وهذا التعريف مشابه لكثير من التعريفات التي اعتمدت
استعراض موضوعات المعرف. ويلاحظ في الوقت نفسه‏ان
القليل من الكتاب حرص على التمييز بين «القانون الدستوري‏»
وبين «الدستور»، وفي الواقع ان اهمية مثل هذاالتمييز تتضاءل
يوما بعد يوم على اساس ان دراسات «القانون الدستوري‏» تنصب
اساسا على دراسة مضامين‏الدستور المعني، وبالتالي فان
التمييز الاساس يتركز في كون الدستور مجموعة من القواعد
التي اعتبرت قانونااساسيا للدولة بعناصرها المختلفة وكون
«القانون الدستوري‏» عنوان الدراسات التي تبحث في تلك
القواعد تاصيلا وتحليلا ونقدا ومقارنة.
ومع هذا فقد يعنى احيانا بالقانون الدستوري الدستور نفسه
تمييزا له عن فروع القانون الاخرى كقانون العقوبات‏او القانون
المدني. ففي تعريف آخر مشابه للتعريف المتقدم من حيث
استعراض موضوعات (المعرف) يقول‏باحث آخر «يتكون القانون
الدستوري من القواعد التي تحدد شكل الدولة ونظام الحكم
فيها، وتكوين السلطات‏العامة واختصاص كل سلطة وعلاقات
السلطات بعضها ببعض، كما يشمل القواعد التي تبين حريات
الافرادالعامة وحقوقهم وواجباتهم قبل الدولة ((159))، بل انه
يقول في بيان طبيعة قواعد (القانون الدستوري) انها
«تعدقواعد قانونية بالمعنى الصحيح من حيث العمومية
والتجريد والجزاء..» ، ويقصد كما هو واضح قواعد الدستوراو
القواعد ذات الطبيعة الدستورية وان كانت في وثيقة اخرى غير
الدستور ((160)).
على ان باحثا آخر مع اعترافه بان «تسمية القانون الدستوري»
(
Constitution nel droit) تتاتي من كون قواعد اساسية تجد 
مكانها في ‏«الدستور » (
La constitution) الا انه يسعى جاهدا 
الى التمييز في معاني القانون الدستوري بين المعنى اللغوي
والمعنى التاريخي والمعنى العلمي على حد التسميات التي
اختارها ((161)):
فكلمة الدستور من الناحية اللغوية فارسية معربة واصل معناها
«الدفتر الذي تجمع فيه قوانين الملك وضوابطه‏وان تعبير
القانون الدستوري يجد اصله في اللغة الايطالية‏» حيث درست
مادة بهذا الاسم لاول مرة في عام 1797في احدى مدن ايطاليا
الشمالية. ولكنه في العربية قد استخدم كترجمة للمصطلح
الفرنسي على ما يذهب اليه‏الباحث نفسه. والدلالة الظاهرة مما
تقدم ان القانون الدستوري لغويا «يشير الى انه العلم الذي يهتم
بدراسة القواعد التي تتعلق بتنظيم ممارسة السلطة‏» واما في
المعنى التاريخي فقد اضيف (في فرنسا) مبحث الحريات‏العامة
الى مبحث السلطة غير ان المفهوم العلمي كما يقول الدكتور
الشاوي في السياق نفسه «لايتضمن في‏الحقيقة دراسة
الحريات العامة.» وان تعرض لاوجه من تلك الحريات «و ذلك
بقدر ما يسهم من يتمتع بها في‏ممارسة السلطة‏» ((162)).
عل اننا لا نرى هنا كبير فائدة في الاطالة في التمييز بين هذه
المفاهيم ذلك ان النتيجة واحدة، وقد المحنا اليها فيما تقدم،
ذلك ان الدساتير المعاصرة تتضمن موضوعات متقاربة وان
مادة القانون الدستوري انما تنصب على تلك‏الموضوعات، فاذا
اردنا ان نعرف الدستور مع كثير من فقهاء القانون الدستوري
بانه قانون السلطة او قانون‏الدولة فلانه يشتمل بصورة اساسية
على بيان السلطات في الدولة وكيفية توزيعها وآليات
ممارستها واسلوب‏الاشراف عليها وضبطها الى آخر ما يمكن ان
يكون هنالك من احكام تفصيلية تتعلق بالهيئات والهيا كل
التي‏يؤلفها العاملون في حقل اداء وظائف الدولة وليس من
شك في ان تلك السلطات انما تمارس وظائف الدولة‏الموزعة
عليها تحقيقا لاهداف هي التعبير الاكثر ايجازا للفكر الموجه
لنظام الدولة. وبكلمة اخرى فان «فلسفة‏النظام‏» تجد افضل
مناسبة للتعبير عن نفسها في الصياغات الدستورية التي تحدد
المؤسسات الاساسية في‏الدولة التي تمارس السلطات
المختلفة من خلالها. فالمؤسسات بهذا المعنى ليست اشكالا
وهياكل مجردة في بناءالدولة ونظامها، انما هي ايضا ادوات
لتحقيق افكار معينة وترجمتها على صعيد التطبيق العملي،
وبالتالي‏فالمؤسسات الدستورية هي عبارة عن شكل ومضمون
يحددهما الدستور. ان الدستور في الحقيقة هو قانون‏القوانين،
حيث يوجد مخطط المؤسسات الدستورية وبيان السلطات
الثلاث كما يوجد بيان فلسفة الحكم واسسه‏العامة واهدافه
الاستراتيجية، وهكذا فان الدستور منظورا اليه من جانب آخر
يمكن ان يتعدى الطابع الوصفي‏والتسجيلي لما اسسه من
هياكل ووضعه من مبادئ وقواعد العمل الى مهمة تربوية
توجيهية، مهمة فكرية‏عقائدية يضمن لها التطبيق ويضمن بها
المسيرة نحو الهدف.
هذه الوقفة القصيرة عند التعريف ذات فائدة كبيرة لبحثنا
الذي نتلمس فيه مواضع معالجات السيد الشهيد
الصدرلمجموعة اساسية من مفردات القانون الدستوري: ما
تعلق منها بالسلطة او الحريات العامة او المهمة
التربوية‏والهدفية.
وقبل كل شي فان تعريف الدستور عند السيد الشهيد الصدر
في غاية الاختصار والوضوح ففي الدولة الاسلامية‏ليس الدستور
شيئا آخر سوى الشريعة الاسلامية، غير ان هذا الاجمال يقودنا
الى البحث عن ابعاد تعريف السيدالشهيد والاثار التي تترتب
عليه، وبالتالي الى مقارنته بما تقدم ذكره لنرى ما اذا كان هذا
الاجمال يغطي ما بحثه المعاصرون من اصحاب (الصنعة)
الدستورية.
و لنلاحظ اولا ان السيد الشهيد يميز بين معنيين: واسع وضيق
لمصطلح الدستور.فاذا استخدم بمعناه الواسع‏ كان هو الشريعة
ذاتها، واذا استخدم بمعناه الضيق كان القانون الاعلى في
الدولة المستمد من‏الشريعة وهذا تمييز قريب مما فعله الاستاذ
المرحوم ابو الاعلى المودودي اذ ميز بين دستورين: مدون
وغير مدون فقال: المراد  بالدستور المدون: صك (
Document)
ينطوي على القواعد الاساسية التي يقوم عليها نظام دولة من
الدول، ولها في هذه الدولة منزلة قانونية مسلم بها من جميع
الاهالي..» واضاف قائلا: «فكل دولة لايكون دستورها
مدونا بصورة صك مثل هذا الصك لا يقال لمجموع قواعدها الا
دستورا غير مدون حتى لو كانت هذه القواعد مكتوبة ومبعثرة
في مختلف مصادرها» ((163)).
وحين ينظر الاستاذ المودودي في الحالة الاسلامية ومطالبات
ابناء الباكستان بتطبيق (الدستور الاسلامي) في‏باكستان ينبه
الى ان (دستورا) اسلاميا من هذه القبيل لم يدون بعد فهو
شبيه بالدستور البريطاني غير المدون‏والمبعثرة قواعده هنا
وهناك، ويرى المودودي ان من الضروري السعي لتحرير
دستور اسلامي لباكستان يكون‏مصدره الدستور غير المدون
للمسلمين ويعني به الشريعة الاسلامية المستقاة من مصادرها
التي يعددها فيقول‏انها القرآن والسنة واعمال الخلفاء الراشدين
ومذاهب المجتهدين. يقول المودودي: «الذي نطالب به اليوم
ونعمل‏على تحقيقه هو ان يكون الدستور الاسلامي دستور هذه
البلاد، لكننا لانعني بذلك ان  دستورقد تم
تدوينه وجئنا نطالب اليوم بتنفيذه، بل الواقع اننا نريد ان نحول
دستورا غير مدون (
unwritten constitution) الى دستورا  مدون  
(
written constitution) فان الدستور الاسلامي شي لم يعمل 
على تدوينه بعد، ولهذا الدستور غير المدون عدة مصادر علينا
ان نستفيد منها عندما نرتب لبلادنا (دستورا مدونا)
وفقا لاحوالنا التي نحن فيها اليوم‏» ((164))، وهكذا يبدو لنا
تعبير الدستور بالمعنى الواسع لدى السيد الشهيد الصدرمرادفا
الى حد بعيد لتعبير الدستور غير المدون لدى الاستاذ
المودودي بينما يرادف تعبير الدستور بالمعنى‏الضيق لدى
الشهيد تعبير الدستور المدون لدى الاستاذ المودودي،
وبالتالي فان احكام الشريعة عند الاثنين‏تشكل الدستور بالتعبير
الاول، فتكون مصدرا للدستور بالتعبير الثاني.
ومن اجل ايضاح اكبر لمصطلح الدستور عند السيد الشهيد
نورد بعض النصوص من «اللمحة الفقهية‏» عن‏الدستور
الاسلامي المنشورة ضمن كتاب «الاسلام يقود الحياة‏»
((165)) وعن «اسس الدستور الاسلامي‏» التي‏وضعها السيد
الشهيد واوردها البحاثة شبلي الملاط في كتابه عن «تجديد
الفقه الاسلامي‏» تحت عنوان: «اصول‏الدستور الاسلامي‏»
. ((166))
والانطلاقة انما تكون مع مصطلح الاسلام. يقول السيد الشهيد
عند تحديده للاساس الاول من اسس الدستورالاسلامي: «اما
المعنى الاصطلاحي للاسلام فهو العقيدة والشريعة اللتان جاء
بهما من عنداللّه تعالى الرسول‏الاعظم محمد بن عبداللّه (ص)»
. ((167))
ويستطرد السيد الشهيد فيعرف كلا من الشريعة والعقيدة،
وهذا التعريف لكل من المصطلحين يعتبر ضروريافي بحثنا هذا
لانه يسهم كثيرا في التعريف بالدستور من جوانبه المختلفة
كما سنرى.
يقول السيد الشهيد: «ونقصد بالعقيدة (مجموعة المفاهيم)
التي جاء بها الرسول (ص) التي تعرفنا بخالق العالم‏وخلقه،
وماضي الحياة ومستقبلها ودور الانسان فيها، ومسؤوليته امام
((168)) وبالتالي فان العقيدة هناتخرج من اطار القانون اللّه...»
بمعناه الغني لتبقى اساسا له‏اطارا، فهي مفاهيم، وهي
«معلومات جازمة يعقد عليهاالقلب‏»، وهذه المفاهيم
والمعلومات تصلح ان يستند اليها القانون باعتباره قواعد
سلوكية ولكنها ليست هي‏القانون بذاته.
ما يهمنا في هذه المرحلة من البحث اذن ان نتلمس تعريف
الشريعة نفسها وعلاقته بتعريف الدستور، يقول السيدالشهيد:
«و نقصد بالشريعة (مجموعة القوانين والانظمة) التي جاء بها
الرسول (ص) التي تعالج الحياة البشرية‏كافة، الفكرية منها
والروحية والاجتماعية، بمختلف الوانها من اقتصادية وسياسية
وغيرها» ((169)).
غير اننا في مواضع متعددة من اشارات السيد الشهيد في
المصدرين المذكورين (اللمحة الفقهية والاسس)
نجده‏يستخدم تعبير الدستور كمرادف للشريعة، ويضعه بين
قوسين امام كلمة الشريعة لتعريفها، وهو يعلم ان كلمة‏الدستور
التي يتداولها الناس اليوم اضيق من ذلك. ويبدو لنا ان السيد
الشهيد يفعل ذلك لتاشير درجة اهمية‏الشريعة في حياة
المجتمع الاسلامي وبالتالي درجة الزامها مما سنتعرض له
لاحقا ان شاء اللّه، والى جانب ذلك‏فان السيد الشهيد يلتفت الى
المعنى المتداول فيقول: «ان اصطلاح الدستور الاسلامي
حينما يطلق على الشريعة‏المقدسة هو اوسع من المصطلح
المتعارف للدستور لانه يشمل كافة احكام الشريعة الخالدة
حيث تعتبربمجموعها احكاما دستورية...» ((170)).
ولكن السيد الشهيد كما قدمنا قد عرف الشريعة بانها (مجموعة
القوانين والانظمة)، كما انه يذكر في موضع آخر(الاساس
الثامن) ان هناك (تعليمات) بالاضافة للقوانين والانظمة، فما
هي حدود هذه المصطلحات الاربعة(الدستور، القانون، النظام،
التعليمات) وما نسبتها من الشريعة؟
ينبغي هنا ان نتابع ايضاحات السيد الشهيد نفسه من اجل فهم
المعاني التي رمى اليها من المصطلحات التي‏يستخدمها، ذلك
انه يعلم ان هذه المصطلحات المتداولة يجب ان تجد موقعها
الدقيق اذا ما كان الحديث في الاطار(الاسلامي)، اي في اطار
احكام الشريعة الاسلامية، ويهتم الاساس الثامن من اسس
الدستور الاسلامي التي‏وضعها السيد الشهيد بشكل خاص بهذه
المسالة ((171)).
فاحكام الشريعة الاسلامية المقدسة عند الشهيد الصدر هي
«الاحكام الثابتة التي بينت في الشريعة بدليل من‏الادلة الاربعة:
الكتاب والسنة والاجماع والعقل‏»، وهكذا فهي دستور الامة «ولا
يجوز في هذه الاحكام اي تبديل اوتغيير لانها ذات صيغة
محددة‏شاملة لجميع الظروف والاحوال فلابد من تطبيقها
دون تصرف... اماالتعاليم اوالقوانين فهي انظمة الدولة
التفصيلية والتي تقتضيها طبيعة الاحكام الشرعية الدستورية
لظرف من‏الظروف...» ((172)).
وواضح ان السيد الشهيد لم يرد بهذا ان يعرفنا بمعنى (القانون)
و(النظام) و(التعليمات) بالمعنى المتداول عند اهل‏القانون
والادارة في عصرنا الحاضر، وانما اراد ان ينبه الى ان هناك
قواعد ثابتة تسمو على ما سواها لان ماسواها يستمد منها
ويستند اليها ويجد مبرره الشرعي فيها فالقواعد السامية اما ان
تطلق على قواعد الدستوربالمعنى الواسع فهي الشريعة نفسها،
واما ان تطلق على الدستور بالمعنى الضيق فتكون مستمدة
من‏الشريعة‏تكون سامية ايضا ولكن بقدر كونها من قواعد
الشريعة الثابتة، او سامية وثابتة (بالوضع) اي بوضعهاضمن
قواعد (الدستور) من قبل المكلفين باستنباط الاحكام، وذانك
سمو وثبات نسبيان كما سنرى لاحقا.
ولكن الى جانب القواعد السامية الثابتة بالمعنى المتقدم هناك
قواعد متغيرة (توضع) تحت عناوين متنوعة‏كالقوانين
والانظمة والتعليمات. وما دامت غير مستقرة عادة لارتباطها
بظروف الدولة ولكونها غير واردة في‏الشريعة «مباشرة
وبنصوص محددة‏» فان باستطاعتنا ان نحدد لها ادوارها
ومعانيها فنتسالم على معانيهاالمتداولة او نعطيها ما نجده اكثر
فائدة او مناسبة من المعاني والاستخدامات.
وبالتالي فلا نجد ما يمنع من اقرار المعاني القائمة لمصطلحات
«قانون، نظام، تعليمات، قرارات‏» لدى الوضعيين‏في نسبتها الى
بعضها من جهة، والى الدستور من جهة اخرى. وهكذا نجد ان
السيد الشهيد قد حدد معنى‏الدستور بكونه قواعد الشريعة التي
لا تتغير ومعنى القواعد الضبطية الاخرى (قوانين وانظمة
وتعليمات‏وقرارات) بكونها قواعد ظرفية متطورة و هي تتنوع
من حيث العنوان اما بدلالة الموضوع الذي تعالجه او
بدلالة‏موقعها في سلم الزام القواعد الضبطية.
ومع هذا فقد استخدم السيد الشهيد كلمة (القانون) بمعنى
الدستور ايضا، فقال في الاساس السادس من اصول‏الدستور
الاسلامي ان من مهام الدولة الاسلامية «بيان الاحكام وهي
القوانين التي جاءت بها الشريعة الاسلامية‏المقدسة بصيغها
المحددة الثابتة‏». فالقوانين عندما تبين احكام الشريعة
المقدسة بصيغها المحددة الثابتة انماهي مجموعة من الاحكام
الدستورية اي انها جزء من الدستور وقولنا هنا ان القانون هو
الدستور لا غبار عليه‏باعتبار الدستور نفسه قانونا من القوانين
وان اختلفت قواعدها من حيث السمو الثبات.
اما تعبير السيد الشهيد في موضع آخر عن التعليمات بتعبير
(القانون) وذلك في الاساس السادس نفسه حيث‏يقول ان من
مهام الدولة الاسلامية «تطبيق احكام الشريعة الدستور
والتعاليم المستنبطة منها القوانين على‏الامة‏» فذلك ما
يعني ان السيد الشهيد انما يتحدث هنا عن كون القانون
الموضوع كالتعليمات الموضوعة من حيث‏كونهما مستمدين
من الدستور كقواعد ضبطية متطورة.
وخلاصة الامر في شان تعريف الدستور لدى السيد الشهيد كما
نلمحه في كتاباته المشار اليها اعلاه هي:
1- ان القواعد العليا التي ينصاع لها المجتمع الاسلامي ويسلم
هي احكام الشريعة الثابتة وهي دستور الامة بمعناه‏الواسع.
2- ان احكام الشريعة الثابتة لا تكفي لوحدها كقواعد ضبطية
وانما تحتاج قواعد تفصيلية متطورة مستمدة من‏تلك الاحكام
وتظهر على شكل قوانين وانظمه وتعليمات قرارات.
3- ان القانون الاسلامي متدرج القواعد من حيث الالزام حيث
ياتي الدستور في القمة و هو القانون الاساس وتتلوه‏القوانين
الفرعية والانظمة والتعليمات والقرارات.
4- تبقى ملاحظة مهمة تضاف كنقطة رابعة الى هذه الخلاصة
هي ان الظاهر من كتابات السيد الشهيد انه وان‏استعمل
مصطلح الدستور كمرادف للشريعة ذات الاحكام الثابتة، فانه لا
يجد تعارضا في ذلك مع اقامة دستور(بالمعنى الضيق) تكون
قواعده على نوعين: الاول قواعد ثابتة لورودها نصا ومباشرة
في مصادر الشريعة،والثاني قواعد متغيرة ولكنها ذات ثبات
نسبي بالمقارنة مع بقية القواعد المتطورة التي توضع تحت اي
عنوان‏آخر، ومن هنا وجدنا ان مشروع الدستور الواردة احكامه
في اللمحة الفقهية للسيد الشهيد يتضمن النوعين من‏القواعد
المذكورة كما سيمر بنا لاحقا.
وبهذا فان السيد الشهيد لا يبدو لنا مقتنعا بامكانية الاكتفاء
بالقول، من الناحية القانونية، ان الشريعة الاسلامية‏هي دستور
الدولة الاسلامية من دون اقامة هذا الدستور فعلا اي وضع
دستور محدد المعالم والمواد، مؤسس‏بصورة مباشرة وبصورة
غير مباشرة على احكام الشريعة، ومعلوم ان بعض الدول
الاسلامية قد اخذت‏بالطريقة المجملة وذلك باصدار قرار
خاص يعتبر الشريعة الاسلامية دستورا للدولة، وبالتالي فان ما
يشرع من‏قواعد ضبط اخرى تاخذ عناوينها المتنوعة حسب
المقام (قانون، نظام، مرسوم، قرار، تعليمات...الخ)، وهي
كلهاتخضع لاحكام الشريعة الاسلامية باعتبارها الدستور
الاعلى وفقا للقرار المتقدم.
وهكذا فان انصار هذه الطريقة لايرون طائلا وراء وضع دستور
خاص على اختلاف في الراي فيما بينهم. وربماكان من المفيد
ان نشير الى نموذجين لهذه الطريقة وهما النموذج الليبي
والنموذج السعودي.
ففي ليبيا يصرح «الكتاب الاخضر» بان «الشريعة الطبيعية لاي
مجتمع هي العرف او الدين، اي محاولة اخرى‏لايجاد شريعة
لاي مجتمع خارجة عن هذين المصدرين هي محاولة باطلة
وغير منطقية، الدساتير ليست هي‏شريعة المجتمع، الدستور
عبارة عن قانون وضعي اساس.. ان شريعة المجتمع تراث
انساني خالد ليس ملكاللاحياء فقط. ومن هذه الحقيقة تصبح
كتابة دستور واستفتاء الحاضرين عليه لونا من الهزل‏» ((173))
ويخلص‏الكتاب الاخضر الى ان الدين هو شريعة المجتمع
الطبيعية التي لا تحتاج الى وضع دستور فيقول: «الدين
احتواءللعرف، والعرف تعبير عن الحياة الطبيعية للشعوب.. اذن
الدين المحتوي للعرف تاكيد للقانون الطبيعي وان‏الشرائع
اللادينية اللاعرفية هي ابتداع انسان ضد انسان آخر، وهي
بالتالي باطلة لانها فاقدة للمصدر الطبيعي‏الذي هو الدين
والعرف‏» ((174)).
ويشرح المحامي عبد الفتاح شحاذة فكرة انتفاء الحاجة الى
الدستور بالتخوف من استغلال الحكام لادارة‏الدستور من اجل
تكريس مصالحهم على حساب المحكومين في المجتمع الذي
يميز بين الطرفين، اما في المجتمع‏الذي يتساوى فيه الجميع
فليس من حاجة الى شي‏ء اسمه دستور. يقول المحامي شحاذة:
«مادام الحاكم هو الذي‏يضع الدستور وهو الذي يستطيع تعديله
كبقية القوانين، مهما قيل ان هناك اسبابا مشددة للتعديل
ومهما وصف‏بانه دستور جامد، وما دامت الغاية من الدستور كما
قلنا هي وضع القيود على تصرفات السلطة فمعنى ذلك
ان‏السلطة الحاكمة وهي القيمة على انشاء الدساتير وتعديلها
لن تضع قيودا فعلية على نفسها انما القيود المحكي‏عنها تبقى
قيودا نظرية لا اكثر ولا اقل.» ثم يتساءل: «ما هي حاجة
المجتمع لدستور اذا كان الشعب هو صاحب‏السلطة ويمارسها
بشكل مباشر، الا تنتفي الحاجة للدستور بمجرد اندماج الحاكم
بالمحكوم؟» ثم يتساءل من‏جديد ويجيب قائلا: «ما هي شريعة
المجتمع ولا دستور له؟ النظرية العالمية الثالثة عرضت لما
قدمنا وردت على‏هذا التساؤل بانه في ظل سلطة الشعب
سيكون العرف والدين هو الدستور لانه لا مجال لتحديد في
ظل سلطة‏الجماهير على حركة الجماهير نفسها» ((175)).
واما في خصوص التجربة السعودية فمعلوم ان المملكة العربية
السعودية تتخذ القرآن الكريم دستورا وتعتبرالشريعة الاسلامية
مرجعا في تحديد الاحكام القانونية وفقا للتفسير المعتمد لدى
علماء المذهب الوهابي الحنبلي،وتصدر القوانين والقرارات
الادنى مرتبة بمراسيم ملكية او اوامر وزارية، ويفترض في
القضاء بدوره الالتزام‏باحكام الشريعة الاسلامية، وتمارس ادارة
الدراسات والبحوث التي تضم كبار علماء المذهب في المملكة
دورا ذاشان في صدد بيان الاحكام الشرعية واصدار الفتاوى في
الشؤون المختلفة.
من ناحية اخرى فانه لابد للباحث ان يسترجع التاريخ الغني
للحركة الدستورية في المنطقة في العقود الاخيرة من‏القرن
التاسع عشر ومرورا بشكل خاص بطابع الحركة وعناصرها
الاساسية في ايران وتركيا والعراق وبشكل‏اخص بما سمي بثورة
الدستور في ايران (المشروطة 1905)، ذلك ان علماء الشيعة
في ايران والعراق قد عاشوهابعمق وتركوا تراثا غنيا في هذا
المجال للمتصدين بعدهم لانشطة الحوزات العلمية وللمسالة
الدستورية في‏البلدين، ولكن هذا البحث يضيق عن مثل هذه
المتابعة التاريخية ويهمنا منها ان نشير الى وجود جذور
للمطالبة‏بالدستور ضاربة في التاريخ، جديرة بالدراسة
والتحقيق ويمكن في هذا الصدد، بالاضافة الى كتاب
الباحث‏شبلي الملاط، مراجعة كتاب «الدستور والبرلمان في
الفكر السياسي الشيعي 1905 - 1920» للباحث جعفر عبدالرزاق
وهو الكتاب الثاني والعشرون من سلسلة: قضايا اسلامية
معاصرة، وكذلك المصادر المشار اليها في‏هذين الكتابين.

تحديد موضوعات الدستور:
المحنا سابقا الى الخلاف الذي يتوزع فقهاء القانون الدستوري
فيما يتعلق بتحديد الموضوعات التي يشتمل عليهاالدستور،
وبالتالي ما تتناوله دراسات القانون الدستوري كعلم من العلوم
القانونية.
ولعل ما تقدم بيانه ينبئ بنفسه بان السيد الشهيد لم يتناول
مثل هذا الخلاف بالبحث، لانه لم يجد من مهمته الولوج‏فيه،
فهو ليس مشكلة عملية مما يبتلى بها الناس في حياتهم العامة
وفي بحثهم (للمشكلة الاجتماعية) التي‏تمحورت دراسات
السيد الشهيد حولها في الغالب.
غير ان السيد الشهيد تطرق الى تحديد موضوعات الدستور في
مناسبتين رئيسيتين، فضلا عن اشارات متناثرة‏لا تبتعد كثيرا
عن تشخيصاته في تينك المناسبتين ونعني بهما: مناسبة
تحرير عدد من الاسس الدستورية التي‏يعتقد ان تاريخها يعود
الى اوائل الستينات وفقا لما نقله البحاثة شبلي الملاط عن
المرحوم السيد مهدي الحكيم‏وقد نشر الملاط منها تسعة
اسس من مجموع 33 اساسا سماها اصول الدستور الاسلامي
((176))، والمناسبة‏الثانية حين عرض لمحته الفقهية عن
دستور الجمهورية الاسلامية بعد حوالي عشرين عاما بعد تحرير
الاسس‏المذكورة وقد نشرت اللمحة هذه في بداية كتاب
«الاسلام يقود الحياة‏» للسيد الشهيد.
اما في الاسس الدستورية فقد عرف السيد الشهيد بالاسلام
تعريفا موجزا واشار في تعريفه الى مصطلحات‏العقيدة والشريعة
والقانون والنظام. وفي الاساسين الثاني والثالث تحدث عن
المسلم والوطن الاسلامي والمركزالقانوني العام للمسلم
«الحقوق والواجبات‏»، و في الاساس الرابع تحدث السيد الشهيد
عن (الدولة الاسلامية)وميز بين انواع ثلاثة للدولة من حيث
انظمتها السياسية والاجتماعية كما فصل قليلا في اشكال
النظم في الدول(الاسلامية) القائمة وهي النوع الثالث من
الانواع المتقدمة كما بين الموقف من هذه الاشكال و في
الاساس الخامس‏بين السيد الشهيد ان «الدولة الاسلامية دولة
فكرية، واوضح اختلاف مثل هذه الدولة في رسالتها عما
اسماه‏بالدولة (الاقليمية) والدولة (القومية)، وفي الاساس
السادس توغل السيد الشهيد في بيان شكل الحكم في
الاسلام‏فعرفه، وعدد المهام التي تتولاها الدولة الاسلامية وعن
شكل الحكم في عصر الولاة المعصومين وفي عصرالولاة غير
المعصومين واثر ذلك في تطبيق مبدا الشورى في ظروف
الامة الحاضرة ويعود السيد الشهيد في‏الاساس الثامن ليوضح
الفرق بين احكام الشريعة الاسلامية الثابتة بدلالة احد الادلة
الاربعة وبين التعاليم وكماالمحنا سابقا فالسيد الشهيد لم يهتم
كثيرا بعد ذلك بالتمييز بين مصطلحات التعاليم (التعليمات)
والقوانين‏والانظمة وما الى ذلك من قواعد الضبط التي تقررها
السلطات المختصة في الدولة. واخيرا فان السيد
الشهيديتطرق في الاساس التاسع الى موضوع في غاية الاهمية
وهو بيان الجهة المختصة ببيان احكام الشريعة‏الاسلامية.
وكيفية تولي منصب القضاء في الدولة الاسلامية.
واما الاسس الاربعة المنشورة في «ثقافة الدعوة الاسلامية‏» 
(4: 10 - 13) فقد تطرقت في العاشر الى تثبيت‏المقياس الذي
ينبغي ان تقاس به سياسة الدولة ولخصه السيد الشهيد
بالدستور والمصلحة وفي الحادي عشرتطرق الى موقف الدعوة
والدولة من (النفوذ الكافر)، وفي الثاني عشر تطرق الى وصف
الدعوة الاسلامية من حيث‏كونها اصلاحية ام ثورية وفي الثالث
عشر والاخير تحدث عن بعض آليات الثورية الاسلامية.
هذا، ولا ريب في ان الكشف عما ورد في بقية الاسس الثلاثة
والثلاثين يمكن ان يغني البحث في (الافكارالدستورية) للسيد
الشهيد الى حد بعيد وهو ما نامل ان نتوصل اليه يوما ما بجهود
المتابعين لجمع ثروة السيدالشهيد الفكرية.
و بعد عقدين من كتابة هذه الاسس التي اريد بها على الاغلب
ان تكون دليل عمل للحركة السياسية الاسلامية‏الناهضة جاءت
«اللمحة الفقهية عن مشروع دستور الجمهورية الاسلامية‏»
لتكون موقفا اكثر (تخصصا) وتركيزالمفردات الدستور
الاسلامي الذي كان موضوع حاجة ملحة وبالتالي فان تلك
المفردات تصلح ان تكون نموذجاللموضوعات التي تشكل
هيكل الدستور الاسلامي، وقد سمى السيد الشهيد ما اشتملت
عليه اللمحة الفقهية بانه‏استعراض ل «عدد من الافكار
الاساسية في مجال التمهيد لمشروع الدستور..» ونحن نجد في
هذه العبارة، فضلاعن مسحة التواضع، ما يفيد ان الافكار
الاساسية لا تمنع اضافة افكار اخرى قريبة منها او مفصلة لها،
وسيدخل‏تعبير (الدستور) بصفته (القانون الاساس) ليقيد
الافكار القريبة والتفصيلية ويمنعها من الاسترسال الى ما
هوغير اساس او غير دستوري، فالدستور كما المحنا الى معناه
في الاصل لا يسمح بكثير من التفصيلات بل لايشتمل على
شي‏ء منها الا بقرينة الضرورة والعلاقة المتينة بالاسس التي
تشكل هيكله.
في ضوء ذلك، وباستعراض ما اشتملت عليه اللمحة الفقهية،
نجد ان السيد الشهيد قد تطرق الى موضوع السلطات‏ومصدرها
والسيادة وملها والشريعة ومنبعها وعلاقتها بالدستور وعملية
التشريع ودور الامة في السلطات‏الثلاث والمجالس المنتخبة
والمرجعية ووظائفها والقضاء والحقوق والواجبات ورسالة
الدولة واهدافها. وبعد ان‏استعرض السيد الشهيد كل هذا انتقل
الى بيان المبادئ التشريعية التي يستند اليها في تقرير تلك
الموضوعات‏فهي تدخل في الاساس النظري للدستور.
هكذا، وعلى قدر ما يظهر لنا من هذين المصدرين والتقارب
بين موضوعاتهما فاننا نجزم بان السيد الشهيد كان‏يرى ان
موضوع الدولة وسلطات وتنظيم هيكلها العام، وموضوع
الحقوق والحريات والواجبات، وموضوع اهداف‏الدولة الاسلامية
هي من صميم ما على الدستور ان يشتمل عليه من موضوعات.
وليس في سياق ما كتبه السيدالشهيد في مجالات القانون
الدستوري الاسلامي ما يشير الى حدود معينة لمشتملات
الدستور، غير ان ذلك لايعني انعدام مثل تلك الحدود لديه.
فمن ناحية كان (مشروع الدستور) في اللمحة الفقهية ذا
موضوعات محددة‏واساسية ومن ناحية اخرى كانت الاسس
الدستورية لديه من قبل تحدد هي الاخرى موضوعات بذاتها
متخذة‏تعبير (الاسس) ولم تفترق اللمحة والاسس كثيرا في
تحديد موضوعات الدستور، وسنرى عند تحليلنالموضوعات
اللمحة والاسس لاحقا مزيدا من القرائن على تشخيص السيد
الشهيد لموضوعات الدستور وان من‏نافلة القول ان
الموضوعات التي عددناها هي ما درج عليه الوضعيون ايضا في
الدراسات الدستورية وفي‏مشاريع الدساتير التي يضعونها، غير
ان الطابع الاسلامي هو الذي يميز موضوعات الدستور
الاسلامي كتناول‏دور المرجعية الدينية وبعض الوظائف
والمهمات على سبيل المثال.
من ناحية اخرى يجدر ان نذكر ان محاولة السيد الشهيد في
صدد وضع نموذج دستور اسلامي قد اشبهت في‏معالمها
الرئيسة محاولات اسلامية جادة اخرى نذكر منها:
1- محاولة الاستاذ المودودي في باكستان وتعود الى عام
1952 وقد سبقت الاشارة اليها عند التعريف بالدستور.امافي
موضوعات الدستور فقد تحدث المودودي تحت عنوان «مسائل
الدستور الاساسية‏» فعرض تسع مسائل‏بشكل مقارن مختصر
هي: ا مناط الحكم. ب مدى ولاية الدولة. ج توزيع
السلطات الثلاث. د هدف الدولة. ه آمواصفات الحاكمين. و
اسس المدنية والمواطنة. ز حقوق المواطنين. ح حقوق
الدول قبل المواطنين ((177)).
2- محاولة المستشار علي جريشة في مصر، حيث اصدر كتابا
بعنوان (اعلان دستوري اسلامي) ((178))، وتعودالى عام
1980 والطريف في هذا الكتاب انه ضم ثلاث محاولات مهمة
اضافة الى محاولة المستشار جريشة،فالمشروع الاول وضعته
لجنة مشكلة من الامام الاكبر الدكتور عبد الحليم محمود
شيخ الجامع الازهر رحمه اللّه،والثاني عبارة عن تنقيح للاول
قام به الدكتور مصطفى كمال وصفي والثالث وضعته مجموعة
من المتخصصين‏وقدمته الى المجلس الاسلامي العالمي
(1984) وقد اشار الاستاذ جريشة الى وجه آخر لاهمية مشروعه
اذ قال:«لقد اشاد به وراجعه من لم يعرف قدره الا القليل من
اخوانه وتلاميذه ومحبيه ذاك هو كبير دعاة عصره الاستاذعمر
التلمساني رحمه اللّه» ((179)).
وعلى كل حال فانه يهمنا ونحن في صدد بحث تحديد
موضوعات الدستور ان نرى ما في هذه المشاريع من‏تحديدات.
ففي (اعلان) الاستاذ جريشة نرى انه تطرق الى مقومات الدولة
الاساسية وجوانب وظائفها على‏الاصعدة السياسية والاقتصادية
والاجتماعية. وفي نموذج مجمع البحوث الاسلامية في الازهر
تعرض مشروع‏الدستور لوصف الامة الاسلامية واسس المجتمع
الاسلامي ثم تناول الاقتصاد والحقوق والحريات ومركز
الامام‏ثم القضاء والبرلمان والحكومة. اما في نموذج الدكتور
مصطفى كمال وصفي فجرى الاهتمام بالعالم الاسلامي
ثم‏تحدث الدستور عن اسس المجتمع الاسلامي، ثم الواجبات
العامة والحقوق والحريات ثم الاقتصاد الاسلامي،والامة والامام
والقضاء والشورى والتشريع والرقابة، ثم الحكومة. واخيرا فقد
تطرق مشروع المجلس الاسلامي‏العالمي الى اسس الحكم
ومقومات المجتمع والحقوق والواجبات العامة ثم مجلس
الشورى والامام والقضاءوالحسبة والنظام الاقتصادي وولاية
الجهاد والمجلس الدستوري الاعلى ووسائل النشروالاعلام.((180))

ثانيا: طبيعة الدستور
ضرورته واسبقيته:
ترتبط دراسة (الدستور) بدراسة (الدولة) من حيث الوجود
والوظيفة والاسبقية في الظهور، وقد راينا ان‏موضوعاته متصلة
اتصالا مباشرا بظاهرة الدولة، ايا كان الراي حول تشخيص
الموضوعات المذكورة.
ومن المعلوم ان النظريات الاجتماعية والسياسية قد اختلفت
في تاريخ ظهور الدولة، بل وفي ضرورة وجودهااصلا غير ان
الذين ذهبوا الى التشكيك في ضرورة الدولة، وبالتالي الى
امكانية محو هذه الظاهرة والعودة الى نوع‏من المشاعية قريب
مما كان سائدا فيما يقال اول ظهور المجتمع الانساني لا
يمثلون فيما يبدو الا نفرا قليلا من‏الباحثين وهم في طريق
الاضمحلال.
واذا تجاوزنا الاشكال البدائية للدولة فان كثيرا من السياسيين
والمؤرخين، بل‏القانونيين يتوقفون عند اواسط‏القرن السابع
عشر ليجدوا في نتائج تطورات الاوضاع السياسية في اوربا في
ذلك التاريخ معالم ظاهرة الدولة‏الحديثة.
وتذهب جمهرة الفقهاء القانونيين الى ان الدولة هي التي تضع
القانون ليحكم الروابط المختلفة في المجتمع‏الانساني
المعين، وبذلك فان ظهور الدولة اسبق من ظهور القانون
الذي يضعه حكامها، والقانون في تدرجه انمايرتفع الى مرتبة
الدستور وهو اعلى القوانين، فالدستور بدوره تال في ظهوره
لظهور الدولة، وهكذا فان ظاهرتي(السلطة) و(القانون)
ظاهرتان اجتماعيتان تبلورت الاولى بالدولة والثانية بالقواعد
التي تضعها الدولة لحفظ‏مسيرتها ومسيرة المجتمع الذي
تمثله، وان القانون ضروري لوجود الدولة لانه من انجح وسائلها
في ضبط‏سلوك الافراد داخل المجتمع ((181)).
اما لدى السيد الشهيد فان كتاباته تتظافر سواء في (فلسفتنا) او
(اقتصادنا) او في (اللمحة الفقهية) او (الاسس‏الدستورية) او
في (المدرسة الاسلامية) او (الاسلام يقود الحياة) على القول
بضرورة الشريعة التي هي الدستوربمعناه الواسع، بل وبضرورة
وجود الاحكام الادنى مرتبة من ذلك ابتداء بالدستور في معناه
الضيق وانتهاءبادنى مرتبة من القرارات التي تشكل مع ما علاها
قواعد الضبط في المجتمع والتي لا تستقيم المسيرة من
دونها.والحقيقة ان الكتابات المذكورة قد وضعت في مقدمة
مهمتها الكشف عن مشكلة الانسانية في كل مكان الا
وهي‏المشكلة الاجتماعية التي يقدمها السيد الشهيد بقوله: «ان
مشكلة العالم التي تملا فكر الانسانية اليوم وتمس‏واقعها
الصميم هي مشكلة النظام الاجتماعي التي تتلخص في اعطاء
اصدق اجابة عن السؤال التالي: «ما هو النظام‏الذي يصلح
للانسانية وتسعد به في حياتها الاجتماعية‏» ((182)).
ان ضرورة الدولة والنظام اذن لا تبدو عسيرة على الاثبات عند
السيد الشهيد فابتداء من بداهة ضرورة الدين لديه‏والاعتقاد
بالنظرة الكونية التوحيدية تبدا رحلة السيد الشهيد لاستكشاف
معالم الدولة والنظام انطلاقا من تعريف‏الاسلام، وهو خاتم
الاديان، بانه عقيدة وشريعة كما المحنا سابقا، يقول السيد
الشهيد في الاساس الاول من‏اسسه الدستورية: «فالاسلام اذن
مبدا كامل، لانه يتكون من عقيدة كاملة في الكون، ينبثق عنها
نظام شامل لاوجه‏الحياة ويفي بامس واهم حاجتين للبشرية
وهما القاعدة الفكرية والنظام الاجتماعي‏» ((183)).
على ان هذا لا يعني انه لم يدر بين الاسلاميين جدل حول
ضرورة الحكومة الاسلامية، اذ لم يعدموا من يقول بعدم‏وجوب
السعي الى اقامة الحكومة، وربما حرم نفر منهم مثل ذلك
السعي، الا ان جمهرة علماء المسلمين لم يختلفوافي اصل
ضرورة الحكومة الاسلامية وانما اختلفوا في شروطها وكيفية
توليها السلطة وسعة او ضيق ولايتها الى‏ما هنالك مما يلي
موضوع الضرورة.
ولا يختلف الذاهبون الى ضرورة قيام الدولة الاسلامية، ومنهم
السيد الشهيد كما سنرى ان شاءاللّه في ضرورة‏وجود ضوابط
تلتزم بها الدولة حكاما ومحكومين، رعاة ورعية و لقد بين
السيد الشهيد في اسسه الدستورية‏انواع السلطة وانواع الدول،
وميز الحكومة الاسلامية بما تختص به من مواصفات واهداف
واشار الى ضرورة‏وجود قواعد الضبط المذكورة وهي القوانين
والقرارات بدرجاتها، بل ذهب الى بيان واجبات الامة في كل
حالة من‏حالات السلطة وانواع الدول التي ذكرها، كما حدد في
لمحته الفقهية نموذج الدستور الذي يراه واساسه الفقهي،مما
يعني اجمالا ان السيد الشهيد قد ذهب لا الى ضرورة الدولة
والدستور وحسب بل سعى الى ايجادهما فيماسعى اليه وكتب
فيه.
وتذكرنا هذه المساعي والكتابات بما جرى ايام ثورة الدستور
في ايران (1905) وايام اشتداد المطالبة بوضع‏«دستور اسلامي‏»
للجمهورية الباكستانية الناشئة، ويشخص المرحوم الاستاذ ابو
الاعلى المودودي كعلم من‏اعلام تلك المطالبة ولا سيما في
محاضرته المشار اليها سابقا التي القاها في 24/12/1952 في
جمعية المحامين‏في مراكش ونشرت عدة مرات قبل ظهور
ترجمتها العربية في القاهرة سنة 1953 والثانية في دمشق في
عام‏1980 ((184)).
ولعل من المفيد ان نذكر ان الاستاذ المودودي قد عرف كما
اسلفنا نوعين من الدستور وهما الدستور غير المدون‏والدستور
المدون وهو يذهب في تلك المحاضرة الى ان الحاجة قد مست
لايجاد الدستور المدون واستخلاصه من‏مصادره. كونها ضرورة
حضارية بشكل اجمالي قائلا: «لانها المنهج الوحيد الذي يمكنه
تفجير طاقات الانسان‏في العالم الاسلامي والارتفاع به الى
مركزه الطبيعي على صعيد الحضارة الانسانية وانقاذه مما
يعانيه من الوان‏التشتت والتبعية والضياع‏» ((185)).
ويزدونا بحث السيد الشهيد حول « خلافة الانسان وشهادة
الانبياء» بشكل خاص كما سنرى ايضا بمفاتيح دراسة‏قرآنية
نفيسة في هذا المجال، يهمنا منها ناحيتان:
الاولى: ان الدولة هي احد انجازات الانبياء (ع).
الثانية: ان الانبياء (ع) الذين تصدوا لهذه المهمة كانوا يحملون
معهم رسالة السماء على شكل عقائد وشرائع‏والناحية الاخيرة
هي التي تتعلق بهذه المرحلة من البحث، لانها تشير الى ان
الشريعة، اي الدستور، بمعناه‏الواسع، كانت من ضمن ما تزود به
الانبياء (ع) في مهمتهم وقبل ان يستطيع الانبياء(ع) بناء
الدولة المكلفين ببنائهاكان في ايديهم دستور واضح يتم البناء
ويدام ويحافظ عليه بموجبه وفي ضوء احكامه الربانية ((186)).
ومعنى‏ذلك ان الدستور بالمعنى الواسع قائم قبل ان تقوم دولة
الانبياء (ع)، فالدستور اسبق في الوجود من الدولة
وهذه‏الاسبقية لها آثار مهمة في تحديد معالم الدولة
ومؤسساتها وحقوق وواجبات الراعي والرعية، كما تفسر لنابعض
ما يتساءل عنه فقهاء القانون عادة في هذا الصدد.

بعض مواصفاته:
يتوقف فقهاء القانون الدستوري كثيرا عند المواصفات الاساسية
المميزة للدستور المبينة لطبيعة‏قواعده ((187)).
ولعلنا نستطيع ان نركز تلك المواصفات حول محوري
القانونية والسمو.
1- قانونية الدستور:
لقد دار نقاش فقهي طويل حول مدى قانونية الدستور، اي
مدى اتصاف قواعده بمواصفات القاعدة القانونية والتي‏تتلخص
بالاطراد والعموم والتجريد والالزام وبوجود جزاء يضمن لها
النفاذ والاحترام. ويميل غالبية الفقه الى ان‏القواعد الدستورية
هي قواعد قانونية وان اختصت بعض الاحيان بطابع يختلف
شيئا ما عنها وهكذا دافعوا عن‏اتصافها بالمواصفات الثابتة
للقاعدة القانونية فقالوا على سبيل المثال عن الزامية الدستور
وتوفر الجزاء الذي‏يضمن نفاذه قالوا ان الالزام متوفر في القاعدة
الدستورية وهي واجبة الاحترام من قبل الحكام والمحكومين
وهذاالوجوب مسلم به لدى الجميع واما الجزاء الذي يترتب
على مخالفة القاعدة المذكورة فانه جزاء من نوع خاص بل‏انه
اقوى من الجزاء المترتب على مخالفة القواعد القانونية الاخرى،
ان من المعلوم ان مخالفة قاعدة من قواعدالقانون العادي لا
تثير من الاعتراضات ولا من رد الفعل الاجتماعي ما تثيره
مخالفة قاعدة دستورية اما بقية‏المواصفات القانونية فهي اكثر
ظهورا ولا يسعنا التوقف عندها.
ولو عدنا الى الدستور بمعنييه الواسع والضيق لدى الشهيد
الصدر فاننا نجد الصفات القانونية متوفرة فيها مع‏بعض التحفظ
الذي تقتضيه الطبيعة الخاصة للدستور الاسلامي.
ان احكام الشريعة الاسلامية وهي المقصودة بالدستور
الاسلامي بالمعنى الواسع لا شك في كونها الزامية مع‏مراعاة
الثابت والمتغير منها واللذين يمثلان احد الجوانب المهمة من
الطبيعة الخاصة التي اشرنا اليها. وهذه‏حقيقة اسلامية وليست
وجهة نظر خاصة لاحد المسلمين. وبكلمة اخرى فان ما يثبت
بشكل قطعي من احكام‏الشريعة الواردة في الكتاب او السنة او
الاجماع او العقل يمثل دستورا ثابتا للمسلمين ينهلون منه في
احوالهم‏المختلفة ليدبروا امورهم ويحلوا مشاكلهم ويضعوا
الاجابات الشافية لما يعترضهم من تساؤلات،بالتالي فان‏كافة
احكام الشريعة الخالدة كما يعبر الشهيد الصدر في الاساس
الثامن من اصوله الدستورية تعتبر بمجموعهااحكاما دستورية
وفي الاساس السادس يقول الشهيد ان من مهام الدولة
الاسلامية «تطبيق احكام الشريعة(الدستور) والتعاليم
المستنبطة منها (القوانين) على الامة، وفي الاساس الرابع
يوجب السيد الشهيد اطاعة الدولة‏الاسلامية عندما تكون على
النحوين الاولين اللذين وضحهما، وجماع هذه الاشارات الثلاث
ان من واجب الدولة‏الاسلامية بيان احكام الشريعة وتطبيقها
وان من واجب الناس حينذاك طاعتها، وغني عن القول ان
الزام احكام‏الشريعة شامل للدولة حكاما ومحكومين بناء على
قاعدة السمو كما سنرى او كما يقول السيد الشهيد عن
الدولة‏الاسلامية حيث يصفها بانها «قانونية اي تتقيد بالقانون
على اروع وجه لان الشريعة تسيطر على الحاكم‏والمحكومين
على السواء» ((188)).
واذا انتقلنا من مستوى الدستور بمعناه الواسع هذا الى الدستور
بمعناه الضيق، وهو مجموع الاحكام الموضوعة‏من قبل الدولة
الاسلامية، والتي تنظم شؤون الامة في الموضوعات التي ورد
ذكرها فيما تقدم من البحث فانناسنجد في الاساس طائفة من
تلك الاحكام الثابتة في الشريعة واخرى من تلك الاحكام التي
«تستنبط من احكام‏الشريعة على ضوء الظروف والاحوال التي
هي عرضة للتغير والتبدل‏» وهذه الطائفة الثانية، وبالنظر الى
اهميتهاالقصوى سواء من ناحية ارتباطها الوثيق بالاحكام الثابتة
او من ناحية الموضوع الذي تعالجه فانها تنضم الى‏الطائفة
الاولى في اطار الدستور «الموضوع‏» وتتمتع جميعا بالاهمية
التي يعترف بها للدستور باعتباره القانون‏الاساس في الدولة
والذي تتفرع عنه وتبنى عليه بقية القوانين والتعليمات
والقرارات وكل من طائفتي الاحكام‏المتضمنه في الدستور
«الموضوع‏» تشتمل على احكام ملزمه، واذا كانت احكام الطائفة
الاولى ثابتة بشكل مطلق‏فان الثانية ثابتة هي الاخرى ولكن
بشكل ظرفي نسبة الى قواعد القوانين والتعليمات التي تشتق
من احكام‏الدستور وتعتمد عليها ويعني نوعا الثبات المذكور
ضمنا الزامية القواعد المذكورة اي قواعد الدستور
بمعناه‏الضيق وعلى كل حال فان نسبية الثبات لا علاقة لها
بالالزامية ذلك ان عنصر الالزام متوفر في القوانين الادنى‏وهي
متغيرة بحسب الفرض فكيف بالدستور الذي هو القانون
الاساس.
ان وضع دستور بالمعنى الضيق في نظر السيد الشهيد هو اذن
استخراج قواعد اساسية تنظم وتحكم حركة الدولة‏الاسلامية
بعناصرها المختلفة سواء كانت تلك القواعد مستقاة مباشرة من
الادلة الاربعة للاحكام الشرعية ام‏كانت مستنبطة منها بشكل
غير مباشر. وقد وضع السيد الشهيد بنفسه في لمحته الفقهية
التمهيدية عن الدستورالاسلامي ورقة عمل لمشروع دستور«
وليس صياغة نهائية للدستور» ضمنها مخططا اوليا للمبادئ
الدستورية‏الاسلامية.
والحقيقة انه ليس من شك لدى احد من المسلمين في الزامية
قواعد الشريعة، فاذا تحول ما يتعلق من قواعدالشريعة والاحكام
المستنبطة منها بحركة الدولة وممارسة سلطاتها و حقوق
الراعي والرعية الى قواعد دستورية‏فان القول بالزامية تلك
القواعد يكتسب سببا آخر للقوة ذلك ان وضع احكام شرعية في
اطار دستور الدولة يعني‏ايجاد ضمان (رسمي) لتنفيذها
وترجمتها في واقع الامة باعتبارها قواعد ملزمة.
وهنا نود ان نلفت النظر الى ان احكام طائفتي القواعد
الدستورية التي ذكرناها (الثابتة مطلقا والثابتة نسبيا) لا
تنقل‏في الدولة الاسلامية الى الدستور نصا كما هي واردة في
مصادرها لا سيما اذا تذكرنا ان عملية استخلاص الحكم‏من
مصادره، نقلا واستنباطا انما هي عملية استنباط فنية تشتمل
نتيجتها على اعطاء حكم ذي شكل ومضمون،واذا كان
المضمون معبرا عن الحكم الشرعي السليم سواء كان واقعيا ام
ظنيا فان الشكل، بمعنى النص المعبر عن‏الحكم، لن يكون الا
فيما ندر متطابقا مع الحكم الشرعي المباشر والمستنبط، و
بعبارة اخرى فان هناك عمليتين‏تجريان بالضرورة لنقل الحكم
الشرعي من ادلته الشرعية او بالاعتماد عليها من النص الفقهي
الى النص القانوني‏سواء كان النص القانوني دستورا او قانونا في
مرتبة ادنى من الدستور. فاما العملية الاولى فهي نقل
المضمون‏المطلوب من الدليل الشرعي او بالاعتماد عليه الى
الساحة القانونية، ويمكن ان نمثل لهذه العملية بما فعله
السيدالشهيد الصدر في لمحته الفقهية عن الدستور الاسلامي،
وان جاءت اللمحة مشتملة على بعض المناقشات‏والتاصيلات
الفقهية التي لا تظهر في الصياغة القانونية، والتي سوف تختفي
لهذا السبب تماما، الا في حالات‏استثنائية في مرحلة العملية
التالية وهي التي تتضمن صياغة النص القانوني (الدستور او
غيره) على شكل قاعدة‏تتضمن ما يسمى عند اهل الصنعة فرضا
وحكما وهما تعبيران عن طرفي القاعدة، حيث يعني الفرض
حدوث امرفي الواقع ويعني الحكم ما يترتب على ذلك الحدوث
((189)) كترتب حكم الاعدام في قانون العقوبات على
حدوث‏واقعة القتل العمد، او كترتب ضمان المستاجر للعين
المؤجرة على عقد الايجار في القانون المدني.
فصياغة القاعدة ذات الفرض والحكم (في العملية الثانية)،
حتى اذا لم يظهر هذان العنصران في النص بشكل‏واضح تعتبر
عملية فنية يمارسها ذوو اختصاص محدد ربما لا يتطابق مع
اختصاص اولئك الذين قاموا بالعملية‏الاولى، ومن الناحية
العملية فان الفقهاء القادرين على استخلاص الاحكام الشرعية
من ادلتها هم الذين يقومون‏بالعملية الاولى، اما العملية الثانية
فتعني ان امام الممارس نصا استخلصه الفقيه المعني من
الادلة الشرعية‏ليكون الميزان الشرعي في النظر الى مسالة من
المسائل، ولكن هذا النص عبارة عن (مادة اولية) لم تتخذ
شكل‏الصياغة القانونية، اي انها بحاجة الى ان تجرى عليها
العملية الفنية الثانية وهي عملية الصياغة القانونية.