فهناك من الثروات ما
يحتوي على درجة من المقاومة
الطبيعية للانتفاع به، كالسمك في البحر والفائض من
ماءالنهر
الذي يجري بطبيعته ليتلاشى في نهاية الشوط في اعماق
البحر، فاذا قضى الصياد على مقاومة السمكباغرائه
بدخول
شبكته التي يصطاد بها فقد حازه وخلق فيه ايضا فرصة
الانتفاع
نتيجة للقضاء على مقاومتهخلال عملية واحدة، كما
ان اختزان
الماء الفائض من النهر يعتبر حيازة له، وهو في نفس
الوقت
يخلق فرصةالانتفاع، نتيجة لمنعه من الهروب الى
البحر
والتسلل اليه.
وقد يمارس الفرد عملا لخلق فرصة جديدة في الثروة
والقضاء
على مقاومتها الطبيعية، دون ان تتحقق خلال
ذلكحيازة
الثروة، كما اذا رمى الصائد بحجر على طائر محلق في
الجو
فشل حركته واضطره الى الهبوط في منطقةبعيدة عن
موضع
الصائد، واصبح في وضع لا يسمح له الا بالمشي
كالدواجن،
فالفرصة الجديدة للانتفاع قدانجزت في هذه العملية
عن
طريق اصطياد الطائر والقضاء على مقاومته بقذف
الحجر عليه،
ولكن الطير وهويمشي بعيدا عن موضع الصائد لا يعتبر
في
حيازته وتحت يده، وانما تتم حيازته له اذا تعقبه
الصائد واخذه.
وقد يحوز الفرد ثروة دون ان يمارس عملا لخلق فرصة
جديدة
فيها، كما اذا كانت الثروة مستعدة
بطبيعتهاللانتفاع بها، ولا
تشتمل على مقاومة تحول دون ذلك كحيازة الماء من
العيون
والحجر من الارض. فالحيازة وخلقالفرصة لونان من
العمل قد
يندمجان في عملية واحدة وقد يفترقان.
ولنعبر عن اللون الثاني من العمل الذي يخلق الفرصة
بالصيد،
بوصفه المثال البارز للعمل المنتج لفرصة جديدةفي
الثروات
المنقولة.
ولكي ندرس هذين اللونين من العمل على صعيد النظرية
سوف نتناول كلا من الحيازة والصيد بصورة منفصلةعن
الاخر،
لاكتشاف الاحكام المختصة به، وطبيعة الحقوق التي
تنتج عن
كل من العملين، والاساس النظري لها.
و - دور الاعمال المنتجة في النظرية:
فالصيد اذا درسناه بصورة منفصلة عن الحيازة، نجد
انه عمل
ينتج فرصة معينة. فمن الطبيعي ان يمنح العاملحق
تملك
الفرصة التي نتجت عن عمله، كما يملك العامل في
الارض
فرصة الانتفاع التي نجمت عن احيائه للارض،وفقا
للمبدا الانف
الذكر في النظرية، الذي يمنح كل عامل في الثروة
الطبيعية
الخام حق تملك النتيجة التي يسفرعنها العمل.
وعن طريق تملك الصائد لهذه الفرصة يصبح له حق خاص في
الطير الذي اصطاده واضطره الى الهبوط والمشيعلى
الارض،
ولو لم يحزه كما يدل عليه اطلاق النصوص التشريعية.
فلا
يسمح لفرد آخر ان يبادر الى الطيرويستولي عليه، او
يغتنم
فرصة اشتغال الصياد عن حيازته بمواصلة عملية الصيد
مثلا
فيسبقه اليه، لان ذلكيؤدي الى حرمان العامل من
الفرصة
التي خلقها بالصيد.
فحق الصياد في الطائر الذي اصطاده لا يتوقف على
حيازته له
او البدء في الانتفاع به فعلا، بل مجرد الفرصة
التيخلقها بعمله
يخوله الحق فيه، لان هذه الفرصة ملك للعامل الذي
خلقها،
سواء فكر فعلا في الانتفاع بصيده وبادرالى حيازته
او لا.
وبهذا كان الصياد نظير العامل الذي يحيي الارض،
فكما لا
يجوز لفرد آخر ان يستثمر الارض ويزرعها، ولو
لميمارس
المحيي الانتفاع بها فعلا، كذلك لا يصح لغير العامل
الذي ذلل
الصيد وقضى على مقاومته اخذ الصيد مادام الصياد
محتفظا
بحقه، ولو لم يبادر الى حيازته فعلا.
ولكن الطير الذي شلت حركته نتيجة لاصطياده، اذا
استطاع
قبل ان يبادر الصياد الى حيازته ان يسترجع قواه،
اويتغلب على
الصدمة، ويحلق في الجو من جديد، زال عنه حق الصياد،
لان
هذا الحق كان يعتمد على تملك العاملللفرصة التي
انتجها
بالصيد، وهذه الفرصة تتلاشى بهروب الطائر في الجو،
فلا يبقى
للصائد حق في الطير وهوفي هذا يشبه ايضا العامل
الذي يحيي
الارض ويكتسب حقه فيها على هذا الاساس، اذ يفقد حقه
في
الارض اذاانطفات فيها الحياة، ورجعت مواتا من
جديد، والسبب
نظريا واحد في الحالتين، وهو ان حق الفرد في
الثروةيرتبط
بتملكه للفرصة التي تنتج عن عمله فاذا زالت تلك
الفرصة
وانعدم اثر ذلك العمل زال حقه في الثروة.
فالصيد في احكامه اذن حين ينظر اليه بصورة مستقلة
عن
الحيازة يشابه احياء المصادر الطبيعية، وهذا
التشابهينبع كما
راينا من وحدة التفسير النظري لحق العامل في صيده
وحق
العامل في الارض الميتة التي احياها.
ز دور الحيازة للثروات المنقولة:
واما الحيازة فهي تختلف عن الصيد المجرد في
احكامها، ولهذا
نجد ان الفرد اذا ملك طيرا بالحيازة ودخل فيحوزته
اصبح
من حقه استرجاعه اذا طار وامتنع، فاصطاده آخر، وليس
للاخر
الاحتفاظ به، بل يجب عليه رده الىمن كان الطير في
حوزته،
لان الحق المستند الى الحيازة حق مباشر بمعنى ان
الحيازة
سبب مباشر لتملك الطير،وليس تملك الطير مرتبطا
بتملك
فرصة معينة ليزول بزوالها.
وهذا هو الفرق بين الحيازة وغيرها من العمليات التي
مرت بنا
فالصيد كان سببا لامتلاك الصائد للفرصة
التيانتجها وقام على
هذا الاساس حقه في الطير، والاحياء كان سببا
لامتلاك العامل
للفرصة التي نجمت عن الاحياءونتيجة لذلك حصل على
حقه
في المرفق الذي احياه، واما حيازة الثروات
المنقولة فهي
بمجردها سبب اصيلومباشر لتملك الثروة.
وهذا الفرق بين الحيازة وغيرها من الاعمال يحتم
علينا
مواجهة السؤال التالي على الصعيد النظري: اذا كان
حقالفرد
في المصدر الطبيعي الذي احياه او في الصيد الذي
اصطاده
يقوم على اساس امتلاكه نتيجة عمله، وهيفرصة
الانتفاع
بذلك المصدر، فعلى اي اساس يقوم حق الفرد في الحجر
الذي
يلقاه في الطريق فياخذه لنفسه؟ اوحقه في الماء
الراكد الذي
يحوزه من بحيرة طبيعية؟ مع ان حيازته هذه للحجر او
للماء
لم تنتج فرصة عامة جديدةفي المال كما ينتج الصيد
واحياء
الارض؟
والجواب على هذا السؤال: ان حق الفرد هذا لا يستمد
مبرره
من تملك الفرد لفرصة نتجت عن عمله، وانما
يبررهانتفاع
الفرد بذلك المال، فكما ان من حق كل عامل ان يمتلك
الفرصة التي ينتجها عمله، كذلك من حقه ان
ينتفعبالفرصة
التي هياتها له الطبيعة بعناية اللّه تعالى،
فالماء مثلا اذا كان في
اعماق الارض وكشفه الفرد بالحفر، فقدخلق فرصة
الانتفاع به
واصبح جديرا بامتلاك هذه الفرصة، واما اذا كان
الماء مجتمعا
طبيعيا على سطح الارض،وكانت فرصة الانتفاع به
ناجزة بدون
جهد من الانسان، فلابد ان يتاح لكل فرد ان يمارس
انتفاعه
بذلك الماء، مادامت الطبيعة قد كفتهم العمل
ومنحتهم فرصة
الانتفاع.
فاذا افترضنا فردا اغترف بانائه من الماء المجتمع
طبيعيا على
وجه الارض فقد مارس عملا من اعمال
الانتفاعوالاستثمار في
مفهوم النظرية كما مر بنا في مستهل البحث، وما دام
من حق
كل فرد ان ينتفع بالثروة التي تقدمهاالطبيعة بين
يدي
الانسان، فمن الطبيعي ان يسمح للفرد بحيازة الماء
المكشوف
على وجه الارض من مصادرهالطبيعية، لانها عمل من
اعمال
الانتفاع والاستثمار وليست عملا من اعمال الاحتكار
والقوة.
واذا احتفظ الفرد بالماء الذي حازه كان له ذلك، ولا
يجوز لاخر
ان ينازعه فيه، او ينتزعه منه وينتفع به
لانالنظريةترى حيازة
الماء وما اليه من الثروات المنقولة عملا من اعمال
الانتفاع، فما
دامت الحيازة مستمرة فالانتفاعمستمر اذن من قبل
الحائز،
وما دام الحائز مواصلا لانتفاعه بالثروة فلا مبرر
لتقديم فرد آخر
عليه في الانتفاع بهااذا اراد.
وهكذا يظل الفرد متمتعا بحقه في الثروة المنقولة
التي حازها،
ما دامت الحيازة مستمرة حقيقة او حكما ((91))،
فاذاتنازل
الفرد عن حيازته باهمال المال والاعراض عنه، انقطع
انتفاعه
به، وسقط بسبب ذلك حقه في المال، واصبحلاي فرد آخر
الاستيلاء عليه والانتفاع به.
وهكذا يتضح ان حق الفرد في الماء الذي حازه من
البحيرة او
الحجر الذي اخذه من الطريق العام لا يستند الى
تملكهلفرصة
عامة ناجمة عن عمله وانما يقوم على اساس ممارسة
الفرد
للانتفاع بتلك الثروة الطبيعية عن طريقحيازته
لها.
وفي هذا الضوء نستطيع ان نضيف الى المبدا المتقدم
في
النظرية القائل: ان كل عامل يملك نتيجة عمله، مبدا
جديداوهو: ان ممارسة الفرد للانتفاع بثروة طبيعية
يجعل له
حقا فيها ما دام مواصلا لانتفاعه بتلك الثروة، ولما
كانتالحيازة في مجال الثروات المنقولة عملا من
اعمال
الانتفاع فيستوعبها هذا المبدا، ويقيم على اساسها
حقا
للفردفي الثروة التي حازها.
ح - تعميم المبدا النظري للحيازة:
وهذا المبدا لا ينطبق على الثروات المنقولة فحسب،
بل
ينطبق على المصادر الطبيعية ايضا، اذا مارسها
الفردبعمل من
اعمال الانتفاع، كما اذا زرع ارضا عامرة بطبيعتها،
فان زراعته
لها عمل من اعمال الانتفاع، فيكسب علىاساس ذلك
حقا في
الارض يمنع الاخرين من مزاحمته وانتزاع الارض منه،
ما دام
يواصل انتفاعه بها، ولكن ليسمعنى هذا ان مجرد
حيازة
الارض مثلا تكفي لاكتساب هذا الحق فيه كحيازة
الماء، لان
حيازة الارض ليست مناعمال الانتفاع والاستثمار،
وانما ينتفع
بالارض العامرة عن طريق زراعتها مثلا، فاذا باشر
العامل
الزراعة فيارض عامرة بطبيعتها وواصل هذا النوع من
الانتفاع
بها، لم يجز لاخر انتزاع الارض منه ما دام العامل
مستمرا
فيزراعتها، لان الاخر ليس اولى بها ممن ينتفع بها
فعلا، واما
اذا ترك العامل زراعتها والانتفاع بها فلا يبقى له
الحقفي
الاحتفاظ بها، ويجوز عندئذ لفرد آخر ممارستها في
عمل من
اعمال الانتفاع والاستثمار.
ونلاحظ في حال ترك الفرد الانتفاع بالارض، الفرق
بين
المبداين، فحق الفرد الذي يقوم على اساس
مواصلةالانتفاع
بثروة طبيعية يزول بمجرد ترك الفرد للانتفاع
بالارض وعدم
مواصلته، بينما يظل الحق القائم على اساستملك
العامل
للفرصة التي يخلقها ثابتا، ما دامت الفرصة باقية
وجهود العامل
مجسدة في الارض ولو لم يكنيمارس الانتفاع بالارض
فعلا.
تلخيص النتائج النظرية
يمكننا ان نستنتج الان من دراسة النظرية العامة
لتوزيع ما قبل
الانتاج مبداين اساسيين في هذه النظرية:
احدهما: ان العامل الذي يمارس شيئا من ثروات
الطبيعة الخام
يملك نتيجة عمله، وهي الفرصة العامة
للانتفاعبتلك الثروة،
ونتيجة لتملك العامل هذه الفرصة يكون له الحق في
نفس
المال تبعا لما تفرضه ملكيته للفرصة التيانتجها
عمله ويرتبط
حقه في المال بملكية هذه الفرصة، فاذا انعدمت وزالت
الفرصة
التي خلقها سقط حقه فيالمال.
والمبدا الاخر: ان ممارسة الانتفاع باي ثروة طبيعية
تمنح
الفرد الممارس حقا يمنع الاخرين عن انتزاع الثروة
منهما دام
يواصل استفادته منها، ويمارس اعمال الانتفاع
والاستثمار، لان
غيره ليس اولى منه بالثروة التي يمارسهالتنتزع منه
وتعطى
للغير.
وعلى اساس المبدا الاول تقوم الاحكام التي نظمت
الحقوق في
عمليات الاحياء والصيد، وعلى اساس المبدا
الثانيترتكز احكام
الحيازة للثروات المنقولة التي وفرت الطبيعة فرصة
الانتفاع
بها للانسان.
فخلق فرصة جديدة في ثروة طبيعية والانتفاع المستمر
بثروة
توفرت فيها الفرصة طبيعيا هما المصدرانالاساسيان
للحق
الخاص في الثروات الطبيعية.
والطابع المشترك لهذين المصدرين هو الصفة
الاقتصادية، فان
كلا من خلق فرصة جديدة، او الانتفاع بثروة
علىاساس الفرصة
المتاحة طبيعيا يعتبر ذا صفة اقتصادية، وليس من
اعمال القوة
والاستئثار.
الشهيد
الصدر (قدس سره)
ونظرية تفسير النص((92))
الشيخ احمد الواعظي
ترتبط المعارف
الدينية على اختلافها ارتباطا عميقا ووثيقا
بمقولة «فهم النص» وتفسيره.
ويعتبر الفقه والكلام وتفسير القرآن الكريم من
العلوم التي
تعنى بهذه المقولة على نطاق واسع وكبير.
اننا لو تجاوزنا تفسير القرآن الذي يعتمد تماما على
فهم النص
لوجدنا ان الكثير من المسائل الفقهية
والقضاياالكلامية وعلى
مستوى واسع قد تبلورت عن طريق الرجوع الى المتون
المقدسة، وفي الوقت نفسه نجد انبعض الاستدلالات
الفقهية
والكلامية ليست حصيلة الفهم المباشر للايات
والروايات وليس
لفهم النص تاثيرامباشرا فيها.
ان ارتباط المعارف الدينية بفهم وتفسير النص يدلل
بوضوح
على مدى الحاجة والضرورة لتشكيل وتدوين علممشتمل
على
الاصول والضوابط والقواعد الحاكمة على فهم النص.
والضرورة المزبورة يمكن ادراجها في فرع من فروع
المعرفة
تحت عنوان مقدمات التفسير او مقدمات الكلام
اومقدمات علم
الفقه.
الا اننا نجد في العالم الاسلامي ان الابحاث التي
ترتبط بفهم
النص تطرح بشكل كلاسيكي غالبا في علم الاصولالذي
يلعب
دورا تمهيديا بالنسبة لعلم الفقه. الا اننا مع ذلك
نلاحظ ان
بعض الابحاث التي تتعلق بالالفاظ وفهمهاتطرح و
بشكل
استطرادي في علم المنطق واحيانا في مقدمات بعض
التفاسير، لكن مع ذلك فالسنة الرائجةوالغالبة
قائمة على بحث
وتنقيح الابحاث المرتبطة بفهم النص في علم اصول
الفقة ولا
تزال امثال هذه المباحثتحوز على قسم مهم من
الدراسات
الاصولية.
اما في الوسط الغربي فقد لعب علم الهرمنيوطيقيا في
بدايات
ظهوره هذا الدور ايضا في القرن السابع عشر كفرعمن
فروع
المعرفة التي تقوم بدعم ومساندة العلوم المبنية
على اساس
تفسير النص. لقد جرى وضع علمالهرمنيوطيقيا في
كافة فروع
العلوم كمرشد تدرج فيه اصول وقواعد ومنهج فهم
وتفسير
النص الذي يعنى به كلعلم من هذه العلوم.
بيد انه وبمرور الزمان استفحل الراي القائل بعدم
الحاجة الى
تدوين كتب موجهة كهذه لكل فرع من فروع
المعرفةوانه
يمكن ضبط علم فهم النصوص مرة واحدة تحت عنوان
«القواعد العامة في فهم النص»، وايجاد علم واحد
آباسم نظرية
فهم النص [الهرمنيوطيقيا] يوضح طريقة فهم وتفسير كل
نص.
ولم تقف نظرية فهم النص في سيرها التاريخي عند هذا
الحد،
بل ظهرت اتجاهات متنوعة يحتاج الحديث عنهامفصلا
الى
مجال آخر.
ونظرا للتحولات الكثيرة التي طرات في دائرة هذا
العلم فقد
اصبحت نظرية فهم النص موردا لاهتمام
الاتجاهاتوالمذاهب
المتعددة.
وقد تسبب هذا الاهتمام بطرح اسئلة عديدة وجديدة،
ومن ثم
عرض نظريات تفسيرية جديدة تشكل جوابا مناسباعن تلك
الاسئلة والنظريات والرؤى التفسيرية، كما اتضح انه
لابد من
ترميم النظرية التفسيرية الجامعة بنحويتبين
وبوضوح فهم
النص بحيث تظهر لفهم النص عند تحليل ماهيته ابعاد
اخرى
مختلفة.
اننا في هذا المقال ومن خلال عرض اهم الاسئلة التي
تطرح
اليوم فيما يرتبط بظاهرة فهم النص وتفسيره
سوفنحاول
تبيين النظرية التفسيرية للشهيد الصدر (قدس سره)
والوقوف
عند الجواب عن الكثير من تلك الاسئلة علىضوء هذه
النظرية
وتحليلها.
ومن الجدير ذكره ان نظرية الشهيد الصدر التفسيرية
هي نفس
النظرية الرائجة عند الاصوليين، والامتياز
الوحيدالذي يمتاز
هذا الشهيد السعيد به هو سبقه لغيره في الاهتمام
بالاشارة الى
بعض النكات الدقيقة المرتبطة بنظريةفهم وتفسير
النص،
مضافا الى بيانه الواضح والصريح لنظرية علماء
الدين التفسيرية
المقبولة لديهم.
وقد جعلنا محور الحديث في تحليل آراء الشهيد الصدر
(قدس
سره) كتاب «بحوث في علم الاصول» الذي يمثلدورة
كاملة
في سبع مجلدات لدرسه الخارج في الاصول.
تفسير النص والاسئلة الجديدة:
لقد شهدت دراسات الهرمنيوطيقيا المعاصرة نموا
وتطورا
ملحوظا في القرن العشرين وقدمت مجموعة كبيرةمن
الاسئلة
فيما يتعلق بعمليات فهم وتحليل النص. ولم تكن هذه
الاسئلة
سوى اسئلة عامة ولا تستهدف فهمخصوص النصوص
الدينية،
بل تشمل ابحاثها المطروحة كل نص اعم من كونه ادبيا
او
قانونيا او تاريخيا اودينيا، وهذه الاسئلة ترسم في
الواقع الابعاد
التي يمكن طرحها في النظرية التفسيرية، فان كل
نظرية
تفسيرية لابدان تقدم جوابا واضحا عن تلك الاسئلة،
لكي يمكن
الحكم عليها بانها نظرية عامة في باب تفسير وفهم
النص.
وسوف نشير هنا اشارة مختصرة لبعض تلك الاسئلة بدون
التزام بمراعاة الترتيب فيها تبعا للتقدم
والتاخرالمنطقي.
1- ما هو الهدف من الرجوع الى المتن والقيام بتفسيره؟
وهل
نحن بصدد البحث عن مراد و مقصود المؤلف؟ هلنريد من
متابعته ومماشاته فتح باب نحو عالمه الذهني؟ الا
يمكن
الاغماض عن مؤلف النص والمتكلم وصرفالنظر نحو
النص
نفسه كامر واقعي مغاير للمؤلف الموجد لهذا النص
والذي
يتكلم معنا، وبالتالي صرف النظر عنالعالم الذهني
للمؤلف
ومراده والتوجه نحو النص والشروع بتفسيره وفهمه؟
وبعبارة اخرى: هل يمكن اعتبار النص ظاهرة ناتجة عن
الدرج
الخاص للالفاظ والكلمات القابلة
للتفسيراتالمتعددة؟ وهل
يمكن اعتبار مراد ومقصود المؤلف واحدا من تلك
التفسيرات
الممكنة لهذه الظاهرة، مع امكانالتفسيرات الاخرى
ايضا
بحيث لا نكون ملزمين ومقيدين بالبحث عن فهم وتفسير
مراد
المؤلف من هذا النص، بلبامكاننا استنطاق النص
وتفسيره بما
يغاير حتى فهم ومراد المؤلف؟!
2- ما هو دور المفسر في فهم النص؟ وهل لابد ان يكون
منفعلا
مع النص صاغيا له فيما يكون هدفه الوحيد منذلك هو
درك
ما يهتف به النص عن طريق معرفته بمعاني الالفاظ
والاصول
والقواعد الادبية؟ او انه يشترك بجدويتدخل في
ايجاد معنى
النص ويكون لمخيلته دخل في ايجاد محتوى هذا النص؟
انه وعلى اساس بعض النظريات التفسيرية ليس المفسر
حياديا بل ان له دورا مهما في عملية فهم النص،
ووفقالذلك
فلا تمثل معرفته بعلم اللغة والاصول والقواعد
الادبية
والعقلائية العنصر الوحيد الحاكم على
قانونالمحاورة وفهم
النص، بل ان له ولاستعداده الذهني دورا ايضا في
تعيين
محتواه.
3- هل هناك دور لخليفة المفسر ومعلوماته في عملية فهم
النص؟ وهل يمكن الحصول على فهم خالص وصافيمن
الشوائب؟ وهل يمكن الحصول على الفهم المزبور للنص
بحذف
ما يفترضه ذهن المفسر وخلفياتهالعلمية؟
يعتقد البعض من المنظرين الهرمنيوطيقيين في المقام
ان
الفهم بشكل عام وفهم النص بشكل خاص يكون دائمامشوبا
بفرضيات المفسر القبلية وبخلفيته العلمية، وان فهم
النص
متعذر مع استبعاد ما يعلمه المفسر، بل حقيقةالامر
ان جميع
التفاسير والافهام انما هي تفاسير بالراي، وان
الفهم بدون
التفسير بالراي غير ممكن.
4- ما هو منشا سوء الفهم والتفسير الخاطىء للنص؟
هل منشا
ذلك ذهنية المفسر وخطا مخزوناته المعرفية فيذهنه
او ان
«لسوء الفهم» عللا واسبابا اخرى تفسر على ضوئها
ظاهرة الفهم
الخاطئ؟
5- ان بين المفسر للنص وبين النص نفسه فاصل زمني،
فالنصوص الدينية ذات امتداد تاريخي غالبا ومعه
فمناين نعلم
ان ما فهمه المفسرون مطابق لمحتوى النصوص ومعانيها
الواقعية؟ اذ قد يكون ما فهمه المفسر لهذاالنص
متاثرا بثقافته
المعاصرة ويكون هذا النحو من التفكير مغايرا
للثقافة والتفكير
المحيط والمعاصر للنصوتدوينه. وبعبارة اخرى كيف
يمكن
ملء الفراغ الزمني بين المفسر والنص وبالتالي كيف
يمكن
الحصول على فهمواقعي له؟
يعتقد البعض ان هذا الفراغ الزمني غير قابل للملا
اساسا، وان
الافق الفكري للمفسر وما يفهمه من معان متفاوتمع
افق
ومعنى النص، وبالتالي فليس لنا طريق نحو درك ما
يطابق
الواقع من حيث المعنى، والفهم المطابق للواقعمن
النص هو
امر غير ممكن ابدا.
6- ما هو الظهور اللفظي وكيف يوجد وما هو محله من
مقولة
فهم النص؟
ان هذه الاسئلة التي هي اهم ما طرح في باب فهم النص
لم
نجد لها جوابا واحدا، وعليه فنحن لا نواجه
نظريةتفسيرية
واحدة، ومن هنا سوف نحاول في هذا المجال تقريب
النظرية
التفسيرية للشهيد الصدر(قدس سره) التيتطابق ما
عليه علماء
الاصول لنجد من خلال ذلك اجوبة واضحة لتلك الاسئلة
،
وسوف نتعرض اجمالا لنظريتهالتفسيرية ضمن تحليل
الجهات
الخمس التالية:
1- دور الظهور اللفظي في فهم النص:
ان العلاقة بين اللفظ والمعنى ووجود الدلالة
اللفظية من اهم
الاسس في نظرية فهم النص عند علمائنا
الاصوليين،حيث يبدا
فهم النص بدرك الظهور اللفظي الناشىء من
العلاقة بين
اللفظ والمعنى، وعلاقة اللفظ بالمعنى المتجذرةفي
وضع كل
لفظ لمعنى او معاني خاصة تهيء الارضية لاستعمال
الالفاظ
لغرض تفهيم المعنى والمقصود،وبسبب هذا الاستعمال
يمكن
ملاحظة امرين:
الاول: ما يرتبط بالمخاطب والسامع وهذا ما يسمى
بالدلالة
والظهور.
الثاني: ما يرتبط بالمتكلم والمؤلف، وهذا ما يسمى
بالاستعمال. ((93))
اما الاول اعني الدلالة: فقد تنشا من الوضع الخاص
للفظ في
معنى، وهذا ما يسمى بدلالة الالفاظ على
المعنىالحقيقي،
وتشكل الالفاظ هنا وبشكل مباشر بلا دخالة واسطة او
قرينة
الدلالة والظهور للكلام، وقد تدل الالفاظفيه على
معان مجازية
مما لا يكون ناشئا من الوضع بل يحصل ويتشكل بسبب ما
يحف
بالكلام من القرائن.
ان اللفظ بطبعه الاولي له صلة وثيقة بالمعنى
الحقيقي،
وهو ظاهر فيه.
اما علاقته بمعناه المجازي فهي في طول علاقته
بالمعنى
الحقيقي، فكل معنى مجازي مسبوق بمعنى
حقيقي،والمناسبة بين المعنى الحقيقي واللفظ
مناسبة
مباشرة وغنية عن وجود واسطة، في حين ان المناسبة
بين
اللفظوالمعنى المجازي والدلالة المتشكلة للكلام
والقائمة
على هذا المعنى المجازى تكون بحاجة دائما الى
واسطةوقرينة.
بناء على ذلك ترجع دلالة اللفظ على المعنى سواء
المعنى
الحقيقي والمجازي الى نحو من العلية والسببية، اي
انالوجود اللفظي الذهني سبب للوجود الذهني
للمعنى، وهذا
السبب يحصل في الاستعمال الحقيقي على اثر
وضعالالفاظ
للمعاني، اما في الاستعمال المجازي فياتي بمعونة
القرينة. ((94))
ثم ان هناك في كل كلام دلالات وظهورات ثلاثة:
ا - «الظهور التصوري» الحاصل نتيجة السماع ورؤية
اللفظ
والذي يحصل في الذهن على اساس الوضع حتى لوكان
المتلفظ به غير ذوي الشعور.
ب - «الظهور التصديقي الاستعمالي» الذي يدل على
ارادة
المتكلم والمنشئ (المؤلف) اخطار المعنى
والمدلولالتصوري
في ذهن المخاطب، وشرط تحقق مثل هكذا دلالة وجود
متكلم ومؤلف عاقل ذي قصد وارادة.
ج - «الظهور التصديقي الجدي» والذي يدل على ان
المتكلم
والمؤلف لا يقصد الهزل بل يقصد ويريد
المعنىومدلول الكلام
قصدا وارادة جديين، وهذه الدلالة التصديقية اكثره
محدودية
واخص من الدلالة التصديقية الاولى،لوجود الظهور
التصديقي
الاولي في بعض الموارد مثل الهزل بدون ان يكون هناك
قصد
جدي بالنسبة للمعنىالمفاد ((95)).
واما الثاني اعني الاستعمال: فكما ان هناك ثلاثة
انواع من
الظهورات والدلالات في جانب السامع والمخاطب
فكذلكالامر في جانب المتكلم ومقولة الاستعمال
هناك ايضا
ثلاثة انواع من الارادة، وهي:
1- «الارادة الاستعمالية» التي لا يصدق الاستعمال
بدونها،
والمراد بها ارادة التلفظ بلفظ، ومن حيث ان هذا
اللفظوبحسب
طبعه وذاته له صلاحية ايجاد صورة المعنى في الذهن.
2- «الارادة التفهيمية» والمراد بها ارادة تفهيم
المعنى بسبب
استعمال اللفظ واخطاره في ذهن المخاطب،
والفرقبين هذه
الارادة والارادة الاستعمالية هو في ان اخطار
المعنى وتفهيمه
في الارادة الاستعمالية شاني واقتضائيفي حين ان
ذلك في
الارادة التفهيمية فعلي.
كما ان اللفظ في الارادة الاستعمالية يكون معدا فقط
لاخطار
المعنى في ذهن المخاطب، واما في الارادة
التفهيميةفان مثل
هذا القصد التفهيمي متحقق فعلا.
3- «الارادة الجدية» وهي توجد فقط في موارد تكون
فيها
الجملة المستعملة تامة، وهي اخص من موارد
الارادةالتفهيمية، فالشخص الهازل ذو ارادة
تفهيمية وان لم
يكن ذا ارادة جدية ((96)).
ان الظهور الناشئ من الكلام حجة ومعتبر، ودليل هذه
الحجية
وهذا الاعتبار هو القاعدة والمبنى العقلائي
المسمىب «اصالة
الظهور»، وهنا نواجه هذين السؤالين:
الاول: ما هو المراد من هذا الاصل العقلائي؟ واي
ظهور ودلالة
من هذه الظهورات الثلاثة حجة ومعتبر؟
الثاني: ما هو المناط في حجية الظهور؟ وما هو الوجه
في منح
العقلاء الحجية لظاهر الكلام؟
1 - 1: اصالة الظهور:
قربنا في بحث اقسام الظهور والدلالة الانواع
الثلاثة لظهور
الكلام. ان محتوى اصالة الظهور في نظر السيد
الشهيدالصدر
(قدس سره) هو اعتبار التطابق بين مدلول الكلام
التصوري
من جهة ومدلوله الاستعمالي مع المرادالجدي من جهة
اخرى. ((97))
والحقيقة هي ان الالفاظ وبسبب العلاقة بينها وبين
المعاني
كاشفة بشكل طبيعي عن المراد الاستعماليللمعاني.
اي ان
للالفاظ وبالتبع ظهور تصديقي اولي، الا انه لما كان
كشف
الالفاظ عن طريق الظهور التصديقيالاولي امر ظني
غير
قطعي يطرح السؤال التالي: من اين جاء اعتبار هذا
الظن وهذا
الكشف؟ وما هو الدليل الذييجعلنا نعتمد هذا الظن
ونعتبر
على اساسه المدلول التصوري للكلام متعلقا لارادة
المتكلم
التفهيمية؟
سنحاول هنا اثبات اعتبار مثل هذا الكشف والظن عند
العقلاء،
وذلك تمسكا بالقاعدة العقلائية المسماة
باصالةالظهور، وعليه
فمورد وموضوع اصالة الظهور في هذه المرحلة من الفهم
هو
الظهور والدلالة التصديقيةالاستعمالية.
ومن جهة اخرى الظهور التصديقي الاستعمالي وبشكل
طبيعي كاشف ظني عن المراد الجدي للمتكلم،
والشاهدعلى ذلك هو ان عدم التطابق بين الظهور
التصديقي
الاستعمالي مع المراد الجدي في المحاورات بحاجة
الى
قرينةوشاهد، والا فالامر فيه وبشكل طبيعي هو ما
ذكرنا،
بمعنى ان ما قصد المتكلم تفهيمه انما هو المراد
الجديالمقصود له، ولما كان هذا الكشف ظنيا وبحاجه
الى
دليل لاثبات حجيته واعتباره فقد تمسكوا هنا ايضا
وللمرةالثانية باصالة الظهور باعتبار كونها اصلا
عقلائيا، اي
ان العقلاء يعتبرون مثل هذا الظن، ويرون ان
الظهورالتصديقي
الاستعمالي كاشف عن المراد الجدي.
وعلى اساس هذا التقريب يكون موضوع ومورد اصالة
الظهور
الثانية الظهور والدلالة التصديقية الجدية،
وبناءعلى ذلك فقد
جرى استعمال اصالة الظهور في كل كلام في مرحلتين.
وعلى اساس هذا التحليل يكون دليل حجية الظواهر هو
سيرة
العقلاء، فانهم وطبقا لطبعهم العقلائي لا
يكتفونفي مقام
التفهيم والتفاهم بالتصريحات والنصوص فقط بل
ياخذون
ظواهر الكلام ايضا بنظر الاعتبار، ويعتبرونذلك
امارة على
كشف المراد الجدي للمتكلم، والشهيد الصدر هنا
يعتمد على
هذه النكتة وهي ان العمل بالظواهروبمحتوى هذه
السيرة
العقلائية اصالة الظهور ليس تعبدا عمليا محضا من
جهة
العقلاء وانما هو على اساسملاك الكاشفية
والطريقية
الموجودين في الظهور ((98)).
ان امارية الظهور في مقام الكشف عن المراد قائمة
على اساس
الغلبة النوعية، بمعنى ان المتكلمين نوعا
آيستعملون الالفاظ
في معانيها الحقيقية الا ان تكون هناك قرينة على
الخلاف((99)).
ثم ان المراد الجدي امر واقعيوللظهور كشف واقعي
عنه الا انه ليس بتعبدي، وطبعا فان درجة هذا الكشف
غير
قطعية ولا يقينية وانما هي ظنيةتصيب غالبا المراد
الجدي.
ان الغلبة النوعية ومصادفة هذا الظن للواقع المراد
الجدي
يقتضيان اغماض العقلاء وبشكل عام عن احتمالعدم
كشف
الظهور للواقع واحتمال الخطا في فهم المراد عن طريق
الظهور، وبناء على هذا الاعتبار الدائمي
للظنالناشئ عن
الظهور، يشكل هذا البناء العقلائي ما يسمى حجية
الظهور
(اصالة الظهور).
2 - 1: الظهور الذاتي، الظهور الموضوعي:
قسموا الظهور الى ذاتي وموضوعي، ويسمى الظهور
الذاتي
(Subsectre) بالظهور الشخصي ايضا،
والظهورالموضوعي
(Obsective) بالظهور النوعي.
ان احد الابحاث التي اهتم بها الشهيد الصدر (قدس
سره) اكثر
من غيره والتي يمكن اعتبارها من
ابتكاراتهالاصولية هي هذه
المسالة، وهي ان الظهور الشخصي هل هو موضوع ومحور
اصالة الظهور او ان موضوعاعتبار الظهورات هو
الظهور النوعي
والموضوعي للكلام ؟
والمراد من الظهور الذاتي هو الظهور الحاصل في ذهن
كل
شخص شخص عند مواجهته للنص و الكلام، ومنالظهور
الموضوعي، الظهور الذي يشترك في فهمه اهل العرف
والمحاورة، بحيث ان كل افراد ذلك العرف آبنوعهم
يفهمون
ذلك الكلام على نحو واحد.
وقد لا يطابق الظهور الشخصي الظهور النوعي، وذلك
لكون
الانسان دائما في معرض التاثر بالظروف
والاحوالوالملابسات
والمحيط الثقافي وغير ذلك، وهذا التاثر يوجد انسا
ذهنيا خاصا
في ذهن الانسان بحيث يصبح مايفهمه احيانا مغايرا
لما يفهمه
العرف ونوع البشر وعلى اساسه يفترق الظهور الذاتي
عن
الظهور الموضوعي.
ان الظهور الذاتي امر نسبي ولذلك يكون مختلفا من
فرد لاخر،
والسر في نسبيته هو انه لا واقع له سوى ذاك الذيفي
ذهن
الاشخاص انفسهم، وبالتالي يكون تنوع الاذهان موجبا
لتنوع
الظهور الذاتي والشخصي، في حين انالظهور
الموضوعي
حقيقة مطلقة وثابتة.
والظهور النوعي امر واقعي يحتم علينا فهمه ودركه
وتشخيصه، ومن الممكن تحصيل هذا الامر الواقعي،
ومعهيكون
ما يبذله المفسر والمخاطب من جهد متجها نحو ادراك
ذاك
الامر الواقعي حقيقة.
ان السر في واقعية وثبوت هذا الظهور هو كونه مشتركا
بين
اهل العرف حصيلة قوانين ثابتة ومعينة جرى قبولهافي
مقام
المحاورة والتخاطب لدى الجميع، وحينئذ فالظهور
الموضوعي ظهور يشكل لدى جماعة من الافرادلغةخاصة
،
ولذا فانه يعقل الشك في الواقعية التى يطلبها
المخاطب
والمتكلم ويبحثا عنها، وذلك لان من الممكن انلا
يكون
المخاطب والمفسر قد احرزا الظهور النوعي بل اخطا
الطريق
اليه ((100)).
ان عدم التطابق والانسجام بين الظهور الشخصي
والنوعي
يمكن ارجاعه الى احد سببين:
ا - عدم استيعاب الشخص لجميع نكات اللغة وقوانين
المحاورة
مما يؤدي بالتالي الى عدم القدرة على احرازالظهور
النوعي.
ب - تاثره بشؤونه الشخصية ومحيطه الثقافي وعمله وغير
ذلك فيحصل له انس ذهني خاص بحيث يشكل ذلكحجابا
مانعا عن درك الظهور النوعي.
ومما لا ينبغي الشك فيه هو ان موضوع اصالة الظهور هو
الظهور الموضوعي والنوعي للكلام، لان الملاك
فيحجية
الظهور هو الكشف عن المراد الجدي وظهور حال
المتكلم.
ان طريقية الظهور وكاشفيته انما هي في صراط درك حال
المتكلم ومراده الجدي وهذا هو وجه ودليل
اعتبارالظهور لدى
العقلاء، ومن الواضح افتقاد الظهور الشخصي لهذه
الطريقية
والكاشفية، مضافا الى ان ظاهر حالالمتكلم تبعيته
لضوابط
اللغة والعرف العام، ولم يجعل ذلك على اساس العرف
الخاص
للسامع القائم على اساسانس شخصي وذاتي مختص به،
وذلك
ان الظهور الشخصي نسبي ومتغير ومتعدد وغير منحصر في
ضابطةواساسا المتكلم في الحالة الطبيعية لا
يمكنه ان
يطلع على خصائص الظهورات الذاتية والشخصية لكي
يجعلمراده وفقا لها ((101)).
والواقع ان اول ما يتناوله اي مفسر ومخاطب هو
الظهور
الشخصي، اي ما يدور في ذهن كل شخص عند
مواجهتهللنص،
والسؤال هو: انه كيف يمكننا ان نحرز الظهور النوعي،
وما هو
السبيل للسلوك بالظهور من الشخصية الىالنوعية؟
لقد حصر الشهيد الصدر (قدس سره) احراز الظهور النوعي
باحد طريقين:
الاول: التمسك بالاحراز التعبدي.
الثاني: التمسك بالاحراز الوجداني.
والمراد من الاحراز التعبدي هو التمسك بسيرة
العقلاء، فان
الظهور الذاتي والشخصي بحد ذاته امارة وكاشفعن
الظهور
الموضوعي، وهذا الكشف وتلك الامارية ظنيان، وذلك
لاحتمال عدم التطابق بين الظهور الشخصيوالظهور
النوعي،
الا ان السيرة العقلائية قائمة على جعل ما يتبادره
كل شخص
من الكلام هو الميزان فيتشخيص الظهور الموضوعي
وهي
بالتالي قائمة على الغاء احتمال تاثر الظهور
بالانس الذهني
والشخصي.
اذا فالطبع العقلائي الاولي قائم على التعويل على
الظهور
الشخصي وطريقيته وكاشفيته عن الظهور النوعي،
ولايمكن
الاغماض عن هذا البناء العقلائي الا اذا قام الدليل
على عدم
تطابقهما، وهو ما يعبر عنه باصالة التطابق
بينالظهور
الشخصي والنوعي ((102)).
واما الطريق الثاني والذي هو التمسك بالاحراز
الوجداني
والمنهج التحليلي فانه يقوم على ملاحظة
الظهوراتالشخصية
بالنسبة الى افراد متعددين ذوي ظروف وشرائط
مختلفة، وفي
حالة تطابق هذه الظهورات الشخصيةواتحادها يتشكل
اطمئنان بحساب الاحتمالات بكون هذا المعنى الواحد
من
اللفظ عند جميعهم منبثقا عن نكتةمشتركة الا وهي
قوانين
المحاورة العامة لا القرائن والظهورات الشخصية
الناشئة من
الانس الذهني والشخصيللافراد، وحينئذ فمنشا هذا
الظهور
انما هو استعمال اللفظ في معناه والعلاقة الواقعية
بينهما لا
القرائن الشخصيةوالانس الذهني، وذلك لاختلاف
الظهور
الشخصي في تلك الحالة وتعدده، وقد تقدم ان اختلاف
الجو
الثقافيوالظروف الشخصية يؤديان الى اختلاف
الظهور
الشخصي ((103)).
3 - 1: حجية الظهور النوعي زمن الصدور:
تقدم ان موضوع الحجية هو الظهور الموضوعي، اما
الظهور
الشخصي والذاتي فهو بحد ذاته لا اعتبار به الا
اذاكان كاشفا
عن الظهور الموضوعي، والظهور الموضوعي هو في
الواقع
عبارة عن ذهن العرف العام الذي يعيشهنفس المفسر
والمخاطب بالنص، وحينئذ نواجه السؤال التالي: قد لا
يتحد
العرف العام في الزمان الذي يعيشهالمفسر مع العرف
العام
زمان صدور الكلام والنص، فما الوجه في اعتبار
الظهور النوعي
للعرف الذي يعيشهالمخاطب متطابقا والظهور النوعي
لزمان
صدور النص؟
ومرجع هذا التساؤل عبارة عن احتمال زوال الظهور
النوعي
زمان تكون النص والكلام وتبديله ونقله الى
الظهورالنوعي في
الزمان الذي يعيشه المخاطب والمفسر، ومعه فلابد من
ملاحظة وتحليل هذا الاحتمال احتمال التغييروالنقل
وهل
انه قابل للدفع ام لا؟
لقد اجاب الشهيد الصدر (قدس سره) عن ذلك بجوابين هما:
الجواب الاول وهو غير خال عن الابهام، وهو قائم على
اساس
ادعاء البقاء الوجداني للظهور الشخصي
الفعلي،فالظهور
الشخصي للفظ يكون في مرحلة الدلالة التصورية
عقلائيا
كاشفا عن الظهور النوعي للفظ، ولما كانهذا الظهور
الشخصي
ما يزال قائما وجدانا فان احتمال النقل والزوال
للظهور
الموضوعي يكون منتفيا ((104)).
الجواب الثاني للشهيد الصدر (قدس سره) والذي نسبه
الى
جماعة من محققي الاصول قائم على اصل عقلائييسمى ب
«اصل عدم النقل»، ومفاد هذا الاصل المعروف ايضا
بالاستصحاب القهقرائي هو تحكيم وترسيخظاهر
الكلام في
الازمنة السابقة.
والجدير بالذكر ان احتمال تغيير الظهور النوعي ليس
ناشئا
دائما عن احتمال التغيير في المعنى
الوضعيوالحقيقي
للالفاظ ولا نقل المعنى الحقيقي للفظ الى معنى آخر،
وذلك
لان الظهورات السياقية والتركيبية للكلامقائمة
على اساس
الاحتفاف بالقرائن المتصلة واللبية والارتكازات
العقلائية والتي
هي في معرض التغيير ايضا،فمع ان المسالة هنا ليست
في
احتمال التغيير والتبدل و وقوع النقل في المعاني
الحقيقية
للالفاظ الا ان احتمالتغيير الارتكازات
والملابسات والجو
الثقافي العام للعرف يؤدي الى احتمال وقوع التغيير
في الظهور
السياقيالنوعي للكلام.
ومن هنا اقترح الشهيد الصدر (قدس سره) استعمال «اصل
الثبات في الظواهر» بدل «اصل عدم النقل»،
واعتبارالسيرة
العقلائية في هذا الباب اوسع من مجرد التغيير في
المعاني
الوضعية للالفاظ.
وكيف كان، فالنكتة العقلائية لهذا الاصل والسيرة
العقلائية هي
ندرة وقوع النقل والتغيير وبطؤهما بنحو لايشاهد
الانسان
العرفي بالرغم من معرفته وخبرته تغييرا ملموسا في
اللغة
من هذه الجهة.
والشاهد على وجود مثل هذا الاصل والسيرة بين
العقلاء هو
اهتمامهم اهتماما بالغا بالاسناد والوثائق
للوقفوالوصية
والعهود والمواثيق القديمة ونحو ذلك، واكتفاؤهم في
مقام
قراءتها وتفسيرها وفهمها بالظهورالموضوعي لهذا
الزمان مع
وجود فاصل زماني بين زمان قراءة وتفسير متولي
الاوقاف وقراء
هذه المتونالمكتوبة وبين زمان صدورها وايجادها ((105)).
2- الهدف من فهم النص:
المعروف في علم الاصول هو ان الهدف من الرجوع الى
النص
وتفسير وفهم الكلام هو تحصيل المراد
الجديللمتكلم ودرك
المعنى الذي قصد بالتفهيم.
والمفسر والقارئ للنص بعد اعمال قواعد المحاورة
والدقة
في مضامين الكلام يحاول كل منهما الوصول الىذلك
المعنى النهائي للنص والذي هو عبارة عن المدلول
التصديقي
الجدي للكلام، فاذا قسمنا تاريخ فهم
النص[الهرمنيوطيقيا]
الى ثلاث مراحل المرحلة التقليدية الكلاسيكية
والمرحلة
الرومانطيقية ومرحلة الهرمنيوطيقياالفلسفية نجد
ان الهدف
من تفسير وفهم النص في نظر علماء الاصول ينسجم مع
نظرية فهم النص الكلاسيكيةوالرومانطيقية.
يعتقد العلماء المشتغلون بنظرية فهم المتن المكتوب
في
هاتين المرحلتين ان الهدف من فهم المتن والكلام هو
دركمراد المؤلف والمتكلم.
وفي مقام القياس نجد ان الطريقة الرائجة المستعملة
للوصول
الى هذا الهدف في علم الاصول تتناسب تماما
معالطريقة
المتداولة في النظرية الكلاسيكية، وهي اكثر فاصلة
عن نظرية
الهرمنيوطيقيا الرومانطيقية، وذلك نظراللتاكيد
البالغ في
علم الاصول على ضرورة الحصول على ظهور نوعي للكلام
عن
طريق اعمال القواعد العامة فيالفهم والمحاورة
والدقة في
الالفاظ، في حين لا يكتفى بالتفسير القواعدي
(كرامايتكال)
للكلام والمتن فيالرومانطيقية التي اسسها
شلايرماخر
وديلتاي، لانها ترى ضرورة ان يكون هناك نوع من
التنبؤ
والحدسالناشئين عن نوع من التفاعل مع المتكلم
والمؤلف،
ومن اجل الوصول الى الهدف المتوخى من التفسير
تشترطاكيدا بذل الجهد وشيء من النفساوية من اجل
الدخول
الى العالم الباطني والذهني للمؤلف والمتكلم عن
طريقمزاملته ومرافقته وجعل الانسان نفسه موضعه،
ولذا
تؤكد على لزوم معرفة الحياة الفردية للمتكلم
وخصائصالتاريخ
الذي عاشه، فانه كلما كانت المعرفة بالمؤلف اوسع
وكان قربنا
من جوه الفكري ومحيطه اكثر كلما امكنفهمه
ومماشاته اكثر،
وحينها تتهيا ارضية الدخول الى باطن ذاته، ويتيسر
الوصول
الى الهدف من التفسيراكثر.
واننا لا نشهد مثل هذا التاكيد في علم الاصول على
ضرورة
المماشاة ودرك الجو الحاكم على زمان وذهن
المتكلم،والاهتمام بجو نزول الاية وشان نزولها او
الرواية مثلا
انما هو لكون ذلك كالقرينة المتصلة في تشكيل
الظهورللكلام،
والا فانه يبقى في حد الظن او الحدس لا اكثر، ذاك
الظن
والحدس غير كاشف والذي لا يمكن التعويل عليهفي
تشخيص
مراد المتكلم الجدي، ولابد حينئذ في فهم المراد
الجدي
والاقتراب من هدف التفسير من طي مسيرالظهور
للكلام،
ومجارات المتكلم وحدها بامكانها ان تكون في حد
الحدس
والظن الشخصي ما دام لا يؤيدهاالظهور.
يختلف الهدف من التفسير في نظرية فهم النص الفلسفي
تماما
مع النمط المتبع في علم الاصول، فان الهدف
منتفسير النص
في نظرية الفهم الفلسفي ليس هو الحصول على مراد
المؤلف
وانما الدخول في حوار معنائي معالنص، حيث تكون
الكتابة
والكلام مستقلين مع غض النظر عن المؤلف والمتكلم
بذلك
مورد اهتمام الجانبينالمتحاورين المفسر
والقارئ، والتفسير
والفهم انما هما حصيلة هذا الحوار.
ولا يكون القارئ والمفسر للمتن في هذا التقريب
ناظرا
لمحتواه ومضمونه عن طريق درك الظهور بل يعتبرعنصرا
فعالا، ويكون لرؤيته ونظره ومدركاته القبلية دخالة
في حصيلة
هذا الحوار لفهم المتن.
3- تاثير الخلفية العلمية في عملية الفهم:
نظرا الى ان الهدف من فهم المتن هو التوصل الى
المراد
الجدي للمتكلم والمؤلف عن طريق تنقيح
الظهورالموضوعي،
فان ذهنية المفسر ورؤيته الخاصة ليست فقط غير
مساعدة
على فهم المتن بل انها تحول دونالوصول الى المراد
الجدي
للمتكلم ايضا، ومع ذلك فان عملية فهم المتن لا تخلو
من
جملة معلومات وخلفية ذهنيةللمفسر، وهذه
المعلومات
القبلية غير الناشئة من المتن تشكل عاملا مساعدا في
عملية
الفهم، وتوضيح ذلكيتوقف على ذكر اقسام الخلفية
العلمية
المتعلقة بفهم المتن.
الا انه واجمالا يمكن تقسيم المعلومات التي يتمتع
بها
القارئ للمتن الى خمسة اقسام، فان دخالة بعض
تلكالمعلومات يمكن ان يكون مقبولا ومعقولا في
عملية
الفهم، ويمكن ان تكون دخالة البعض الاخر منها مخلة
وغيرمبررة في العملية المزبورة.
1- المعلومات الالية القبلية التي تلعب دورا في
عملية فهم
المتن ، فان التعرف على بعض القواعد الاصولية،
علمالمنطق،
القواعد الادبية، اللغة، الاصول والضوابط الحاكمة
على
المحاورة والتخاطب العقلائي، كل ذلك من
جملةالمعارف
القبلية الالية التي لا تلعب دورا في تعيين محتوى
المتن وانما
هي مجرد آلات يتوصل بها الى دركمضمونه فقط.
والمعارف المزبورة لا تحمل المحتوى على المتن وان
كان
سبيل الوصول الى درك محتوى المتن مخدوشابدونها.
2- المعلومات التي تؤثر في اثبات اصل الظهور للكلام.
والبعض
من هذه المجموعة مربوط بالارتكازات
العقلائيةالحافة بالكلام،
وهذا النحو من الارتكازات هو بحكم القرينة المتصلة
بالكلام،
والتعرف عليها يساعد في تنقيحالظهور، ويختص
البعض الاخر
من تلك المعومات بالبراهين التي تقام احيانا لغرض
اثبات او
نفي ظهور معينللكلام، وكنموذج لذلك يمكن الاشارة
الى
بحث الاصوليين للصحيح والاعم وايضا مبحث المشتق،
فانهم
باقامتهمالبرهان على استحالة تعقل وجود جامع بين
افراد
الصحيح والاعم او بين المتلبس والذي انقضى عنه زمان
التلبس(في بحث المشتق)، يستدلون على نفي وضع
الاسماء
للجامع بين الصحيح والاعم او بين المتلبس والمنقضي
عنه،وذلك لان اثبات ظهور الكلام في الجامع فرع
امكان
الوضع لذلك الجامع، وحيث لا يمكن الوضع ثبوتا، اذا
فلا
يمكنان يكون للفظ ظهور في الجامع اثباتا ((106)).
3- قد تساعد معلومات المفسر عن المتكلم احيانا في فهم
الكلام، وكنموذج على مثل هذه الخلفية العلمية
يمكنذكر
الاعتقاد بكونه تعالى حكيما وعالما مطلقا، فان هذا
الاعتقاد
يعد ارضية اساسية للاخذ بعموم واطلاق
كلامهتعالى،
وللتمسك بجميع لوازم العبارات اللفظية والمنطقية.
4- قد تؤثر المعلومات والمعطيات القبلية اليقينية
احيانا في
فهم المراد الجدي من الكلام، وان لم تلعب دورا
فيتنقيح
الظهور الموضوعي له، فهناك موارد يحرز فيها الظهور
الموضوعي من الكلام للقارئ والمفسر، لكن
ولعدمالانسجام
بين هذا الظهور وبين الامر المسلم والقطعي عقلا لا
يمكن ان
يكون ذلك هو المعنى الظاهري من المرادالجدي
للمتكلم،
وحينئذ لابد من ايجاد الانسجام بين المراد الجدي
للكلام
والمعلوم القطعي، وغض الطرف بسببتلك الخلفية
العلمية
عن هذا الظهور الموضوعي في فهم المراد الجدي.
5- القسم الخامس يختص بالمعلومات الظنية وغير
اليقينية،
وهي التي تدخل بواسطة المفسر سواء كان عالمابذلك ام
لا
في تنقيح محتوى الظهور الموضوعي او في درك المراد
الجدي، والبحث المعروف ب «التفسير بالراي»هو من
قبيل هذه
المعلومات.
4- التفسير بالراي:
يقع تفسير المتن دائما في معرض آفة التفسير بالراي،
ونظرية
الاصوليين التفسيرية تؤكد على ضرورة اجتنابهذه
الافة، فان
دخالة اي نوع من المحاكمات والخلفيات العلمية
للمفسر
والقارئء تضر بعملية الفهم والدركالصحيح
للمتن، هذا في
الوقت الذي تجيز فيه اغلب النظريات التفسيرية
الحديثة في
عملية فهم المتن المعاصرةدخالة عنصر التفسير
بالراي لا بل
تؤكد على ضرورته، فان تفسير المتن في نظر هؤلاء
اساسا
هو من مقولةالتفسير بالراي، والتفسير بدون اعمال
الراي وابداء
النظر والخلفية العلمية امر غير ممكن.
الا ان تاكيد الاصوليين على ضرورة اجتناب اعمال
الراي
والتفسير على اساس المحاكمات المسبقة لا يعني
عدمالدقة
والتامل في محتوى المتن والظهور النوعي والاكتفاء
بالنظر
السطحي له.
والواقع ان الوصول الى المعنى الظاهري للمتن بحاجة
في
كثير من الموارد الى تدبر وتامل واعمال للنظر
والتفاتالى
المناسبات والقرائن والارتكازات، سيما لو كان ذلك
الظهور
ظهورا سياقيا، وحينئذ الا توجب مثل هذه الامورعدم
خلو
التفسير للمتن عن التفسير بالراي؟
|