- المياه الطبيعية المكشوفة كالبحار والانهار لا تملك ملكية
خاصة لاحد، ولا يوجد لفرد حق خاص فيها. قال‏الشيخ الطوسي
في المبسوط: «ماء البحر والنهر، والعيون النابعة في موات
السهل والجبل، كل هذا مباح، ولكل‏واحد ان يستعمل منه ما
اراد، كيف شاء، لخبر ابن عباس عن النبي (ص): الناس شركاء
في ثلاث: الماء والناروالكلا».
5- اذا زاد الماء الطبيعي فدخل املاك الناس واجتمع دون ان
يحوزوه بعمل خاص، لم يملكوه، كما قال الشيخ في‏المبسوط.
6- اذا لم ينفق الفرد جهدا في الصيد، بل دخل الحيوان في
سيطرته لم يملكه، ففي قواعد العلا مة الحلي يقول: «لايملك
الصيد بدخوله في ارضه ولا بوثوب السمكة الى السفينة‏».
7- وكذلك الحال في الثروات الطبيعية الاخرى، فان دخولها
في سيطرة الشخص دون عمل لا يبرر تملكها، ولذاجاء في
التذكرة: «ان الشخص لا يملك الثلج الذي يتساقط في حوزته
بمجرد سقوطه على ارضه‏».
الاستنتاج:
من هذه الاحكام ونظائرها في المجموعة التي مرت بنا من
التشريع الاسلامي، نستطيع ان نعرف ان الفرد لا يوجدله
بصورة ابتدائية حق خاص في الثروة الطبيعية يمتاز به عن
الاخرين على الصعيد التشريعي، ما لم يكن ذلك‏انعكاسا لعمل
خاص فيها، يميزه عن غيره في واقع الحياة، فلا يختص الفرد
بارض اذا لم يحيها، ولا بمعدن اذا لم‏يكشف عنه، ولا بعين ماء
اذا لم يستنبطها ولا بالحيوانات النافرة الا اذا صادها، ولا بثروة
على وجه الارض او في‏السماء الا اذا حازها، وانفق جهده في
ذلك.
ونحن نرى من خلال هذه الامثلة ان العمل الذي اعتبر في
النظرية الاساس الوحيد لاكتساب الحقوق الخاصة‏بصورة
ابتدائية في ثروات الطبيعة يختلف مفهومه النظري، حسب
اختلاف طبيعة الثروة ونوعها، فما يعتبر عملابالنسبة الى بعض
الثروات الطبيعية، وسببا كافيا لقيام الحقوق الخاصة على
اساسه، لا يعتبر كذلك بالنسبة الى‏نوع آخر من الثروة فالحجر
في الصحراء يمكنك ان تمتلكه بالحيازة، فالحيازة بالنسبة الى
الحجر عمل تعترف به‏النظرية، وتسمح بقيام الحقوق الخاصة
على اساسه، ولكنها لا تعترف بالحيازة بوصفها عملا، ولا تسمح
بقيام‏الحقوق الخاصة على اساسها في الارض الميتة والمنجم
والينابيع الطبيعية للماء، فلا يكفي لكي تختص بارض اومنجم
او عين ماء في اعماق الارض ان تسيطر على تلك الثروات
وتضمها الى حوزتك، بل لابد لك في سبيل‏اكتساب حقوق
خاصة فيها ان تجسد جهودك في الارض والمنجم والعين
فتحيي الارض وتكشف المنجم‏وتستنبط الماء وسوف نحدد في
النواحي الايجابية من النظرية مفهومها عن العمل والمقياس
الذي تتبعه في منح‏صفة العمل للجهود المتنوعة التي يمارسها
الانسان في حقول الطبيعة وثرواتها وحين نستوعب ذلك
المقياس‏نستطيع ان ندرك حينئذ لماذا كانت حيازة الحجر
سببا كافيا لتملكه، ولم تكن حيازة الارض عملا ولا
مبررالاكتساب اي حق خاص في تلك الارض.

2- الجانب الايجابي من النظرية
والجانب الايجابي من النظرية يوازي جانبها السلبي ويكمله
فهو يؤمن بان العمل اساس مشروع، لاكتساب‏الحقوق
والملكيات الخاصة في الثروات الطبيعية.
فرفض اي حق ابتدائي في الثروات الطبيعية منفصل عن
العمل هو الصيغة السلبية للنظرية.
والايمان بالحق الخاص فيها على اساس العمل هو الصيغة
الايجابية الموازية.
بناؤه العلوي:
1- من احيى ارضا فهي له، كما جاء في الحديث.
2- من حفر معدنا حتى كشفه كان احق به، وملك الكمية التي
كشفت عنها الحفرة، وما اليها من مواد.
3- من كشف بالحفر عينا طبيعية للماء، فهو احق بها.
4- اذا حاز الفرد الحيوان النافر بالصيد، والخشب بالاحتطاب،
والحجر الطبيعي بحمله، والماء من النهر باغترافه‏في آنية
وغيرها ملكه بالحيازة، كما نص على ذلك الفقهاء جميعا.
الاستنتاج:
كل هذه الاحكام تشترك في ظاهرة واحدة، وهي ان العمل
مصدر للحقوق والملكيات الخاصة في الثروات‏الطبيعية، التي
تكتنف الانسان من كل جانب، وبالرغم من ان هذه الظاهرة
التشريعية نجدها في كل تلك الاحكام،فاننا بالتدقيق فيها وفي
نصوصها التشريعية، وادلتها يمكننا ان نكتشف عنصرا ثابتا في
هذه الظاهرة،وعنصرين متغيرين يختلفان باختلاف انواع الثروة
واقسامها، فالعنصر الثابت هو: ربط الحقوق الخاصة للفردفي
الثروات الطبيعية الخام بالعمل، فما لم يقدم عملا لا يحصل
على شي‏ء، واذا اندمج مع ثروة طبيعية في عملية‏من العمليات،
استطاع ان يظفر بحق خاص فيها، فالعلاقة بين العمل
والحقوق الخاصة بشكل عام هي المضمون‏المشترك لكل تلك
الاحكام والعنصر الثابت فيها.
واما العنصران المتغيران فهما: نوع العمل، ونوع الحقوق
الخاصة التي يخلقها العمل، فنحن نرى ان الاحكام التي‏شرعت
الحقوق الخاصة على اساس العمل يختلف بعضها عن البعض
في نوع العمل الذي جعلته مصدرا للحق‏الخاص، وفي نوع
الحقوق الخاصة التي تنجم عن الارض، فالارض لا تعتبر
حيازتها عملا، بينما يعتبر العمل‏لحيازة الحجر في الصحراء
سببا كافيا لتملكه كما المعنا الى ذلك قبل لحظات، وكذلك
نرى الاحياء الذي يعتبرعملا بالنسبة الى الارض والمعدن لا
يؤدي الا الى حق خاص للفرد في رقبة الارض والمعدن يكون
الفرد بموجبه‏اولى من غيره بهما، ولا يصبح مالكا للارض
والمعدن نفسهما، بينما نجد ان العمل لحيازة الحجر من
الصحراءواغتراف الماء من النهر يكفي سببا من الناحية الشرعية
لا لاكتساب حق الاولوية في الحجر والماء فحسب، بل‏لتملكهما
ملكية خاصة.
فهناك اختلاف بين الاحكام التي ربطت الحقوق الخاصة للفرد
بعمله وجهده في تحديد نوع العمل الذي ينتج تلك‏الحقوق،
وفي تحديد طبيعة تلك الحقوق التي ترتكز على العمل، ولاجل
ذلك سوف يثير هذا الاختلاف عدة اسئلة‏يجب الجواب عليها.
فلماذا مثلا كان العمل لحيازة الحجر والماء من النهر كافيا
لاكتساب العامل حقا فيه، ولم‏يكن هذا النوع من العمل في
الارض والمعدن مثلا سببا لاي حق خاص فيهما؟ وكيف
ارتفع الحق الذي كسبه‏الفرد من الماء عن طريق حيازته من
النهر الى مستوى الملكية بينما لم يتح لمن احيى ارضا او
اكتشف منجما ان‏يملك الارض او المنجم، وانما منح حق
الاولوية في المرفق الطبيعي الذي احياه؟ ثم اذا كان العمل
سببا للحقوق‏الخاصة فما بال الفرد اذا وجد ارضا عامرة
بطبيعتها، فاغتنم الفرصة الممنوحة لها طبيعيا وزرعها وانفق
على‏زراعتها جهدا لا يحصل على حقوق مماثلة لحقوق الاحياء،
مع انه قدم على تربتها كثيرا من الجهود والاعمال؟وكيف
اصبح احياء الارض الميتة سببا لحق الفرد في رقبة الارض ولم
يصبح استغلال الارض العامرة وزراعتهامبررا لحق مماثل
للفرد؟
ان الجواب على كل هذه الاسئلة التي اثارها اختلاف احكام
الاسلام بشان العمل وحقوقه ليتوقف على تحديدالجانب الثالث
من النظرية الذي يشرح الاساس العام لتقييم العمل في
النظرية ولكي نحدد هذا الجانب يجب ان‏نجمع تلك الاحكام
المختلفة بشان العمل وحقوقه التي اثارت هذه الاسئلة ونضيف
اليها سائر الاحكام المماثلة‏التي تشابهها ونكون منها بناء علويا
نصل عن طريقه الى تحديد معالم النظرية بوضوح، لان
مجموعة هذه‏الاحكام المختلفة تعكس في الحقيقة المعالم
المحددة للنظرية، وسوف ننجز ذلك كله الان.

3- تقييم العمل في النظرية
1- اذا مارس الفرد ارضا ميتة فاحياها كان له الحق فيها، وعليه
طسقها، يؤديه الى الامام ما لم يعف عنه، كما جاءفي مبسوط
الشيخ الطوسي في كتاب الجهاد، وفقا للنصوص الصحيحة
الدالة على ان من احيى ارضا فهو احق بهاوعليه طسقها،
وبموجب الحق الذي يكسبه لايجوز لاخر انتزاع الارض منه ما
دام قائما بحقها، بالرغم من انه لايملك رقبة الارض نفسها.
2- اذا مارس الفرد ارضا عامرة بطبيعتها، فزرعها واستغلها كان
من حقه الاحتفاظ بها ومنع الاخرين من‏مزاحمته في ذلك ما
دام يمارس انتفاعه بالارض، ولا يحصل على حق اوسع من
ذلك يخوله احتكارها ومنع‏الاخرين عنها حتى في حالة عدم
ممارسته للانتفاع. ومن اجل هذا كان الحق الناتج عن استثمار
ارض عامرة‏بطبيعتها يختلف عن الحق الناتج عن احياء ارض
ميتة، فان حق الاحياء يمنع اي فرد آخر من الاستيلاء عليها
بدون‏اذن المحيي ما دامت معالم الحياة باقية فيها، سواء كان
المحيي يمارس الانتفاع بالارض فعلا ام لا. واما الحق
الذي‏يكسبه الفرد نتيجة لزراعته ارضا حية بطبيعتها فهو لا
يعدو ان يكون حق الاولوية بالارض ما دام يمارس انتفاعه‏بها،
فاذا كف عن ذلك كان لاي فرد آخر ان يستفيد من الفرصة
الممنوحة طبيعيا للارض ويقوم بدور الاول.
3- اذا حفر الفرد ارضا لاكتشاف منجم فوصل اليه، كان لاخر
ان يستفيد من نفس المنجم اذا لم يزاحمه، وذلك بان‏يحفر في
موضع آخر مثلا ويصل الى ما يريد من المواد المعدنية. كما
نص على هذا العلا مة في القواعد قائلا:«ولو حفر فبلغ المعدن
لم يكن له منع غيره من الحفر من ناحية اخرى، فاذا وصل الى
ذلك العرق لم يكن له‏منعه‏» ((83)).
4- يقول الشهيد الثاني في المسالك عن الارض التي احياها
الفرد ثم خربت «ان هذه الارض اصلها مباح، فاذا تركهاعادت
الى ما كانت عليه وصارت مباحة، كما لو اخذ من ماء دجلة ثم
رده اليها. وان العلة في تملك هذه الارض‏الاحياء والعمارة، فاذا
زالت العلة زال المعلول وهو الملك‏» ((84)). ومعنى هذا ان
الارض اذا احياها الفرد تصبح حقاله، ويبقى حقه فيها ما دام
احياؤها متجسدا فيها، فاذا زال الاحياء سقط الحق.
5- وعلى هذا الضوء اذا حفر الفرد في ارض لاكتشاف منجم او
عين ماء فوصل اليها ثم اهمل اكتشافه حتى طمت‏الحفرة او
التحمت الارض بسبب طبيعي، فجاء شخص آخر فبدا العمل
من جديد حتى اكتشف المنجم، كان له‏الحق في ذلك، وليس
للاول حق منعه.
6- الحيازة بمجردها ليست سببا للتملك او الحق في المصادر
الطبيعية من الارض والمنجم وعيون الماء، وهي‏نوع من
الحمى، ولا حمى الا للّه وللرسول.
7- الحيوانات النافرة المتمردة على الانسان تملك بالقضاء
على مقاومتها واصطيادها، ولو لم يحزها الصائد بيده،او شبكته
فلا يجب في تملك الصيد الاستيلاء الفعلي، فقد قال العلا مة
الحلي في القواعد: «ان اسباب ملك الصيداربعة: ابطال منعته،
واثبات اليد عليه، واثخانه، والوقوع فيما نصب آلة للصيد، وكل
من رمى صيدا لا يد لاحدعليه، ولا اثر ملك فانه يملكه اذا
صيره غير ممتنع وان لم يقبضه‏» ((85)).
وقال ابن قدامة: «ولو رمى طائرا على شجرة في دار قوم
فطرحه في دارهم فاخذوه فهو للرامي دونهم لان ملكه‏بازالة
امتناعه‏» ((86)).
ونفس الشي‏ء صرح به جعفر بن الحسن المحقق الحلي في
شرائع الاسلام ((87)).
8- من حفر بئرا حتى وصل الى الماء، كان احق بمائها بقدر
حاجته لشربه وشرب ماشيته وسقي زرعه، فاذافضل بعد ذلك
وجب عليه بذله بلا عوض لمن احتاج اليه، كما نص على ذلك
الشيخ الطوسي في المبسوط، وقدمربنا النص سابقا.
9- اذا ملك شخص مالا بالحيازة ثم اهمله وسيبه، زال حقه فيه
وعاد مباحا طلقا، كما كان قبل الحيازة، وجاز لاخرتملكه لان
اعراض المالك عن الانتفاع بملكه وتسييبه له يقطع صلته به،
كما جاء في حديث صحيح لعبد اللّه ابن‏سنان عن اهل البيت
(ع) انهم قالوا: «من اصاب مالا او بعيرا في فلاة من الارض كلت
وتاهت وسيبها صاحبها لما لم‏يتبعه، فاخذها غيره فاقام عليها
وانفق نفقة حتى احياها من الكلال ومن الموات فهي له ولا
سبيل له عليها، انما هي‏مثل الشي‏ء المباح‏» ((88)) والحديث
وان كان يدور حول بعير مسيب، ولكنه حين عطف البعير على
المال عرفناان‏القاعدة عامة في كل الاحوال.
10- لا يوجد للفرد حق في رقبة الارض التي يرعى فيها غنمه،
ولا يتملك المرعى بممارسته للرعي فيه، وان مايكتسب حقا
فيه بالاحياء فقط، ولذا لا يجوز للشخص ان يبيع مرعاه اذا لم
يكن قد اكتسب حقا فيه قبل ذلك بالاحياءاو الارث من المحيي
ونحو ذلك.
وقد جاء عن ادريس بن زيد انه سال الامام موسى بن جعفر (ع)
وقال له ان لنا ضياعا ولها حدود، ولنا الدواب‏وفيها مراعي،
وللرجل منا غنم وابل ويحتاج الى تلك المراعي لابله وغنمه،
ايحل له ان يحمي المراعي لحاجته‏اليها؟ فاجاب الامام: بان
الارض اذا كانت ارضه فله ان يحمي ويصير ذلك الى ما يحتاج
اليه. ثم ساله عن الرجل‏يبيع المراعي، فقال له: اذا كانت الارض
ارضه فلا باس ((89)). فان هذا الجواب يدل على ان نفس
عملية اتخاذ الارض‏مرعى لا توجد حقا للراعي في الارض يسوغ
له نقل هذا الحق الى غيره بالبيع.
في ضوء هذا البناء العلوي، واشعاعه الخاص من القاعدة
المذهبية نستطيع ان ندرك معالم النظرية، وبالتالي ان‏نجيب
على الاسئلة التي قدمناها سابقا.

ا - العمل الاقتصادي اساس الحقوق في النظرية:
فالنظرية تميز بين نوعين من الاعمال، احدهما: الانتفاع
والاستثمار، والاخر: الاحتكار والاستئثار. فاعمال
الانتفاع‏والاستثمار ذات صفة اقتصادية بطبيعتها، واعمال
الاحتكار والاستئثار تقوم على اساس القوة ولا تحقق انتفاعاولا
استثمارا مباشرا.
ومصدر الحقوق الخاصة في النظرية هو العمل الذي ينتمي الى
النوع الاول، كاحتطاب الخشب من الغابة ونقل‏الاحجار من
الصحراء، واحياء الارض الميتة. واما النوع الثاني من العمل فلا
قيمة له لانه مظهر من مظاهر القوة‏وليس نشاطا اقتصاديا من
نشاطات الانتفاع والاستثمار للطبيعة وثروتها. والقوة لا تكون
مصدرا للحقوق‏الخاصة ولا مبررا كافيا لها. وعلى هذا الاساس
الغت النظرية العامة العمل لحيازة الارض والاستيلاء عليها
ولم‏تقم على اساسه اي حق من الحقوق الخاصة، لانه في
الحقيقة من اعمال القوة، لا من اعمال الانتفاع والاستثمار.

ب - الحيازة ذات طابع مزدوج:
ونحن حين نقرر هذا، قد نواجه السؤال عن الفرق بين حيازة
الارض، وحيازة الحجر بحمله من الصحراء،والخشب باحتطابه
من الغابة، والماء باغترافه من النهر، فاذا كانت الحيازة مظهر
قوة، وليست ذات صفة‏اقتصادية كاعمال الانتفاع والاستثمار
فكيف جاز للاسلام ان يفرق بين حيازة الارض وحيازة الخشب
ويمنح‏الاخيرة حقوقا خاصة، بينما يلغي الاولى ويجردها من
كل الحقوق؟
واعمال الاحتكار والاستئثار في النظرية الاسلامية لا يقوم على
اساس شكل العمل، بل قد يتخذ الشكل الواحدللعمل طابع
الانتفاع والاستثمار تارة وطابع الاحتكار والاستئثار تارة اخرى،
تبعا لطبيعة المجال الذي يشتغل فيه‏العامل، ونوع الثروة التي
يمارسها، فالحيازة مثلا وان كانت من الناحية الشكلية نوعا
واحدا من العمل، ولكنهاتختلف في حساب النظرية العامة
باختلاف نوع الثروة التي يسيطر عليها الفرد، لان حيازة
الخشب بالاحتطاب،والحجر بنقله من الصحراء مثلا عمل
من اعمال الانتفاع والاستثمار. واما حيازة الارض والاستيلاء
على منجم‏او على عين ماء فليس من تلك الاعمال، بل هو
مظهر من مظاهر القوة والتحكم في الاخرين.
ولكي نبرهن على ذلك يمكننا ان نفترض انسانا يعيش بمفرده
في مساحة كبيرة من الارض، غنية بالعيون‏والمناجم والثروات
الطبيعية، بعيدا عن المنافسة والمزاحمة وندرس سلوكه وما
يمارسه من الوان الحيازة.
ان انسانا كهذا لن يفكر في الاستيلاء على مساحة كبيرة من
الارض، وما فيها من مناجم وعيون وحمايتها، لانه لايجد داعيا
الى هذه الحماية ولا فائدة يجنيها منها في حياته، ما دامت
الارض بخدمته في كل حين، لا ينافسه فيهااحد، وانما ينصرف
مباشرة الى احياء جزء من الارض يتناسب مع مستوى قدرته
على الاستثمار.
ولكنه بالرغم من انه لا يفكر في حيازة مساحات كبيرة من
الارض، يمارس دائما حيازة الماء بنقله الى كوزه،والحجر
يحمله الى كوخه، والخشب يوقد عليه النار، لانه لا يتاح له
الانتفاع بهذه الاشياء في حياته الا بحيازتها،واعدادها في
متناول يده.
فحيازة الارض وغيرها من مصادر الطبيعة لا معنى لها اذن
عندما تنعدم المنافسة، بل الاحياء وحده في هذا الحال‏هو
العمل الذي يمارسه الفرد في الطبيعة لاستثمارها والانتفاع
بها. وانما تكتسب حيازة الارض قيمتها عندماتوجد المنافسة
على الارض وتشتد، فينطلق كل فرد للاستيلاء على اوسع
مساحة ممكنة من الارض وحمايتها من‏الاخرين. وهذا يعني ان
حيازة الارض وما اليها من مصادر الطبيعة ليست عملا ذا صفة
اقتصادية من اعمال‏الانتفاع والاستثمار وانما هي عملية
تحصين لمورد طبيعي وحمايته من تدخل الاخرين فيه.
وعلى العكس من ذلك حيازة الخشب والحجر والماء، فانها
ليست عمل قوة، وانما هي بطبيعتها عمل اقتصادي من‏اعمال
الانتفاع والاستثمار. ولهذا راينا ان الانسان المنفرد في حياته
يمارس هذا اللون من الحيازة بالرغم من‏تحرره عن كل دافع
من دوافع القوة واستعمال العنف وهكذا نعرف ان حيازة الاشياء
المنقولة من ثروات الطبيعة‏ليست مجرد عمل من اعمال القوة
وانما هي في الاصل عمل من اعمال الانتفاع والاستثمار
يمارسه الانسان ولو لم‏يوجد لديه اي مبرر لاستعمال القوة.
وعلى هذا الاساس نستطيع ان ندرج حيازة المصادر الطبيعية
من اراضي ومناجم وعيون في اعمال الاحتكاروالقوة التي لا
قيمة لها في النظرية، وندرج حيازة الثروات التي تنقل وتحمل
في اعمال الانتفاع والاستثمار التي هي‏المصدر الوحيد للحقوق
الخاصة في الثروات الطبيعية.
ونخرج من ذلك بنتيجة وهي: ان الصفة الاقتصادية للعمل
شرط ضروري في انتاجه للحقوق الخاصة، فلا يكون‏العمل
مصدرا لتملك المال ما لم يكن بطبيعته من اعمال الانتفاع
والاستثمار.

ج - النظرية تميز بين الاعمال ذات الصفة الاقتصادية:
ولناخذ الان اعمال الانتفاع والاستثمار التي تحمل الطابع
الاقتصادي لندرس موقف النظرية من تقييمها ونوع‏الحقوق
التي تقيمها على اساسها.
ولا نحتاج في هذا المجال الى اكثر من تتبع الفقرة الثانية
والفقرة العاشرة من البناء العلوي السابق، لنعرف‏ان‏الشريعة لا
تمنح الفرد دائما الحق والملكية في مصادر الثروة الطبيعية
من ارض ومناجم وعيون بمجردممارسة الفرد فيها لعمل
خاص من اعمال الانتفاع والاستثمار. فنحن نرى مثلا في
الفقرة الثانية ان ممارسة‏الزراعة في ارض عامرة بطبيعتها لا
يمنح الفرد الزارع من الحق فيها ما يمنحه الاحياء في ارض
ميتة، ونلاحظ في‏الفقرة العاشرة ايضا ان الانتفاع بالارض
باتخاذها مرعى لا يعطي الراعي حقا في تملك الارض، مع ان
استخدامه‏لها في الرعي عمل من اعمال الانتفاع والاستثمار.
فهناك اذن فارق يجب اكتشافه بين احياء الارض وما اليه
من‏اعمال، وبين استثمار الارض العامرة في الزراعة والرعي،
بالرغم من ان هذه الاعمال تبدو جميعا ذات صفة‏اقتصادية
والوانا من الانتفاع والاستثمار لمصادر الثروة الطبيعية.
وباكتشاف ذلك الفارق نتقدم مرحلة جديدة‏في تحديد النظرية
العامة واستيعابها.

د - كيف تقوم الحقوق الخاصة على اساس العمل:
والحقيقة ان هذا الفارق يرتبط كل الارتباط بالمبررات التي
آمنت بها النظرية لمنح الفرد حقوقا خاصة في الثروة‏الطبيعية
على اساس العمل.
فلكي نفهم باستيعاب الفرق نظريا بين المجموعة التي
عرضناها من اعمال الانتفاع والاستثمار ذات الصفة‏الاقتصادية،
يجب ان نعرف التكييف النظري للحقوق الخاصة التي ربطت
بالعمل، وكيف والى اي مدى يلعب‏العمل دوره الايجابي في
النظرية؟ وما هو المبدا الذي ينشي‏ء العمل على اساسه حقوقا
خاصة للعامل في الثروة‏التي يمارسها بعمله؟ فاذا عرفنا هذا
المبدا استطعنا في ضوئه ان نميز بين تلك المجموعة من
اعمال الانتفاع.
ويمكننا تلخيص هذا المبدا على ضوء البناء العلوي الكامل
للنظرية في الصيغة التالية: ان العامل يملك نتيجة عمله‏التي
يخلقها بجهده وطاقته في المواد الطبيعية الخام، وهذا المبدا
يسري على كل اعمال الانتفاع والاستثمار التي‏يمارسها الفرد
في الطبيعة ومصادرها الخام، من دون تمييز بين عملية احياء
الارض الميتة او كشف المنجم اواستنباط الماء او زراعة الارض
العامرة بطبيعتها او استخدامها في رعي الحيوانات وتربيتها،
كل ذلك عمل وكل‏عمل مع مادة خام من حق العامل ان
يقطف ثماره بتملك نتيجته.
ولكن حق العامل في امتلاك نتيجة عمله في مصدر طبيعي،
لا يعني ان جميع هذه الاعمال تتفق في نتائجها لكي‏تتفق في
نوع الحقوق التي تسفر عنها، بل انها تختلف في نتائجها وعلى
هذا الاساس تختلف في نوع الحقوق‏الخاصة التي تنشا عنها،
فاحياء الارض مثلا عملية يمارسها الفرد في ارض ميتة لا تصلح
لانتاج وانتفاع، فيزيل‏عن وجهها الصخور الصماء ويوفر كل
الشروط التي تجعلها قابلة للانتفاع او الانتاج، ويحقق عن
طريق ذلك نتيجة‏مهمة بسبب احيائه للارض لم تكن موجودة
قبل الاحياء، وليست هذه النتيجة وجود الارض نفسها، لان
عملية‏الاحياء لا تخلق الارض، وانما هي الفرصة التي خلقها
الفرد بعمله وجهده، فان احياء الارض الميتة يؤدي الى
خلق‏فرصة الانتفاع بالارض واستثمارها، اذ لم تكن هذه الفرصة
متاحة قبل احيائها وانما نتجت عن عملية الاحياء.والعامل
يملك وفقا للنظرية العامة هذه الفرصة بوصفها نتيجة لعمله
وملكيته للفرصة تؤدي الى منع الاخرين عن‏سرقة هذه الفرصة
منه، وتضييعها عليه بانتزاع الارض منه، والانتفاع بها بدلا عنه،
لانهم بذلك يحرمونه من‏الفرصة التي خلقها بجهده في عملية
الاحياء وملكها بعمل مشروع، ولاجل ذلك يصبح الفرد باحيائه
الارض اولى‏بها من غيره، ليتاح له الانتفاع بالفرصة التي انتجها،
وهذه الاولوية هي كل حقه في الارض، وهكذا نعرف ان
حق‏الفرد في الارض التي احياها مرده نظريا الى عدم جواز
سرقة الاخرين نتيجة عمله وتضييع الفرصة التي خلقهابعمله
المشروع.
واحياء المنجم او عين الماء المستترة في اعماق الارض كاحياء
الارض الميتة في هذا تماما.فان العامل الذي‏يمارس عملية
الاحياء يخلق فرصة الانتفاع بالمرفق الطبيعي الذي احياه،
ويملك هذه الفرصة بوصفها ثمرة‏لجهده، فلا يجوز لغيره
تضييع الفرصة عليه. وللعامل الحق في منع الاخرين اذا حاولوا
انتزاع المرفق منه. ويعتبرهذا حقا في الارض والمنجم والعين،
مع فوارق سوف ندرسها بعد لحظات.
واما ممارسة الفرد للزراعة في ارض عامرة بطبيعتها او
استخدام ارض لرعي الحيوانات، فهذه الاعمال وان كانت‏من
اعمال الانتفاع والاستثمار في المصادر الطبيعية، ولكنها لا
تبرر وجود حق للزارع والراعي في الارض، لانه لم‏ينتج الارض
نفسها، ولا فرصة عامة كالفرصة التي انتجها احياء الارض
الميتة. صحيح ان الزارع او الراعي انتج‏زرعا، او ربى ثروة
حيوانية عن طريق عمله في الارض ولكن هذا يبرر تملكه
للزرع الذي انتجه، او للثروة الحيوانية‏التي تعاهدها، ولا يبرر
تملكه للارض وحقه فيها.
فالفرق اذن بين هذه الاعمال وعلميات الاحياء ان تلك
العمليات تخلق فرصة للاستفادة من الارض او المنجم
اوالعين، لم تكن قبل الاحياء فيملكها الفرد، ويكتسب عن
طريق تملكه لهذه الفرصة حقه في المصدر الذي احياه،واما
الارض العامرة بطبيعتها او الارض الخضراء بطبيعتها التي
يمارس فيها الفرد عملية الزرع او الرعي فقدكانت فرصة
الانتفاع بها في الزرع والرعي موجودة قبل ذلك، ولم تنتج عن
العمل الخاص، وانما الشي‏ء الذي نتج‏عن عمل الزارع مثلا
هو الزرع، ولا شك انه من حقه الخاص لانه نتيجة عمله.
وفي هذا الضوء نستطيع الان ان نستنتج شرطا جديدا في
العمل الذي يتيح حقا خاصا في المصادر الطبيعية، فقداكتشفنا
آنفا الشرط الاول وهو ان يكون العمل ذا صفة اقتصادية،
ونستنتج الان الشرط الثاني وهو ان يخلق هذاالعمل حالة او
فرصة معينة جديدة يملكها العامل ويكتسب عن طريقها حقه
في المصدر الطبيعي.
والى هذه الحقيقة كان الامام الشافعي يشير حينما استدل على
ان المعدن الباطن المستتر لا يملك بالاحياءبان‏المحيا ما يتكرر
الانتفاع به بعد عمارته بالاحياء من غير احداث عمارة وهذا لا
يمكن في المعادن بمعنى ان‏الفرصة التي يخلقها الاحياء في
المعدن محدودة فيكون الحق محدودا تبعا لذلك.
وهذا الاكتشاف للترابط بين حق العامل في المصدر الطبيعي،
والفرصة التي ينتجها العمل في ذلك المصدر،يترتب عليه
منطقيا ان يزول حق الفرد في المصدر اذا تلاشت تلك الفرصة
التي انتجها، لان حقه في المصدرالطبيعي كان يقوم كما عرفنا
على اساس تملكه لتلك الفرصة، فاذا زالت سقط حقه، وهذا ما
نجده تماما في الفقرة‏الرابعة والخامسة من البناء العلوي الذي
قدمناه.
ولناخذ الان اعمال الاحياء هذه التي تمنح الفرد العامل حقا
خاصا في المصدر الطبيعي، كاحياء الارض واستخراج‏المنجم
واستنباط العين، لكي ندرس بدقة موقف النظرية منها، ونرى
ما اذا كانت نفس هذه الاعمال تختلف في‏الحقوق التي تنتجها
بعد ان درسنا الفرق بينها وبين سائر اعمال الانتفاع
والاستثمار، وعرفنا قبل ذلك الفرق بين‏اعمال الانتفاع
والاستثمار بشكل عام، واعمال الاحتكار والاستئثار.
ونحن اذا استعرضنا من البناء العلوي المتقدم الحقوق التي
تقوم على اساس اعمال الاحياء، وجدنا ان ها تختلف‏من عمل
لاخر، فالارض التي احياها الفرد لا يجوز لفرد آخر بدون اذنه
استثمارها والتصرف فيها، مادام الفردالذي احياها يتمتع بحقه
في الارض، بينما نجد ان الفرد اذا استنبط عينا كان له الحق
في مائها بقدر حاجته، وجازللاخرين الاستفادة من العين فيما
زاد على حاجة صاحبها.
ولهذا كان على النظرية ان تشرح السبب الذي ادى الى اختلاف
حق العامل في ارضه التي احياها، عن حق العامل‏في العين التي
استنبطها، ولماذا سمح لاي فرد بالاستفادة من ماء العين اذا
زاد على حاجة صاحبها ولم يسمح‏لاحد بزراعة الارض التي
احياها العامل بدون اذنه، ولو لم يستغلها العامل في الزراعة
فعلا؟
والواقع ان الجواب على هذا جاهز في ضوء معلوماتنا التي
اكتشفناها حتى الان عن النظرية فان العامل يملك قبل‏كل
شي‏ء نتيجة عمله، وهي فرصة الاستفادة من المصدر الطبيعي،
وملكيته لهذه الفرصة تحتم على الاخرين‏الامتناع عن سرقتها
منه وتضييعها عليه، وبذلك يحصل على الحق الخاص في
المصدر الذي احياه، وهذا كله‏يطرد في سائر المصادر دون فرق
في ذلك بين الارض والمنجم والعين، فالحقوق التي تنتج عن
احياء تلك‏المصادر الطبيعية متساوية.
والسماح للغير بالاستفادة من عين الماء فيما زاد على حاجة
العامل دون الارض لا ينشا من اختلاف الحقوق، بل‏ينبع عن
طبيعة تلك الاشياء فان الفرصة التي يملكها الفرد نتيجة لحفره
العين، واكتشافه للماء، لا تضيع عليه‏بمشاركة شخص آخر له
في الانتفاع بالماء ما دامت العين غزيرة تفيض عن حاجته،
فالعين الثرية بالماء لا تضيق‏عادة عن تزويد فردين بالماء
واشباع حاجتهما. وبهذا يظل العامل محتفظا بالفرصة التي
خلقها دون ان يؤدي‏انتفاع الاخر بالعين في شربه وشرب
ماشيته الى فوات تلك الفرصة منه.
وعلى العكس من ذلك الارض التي يحييها الفرد، ويخلق فيها
فرصة الانتفاع بها عن طريق احيائه لها، فان الارض‏بطبيعتها لا
تتسع لاستثمارين في وقت واحد، فلو بادر شخص الى ارض
محياة واستثمرها لانتزع بذلك من‏العامل الذي احياها الفرصة
التي خلقها، لان الارض اذا وظفت في انتاج زراعي لا يمكن ان
تقوم بدور مماثل، ولا ان‏تستغل لاغراض الانتاج من قبل فرد
آخر.
وهكذا نعرف ان الارض المحياة لا يجوز لغير العامل الذي
احياها ان يستثمرها وينتفع بها، لانه يضيع على العامل‏الفرصة
التي يملكها بعمله، فلكي يحتفظ العامل بهذه الفرصة لا يسمح
لغيره باستثمار الارض، سواء كان العامل‏يفكر في استغلال
الفرصة فعلا او لا، لانها على اي حال فرصته التي خلقها، ومن
حقه الاحتفاظ بها ما دامت‏جهوده التي انفقها لاحياء الارض
مجسدة فيها، وخلافا لذلك يسمح في عيون الماء لغير العامل
الذي اكتشفها ان‏يستفيد منها فيما زاد على حاجة العامل، لان
ذلك لا يجرد المكتشف من الفرصة التي خلقها، لقدرة العين
على‏تلبية طلبات العامل الذي اكتشفها، واشباع حاجة الاخرين
في وقت واحد، فاختلاف الارض عن العين في
طبيعتهاوطريقة استغلالها هو السبب الذي يفسر السماح
للاخرين بالاستفادة من العين دون الارض.
واما المنجم المكتشف، فقد اجاز الاسلام لاي فرد ان يستفيد
منه بالطريقة التي لا تؤدي الى حرمان المكتشف من‏الفرصة
التي خلقها، وذلك بالحفر في موضع آخر من المنجم او
بالاستفادة من نفس الحفرة التي انشاهاالمكتشف الاول اذا
كانت واسعة تتيح للغير ان يستفيد منها دون ان ينتزع من
المكتشف فرصة الانتفاع.
فالمقياس العام للسماح لغير العامل او منعه عن الانتفاع
بالمرفق الطبيعي الذي احياه العامل وخلق فيه فرصة‏الانتفاع
هو: مدى تاثير ذلك على الفرصة التي خلقها العامل باحيائه
للمصدر الطبيعي.

ه - اساس التملك في الثروات المنقولة:
وحتى الان كنا نحصر الحديث تقريبا بالعمل في المصادر
الطبيعية كالاراضي والمناجم وعيون الماء، ولابد لكي‏نستوعب
المحتوى الكامل للنظرية ان نفحص بتدقيق تطبيقات النظرية
على غير المصادر الطبيعية من الثروات‏المنقولة، واوجه الفرق
بينها وبين المصادر والمبررات النظرية لهذه الفروق.
والشي‏ء الوحيد الذي مر بنا عن موقف النظرية من الثروات
المنقولة، ان حيازة هذه الثروات تعتبر نظريا عملا ذاصفة
اقتصادية من اعمال الانتفاع والاستثمار، خلافا لحيازة المصدر
الطبيعي التي تحمل طابع الاحتكاروالاستئثار، ولا تتسم
بالصفة الاقتصادية.
وقد استخدمنا فرضية الانسان المنفرد، للتدليل بها على هذا
الفرق بين حيازة المصادر الطبيعية وحيازة الثروات‏المنقولة.
فالاستيلاء اذن على كمية من الماء او من خشب الغابة او اي
ثروة طبيعية اخرى بالامكان نقلها يعتبر قبل كل‏شي‏ء عملا من
اعمال الانتفاع والاستثمار، ولهذا تدخل حيازة الثروات
المنقولة في حساب النظرية، التي لا تعترف‏بعمل سوى اعمال
الانتفاع ذات الصفة الاقتصادية.
ولكن الحيازة ليست هي العمل الوحيد الذي تعترف به
النظرية، وتقيمه في مجال الثروات المنقولة، فهناك نوع‏آخر
من العمل في هذا المجال، يشبه اعمال الاحياء في المصادر
الطبيعية، وهو العمل لايجاد فرصة الانتفاع‏بالثروة الطبيعية
المنقولة اذا كانت تشتمل بطبيعتها على مقاومة للانتفاع بها،
كصيد الحيوان النافر، فان العمل‏الذي يشل به الصياد مقاومة
الحيوان الذي يصطاده يخلق فرصة الانتفاع بذلك الحيوان
بسبب القضاء على‏مقاومته كما يخلق العامل فرصة الانتفاع
بالارض الميتة عن طريق احيائها والقضاء على مقاومتها
وتذليل‏تربتها.
فالحيازة والعمل لايجاد فرصة الانتفاع نوعان من العمل،
يحملان معا الطابع الاقتصادي في مجال الثروات‏المنقولة
ولكن العمل لايجاد فرصة جديدة للانتفاع بالثروة كالصيد،
يمتاز عن الحيازة بدوره الايجابي في خلق‏هذه الفرصة، اذ ان
الحيازة ذات دور سلبي من هذه الناحية لانها بوصفها مجرد
عملية استيلاء على الثروة لا تخلق‏فيها فرصة جديدة للانتفاع
بها بشكل عام، فانت حين تحوز حجرا من الطريق العام او ماء
من البئر لا تخلق في‏الحجر والماء فرصة جديدة للانتفاع بهما
بشكل عام لم تكن من قبل، لان الحجر او الماء كان معروضا
للجميع،ولم تزد على ان سيطرت عليه وادخرته لحاجتك.
صحيح انك نقلت الحجر الى بيتك والماء الى آنيتك ولكن هذا
لايخلق فرصة لم تكن من قبل للانتفاع بالمال بشكل عام، لان
هذا النقل انما يمهد لانتفاعك بالحجر او الماء، ولا يذلل‏عقبة
عامة في هذا السبيل، ولا يمنح المال صفة تجعله اكثر استعدادا
او لياقة للنفع بصورة عامة كاحياء الارض‏الذي يقضي على
مقاومة الارض للانتفاع بها بشكل عام، ويمنحها كفاءة جديدة
للقيام بدورها العام في حياة‏الانسان.
وعلى هذا الاساس نستطيع ان نقارن الصيد، وما اليه من اعمال
كخلق فرصة جديدة في الثروات المنقولة بعملية‏احياء الارض،
لان الصيد والاحياء يتفقان في خلق فرصة عامة لم تكن متاحة
من قبل، ونقارن حيازة الثروة‏المنقولة بعملية زراعة الارض
العامرة بطبيعتها، فكما ان زراعة الارض العامرة طبيعيا لا
تخلق في الارض فرصة‏جديدة وانما هي عمل من اعمال
الانتفاع والاستثمار، كذلك حيازة الماء من العيون الطبيعية. ((90))
وهذا التمييز بين حيازة الثروات المنقولة، وبين العمل فيها
لايجاد فرصة الانتفاع، كالصيد وما اليه من اعمال، لايعني
انفصال هذين الامرين احدهما عن الاخر دائما فان الحيازة
كثيرا ما تقترن بخلق فرصة جديدة في الثروة،فتندمج الحيازة
مع خلق الفرصة الجديدة عملية واحدة، كما قد يوجد كل
منهما بصورة منفصلة عمليا عن الاخر.