ان عملية تدوين الدستور التي تكلم عنها الاستاذ المودودي
في محاضرته التي سبق ان ذكرناها او التي تكلم عنهاالسيد
الشهيد الصدر في لمحته الفقهية وفي الاسس الدستورية هي
العملية الاولى لنقل الاحكام الشرعية الى‏الساحة القانونية
للدولة الاسلامية من مظانها التي تدعى بالتعبير العصري
مصادر القانون. فاذا صيغت الاحكام‏الواردة في محاولتي
الاستاذ المودودي والسيد الشهيد على شكل مواد قانونية فانها
تصبح دستورا مدونا كمايسميه الاستاذ المودودي، او دستورا
بالمعنى الضيق كما يسميه السيد الشهيد او دستورا اسلاميا
وضعيا كمايمكن تسميته بتعبير آخر، ذلك ان الدستور المصاغ
بهذه الطريقة انما هو نصوص وضعها البشر وامااستخلاصها من
الادلة الشرعية الاسلامية فقد منحها اسم: الاسلامية فصارت
دستورا اسلاميا وضعيا تمييزا لهاعن النصوص غير الاسلامية
التي يضعها البشر ويقال لها وضعية، وهكذا يمكن ان نرى في
التطبيق دساتيروضعية اسلامية، ودساتير وضعية غير اسلامية
نظرا لاختلاف مصادر النوعين، ومن امثلة الدساتير
الاسلامية‏الوضعية بالمعنى المتقدم دستور الجمهورية
الاسلامية في ايران ونماذج الدساتير الواردة في مؤلف
المستشارعلي جريشة الذي سبق ان اشرنا اليه.
2- سمو الدستور:
يعتبر الدستور القانون الاعلى او القانون الاساس في الدولة
فقواعده اسمى من قواعد غيره من القوانين لان هذه‏تستقى
منه وتعتمد عليه وكل مخالفة منها لنصوصه تجعل منها
قوانين (غير دستورية) فتفقد اعتبارهاوالزاميتها، وقد اكد كثير
من الباحثين في مجال القانون الدستوري على هذه الحقيقة
وبينوا وجهات نظرهم في‏مصدر سمو الدستور ((190)).
وانما ثار الجدل بشكل خاص حول مدى صحة هذا الراي في
حالة الدساتير غير المدونة كالدستور البريطاني،ذلك ان
الدستور العرفي كما يذهب بعض الباحثين يعتبر دستورا
مرنا بطبيعته، ولذلك فانه يفقد سموه‏وعلويته على القواعد
القانونية الاخرى، وكان هؤلاء الباحثين يربطون بين مسالة
تدوين الدستور وجموده‏وبالتالي سموه وعلويته، كما يربطون
بين عدم تدوين الدستور ومرونته.
وعلى هذا يلاحظ اولئك الباحثون ان «الدستور العرفي هو
دستور مرن بطبيعته، لان نشوء عرف جديد لابد ان‏يعدل
العرف القديم وينسخه، اما مرونة الدستور المكتوب فتتوقف
على الاجراءات التي يتضمنها عادة الدستورالمكتوب والمتعلقة
بتعديل احكامه‏» ((191)).
لقد علقنا في دراسة سابقة على مثل هذا الراي وذهبنا الى «ان
الجمود ليس في حقيقته الا نتيجة من نتائج‏العلوية،.... وليس
مصدرا لها، فنحن نستطيع بالتالي اعتبار الجمود دليلا على
العلوية وليس سببا او مصدرالها» ((192)).
على ان نسبة المرونة وسهولة التعديل الى الدساتير غير
المدونة قد يثير اشكالا مهما لدى البعض بالنسبة الى‏الدستور
الاسلامي (غير المدون) وهو احكام الشريعة نفسها ووجه
الاشكال هو الذي تثيره تسمية الاستاذالمودودي للدستور
الاسلامي المتمثل باحكام الشريعة بانه دستور غير مدون، فاذا
كان غير مدون فهو مرن،واذا كان مرنا فقد علويته وسموه
وحاكميته على ما سواه من قواعد الضبط من قوانين
واعراف‏وغيرها.
والحقيقة ان الاستاذ المودودي انما شبه تشبيها احكام الشريعة
الاسلامية (كدستور) باحكام الدستور البريطاني‏غير المدونة
(العرفية) ووجه التشبيه مقصور في الواقع على التدوين وعدم
التدوين وماخوذ بمعنى ان تلك‏الاحكام (احكام الشريعة
الاسلامية) مثبتة في الكتاب والسنة وليست مستخرجة جميعا،
وان استخراجها يحتاج‏الى جهد واجتهاد ومن ثم الى تدوين
نتائج ذلك الاجتهاد وصياغتها بشكل خاص.
والامر بالتاكيد يختلف عن حال الدستور البريطاني العرفي،
لان نصوص الكتاب والسنة مدونة وليست احكاماعرفية.
و اما عند الشهيد الصدر فقد عرضنا سابقا تمييزه بين تعابير
(الشريعة الاسلامية) التي سماها دستورا بالمعنى‏الواسع ولم
يقل عنها انها (دستور غير مدون) وبين الدستور بالمعنى
الضيق تمييزا لهما عن القوانين والتعليمات‏التي تستقى من
الدستور وتستمد صلاحيتها منه.
ان جمود احكام الدستور الاسلامي بمعناه الواسع (اي احكام
الشريعة الاسلامية) ورد ذكره في عدة مواضع من‏كتابات
السيد الشهيد ومنها الفقرة الاولى من الاساس الثامن من
اصوله الدستورية حيث قال: «احكام الشريعة‏الاسلامية المقدسة
هي الاحكام الثابتة التي بينت في الشريعة بدليل من الادلة
الاربعة.. فلا يجوز في هذه الاحكام‏اي تبديل او تغيير..» وينتقل
هذا الجمود بشكل كبير الى (الدستور) بمعناه الضيق، ذلك انه
يحتوي في الجزءالاكبر منه احكاما شرعية ثابتة لا تقبل التبديل
او التغيير، واما الجزء الاخر من احكام الدستور بمعناه الضيق
فلهاثبات نسبي بالمعنى الذي ذكرناه سابقا لكونها جزءا من
وثيقة الدستور الثابتة في معظمها، ويمكن ان يظهر في‏احكام
الدستور (المدون) ما يضفي على هذه القواعد صفة الثبات
النسبي او المرونة بحسب الاحوال.
يقول السيد الشهيد في لمحته الفقهية التمهيدية: «ان الشريعة
الاسلامية هي مصدر التشريع الذي يستمد منه‏الدستور
(بالمعنى الضيق) وتشرع على ضوئه القوانين في الجمهورية
الاسلامية وذلك على النحو التالي: اولا: ان‏احكام الشريعة
الثابتة بوضوح فقهي مطلق تعتبر بقدر صلتها بالحياة
الاجتماعية جزءا ثابتا في الدستور سواء نص عليه صريحا في
وثيقة الدستور ام لا. ثانيا: ان اي موقف للشريعة يحتوي على
اكثر من اجتهاد يعتبر نطاق‏البدائل المتعددة من الاجتهاد
المشروع دستوريا ويظل اختيار البديل المعين من هذه البدائل
موكولا الى السلطة‏التشريعية التي تمارسها الامة على ضوء
المصلحة العامة، ثالثا...» ((193)).
وواضح من تعبيرات السيد الشهيد توكيده على تبعية القوانين
الادنى للدستور وسموه عليها، كما هو واضح‏ايضا ثبات احكام
الشريعة او جمودها بالتعبير العصري ((194)).
وقد قدم السيد الشهيد للعبارات المذكورة المبرر الذي جعل
من احكام الشريعة احكاما ثابتة فهي «الشريعة‏النازلة بالوحي من
السماء» وانه «مادام اللّه تعالى هو مصدر السلطات وكانت
الشريعة هي التعبير الموضوعي‏المحدد عن اللّه تعالى فمن
الطبيعي ان تحدد الطريقة التي تمارس بها هذه السلطات عن
طريق الشريعة‏الاسلامية‏» ((195))، فمصدر العلوية اذن ارادة
اللّه سبحانه وتعالى، وهذه العلوية هي سبب الجمود
بالمعنى‏المتقدم، وقد اوكل السيد الشهيد في لمحته الفقهية
الى «المرجعية الرشيدة‏» تعيين الموقف الدستوري
للشريعة‏الاسلامية والبت في دستورية القوانين ((196)).
ولابد ان نشير هنا من جديد الى ان السيد الشهيد انما يثبت
حقائق من حقائق الشريعة الاسلامية الغراء التي جاءت‏لكل زمان
ومكان وخاطبت الناس كافة، وبذلك، فان احكامها التشريعية
الثابتة (دستور) ثابت لا يمكن تغييره‏سواء وردت تلك الاحكام
في الدستور المكتوب ام لم ترد وعلى هذا سارت احكام دستور
الجمهورية الاسلامية في‏ايران الذي مهد له السيد الشهيد
بلمحته الفقهية فقد اوجب في المادة الرابعة منه «ان تكون
الموازين الاسلامية‏اساس جميع القوانين والقرارت..» مشيرا الى
ان هذا الحكم نافذ «على جميع مواد الدستور والقوانين
والقرارات‏الاخرى اطلاقا وعموما..» كما نص في آخر مواده على
ان «مضامين المواد المتعلقة بكون النظام اسلاميا وقيام
كل‏القوانين والمقررات على اساس الموازين الاسلامية
والاسس الايمانية، واهداف جمهورية ايران الاسلامية،وكون
الحكم جمهوريا وولاية الامر وامامة الامة، وكذلك ادارة امور
البلاد بالاعتماد على الاراء العامة، والدين‏والمذهب الرسمي
لايران هي من الامور التي لا تقبل التغيير».
وفي محاولة المستشار جريشة الدستورية التي اشرنا اليها
سابقا، نقرا في المادة الاولى ان مشروعية الاسلام‏هي العليا فوق
كل النصوص، ونقرا في المادة 22 وجوب تشكيل محكمة
دستورية عليا من مهمتها ابطال كل مايخالف الاعلان
الدستوري اواي نص قطعي من الكتاب او السنة، ونقرا في
مذكرته الايضاحية ان الوحي قرآناوسنة هو فوق الدستور
والاعلان الدستوري.
وعلى كل حال فانه ينبغي ان نتذكر ان اهم نتائج علوية وسمو
الدستور ((197)) تتمثل في:
1- استقرار احكامه وثباتها مطلقا او نسبيا.
2- مرجعيته بالنسبة لسلطات الدولة وما يصدر عنها من قواعد
ضبط، وبالنسبة للمؤسسات والافراد على‏مختلف المستويات
وفي مختلف الحقول.
3- اقرار مبدا الرقابة لتحقيق قانونية الدولة من جهة ولتحقيق
انسجام قواعد الضبط عموديا وافقيا في نظام حركة‏متكاملة.
وقد راينا في تاكيدات السيد الشهيد ما يحسم موضوع مرجعية
الدستور الاسلامي واستقرار وثبات احكامه، كماقرانا له تعيين
الجهة التي تراقب دستورية القوانين، ولم يبق الا ان نلقي نظرة
على ما يشتمل عليه الدستورالاسلامي في نظر السيد الشهيد
من موضوعات سبق ان اقتصرنا على ذكر عناوينها فيما سبق.

ثالثا: مضمون الدستور
سبق ان شخصنا ثلاثة موضوعات يشتمل عليها دستور الدولة
الاسلامية في نظر السيد الشهيد، ولاحظنا ان ذلك‏لا يمنع من
افتراض امكانية شموله على موضوعات اخرى اساسية تتصل بها
اتصالا وثيقا او تتفرع عنها ولكن مع‏التمتع باهمية متميزة،
ذلك ان السيد الشهيد لم يضع حدودا لما يمكن ان يشتمل
عليه الدستور، كما لم يقل انه‏يشتمل على كل شي‏ء وانما
استفدنا تلك الموضوعات مما كتبه السيد الشهيد عن الدستور،
وقد خلصنا في حينهاالى ان تلك الموضوعات هي ما درج عليه
الوضعيون ايضا في الدراسات الدستورية وفي مشاريع الدساتير
التي‏يضعونها، وها نحن نستعرض موقف السيد الشهيد من
محتويات الدستور من خلال كتاباته المختلفة ولعل من‏المفيد
ان نذكر بان السيد الشهيد لم يدرس موضوع القانون
الدستوري كما يصنع المتخصصون وانما عرض‏التصور
الاسلامي لاهم مشتملات الدستور والخلفية الفقهية لذلك من
خلال الاحساس بالحاجة الاجتماعية لمثل‏هذه البيانات،
وبالتالي فان ما كتبه ليس بحثا متخصصا في القانون
الدستوري وانما هو افكار اساسية واوراق‏عمل اسلامية موزعة
في كتبه (رحمه اللّه).
اماالموضوعات الاساسية الثلاثة التي سبقت الاشارة اليها فهي:
* ممارسة السلطة في الدولة.
* الحقوق والحريات.
* المضمون الفكري والتربوي.
و لما كنا افردنا مبحثا خاصا لدراسة الدولة وسلطاتها فاننا
سنقصر الحديث هنا على الموضوعين‏الاخيرين:

الحقوق والحريات:
ليست الحقوق والحريات التي تحرص الدساتير على النص
عليها مقصورة على الجانب السياسي، وانما تتعدى‏ذلك الى
الجانب الاجتماعي والاقتصادي ايضا. ولكل نظام من الانظمة
التي تتبناها الدساتير نظرته الى تلك الحقوق‏والحريات من
حيث الاساس الفكري و السعة والضيق وما الى ذلك. وقد عني
السيد الشهيد عناية خاصة بمقارنة ما عليه النظام الاسلامي
بالحقوق والحريات في النظامين الراسمالي والاشتراكي
باعتبارهما مدرستين‏منفصلتين تتوزعان انظمة دول العالم
الى جانب النظام الاسلامي الذي كان قبل قيام الجمهورية
الاسلامية في‏ايران من ذخائر التاريخ تطبيقيا ((198)).
و اذا كانت الاسس الفكرية لاسيما المقارنة هي في الاصل اقرب
الى مهمة الجزء الخاص بالدولة من هذا البحث فاننانكتفي هنا
ببعض اللمحات التي وردت في كتابات السيد الشهيد عن
موضوع الحقوق والحريات، ولنذكر اولا ان‏السيد الشهيد لم
يهتم بوضع هيكل للحقوق و الحريات في الدولة الاسلامية،
مكتفيا فيما يبدو بما كان موردالحاجة وقت كتابته من ناحية،
وبان دراسة الحقوق والحريات في الاسلام لا تشكل عقبة كبيرة
بعد بيان نقطتين‏رئيسيتين هما:
- ان المعين الدستوري للدولة هو الشريعة الاسلامية وبالتالي
فان احكام الحقوق والحريات كغيرها من الاحكام‏تستخلص
بالطريقة التي سبقت الاشارة اليها في اطار الثابت والمتغير من
الاحكام الاسلامية.
- الكليات والمبادئ المتعلقة بالموضوع.
لقد عرض السيد الشهيد موقف كل من الراسمالية والاشتراكية
من موضوع الحقوق والحريات وبين مجموعة من‏الماخذ على
ذلك الموقف القائم على «التفسير المادي المحدود للحياة‏»
والذي ينبغي تطويره في نظر الاسلام كحل‏وحيد للمشكلة
الاجتماعية، وقد عبر السيد الشهيد عن دور الدين في هذا
المجال بانه «يوحد بين المقياس الفطري‏للعمل والحياة وهو
حب الذات، والمقياس الذي ينبغي ان يقام للعمل والحياة
ليضمن السعادة و الرفاه‏والعدالة‏» ((199))، وينتهي في ذلك
الى القول بان «الفهم المعنوي للحياة والتربية الخلقية للنفس
في رسالة الاسلام‏هما السببان المجتمعان على معالجة السبب
الاعمق لماساة الانسانية‏» ((200)).
و السيد الشهيد في تاشيره للقواعد الفكرية وللمبادئ والكليات
في الدولة الاسلامية في هذا المجال يثبت:
- ان المقياس الخلقي الجديد الذي يضعه الاسلام للانسانية هو
رضا اللّه تعالى.
- الخط العريض في النظام الاسلامي هو اعتبار الفرد والمجتمع
معا وتامين الحياة الفردية والاجتماعية بشكل‏متوازن ((201)).
- ان الدولة الاسلامية دولة قانونية تتقيد بالدستور بمعنييه
الواسع والضيق ((202)).
بعد هذا يتوقف السيد الشهيد عند مفهوم الحرية ((203)) في
الاسلام مؤكدا على ان قاعدة الحرية الاساسية في‏الاسلام هي:
«التوحيد والايمان بالعبودية المخلصة للّه، الذي تتحطم بين
يديه كل القوى الوثنية التي هدرت كرامة الانسان على‏مر
التاريخ‏» ((204)).
ومن هنا كان اختلاف الاسلام عن الحضارة الغربية في هذا
الصدد، وهو اختلاف على صعيد المقدمات كما هوعلى صعيد
النتائج. يقول السيد الشهيد: «فالاسلام والحضارة الغربية، وان
مارسا معا عملية تحرير الانسان، ولكنهما يختلفان في القاعدة
الفكرية التي يقوم عليها هذا التحرير، فالاسلام يقيمها على
اساس العبودية للّهوالايمان به، والحضارة الغربية تقيمها على
اساس الايمان بالانسان وحده وسيطرته على نفسه، بعد ان
شكت في‏كل القيم والحقائق وراء الابعاد المادية لوجود
الانسان‏» ((205)).
ولا يحصر السيد الشهيد مناقشته في هذا الاطار بل انه يتعداه
الى مفهوم الضمان ايضا، ذلك ان الحرية والضمان‏بالشكل الذي
عرضته الحضارة الغربية المادية: الراسمالية فالاشتراكية
يمثلان المقترحين الاساسيين للحضارة‏المذكورة لحل
المشكلة الانسانية واللذين تمحورت حولهما التشريعات
المتعلقة بالحقوق والحريات في الشرق‏والغرب.
فاما الحرية فقد اشار السيد الشهيد الى قاعدتها في الاسلام كما
قدمنا والى كرامة المواطن وحقه في الحرية‏والمساواة
والمساهمة في بناء المجتمع ((206)). واستطرد السيد الشهيد
بعد اشارته الى حقيقة كون اللّه سبحانه‏وتعالى مصدر السلطات
جميعا، حيث تعني لديه «ان الانسان حر ولا سيادة لانسان آخر
او لطبقة او لاي مجموعة‏بشرية عليه.. وبهذا يوضع حد نهائي
لكل الوان التحكم واشكال الاستغلال وسيطرة الانسان على
الانسان..»((207)).
وقد اشار السيد الشهيد الى الاليات العملية التي تجسد دور
الامة في ادارة الدولة وتعيين من يتولى‏سلطاتها ((208)) كما
سنرى عند الحديث عن الدولة، كما ثبت في اللمحة الفقهية
الدستورية كذلك مساواة افرادالامة امام القانون وحقهم
المتساوي في صدد ادارة شؤون الدولة واستثمار طاقاتها وثمار
انشطتها كما نص على‏حق المواطنين في التعبير عن
الاراءالافكار وممارسة العمل السياسي والشعائر الدينية
والمذهبية ((209)).
ولم ينس السيد الشهيد في هذا الصدد التاكيد على حق غير
المسلمين من المواطنين في التمتع بما تقدم وسنرى
في‏الحديث عن الدولة تفاعل وتكامل اجزاء وجوانب الحياة
الاجتماعية في الدولة الاسلامية.
واما فيما يتعلق بالضمان الاجتماعي فقد نص السيد الشهيد
على تكامله مع مبدا التوازن الاجتماعي ((210))، وقدبحث
الامر بشكل خاص في كتاباته الاقتصادية وقد ارجع هذين
المبداين الى احد الاركان الاساسية للاقتصادالاسلامي وهو
مبدا العدالة الاجتماعية فقال: «الصورة الاسلامية للعدالة
الاجتماعية تحتوي على مبداين عامين‏لكل منهما خطوطه
وتفصيلاته احدهما مبدا التكافل العام والاخر مبدا التوازن
الاجتماعي‏» ((211)) ولا ينفصل‏الحديث في هذا عن الركنين
الاخرين للاقتصاد الاسلامي كما وضحهما السيد الشهيد،
فالركن الاول يتعلق بحق‏التملك وقد تطرق فيه الى قاعدة
ازدواجية الملكية في الاسلام ((212))، والركن الثاني هو مبدا
الحرية الاقتصادية‏كما يراها الاسلام الذي يقيدها بعدد من
القيم المعنوية والاخلاقية ((213)) ويمزجا بمبدا الضمان
((214)) وعلى كل‏حال فقد لخص السيد الشهيد الحق في
التنمية والرفاه والتقدم بنقاط محددة منها: الضمان
الاجتماعي الذي يكفل‏الحد الادنى من الرفاه لجميع افراد
المجتمع، ومنها: التوازن الاجتماعي في المعيشة بالتقريب
بين مستوياتها،وبين الدخول وذلك بالمنع من الاحتكار وتركز
الاموال‏» ((215)).
اما دستورية هذه النقاط فنستنتجها من اشارات السيد الشهيد
في اللمحة الفقهية والاصول الدستورية التي‏وضعها ومن
تشديده على ان تحقيق تلك النقاط هو من الواجبات الاساسية
للدولة من خلال ادائها لواجبها في‏تحديد وتطبيق العناصر
الثابتة والمتحركة في الاقتصاد الاسلامي.
هذا وتكرس تعبيرات السيد الشهيد الحق في الضمان
والمساواة فيه، فهو يقول ان «الضمان الاجتماعي في‏الاسلام
حق من حقوق الانسان التي فرضها اللّه تعالى، وهو بوصفه حقا
انسانيا لا يتفاوت باختلاف الظروف‏والمستويات المدنية ولا
يختص بفئة دون فئة‏» ((216)). وفي هذه المناسبة فقد اوضح
السيد الشهيد ان الضمان في‏الاسلام واجب على الافراد تارة
ضمن مبدا التكافل العام لان كل مسلم مسؤول عن ضمان
معيشة الاخرين،وواجب على الدولة تارة اخرى ضمن مبدا
الضمان الاجتماعي نفسه وهو مبدا «يقرر مسؤولية الدولة في
هذاالمجال ويحتم عليها ضمان مستوى من العيش المرفه
الكريم للجميع من موارد ملكية الدولة والملكية العامة‏وموارد
الميزانية‏» ((217)).
وفي هذا السياق عدد السيد الشهيد امثلة من التزامات الدولة
(التي تمثل حقوقا للمواطنين) فقال: (تلتزم الدولة‏بتوفير
العمل في القطاع العام لكل مواطن وباعالة كل فرد غير قادر
على العمل او لم تتوفر له فرصة العمل وتقوم‏بجباية الزكاة
لتوفير صندوق للضمان الاجتماعي كما انها تخصص خمس
عائدات النفط وغيره من الثروات‏المعدنية للضمان الاجتماعي
وبناء دور سكن للمواطنين وفق تنظيم تضعه الدولة. وتلتزم
الدولة بالانفاق وبكل‏اشكاله على نحو يوفر لكل مواطن القدرة
على الاستفادة من المجال التعليمي والصحي بدون مقابل
وفقا لنظام‏تقرره الدولة) ((218)).

المضمون الفكري التربوي:
في الفقرة الاخيرة من الاساس الاول من اصول الدستور
الاسلامي «يلفت الشهيد الصدر الانتباه الى ان الاسلام‏مبدا
كامل لانه يتكون من عقيدة كاملة في الكون ينبثق عنها نظام
اجتماعي‏شامل لاوجه الحياة ويفي بامس واهم‏حاجتين
للبشرية وهما: القاعدة الفكرية والنظام الاجتماعي‏» واذا كان
هذا هو شان الدستور بمعناه الواسع فان‏الدستور بمعناه الضيق
لابد ان يتعدى مجرد وضع نظام لدولة المجتمع الاسلامي
الى تكريس القاعدة الفكرية‏التي التي يقوم عليها ذلك النظام،
والحقيقة اننا سواء كنا في حضرة دستور راسمالي او اشتراكي او
اسلامي او تلفيقي فان الاحكام الدستورية لابد ان تكشف عن
مضمون فكري، لا من خلال الاحكام الخاصة بالحقوق
والواجبات ومصدرها وحسب، بل من خلال الاحكام الاخرى
الخاصة بشكل دقيق بكيفية ممارسة السلطة ايضا وحتى
تلك الاقل اهمية من ذلك.
يقول العلامة الفرنسي موريس ديفرجيه: ان كل نظام سياسي
هو عبارة عن مجموعة من الاجابات موضوعة لكل‏واحد من
الاسئلة التي يطرحها وجود وتنظيم الحكام في وسط هيئة
اجتماعية ما ((219)).
وفي الحقيقة فاننا، سواء كنا من القائلين بالطبيعة السياسية او
الطبيعة القانونية للقواعد الدستورية مضطرون‏للقول بان تلك
القواعد تكشف بنصها الحرفي او بمضامينها عن موقف فكري
للحكم.. فواضعو الدستور يعبرون‏عن توجهات معينة للدولة
التي يضعون دستورها. ولا يقدح في ذلك انهم يطابقون فيما
يذهبون اليه في الاحكام‏الدستورية التي يضعونها ما يذهب اليه
ابناء الشعب او يخالفونهم. بل ليس من اثر لمطابقة ذلك لما
يعتقدونه هم‏او مخالفته له، انهم يعبرون عن توجهات مركز او
مراكز القوة الماثلة في الدولة التي يضعون دستورها.
فاذا سلمنا بوجود قاعدة فكرية للدستور هي عبارة عن فلسفة
الحكم التي تؤمن بها القوة الكامنة (او توازن القوى الكامن)
خلف احكام الدستور فان هذه الاحكام ستكون معبرة عن تلك
الفلسفة حريصة على تطبيقها وسيادتها في‏الواقع العملي
للمجتمع اذا لم تكن مطبقة فعلا، واذا كانت مطبقة فعلا
فستكون مهمة الاحكام المذكورة الحفاظ‏عليها وتكريسها و
توسيع قاعدتها الاجتماعية بل وحمايتها من كل خطر. وفي
الحالين يبدو واضحا ان قواعدالدستور والقواعد القانونية
القائمة عليه لا تلعب دور المعبر عن فكر معين وحسب بل
تمارس دور توجيه‏المجتمع وتربيته بل وضبط مسيرته بالاتجاه
الذي يفرضه ذلك الفكر ايضا.
من هنا فان التمييز الذي لجا اليه العلامة ديفرجيه بين ما
سماه «الدستور القانون‏» (
La costitution-loi) وماسماه
«الدستور البرنامج‏» (
constitution-proqramme) غير
مقنع فيما يتعلق بالنتيجة التي يؤدي اليهامن نفي صفة
التوجيه «او المضمون التربوي كما عبرنا عنه‏» عن النوع الاول
من الدساتير « الدستور قانون‏»والذي نجد نماذجه في
الديمقراطيات الغربية، بينما يكون النوع الثاني «الدستور
البرنامج‏» هو الشائع في الدول(المتخلفة) وعموم الانظمة
المركزية، حيث يكون الدستور عبارة عن برنامج عمل لنظام
الدولة ويستهدف‏الوصول في النهاية الى اهداف محددة. كما ان
هذا لا يبدو مناسبا للمقدمة التي ذكرها ديفرجيه واشرنا اليها
قبل‏قليل حول تعريفه للنظام السياسي.
ولو رجعنا الى كتابات السيد الشهيد التي اشار فيها الى
المضمون الفكري والتربوي لنظام الحكم الاسلامي‏لوجدناها
عديدة واضحة صريحة، وهو حين عمد الى اسلوب المقارنة بين
النظام الاسلامي وبقية نماذج الانظمة‏التي عرفتها المجتمعات
البشرية قد اوضح في الوقت نفسه حقيقة كون الانظمة
المذكورة ذات محتوي فكري‏واهداف تتجه اليها وتدفع
المجتمع اليها بما تعتمده من وسائل وامكانيات تتفق مع
فكرها المشار اليه.
اما كتابات السيد الشهيد التي يمكن الرجوع اليها في هذا الشان
فقد لا تخلو واحدة من كتاباته من شي‏ء يتعلق‏بذلك، غير اننا
نجد اشارات مباشرة وواضحة تحت العناوين الستة التي وردت
في كتاب «الاسلام يقود الحياة‏»وكذلك في الاصول الدستورية
المشار اليها سابقا، وفي «المدرسة الاسلامية‏» لا سيما تحت
عنوان: الاسلام‏والمشكلة الاجتماعية وتحت عنوان: موقف
الاسلام من الحرية والضمان، فضلا عما ورد في اقتصادنا
وفلسفتناورسالتنا.
وها نحن نقتبس بعض تلك الاشارات لنتعرف على كيفية
تناول السيد الشهيد للموضوع وحقيقة ما ينطوي عليه‏النظام
الاسلامي من مضمون فكري وتربوي في الاسس المعنونة
«اصول الدستور الاسلامي‏» حيث يركز السيدالشهيد على اعطاء
تعريف اولي للاسلام كمصطلح فيقول عنه انه «العقيدة
والشريعة اللتان جاء بهما من عنداللّهتعالى الرسول الاعظم(ص)
ونقصد بالشريعة مجموعة القوانين والانظمة.. التي تعالج
الحياة البشرية كافة:الفكرية منها والروحية والاجتماعية
بمختلف الوانها من اقتصادية وسياسية وغيرها» (الاساس
الاول).
ها هنا موجز للفكرة التي نبحثها تحت عنوان المضمون الفكري
والتربوي للدستور. فقد سبق ان اشرنا الى المعنى‏الواسع
للدستور عند السيد الشهيد وهو الشريعة، وهذا الدستور قائم
بدوره على العقيدة او هما ركنان متكاملان‏للاسلام لا يصلح
احدهما بدون الاخر.
وحين يقدم السيد الشهيد ايضاحاته عن انواع الدول (في
الاساس الرابع) ويعرف الدولة الاسلامية بانها: «هي‏الدولة التي
تقوم على اساس الاسلام وتستمد منه تشريعاتها بمعنى انها
تعتمد الاسلام مصدرها التشريعي‏وتعتمد المفاهيم الاسلامية
منظارها الذي تنظر به الى الكون والحياة والمجتمع‏» وهذا
تعبير آخر عن تلازم ركني‏العقيدة والشريعة ووصف لهما حينما
ينتقلان الى مجال التطبيق العملي، فالنظام الاسلامي يحكمه
ويضبط‏حركته وعلاقاته الدستور (الشريعة) الذي يقوم على
قاعدة فكرية محددة هي العقيدة الاسلامية التي
تتلخص‏بالنظرة الكونية التوحيدية.
ويجمع السيد الشهيد بين عنصري الفكر والنظام حين يحرر
(الاساس الخامس) تحت عنوان: «الدولة الاسلامية‏دولة فكرية‏»
ويقول في مزيد من الايضاح ان: «من طبيعة الدولة الفكرية انها
تحمل رسالة فكرية وكذلك الدولة‏الاسلامية فانها دولة ذات
رسالة فكرية هي الاسلام‏».
ومن الطبيعي ان تكون من هموم الدولة الاساسية التي تضمنها
دستورها رعاية العقيدة والشريعة معا للتلازم‏القائم بينهما في
تعبيرهما عن الاسلام. فروح الدستور الاسلامي نظرته الكونية
التوحيدية، ومفرداته مطبوعة في‏تنظيمها للدولة والمجتمع
بتلك الروح بشكل لازم. ومن هنا كان اول الامور التي يثبتها
السيد الشهيد في لمحته‏الفقهية الدستورية القاعدة الاساسية
التي تقول: «ان اللّه سبحانه وتعالى هو مصدر السلطات
جميعا،... وان‏السيادة للّه وحده وما دام اللّه تعالى هو مصدر
السلطات وكانت الشريعة هي التعبير الموضوعي المحدد عن
اللّهتعالى فمن الطبيعي ان تحدد الطريقة التي تمارس بها هذه
السلطات عن طريق الشريعة الاسلامية (و بالتالي) فان‏الشريعة
الاسلامية هي مصدر التشريع بمعنى انها هي المصدر الذي
يستمد منه الدستور وتشرع على ضوئه‏القوانين في الجمهورية
الاسلامية...».
هكذا تم الربط بين القاعدة العقائدية الفكرية التي تشكل فلسفة
في النظام الاسلامي‏بين الدستور الذي يصوغ هيكل‏وحركة
الدولة الاسلامية.
وتعود اهمية هذا الربط لتظهر لا في وضع القواعد الخاصة
(بالضبط الاجتماعي) على مستوى الراعي والرعية‏فحسب بل
في (التوجيه الاجتماعي) ايضا بمعنى تجسيد الاهداف الربانية
في اقامة النظام والدفع باتجاهها، اي‏تحقيق الرسالة الاسلامية
في تنقية المجتمع البشري والسمو به الى مدارج الكمال.
وعليه فان المضمون التوجيهي والتربوي للدستور لابد ان
يظهر بشكل جلي مجسدا اهداف الدولة الاسلامية،
تلك‏الاهداف التي لخصها السيد الشهيد في لمحته الفقيه ايضا
وجاء في جانب منها انها تتمثل في:
- تطبيق الاسلام في مختلف مجالات الحياة.
- تثقيف المواطنين على الاسلام تثقيفا واعيا وبناء الشخصية
الاسلامية العقائدية في كل مواطن لتتكون القاعدة‏الفكرية
الراسخة التي تمكن الامة من مواصلة حمايتها للثورة.
ان الدستور الاسلامي في منظور السيد الشهيد لابد ان يتميز
عن كل الدساتير الاخرى بانه دستور لدولة القرآن و«ان دولة
القرآن العظيمة يقول السيد الشهيد في لمحته الفقهية
الدستورية لا تستنفد اهدافها لان كلمات اللّه تعالى لا تنفد
والسير نحوه لا ينقطع والتحرك في اتجاه المطلق لا يتوقف‏» و
في هذه التعبيرات ما فيها من دلالات‏على المضمون الفكري
والتربوي في الدستور الاسلامي الذي ينبغي له وفقا لتاكيدات
السيد الشهيد ان يجسد مضمون خلافة الانسان على الارض
والخلافة كما يراها السيد الشهيد «حركة دائبة نحو قيم الخير
والعدل والقوة،وهي حركة لا توقف فيها لانها متجهة نحو
المطلق و اي هدف آخر للحركة سوى المطلق سوى اللّه
سبحانه‏وتعالى سوف يكون هدفا محدودا و بالتالي سوف
يجمد الحركة ويوقف عملية النمو في خلافة‏الانسان‏» ((220)).
واذا كانت كتابات السيد الشهيد تطفح في تعبيراتها ومداليلها
بالمعاني المتقدمة فاننا قد وجدنا في احد نصوصه‏اسطرا قليلة
تختصر العلاقة بين القاعدة الفكرية والعقائدية وبين دستور
الدولة الاسلامية الذي يسطر اهدافهاوفلسفة الحكم فيها، ذلك
ما قاله السيد الشهيد في نهاية كلامة عن «الاسلام والمشكلة
الاجتماعية‏» اذ قال وهويشرح رسالة الدين: «فالدولة الاسلامية
لها وظيفتان: احداهما تربية الانسان على القاعدة الفكرية،
وطبعه في‏اتجاهه واحاسيسه بطابعها. والاخرى مراقبته من
خارج وارجاعه الى القاعدة الفكرية، اذا انحرف عنها
عمليا».ويستطرد السيد الشهيد قائلا: «ولذلك فليس الوعي
السياسي للاسلام للناحية الشكلية من الحياة
الاجتماعية‏فحسب، بل هو وعي سياسي عميق مرده الى نظرة
كلية كاملة نحو: الحياة والكون والاجتماع والسياسة‏والاقتصاد
والاخلاق، فهذه النظرة الشاملة هي الوعي الاسلامي الكامل‏»
. ((221))

مصادر البحث
1- ابو السعود، الدكتور رمضان: «الوسيط في شرح مقدمة
القانون المدني‏» ج 1 الدار الجامعية بيروت 1983.
2- الانصاري، الدكتور مصطفى: «الرقابة على دستورية
القوانين‏» بحث في مجلة «العراق، اوراق قانونية‏» ع 1 ص‏5 81،
1999.
3- بدير، الدكتور محمدعلي: «المدخل لدراسة القانون‏» بغداد
1982.
4- جريشة، المستشار علي: «اعلان دستوري اسلامي‏» ط 2 دار
الوفاء (المنصورة مصر) 1988.
5- الشاوي، الدكتور منذر: «المدخل لدراسة القانون الوضعي‏»
وزارة الثقافة والاعلام، بغداد 1996.
6- شحاذة، المحامي عبد الفتاح: «الديمقراطية بين النظرية
العالمية الثالثة والمفاهيم المعاصرة‏» ط 1، المركزالعالمي
لدراسات وابحاث الكتاب الاخضر، طرابلس 1986.
7- الصدر، السيد محمدباقر: «اقتصادنا» ج 2 ط 2 المجمع
العلمي للشهيد الصدر 1408 ه .
8- الصدر، السيد محمدباقر: «الاسلام يقود الحياة‏» وزارة
الارشاد الاسلامي، طهران، ط 3/1403 ه .
9- الصدر، السيد محمدباقر: «المدرسة الاسلامية‏» طبعة
بيروت 1973.
10- العاني، الدكتور علي غالب، ولطيف، الدكتور نوري،
«القانون الدستوري‏» مقرر دراسي ج بغداد 1986 آ1987.
11- عبد الرزاق، جعفر: «الدستور والبرلمان في الفكر
السياسي‏الشيعي 1905 1920» سلسلة قضايا اسلامية‏معاصرة
22، قم 1999.
12- القذافي ،العقيد معمر: «الكتاب الاخضر»، ط 11، طرابلس
1986.
13- المركز الاسلامي للدراسات الاسلامية، «ثقافة الدعوة
الاسلامية‏» ج 4/1989.
14- الملاط، شبلي: «تجديد الفقه الاسلامي، محمد باقر الصدر
بين النجف وشيعة العالم‏» دار النهار للنشر، ط‏1بيروت / شباط
1998.
15- المودودي، ابوالاعلى: «تدوين الدستور الاسلامي‏». ط 8
مؤسسة الرسالة، دمشق/1980.
16-DUverger Maurice: "les Regimes politiques" P.U.F-Que sais-je?
5e. ed. paris 1960.

«المنهج النقدي في مدرسة‏»
«الشهيد الصدر
(قدس سره)»

السيد عبد الحسن النفاخ

تمهيد
وقبل الدخول في مفردات منهج النقد في مدرسة الشهيد
الصدر (قدس سره) يحسن بنا ان نتعرض بشكل موجز

وسريع للنقاط الاتية:

1- النقد في اللغة:
قال في المعجم الوسيط: نقد الشي‏ء نقدا: نقره ليختبره، او
ليميز جيده من رديئه. يقال: نقد الدراهم والدنانيروغيرهما
نقدا: ميز جيدها من رديئها. ويقال: نقد النثر، ونقد الشعر: اظهر
ما فيهما من عيب او حسن ((222)).

2- النقد في الاستعمالات الحديثة:
استخدمت كلمة «النقد» لدى المحدثين في مختلف ابواب
المعرفة الانسانية، مع المحافظة على مدلولها
اللغوي المشترك، فيقال: النقد العلمي، النقد الادبي، النقد

السياسي، النقد الاجتماعي ... الخ.
وفيما ياتي عرض لبعض موارد استعمالاتها:
ا - النقد: يعرف (كانت) النقد بانه: «فحص حر»، ومدرسة
(كانت) النقدية اساسها النقد بمعنى «الفحص‏والاختبار»
. ((223))
ب - النقد العلمي: هو عملية تقويم الاثر العلمي، ومن ثم
تقييمه تقييما يبرز مدى التزامه باصول البحث وقدرته
على‏الوصول الى النتائج المطلوبة ((224)).
ج - النقد الادبي: هو كشف للنصوص، اي تبيين قيمتها الفنية
من حيث الجودة والرداءة، والحكم عليها ((225)).
وهكذا يمكن القول بان الجامع لكلمة النقد في الاستعمالات
الحديثة هو: «الكشف عن قيمة القضية سلبا اوايجاباوفق منهج
معين‏».

3- انواع النقد ((226)):
وللنقد بالنظر الى منطلقاته نوعان:
الاول: الموضوعي: وهو النقد المبني على اساس من التحليل
والدراسة الواقعية للموضوع من اجل تشخيص‏الحق‏وتمييزه
عن الباطل، مع مراعاة الضوابط الاخلاقية، والاستناد الى الادل
ة والبراهين المتسالم عليها.
الثاني: غير الموضوعي: وهو النقد الذي لا ينطلق من اجل
تشخيص الحق، بل بدافع التعصب واتباع الهوى. وقدتستخدم
الاساليب غير المشروعة، كالمغالطات والشبهات، وحتى
السباب والطعون التي تنثر على الخصم من‏دون اي اتزان.

4- اقسام النقد بالنظر الى مصب النقد:
الاول: النقد الذاتي: وقد جاء في تعريفه: «هو الراي الذي يصدره
الفرد عن افعاله او سلوكه بهدف تحسينها اوالاعتراف بنواحي
نقصه، فهو ينقد ذاته. ويتسامح في اطلاق النقد الذاتي على
الجماعة المتحدة بجهة من الجهات.فلو ان احد افرادها وجه
نقدا الى الجماعة ككل يطلق عليه نقدا ذاتيا لكونه نابعا من
داخل الجماعة‏» ((227)).
الثاني: نقد الاخرين: وتتسع دائرة النقد هنا لتشمل الفرد
والاسرة والمجتمع والدولة، وعلى مختلف المستويات،النظرية
والسلوكية.

5- الحاجة الى النقد الموضوعي المستدل ((228)):
ان النقد الاستدلالي وسيلة لدراسة الافكار المختلفة واظهار
قيمتها العلمية، ثم الحكم عليها سلبا او ايجابا،وبالتالي اتخاذ
الموقف المناسب منها، وتظهر اهمية النقد من خلال قيامه
بجملة من المهام، نذكر منها:
ا - الكشف عن القضية الصحيحة او الخاطئة، وكشف
المغالطات والشبهات.
ب - تشخيص المنهجية العلمية من غيرها.
ج - اصلاح القضية من بعض النواحي.
د - الوصول الى الاحسن والافضل.
وقد حفل القرآن الكريم وحياة اهل البيت (ع) واتباعهم من
العلماء بالشواهد العديدة من النقد الموضوعي، نجدهاهنا
وهناك في ابواب الحوار والجدل والمناظرة والاحتجاج، كل
ذلك من اجل تبيان الحقائق ودفع الاكاذيب‏والمغالطات
والشبهات، بل ولتمييز المناهج والمعتقدات والشخصيات
الصالحة من الفاسدة.
قال تعالى: (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة
وجادلهم بالتي هي احسن) ((229))

6- مشروعية النقد:
من الواضح ان النقد اذا لم يكن موضوعيا لا يعد بحكم العقل
حسنا، بل هو مرجوح شرعا، لانه يدخل تحت‏عنوان «الجدال
والمراء» او «الفضول‏» ونحو ذلك، ولكن لما كان مفهوم النقد
الموضوعي قد يلتقي في بعض‏مصاديقه مع مفهوم المحاسبة
ومفهوم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ومفاهيم اخرى
كالنصيحة،والتواصي بالحق، والتعاون على البر والتقوى ... الخ،
لذا فان ممارسته من قبل اهل الخبرة تكون واجبة اذا
توقف‏عليه التعريف بالحق وتمييزه عن الباطل، ومستحبة اذا
كان النقد مرشدا الى فعل او ترك ما هو الراجح اوالمرجوح. هذا
على مستوى النظرية.
واما على مستوى التطبيق فلدينا شواهد كثيرة على جواز
ممارسته، بل ضرورة ذلك، ومن هذه الشواهد ما وردعن الامام
علي (ع)، حيث نلتقي مع صور موضوعية صادقة عن النقد بكلا
قسميه (الذاتي، نقد الاخرين):
ا - على مستوى النقد الذاتي: ااقنع من نفسي ان يقال: هذا امير
المؤمنين ولا اشاركهم في مكاره الدهر او اكون لهم‏اسوة في
جشوبة العيش.
ب - وعلى مستوى نقد الاخرين: فقد كشف عن واقع الخلافة
التي تولا ها من قبله في خطبته الشقشقية حيث يوضح‏الامام
(ع) للناس منزلته وحقه في الخلافة، وان من تقدم عليه يعرف
ذلك جيدا، وقد صبر الامام لمصلحة الاسلام،يقول (ع): «اما
واللّه لقد تقمصها ابن ابي قحافة، وانه ليعلم ان محلي منها
محل القطب من الرحا، ينحدر عني السيل،ولا يرقى الي الطير،
فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا، وطفقت ارتئي بين ان
اصول بيد جذاء او اصبر على‏طخية عمياء، يهرم فيها الكبير،
ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه، فرايت
ان الصبر على‏هاتا احجى، فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق
شجا، ارى تراثي نهبا... الى ان قام ثالث القوم نافجاحضنيه،
بين‏نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو ابيه يخضمون مال اللّه خضم
الابل نبتة الربيع، الى ان انتكث فتله، واجهز عليه عمله،وكبت
به بطنته‏» ((230)).
نعم، قد تطرا الحرمة فيما لو تلوثت حالة النقد بعناصر غير
نزيهة كالغيبة وهتك الاخرين ونحو ذلك.

7- صور النقد:
ان عملية النقد في نتائجها تكون اما ايجابية واما سلبية،
وتوضيح ذلك: هو ان القضية عندما تناقش فبعد
التحليل‏وفرض الاحتمالات والصور اما تثبت كلا او في بعض
صورها، فتدعم هذه القضية حينئذ وتقوى، واما ترد
جميع‏الاحتمالات ولم يصمد احدها امام النقد الاستدلالي، فلا
يبقى لها اي اعتبار وتذهب جفاء.
والمتتبع لما ناقشه الشهيد الصدر (قدس سره) من قضايا في
مختلف تاليفاته يجد الشواهد من النوعين، ومن‏امثلة ذلك
نذكر:
1- ظاهرة الادراك: «فلو نظرنا الى حديقة تمتد آلاف الامتار،
وراينا فيها الاشجار والازهار وبركة الماء والكراسي‏هنا وهناك،
ثم الطيور الجميلة... وسالنا انفسنا ما هي هذه الصورة التي
ندركها؟ وما حقيقة الجهاز المدرك لها؟هل هي صورة مادية
قائمة في عضو مادي؟ او صورة ميتافيزيقية مجردة عن المادة
لا توجد في المادة؟!افتراضان: المادي، والميتافيزيقي.
يمكننا ان نستبعد الافتراض المادي استبعادا نهائيا، وذلك لان
الصورة المدركة بحجمها وخصائصها الهندسية‏وامتدادها طولا
وعرضا لا يمكن ان توجد في عضو مادي صغير في الجهاز
العصبي، كما ان هذه الصورة المادية‏غير الصورة المدركة في
عقولنا، لانها لا تملك ما تملكه الصورة المدركة من الخصائص
الهندسية. فكماان‏الحديقة التي ادركناها في نظرة واحدة لا
يمكن ان ناخذ عنها صورة فوتوغرافية موازية لها في السعة
والشكل‏والامتداد على ورقة مسط حة صغيرة، كذلك لا يمكن
ان ناخذ عنها صورة عقلية او ادراكية تحاكيها في
سعتهاوشكلها وخصائصها الهندسية على جزء ضئيل من المخ،
لان انطباع الكبير في الصغير مستحيل.
واذن، يصبح من الضروري ان ناخذ بالافتراض الثاني، وهو ان
الصورة المدركة التي هي المحتوى الحقيقي‏للعملية العقلية
صورة ميتافيزيقية موجودة وجودا مجردا عن المادة‏».((231))
2- التفسير المادي للوجود: للمادية في تفسير الوجود
اتجاهان: احدهما: اتجاه الالية الميكانيكية، والاخر اتجاه‏المادية
الديالكتيكية، ويتفق الاتجاهان على ان اصل الوجود هو المادة
(الذرات)، وان جميع مفردات الوجود منبثقة‏عن هذه المادة،
فالتفسير الميكانيكي يقول: «المادة هي مجموع تلك
الجزئيات، والظاهرات الطبيعية فيها ناتجة عن‏انتقال الكتل
وحركتها في المكان‏»، والتفسير الديالكتيكي يقول: «ان الحركة
حصيلة تناقضات في المحتوى‏الداخلي للمادة، وان هذه
التناقضات تتصارع فتدفع بالمادة وتطورها».
وقد ناقش الصدر (قدس سره) التفسير المادي بنوعيه، واثبت
بالادلة العلمية والوجدانية بطلانه، حيث اثبت العلم‏بالوسائل
التجريبية ان مادة الذرة هي اجزاؤها الخاصة من البروتونات
والالكترونات وغيرهما، وامكن للعلماء ان‏يحولوا المادة الى
طاقة، والطاقة الى مادة، وهذا مما يؤكد لنا ان خصائص المادة
ليست ذاتية، وانما هي صفات‏عرضية للمادة ((232)).

خصائص منهج النقد في مدرسة الشهيد الصدر (قدس سره): ((233))
عند دراستنا لحياة الشهيد الصدر (قدس سره) العلمية سواء
في حقل التدريس او التاليف او اي نشاط فكري،وكذلك عندما
نتدبر ما قاله عنه اساتذته واقرانه وتلامذته وكل من كان له
اطلاع على تراثه الفكري، نجد ان‏الصدر(قدس سره) يمث ل
مدرسة عظيمة في النقد، لها خصائصها وسماتها الرائعة، نذكر
من هذه‏الخصائص:
1- الامانة في النقل: وذلك بنسبة الافكار والنظريات الى
قائليها، وبالدقة لترجمة ما يريده الاخرون من معان‏واغراض في
تعبيراتهم، وان قصرت احيانا عن بيان تلك الاغراض، بل انك
تراه قد يتبرع عن الخصم باقامة‏الحجة، او افراغ مراداته في
صياغات علمية وبيانات رصينة تقصر عنها عباراته، او انها لم
تكن تخطر بباله‏اصلا.
2- الموضوعية: فالصدر (قدس سره) عندما يطرح مسالة
علمية للبحث والنقاش يتخذ مسبقا موقفا محايدا،ثم‏يبحث
بروح الحياد، حتى ينتهي الى نتيجة موضوعية ليس فيها شائبة
الانحياز الذاتي الى ات جاه خاص، بل قديرد بعض الايرادات غير
الدقيقة الموجهة الى نظريات خصومه.
ومن مظاهر الموضوعية هو طرح البديل، فما يمتاز به منهج
النقد في مدرسة الشهيد الصدر (قدس سره) هو طرح‏البديل
واعطاء الاجابة الصحيحة في النقد السلبي اي عندما تكون
القضية المطروحة لا تمثل الاجابة الصحيحة آمن ذلك ما
طرحه الشهيد من بديل في تفسير العلة الحقيقية للوجود بكل
ظواهره وتشكيلاته، بعد ان اثبت بطلان‏كون المادة هي المنبع
والمحرك لهذا الوجود. يقول الصدر (قدس سره): «ولنلتفت
بعد كل ما سقناه من دلائل‏الوجدان على وجود القوة الحكيمة
الخلا قة الى الفرضية المادية، لنعرف في ضوء ذلك مدى
سخفها وتفاهتها،فان هذه الفرضية حين تزعم ان الكون بما
زخر به من اسرار النظام وبدائع الخلقة والتكوين قد اوجدته
علة لاتملك ذرة من الحكمة والقصد تفوق في سخفها
وغرابتها آلاف المرات من يجد ديوانا ضخما من اروع
الشعروارقاه، او كتابا علميا زاخرا بالاسرار والاكتشافات، فيزعم
ان طفلا كان يلعب بالقلم على الورق، فاتفق ان ترتبت‏الحروف
فتكون منها ديوان شعر، او كتاب علم:
(سنريهم آياتنا في الافاق وفي انفسهم حتى يتبين لهم انه
الحق اولم يكف بربك انه على كل شي‏ء شهيد)» ((234)).
3- الاخلاقية: حيث الاتزان المنطقي، وعدم التحامل على
مخالفيه في الراي بالسباب او التوهين والتجريح، بل‏يحترم آراء
الغير وان كانت واهية وهزيلة.
4- الشجاعة الادبية: فهو يصرح بالحقيقة العلمية كما ظهرت
في ميزان البحث العلمي، ولا يكتمها لخوف او طمع اواي
اعتبار يريد مصادرة الحقيقة.
5- الرسالية: ففي كل اعماله ونشاطاته كان ينطلق (قدس
سره) من احساسه بالمسؤولية تجاه رسالته، فكان‏يشخص
الحاجة والاولوية، ثم يتحرك اما لسد خلة او لدرء خطر او لدفع
الرسالة خطوة الى امام، ففي كل دراساته‏وبحوثه النقدية ايضا
تكمن وراءها منطلقات رسالية، فان على الانسان العارف تقع
مسؤولية التصدي للنقد البناء،سواء على مستوى نفسه او غيره
الاسرة، المجتمع، الدولة العالم الاسلام، العالم غير الاسلامي،
انطلاقامن‏المسؤولية الانسانية او الشرعية في عملية التغيير
والاصلاح، فان القيام بمهمة النقد البناء يساهم في تطويق‏دائرة
الفساد والانحراف من ناحية، ويعمل على نشر المفاهيم
والمبادئ الخيرة والصالحة من ناحية اخرى.

ادوات النقد في مدرسة الشهيد الصدر (قدس سره):
ونقصد بادوات النقد: نوع الاستدلال الذي استخدمه الصدر
(قدس سره) في مناقشته لافكار الاخرين، ولا بد في‏هذا
الاستدلال ان يكون مقبولا عند الغير ومقتنعا به، كما انه ينبغي
ان يكون حاسما لا يقبل التاويل والمصادرة،ولعل ابرز هذه
الادوات هي:
1- العقل والوجدان: حيث الانطلاق من البديهيات العقلية
والمسلمات الوجدانية التي تذعن لها كل النفوس غيرالمعاندة،
كما في استحالة اجتماع النقيضين او ارتفاعهما، وكما في
احتياج الموجود الممكن الى العلة ((235)).
2- النصوص الاسلامية: مما ورد في القرآن الكريم والسنة
المطهرة، وهذا النوع من الاستدلال انما يكون‏مقبولالدى
الاسلاميين. ومن الامثلة في هذا المجال ما قدمه الشهيد من
تفسير للمشكلة الاقتصادية بالاستفادة من‏قوله تعالى: (وان
تعدوا نعمة اللّه لا تحصوها ان الانسان لظلوم كفار) ((236))،
حيث اوضح لنا بان منشا المشكلة‏الاقتصادية ليس هو قلة
الانتاج كما تدعي الراسمالية، ولا التناقض بين الانتاج والتوزيع
كما تزعم الماركسية،وانما منشا هذه المشكلة هو الانسان
بظلمه وكفرانه، ظلمه في حياته العملية، وكفرانه بالنعمة
الالهية ((237)).
3- العلوم المعاصرة: بما قدمته من قضايا علمية ومسلمات
تجريبية، وهذا اللون من الاستدلال استخدمه الشهيدالصدر
(قدس سره) في مناقشاته مع المدارس والانظمة التي اتخذت
من النتائج العلمية المختلفة منطلقا لها في‏بناء افكارها
ونظرياتها، من ذلك مثلا الجزء الذي لا يتجزا، والتوالد الذاتي،
حيث ان معطيات العلوم الحديثة ابطلت‏دعوى الجزء الذي لا
يتجزا بعد انشطار الذرة والتعرف على مكوناتها من الالكترونات
والبروتونات، والتي هي‏عبارة عن امواج، كما ابطل (باستور)
دعوى التوالد الذاتي، واثبت بتجاربه العلمية ان الجراثيم
والميكروبات التي‏تعيش في الماء كائنات عضوية مستقلة، ترد
الى الماء من الخارج ثم تتوالد فيه ((238)).

نماذج من النقد في مدرسة الشهيد الصدر (قدس سره):
وفيما ياتي نستعرض توضيح جملة من جوانب النقد في مدرسة
الشهيد الصدر (قدس سره):

1- النقد الذاتي: في النقد الذاتي يسلط الانسان الاضواء على
افكاره وطروحاته، لا سيما اذا كان من اهل العلم، حيث‏يمارس
المطالعة والتدريس والبحث، فانه قد تنكشف له مبان وافكار
تختلف عما كان يتبناه. واحيانا يكون منشاالنقد للذات هو شعور
الانسان بالحاجة الى تنبيه الاخرين، او تذكير نفسه لاخذ
الحيطة والحذر فيما يقدمه‏لمعتقداته وافكاره.
وشهيدنا الصدر (قدس سره) قد مارس النقد الذاتي بصورتيه:
في تغيير بعض افكاره وطروحاته، وفي اشعارنفسه والاخرين
بالمسؤولية الشرعية، ومن امثلة ذلك: