كلمة التحرير

الحرية في الخطاب المعاصر

القسم الاول
اذا اردنا جدولة ما تعنى به الثقافة المعاصرة وفهرسة ما تتداوله
في خطابها من قضايا وشؤون فسيكون لمسالة
الحرية‏محل‏الصدارة.. حيث عكف المفكرون والكتاب على
اختلاف مدارسهم وانتماءاتهم الفكرية وتباين اذواقهم
وتطلعاتهم كل من‏زاويته الخاصة على دراستها ومعالجتها
كفكرة قيمية وكممارسة واقعية..
ربما يكون في نظر البعض ان حل مشكلة الانسان سيما انسان
العالم الاسلامي والعالم الثالث كامن في زجاجة الحرية..
ففي‏فضائها تتفجر الطاقات وتتراكم الخبرات وتتلاحق
البسمات.. فلا رغبة تكبت ولا فكرة تواد.. ولا ننسى ما كانت
ترفعه بعض‏التيارات من شعارات فقد كانت الحرية على راس
تلك الشعارات.. حتى صارت هي العلامة الفارقة بين ما هو
تقدمي وما هومتخلف واصبحت معيارا تقاس به الافكار
والاتجاهات ودرجة صلاحيتها..
وقد نسمع احيانا من يقول بان هذه المسالة ليست جديدة بل
هي في غاية العراقة والقدم.. اذ ان الفلاسفة وكذلك علماء
الكلام قدخصصوا قسطا مهما من بحوثهم في مسالة الجبر
والاختيار.. فان ذلك البحث في روحه يرجع الى تحديد حصة
الانسان من‏الحرية والاختيار في الوجود.. ولم يات المحدثون
باي جديد سوى صب تلك المسالة القديمة في قوالب لفظية
خلا بة ليس الا ..لكن الصحيح ان قضية الحرية المطروحة اليوم
تختلف تماما عما كان مطروحا في السابق في الجدل الفلسفي
والكلامي.. فان‏البحث التقليدي لا يعدو ان يكون صرف عملية
تنظيرية وتحليلية مجردة للانسان كظاهرة كونية.. حيث وقع
السؤال عن حجم‏فعالية جهاز الارادة الذي ركب فيه وما هو
مقدار عليته ودخالته فيما يمارس من افعال.. واما الدراسات
المعاصرة الباحثة حول‏الحرية فهي تتحرك في افاق الواقع
المنظور من جانب.. ومن جانب اخر انها تنطلق في ابعاد قيمية
وبعنوان ان الحرية حق من‏الحقوق الانسانية وان الحرية ظاهرة
اجتماعية.. ولهاتين الميزتين نرى نمو البحث لدى المعاصرين
بشكل ملحوظ وفي‏المقابل ضموره عند الفلاسفة.. وايضا نرى
سعة انعكاس صدى الخطاب المعاصر على الجماهير وانحسار
البحوث التحليلية‏الفلسفية داخل اروقة ضيقة ومحدودة..
وبهذا يتضح ان البحث حول الحرية في ادبيات الخطاب
المعاصر قد لوحظ فيه حيثية الحقية.. وحينئذ ينفتح البحث
عن مدى‏مشروعية ممارسة مثل هذا الحق من قبل الانسان
نفسه وكذلك عدم مشروعية سلب هذا الحق منه من قبل
غيره..وهذا ما يمكن‏ان يطاله البحث الفقهي ويحدد موقفا
حيويا تجاهه..
وسنقتصر في هذا العدد على عرض التصورات حول الحرية في
سياقها الجديد.. وستكون لنا وقفة في العدد اللاحق ان شاءاللّه..
الحرية ضمن سياقاتها الحديثة
1- تركز بعض الاتجاهات في تناولها للحرية على صعيد محدود
غافلة او متغافلة الاصعدة الاخرى.. فالاكثر تجده يكافح‏للدفاع
عن قضية الحرية الفكرية وحرية الراي وكيفية التعبير
عنه..فبحسب اعتقاد هؤلاء ان العقدة المستعصية التي ابتلي
بهاالانسان الحديث هي عقدة التعبير عما يحمل من اراء وافكار
فلو خنقت هذه الحرية ولم تحل تلك العقدة فستجف افانين
الحياة‏ويذبل عودها.. ولو تركت الافكار وشانها فسوف تتلاقح
وتنضج وتتكامل صعدا مما يساعد حتما في دفع عجلة الحياة
الى امام‏بسرعة هائلة..
وفي موازاة هذا الاتجاه كثيرا ما ترددت الدعوات الى اعطاء
الحق في ممارسة الحرية السياسية وفسح المجال
لافرادالمجتمع‏بكل قطاعاتهم لان يقولوا كلمتهم صريحة في
تحديد مسار سياسة بلدهم وتصديهم للمساهمة الفاعلة في
ادارة اموره..
2 اندفعت بعض الاتجاهات بحماس وانفعالية للذود عن حرية
شريحة اجتماعية معينة.. فرفع بعض المفكرين يافطات
تطالب‏بضرورة حرية المراة.. فانها المسكينة التي لا تزال تعاني
من الكبت والاضطهاد من التقاليد والاعراف والضغوط
المختلفة.. ولاريب في ان توفير الحرية لها سوف يمكنها من اداء
دورها في الحياة كافضل ما يكون وتساهم في البناء شريكة
للرجل لا في‏حدود البيت بل في كل افاق الحياة الرحيبة.. وقد
يرفع اخرون شعارات المطالبة بالحرية لطبقة الشباب والجيل
الناشئ فان‏ازالة الموانع من امامهم يعجل من حركة التنمية
في بلداننا المتاخرة..
3 ثم ان اهم ما يدعم دعاة الحرية اليوم من الناحيتين العلمية
والنفسية هو المقارنة التي يجرونها بين حالة التخلف
التي‏عاشتها وتعيشها بلداننا وبين الحالة التي تعيشها
المجتمعات المتطورة حيث الاجواء الحرة التي ينطلق فيها
الفرد بكل‏قابلياته نحو الابداع.. لانها لا تجد ما يحول بينها وبين
بروزها خارجا.. واسترسالا مع هذا المنهج في التحليل سننتهي
وبكل‏بساطة الى النتيجة المفروضة سلفا وهي ان الاسباب التي
ادت الى التخلف‏هنا والتقدم هناك هي الايدلوجية الحاكمة في
كلاالمحيطين.. فان مجتمعاتنا محكومة للايدلوجية الاسلامية
والدينية الموروثة بخلاف المجتمعات المتطورة فانها قد
ارخت‏الستر على الدين وحصرته في قمقم وفتحت الافاق
امام البشر لينطلق في اعمار دنياه..
والسؤال الذي نطرحه هو: هل يمكن للفقه الاسلامي معالجة
ذلك على ضوء ما يمتلك من اليات وكيف؟ نامل ان نوفق
للاجابة‏لاحقا..
(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا
من لدنك رحمة انك انت الوهاب)
ولا حول ولا قوة الا باللّه
رئيس التحرير
كفاية تكرار اليمين وعدمهافي القسامة على‏القتل
اية اللّه السيد محمود الهاشمي
المشهور بين الفقهاء انه اذا لم يكن لولي الدم خمسون نفرا
يقسمون بل كانوا اقل من هذا العدد او لم يكن الا هووحده
كررت عليهم الايمان حتى يتم عدد القسامة ثم يحكم له.
وكذلك في طرف المدعى عليه اذا لم يقسم المدعي‏فانتقل
الحلف الى المدعى عليه. وقد ادعي عليه الاجماع في
الغنية((1)) والخلاف((2)) والرياض((3)).
قال في المقنعة: ((ولا تقوم البينة بالقتل الا بشاهدين مسلمين
عدلين، او بقسامة، وهي خمسون رجلا من اولياءالمقتول يحلف
كل واحد منهم باللّه يمينا انه قتل صاحبهم. ولا تصح القسامة
الا مع التهمة للمدعى عليه. فان لم تكن‏قسامة على ما ذكرناه
اقسم اولياء المقتول خمسين يمينا، ووجبت لهم الدية بعد
ذلك))((4)).
وقال في النهاية: ((ومتى لم يكن لاولياء المقتول من يشهد
لهم من غيرهم ولا لهم قسامة من انفسهم، كان على‏المدعى
عليه ان يجي‏ء بخمسين يحلفون عنه انه بري‏ء مما ادعي
عليه.فان لم يكن له من يحلف عنه كررت عليه‏الايمان
خمسين يمينا، وقد برئت عهدته))((5)).
وقال في الشرائع: ((وهي في العمد خمسون يمينا، فان كان له
قوم حلف كل واحد يمينا ان كانوا عدد القسامة، وان‏نقصوا عنه
كررت عليهم الايمان حتى يكملوا القسامة. وفي الخطاء
المحض والشبيه بالعمد خمس وعشرون يمينا.ومن الاصحاب
من سوى بينهما، وهو اوثق في الحكم، والتفصيل اظهر في
المذهب. ولو كان المدعون جماعة‏قسمت عليهم الخمسون
بالسوية في العمد، والخمس والعشرون في الخطا. ولو كان
المدعى عليهم اكثر من واحدففيه تردد اظهره ان على كل
واحد خمسين يمينا كما لو انفرد، لان كل واحد منهم يتوجه
عليه دعوى بانفراده، امالو كان المدعى عليه واحدا فاحضر من
قومه خمسين يشهدون ببراءته حلف كل واحد منهم يمينا، ولو
كانوا اقل‏من الخمسين كررت عليهم الايمان حتى يكملوا
العدد.ولو لم يكن للولي قسامة ولا حلف هو كان له احلاف
المنكرخمسين يمينا ان لم يكن له قسامة من قومه، وان كان
له قوم كان كاحدهم))((6)).
وقال الامام الخميني(ره) في تحرير الوسيلة:
((مسالة 1 ان كان له قوم بلغ مقدار القسامة حلف كل واحد
يمينا، وان نقصوا عنه كررت عليهم الايمان حتى
يكملواالقسامة، ولو كان القوم اكثر فهم مختارون في تعيين
خمسين منهم في العمد وخمسة وعشرين في‏غيره.
مسالة 2 لو لم يكن للمدعي قسامة، او كان ولكن امتنعوا كلا او
بعضا، حلف المدعي ومن يوافقه ان كان، وكررعليهم حتى تتم
القسامة. ولو لم يوافقه احد كرر عليه حتى ياتي بتمام العدد.
مسالة 6 لو لم يحلف المدعي او هو وعشيرته، فله ان يرد الحلف
على المدعى عليه، فعليه ايضا خمسون‏قسامة،فليحضر من
قومه خمسين يشهدون ببراءته، وحلف كل واحد ببراءته. ولو
كانوا اقل من الخمسين كررت‏عليهم الايمان حتى يكملوا
العدد، وحكم ببراءته قصاصا ودية. وان لم يكن له قسامة من
قومه يحلف هو خمسين‏يمينا، فاذا حلف حكم ببراءته قصاصا
ودية))((7)).
واختار الاستاذ الخوئي(ره) في مباني تكملة المنهاج التفصيل
بين قسامة المدعي وقسامة المدعى عليه، فوافق‏المشهور في
الاولى وخالفهم في الثانية قائلا: ((فيه اشكال... فان تم اجماع
على اعتبار حلف خمسين رجلا بالاضافة‏الى المدعى عليه فهو،
والا فالظاهر كفاية خمسين يمينا من المدعى عليه بلا حاجة
الى ضم شخص اخراليه))((8)).
وفي قبال هذين القولين يوجد احتمالان اخران:
احدهما اشتراط تعدد الحالف خمسين رجلا في المدعي
والمدعى عليه معا، وعدم الاكتفاء بتكرار اليمين‏عليهما.
الثاني اشتراط تعدد الحالف خمسين رجلا في طرف المدعي،
والاكتفاء بتكرار اليمين خمسين مرة من المدعى‏عليه عند فقد
من يحلف من قومه، او مطلقا.
فالاحتمالات من هذه الناحية اربعة، لابد من ملاحظة ما يوافق
منها الادلة، وهذا ما نورده ضمن جهات:
الجهة الاولى:
لا شك ان مقتضى الاصل الاولي عدم حجية القسامة في مقام
فصل الخصومة اذا لم يحصل منها علم كالتواترللقاضي الا اذا
قام عليه الدليل، لانه مقتضى اصالة عدم حجية ما يشك في
حجيته، بل هو مقتضى اطلاق ادلة البينة‏على المدعي واليمين
على من انكر. والقدر المتيقن ثبوته بالروايات المستفيضة
وبالاجماع والتسالم من المذهب‏الاكتفاء بقسامة خمسين رجلا.
واما اعتبار الاقل من ذلك والاكتفاء به ولو عند فقد خمسين
نفرا فعلى‏القائل به اثبات ذلك من الادلة، والا كان‏مقتضى
القاعدة عدم الحجية القضائية، وهذا ظاهر.
الجهة الثانية:
ان الروايات العديدة والمتضافرة دلت على ان القسامة من ادلة
الاثبات القضائي في القصاص والدية في الجملة،وانها حق
مكتوب عند الائمة(ع)((9))، وان النبي(ص) قد حكم بها في
قضية مشهورة بين الانصارواليهود((10)). الا ان العامة اختلفت
كلماتهم في قبولها مطلقا، او في خصوص اثبات الدية، او عدم
قبولها مطلقالكونها على خلاف الاصل.
وقد انعكس هذا التردد في رواياتنا الصادرة عن الائمة(ع)، فجاء
فيها التاكيد على انها حق مكتوب عندنا، وانها من‏قبل رسول
اللّه(ص)، وقد حكم بها في قضية الانصاري،وان بها حقن دماء
المسلمين ومنع الفاجر الفاسق من‏اغتيال عدوه،وانها صنع
رسول اللّه(ص) لابد من التسليم له.
ويشهد على هذا الاستنكار على العامة ما في رواية حنان بن
سدير قال: قال ابو عبد اللّه(ع): ((سالني ابن شبرمة: ماتقول في
القسامة في الدم؟ فاجبته بما صنع النبي(ص). فقال: ارايت لو
لم يصنع هكذا كيف كان القول فيه؟ قال:فقلت له: اما ما صنع
النبي(ص) فقد اخبرتك به، واما ما لم‏يصنع فلا علم لي
به))((11)).
ورواية سليمان بن خالد قال: قال ابو عبد اللّه(ع): ((سالني
عيسى وابن شبرمة معه عن القتيل يوجد في ارض‏القوم،فقلت:
وجد الانصار رجلا في ساقية من سواقي خيبر،فقالت الانصار:
اليهود قتلوا صاحبنا. فقال لهم رسول‏اللّه(ص): لكم بينة؟
فقالوا: لا. فقال: افتقسمون؟ فقالت الانصار:كيف نقسم على ما
لم نره؟! فقال: فاليهوديقسمون.فقالت الانصار: يقسمون على
صاحبنا؟! قال: فوداه رسول اللّه(ص) من عنده. فقال ابن
شبرمة: ارايت لولم يوده النبي(ص)؟ قال: قلت: لا نقول لما قد
صنع رسول اللّه(ص): لو لم يصنعه؟ قال: فقلت: فعلى من
القسامة؟قال(ع): على اهل القتيل))((12)).
فالقسامة كدليل قضائي اصله مسلم في مذهبنا منصوص عليه
في رواياتنا، وهذا كله خارج عن بحثنا، وانماالمقصود هنا
البحث عن كيفيتها من ناحية لزوم تعدد الحالفين بعدد
القسامة وعدمه. والروايات المتعرضة‏للقسامة من هذه الناحية
يمكن تصنيفها الى اربع طوائف:
الطائفة الاولى: ما ليس فيه تعرض الا لاصل القسامة وتشريعها
من دون النظر الى كيفية اقامتها وعددها، من قبيل‏صحيح
الحلبي عن ابي عبد اللّه(ع) قال: سالته عن القسامة كيف
كانت؟ فقال: ((هي حق، وهي مكتوبة عندنا، ولولاذلك لقتل
الناس بعضهم بعضا ثم لم يكن شي‏ء، وانما القسامة نجاة
للناس))((13)).
ومثلها روايات اخرى فيها المعتبرة، كصحيح ابن سنان وروايته
الاخرى، ومعتبرة سليمان بن خالد وزرارة‏وحنان بن سدير،
وغيرها((14)).
الطائفة الثانية: ما دل على ان القسامة خمسون رجلا او نفرا
مما ظاهره اشتراط تعدد الحالف خمسين نفرا، من‏قبيل
صحيحة بريد بن معاوية عن ابي عبد اللّه(ع)، قال: سالته عن
القسامة، فقال: ((الحقوق كلها البينة على المدعي‏واليمين
على المدعى عليه الا في الدم خاصة، فان رسول اللّه(ص) بينما
هو بخيبر اذ فقدت الانصار رجلا منهم‏فوجدوه قتيلا، فقالت
الانصار: ان فلانا اليهودي قتل صاحبنا. فقال رسول اللّه(ص)
للمطالبين: اقيموا رجلين عدلين‏من غيركم اقده برمته، فان
لم تجدوا شاهدين فاقيموا قسامة خمسين رجلا اقده
برمته.فقالوا:يا رسول اللّه، ماعندنا شاهدان من غيرنا، وانالنكره
ان نقسم على ما لم نره. فوداه رسول اللّه(ص) من عنده وقال:
انما حقن دماءالمسلمين بالقسامة، لكي اذا راى الفاجر الفاسق
فرصة من عدوه حجزه مخافة القسامة ان يقتل به فكف عن
قتله.والا حلف المدعى عليه قسامة خمسين رجلا: ما قتلناه
ولا علمنا قاتلا. والا اغرموا الدية اذا وجدوا قتيلا بين‏اظهرهم اذا
لم يقسم المدعون))((15)).
ومثلها صحيحة زرارة ورواية لابي بصير((16)).
وهذه الطائفة من الروايات ظاهرها شرطية تعدد الحالف
خمسين رجلا في طرفي الاثبات والنفي معا.
الطائفة الثالثة: ما دل على اعتبار خمسين يمينا، وهي رواية
واحدة معتبرة لمسعدة بن زياد، عن جعفر(ع)قال:((كان
ابي(رضى) اذا لم يقم القوم المدعون البينة على قتل قتيلهم
ولم يقسموا بان المتهمين قتلوه حلف‏المتهمين بالقتل
خمسين يمينا باللّه: ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا، ثم يؤدي الدية
الى اولياء القتيل. ذلك اذا قتل في حي‏واحد، فاما اذا قتل في
عسكر او سوق مدينة فديته تدفع الى اوليائه من بيت
المال))((17)).
وهذا الصنف قد يقال: ان مقتضى اطلاقه كفاية خمسين يمينا
ولو من مدع واحد، الا ان الرواية قد تعرضت لذلك في‏طرف
المنكر ونفي التهمة لا في طرف المدعي واثبات القتل،على ما
سياتي تفصيل الحديث فيه.
الطائفة الرابعة: ما ورد في الجروح والحكم بالقسامة فيها ستة
نفر فيما تكون ديته الف دينار، وما يكون اقل من‏ذلك فبالنسبة
بحساب ذلك، وقد ورد هذا في كتاب ظريف المتعرض لاحكام
وفتاوى امير المؤمنين(ع) في الديات.والظاهر انه كتاب
معروف بين الرواة، وقد قراه ظريف بن ناصح على الامام
الصادق(ع) عن علي(ع) ويونس بن‏عبد الرحمن على الامام
الرضا(ع) عن علي(ع). وكتاب ظريف وان كان فيه رفع الى
المعصوم(ع) الا انه يمكن‏دعوى‏اعتباره، لشهرته بين الرواة،
ووجود اسناد عديدة فيها المعتبرة تدل على قراءته على الائمة
وامضائهم له. وفيمايتعلق بمسالتنا بالخصوص يوجد طريق
معتبر له، وهو معتبرة يونس بن عبد الرحمن عن الرضا(ع) ((...
فيما افتى‏به امير المؤمنين(ع) في الديات، فمما افتى به في
الجسد وجعله ست فرائض: النفس، والبصر، والسمع،
والكلام،ونقص الصوت من الغنن والبحح، والشلل في اليدين
والرجلين. ثم جعل مع كل شي‏ء من هذه قسامة على نحو
مابلغت الدية. والقسامة جعل في النفس على العمد خمسين
رجلا، وجعل في النفس على الخطا خمسة وعشرين‏رجلا،
وعلى ما بلغت ديته من الجروح الف دينار ستة نفر، وما كان
دون ذلك فبحسابه من ستة نفر،والقسامة في:النفس، والسمع،
والبصر، والعقل، والصوت من الغنن والبحح، ونقص اليدين
والرجلين، فهو ستة اجزاء الرجل.
تفسير ذلك: اذا اصيب الرجل من هذه الاجزاء الستة وقيس
ذلك، فان كان سدس بصره او سمعه او كلامه او غيرذلك حلف
هو وحده، وان كان ثلث بصره حلف هو وحلف معه رجل واحد،
وان كان نصف بصره حلف هو وحلف‏معه رجلان، وان كان ثلثي
بصره حلف هو وحلف معه ثلاثة نفر، وان كان اربعة اخماس
بصره حلف هو وحلف‏معه اربعة نفر، وان كان بصره كله حلف
هو وحلف معه خمسة نفر. وكذلك القسامة في الجروح كلها،
فان لم يكن‏للمصاب من يحلف معه ضوعفت عليه الايمان، فان
كان سدس بصره حلف مرة واحدة، وان كان الثلث حلف‏مرتين،
وان كان النصف حلف ثلاث مرات، وان كان الثلثين حلف اربع
مرات، وان كان خمسة اسداس حلف خمس‏مرات، وان كان كله
حلف ست مرات، ثم يعط‏ى))((18)).
ومثله ما رواه الكليني والصدوق والشيخ باسانيدهم الى كتاب
ظريف عن امير المؤمنين(ع)، وفي ذيل رواية‏الصدوق
والشيخ(قده) : ((وان ابى ان يحلف لم يعط الا ما حلف عليه
ووثق منه بصدق، والوالي يستعين في ذلك‏بالسؤال والنظر
والتثبت في القصاص والحدود والقود))((19)).
وهذا الصنف من الروايات قد صرح فيه بمضاعفة الايمان على
المدعي اذا لم يكن معه غيره، الا انه وارد في الجروح‏واعطاء
الدية.
الجهة الثالثة:
فيما يمكن ان يستدل به على قول المشهور من كفاية مضاعفة
اليمين عند فقد خمسين نفرا، وهو عدة‏وجوه:
الوجه الاول: التمسك باطلاق الطائفة الاولى من
الروايات،حيث ورد في بعضها كبرى كلية هي انه في باب الدماء
قدحكم اللّه سبحانه علينا بغير ما حكم به في الاموال،فقد حكم
في الاموال ان البينة على المدعي واليمين على المدعى‏عليه،
وحكم في الدماء ان البينة على المدعى عليه واليمين على من
ادعى، لئلا يبطل دم امرئ‏مسلم((20)).
فيكون مقتضى هذه الكلية انه في باب الدماء مطلقا تكون
اليمين على المدعي حتى لمن ليس معه خمسون نفرايحلفون
معه، غاية الامر حيث نعلم من الخارج بانه لا يكفي اقل من
خمسين يمينا نقيد اطلاقه به، فيثبت مدعى‏المشهور من انه
في فرض عدم وجود خمسين نفرا تضاعف الايمان على
المدعين، وتثبت به الدعوى على المنكرما لم يقم البينة على
النفي.
وفيه: ما تقدم من ان هذه الروايات ليست في مقام البيان من
ناحية كيفية القسامة وموردها وشرائطها، وانمابصدد بيان اصل
هذا التشريع، وانتقاض القاعدة الاولية في باب الدماء رغم ثبوت
المال والدية فيه في الجملة، ودفع‏الارتكاز او الانكار المزعوم
من قبل بعض العامة.
ومن هنا لم يتمسك الفقهاء باطلاق هذه الروايات في موارد
عدم اللوث‏والتهمة. هذا مضافا الى ان هذا الاطلاق‏معارض بما
في الطائفة الثانية من الروايات الظاهرة في اشتراط تعدد
القسامة خمسين نفرا، حيث تكون تلك‏الروايات المفسرة
لكيفية القسامة مقيدة بل مفسرة لهذه الروايات، ودالة على ان
اليمين التي تثبت بها دعوى القتل‏من مدعيه في باب الدماء
انما هي قسامة خمسين رجلا لا مطلق اليمين.
ودعوى: ان تلك الطائفة من الروايات انما تدل على اعتبار
قسامة خمسين رجلا اذا كان للمدعي ذلك، واما اشتراط‏ذلك
وعدم كفاية خمسين يمينا مع عدم وجود خمسين نفرا فلا
يستفاد من الطائفة الثانية لكي تكون معارضة مع‏الطائفة
الاولى، لانهما مثبتتان للحكم، فيمكن ان تكون احداهما اوسع
من الاخرى.
مدفوعة: بان ظاهر الطائفتين النظر الى حكم وتشريع واحد،
غاية الامر الطائفة الاولى تعرضت لاصل الحكم‏والطائفة الثانية
تعرضت للتفاصيل والكيفية، فاذا اقتصرت على ذكر اليمين من
قبل خمسين نفرا ولم تذكرالاكتفاء بخمسين يمينا ومضاعفتها
على المدعي عند فقد خمسين نفرا بل ينتقل الامر الى تحليف
المدعى عليه‏بمجرد ذلك.. يفهم منها لا محالة ان اليمين التي
حكم بها له في باب الدماء انما هي قسامة خمسين‏رجلا.
فالحاصل: هذه الروايات كما تقيد تلك الكبرى الكلية في
الطائفة الاولى بان اليمين التي يحكم بها للمدعي لابد
وان‏تكون خمسين يمينا، كذلك تقيده بانه لابد وان تكون
قسامة خمسين رجلا، اي مع تعدد الحالف.
الوجه الثاني: التمسك باطلاق الطائفة الثالثة من الروايات اي
معتبرة مسعدة بن زياد ((21)) حيث ورد فيهاعنوان
((خمسين يمينا))، وهو مطلق يشمل تعدد اليمين من الحالف
الواحد.
وفيه:
اولا انها متعرضة ليمين المدعى عليه لا المدعي،واحتمال
الفرق بينهما متجه جدا، لان المدعى عليه مطلبه مطابق‏مع
الاصل، فيمكن ان يكتفى فيه‏بخمسين يمينا ولو من المدعى
عليه وحده، وهذا بخلاف المدعي الذي يريد اثبات‏القتل
والحكم بالقصاص او الدية فيه،حيث يناسب ان يكون له دليل
اقوى من ذلك، ولا شك ان كاشفية مضاعفة‏اليمين على
الحالف الواحد اقل كثيرا من يمين خمسين رجلا، بل تلك في
حكم مخبر واحد وهذه في حكم خمسين‏مخبرا، وهذا واضح
عرفا، فلا يمكن الغاء الخصوصية والتعدي منه الى المدعي.
وثانيا امكان المنع عن اصل انعقاد الاطلاق المذكور في رواية
مسعدة، لانها ظاهرة في التعرض لجهة انتقال‏الحلف من القوم
المدعين الى القوم المتهمين.
فتمام النظر في الرواية الى حيثية انتقال القسامة وخمسين
يمينا الى المتهمين المدعى عليهم، اما انه كيف تؤخذمنهم:
من خمسين رجلا او يكتفى بمضاعفة اليمين على المتهم
الواحد؟ فليست الرواية بصدد البيان من هذه‏الناحية لا في
طرف المدعي ولا المدعى عليهم، فلا تتم مقدمات الحكمة
والاطلاق فيها من هذه الجهة.
وثالثا لو فرض تمامية الاطلاق لزم تقييدها او تفسيرها بما تقدم
في الطائفة الثانية كصحيحة بريد((22))الظاهرة في اشتراط
تعدد القسامة خمسين رجلا حتى في طرف المدعى عليه.
والاشكال فيه بعدم التنافي لكونهمامثبتين قد عرفت جوابه.
كما ان حمل صحيحة بريد على ارادة الحلف خمسين مرة وان
حلفه لابد وان يكون بمثابة‏قسامة خمسين رجلا كما في مباني
تكملة المنهاج((23)) خلاف الظاهر جدا،خصوصا مع التعبير
بقوله: ((ماقتلناه ولا علمنا له قاتلا)) بصيغة الجمع.واوضح من
هذه الصحيحة رواية ابي بصير الا ان في سندها علي بن
ابي‏حمزة البطائني((24)).
الوجه الثالث: التمسك بالطائفة الرابعة((25)) من
الروايات،حيث صرح فيها بمضاعفة اليمين من المدعي اذا
لم‏يكن معه نفر. وهي وان كانت واردة في الجروح والاعضاء، الا
انه بالغاء الخصوصية وعدم احتمال الفرق يتعدى‏الى قتل
النفس ايضا.
ويلاحظ على هذا الوجه:
اولا احتمال الفرق بين مورد هذه الطائفة وهو الجروح والاعضاء
وبين قتل النفس كبير جدا، لاهمية النفس، ومن‏هنا لم يقبل
فيه الا خمسون يمينا في العمد وخمس وعشرون في الخطا،
بخلاف الاعضاء حيث قبل فيها ستة نفرفيما كانت ديته الف
دينار، وبحسابه كلما كان اقل منه، وقد تعرضت الرواية في
صدرها لقسامة القتل، وجعلتهاخصوص الخمسين رجلا في
العمد والخمسة والعشرين في الخطا بلا تعرض لمضاعفة
اليمين.
وايضا في مورد الجروح يكون المدعي هو المجروح والمصاب
نفسه كما صرح به في الرواية وهو عادة يعلم عن‏حس بمن
اعتدى عليه، فيكون مستند يمينه اذا كان موثوقا صادقا اقوى
كاشفية من قسامة القتل في موارد القتل‏واللوث وعدم الشاهد.
وثانيا هذه الطائفة غاية ما تثبته بقسامة ستة نفر هو الدية لا
القصاص، بل في ذيل بعضها ان على الوالي في‏الحدود
والقصاص والقود الا يكتفي بالقسامة، وانما عليه ان يستعين
بالنظر والتثبت والسؤال والفحص، وهذا ان‏لم يدل على عدم
الاكتفاء بالقسامة في القصاص وانه لابد فيه من حصول اليقين
او الاطمئنان للقاضي حتى في‏قصاص الاطراف فضلا عن
النفس، فلا اشكال في دلالته على عدم صحة التسوية بينهما.
بل لعل فيما ورد في‏صدرتلك الرواية في قسامة ستة نفر
المثبت للدية من التعبير بقوله: ((وان ابى ان يحلف لم يعط الا
ما حلف عليه‏ووثق منه بصدق)) دلالة على اشتراط حصول
الوثوق والاطمئنان بصدق الحالف في باب القسامة مطلقا، فلو
كان‏متهما في قسمه لم يعط الدية ايضا.
وبهذا يظهر انه في قصاص الاطراف والجروح لا يثبت القصاص
بقسامة ستة نفر. واما ثبوته بقسامة خمسين نفرافمبني على
استفادة الاولوية وعدم احتمال الفرق فقهيا بين قصاص النفس
وقصاص الاطراف، وليس‏ببعيد.
الوجه الرابع: التمسك بالاجماع وعدم نقل الخلاف من احد من
اصحابنا في المسالة، مع عدم وجود نص صريح في‏كفاية
مضاعفة اليمين في قسامة القتل، مما يكشف عن انعقاد اجماع
او تسالم تعبدي في المسالة على كفاية ذلك‏عند فقد خمسين
نفرا.
ويلاحظ عليه:
اولا عدم وضوح اجماع او تسالم في المسالة، كيف؟!وعبارة
المفيد(ره) المتقدمة في المقنعة((26)) ظاهرة في ان‏الذي
يثبت مع قسم اولياء المقتول خمسين يمينا عند فقد خمسين
نفرا انما هو الدية لا القصاص. كما ان عبارة‏الشيخ الطوسي(ره)
في النهاية((27)) ظاهرة في ان مضاعفة الايمان على النفر
الواحد انما تكون في طرف‏المدعى عليه دون المدعي، حيث
خصص فرض عدم وجدان خمسين نفرا يحلفون وتكرار الحلف
على النفرالواحد: في طرف المدعى عليه لا المدعي، فراجع
عبارته وتامل فيها، فانه لا وجه لهذا التخصيص. اللهم الا ان
تحمل‏العبارة على الغفلة والاجمال، وان مراده من قوله: ((ولا
قسامة لهم من انفسهم)) انه لم تكن لهم قسامة بنفس‏الترتيب.
الا ان العبارة غير ظاهرة في ذلك.
ومثل عبارة الشيخ في النهاية عبائر المهذب لابن
البراج((28))، فراجع.
وثانيا لو سلم تمامية التسالم او الاجماع صغرى، مع ذلك لا
يمكن الجزم بكونه اجماعا تعبديا غير متاثر بما تقدم‏من الوجوه
التي ذكرناها لتخريج فتوى المشهور.
الوجه الخامس: ما ذكره في مباني التكملة: ((ان القسامة انما
جعلت‏احتياطا للناس لئلا يغتال الفاسق رجلا فيقتله‏حيث لا
يراه احد. فاذا كانت علة جعل القسامة ذلك فكيف يمكن تعليق
القود على حلف خمسين رجلا؟! فانه امر لايتحقق الا نادرا،
فكيف يمكن ان يكون ذلك موجبا لخوف الفاسق من
الاغتيال؟!))((29)).
وهذا الوجه مجرد استبعاد واستحسان، والا فتحصيل خمسين
نفرا في باب القسامة مع فرض اللوث ووجودتهمة من خصومة
ونحوها بين المتهم والمقتول، وعدم اشتراط كون علم الحالف
عن حس بل يكفي فيه وثوق‏الحالف ولو عن حدس ليس فرضا
نادرا. على ان الوارد في لسان هذه الروايات ليس تعليلا للحكم،
بل رد لما كان‏مركوزا لدى العامة ومستبعدا عندهم، وبيان ان
حجية القسامة فيها مثل هذه الفائدة والثمرة، وقد جعلت
الروايات‏هذه الثمرة مترتبة على قسامة خمسين رجلا
بالخصوص، فلو كان فيه استبعاد وندرة واستهجان لكان
واقعاعلى كل حال، ولا يكون الحاق خمسين يمينا ثبوتا بذلك
رافعا لهذا الاستهجان ما لم يكن مذكورا في الرواية‏اثباتا.
وهكذا يتلخص من مجموع ما تقدم: ان الاكتفاء بتكرار اليمين
في اثبات القتل بالقسامة سواء في العمد او الخطامشكل بل
ممنوع، فلابد من قسامة خمسين رجلا او خمسة وعشرين
كذلك. هذا في طرف اثبات القتل، اعني قسامة‏المدعي، واما
في طرف المنكر اي قسامة المدعى عليه فالاكتفاء فيها
بتكرار اليمين عليه خمسين مرة ابتداء وبلاحاجة الى ضم حلف
الاخرين مبني على استفادة ذلك من صحيح مسعدة بن زياد ،
كما استفاده في مباني تكملة‏المنهاج ولكنك قد عرفت
الاشكال في تمامية الاطلاق فيها. ولو فرض تماميته في نفسه
كان معارضا بما في‏صحيح بريد بن معاوية من لزوم قسامة
خمسين رجلا في طرف المدعى عليه ايضا، فلابد من
تقييده‏به.
وحينئذ اذا استظهر من صحيح بريد شرطية خمسين رجلا
مطلقا كان الجمع بين الصحيحتين بحمل صحيح‏مسعدة على
ارادة خمسين يمينا من خمسين رجلا، فيكون المدعى عليه
كالمدعي لا يكتفى منه الا بقسامة‏خمسين رجلا. وهذا هو
الاحتمال الثالث من الاحتمالات الاربعة المتقدمة.
واذا استظهر من صحيح بريد شرطية خمسين رجلا عند
التمكن منه فقط لا اكثر حيث انها ساكتة عن فرض عدم‏تمكن
المدعى عليه من خمسين نفرا فيكون مقتضى الجمع بينه
وبين صحيح مسعدة بناء على استفادة الاطلاق‏منه شرطية
خمسين نفرا في فرض التمكن منه، واما في فرض عدم وجود
خمسين فيكتفى بخمسين يمينا من‏الاقل، بل ومن المدعى
عليه وحده ايضا، فيثبت التفصيل بين قسامة المدعي وقسامة
المدعى عليه بالنحو المذكورفي صدر الاحتمال الرابع من
الاحتمالات الاربعة المتقدمة في المسالة.
وان فرضنا عدم التعارض بين مثل صحيح بريد وصحيح
مسعدة اصلا لكونهما مثبتين، ثبت التفصيل بين‏المدعي
والمدعى عليه بالنحو المذكور في ذيل الاحتمال الرابع اي
يشترط في طرف المدعي قسامة خمسين رجلالدلالة مثل
صحيح بريد عليه، وعدم وجود ما يدل على كفاية غيره فيه.واما
في طرف المدعى عليه فلا يشترط اكثرمن خمسين يمينا من
قبل المدعى عليه ولو مع التمكن من تحليف غيره معه، لدلالة
صحيح مسعدة عليه.
زراعة الاعضاء
اية اللّه السيد محسن الخرازي
تناول الباحث في العدد التاسع عشر وبعد بيان ادلة المانعين
والمجوزين عدة فروع تترتب على مسالة‏زراعة الاعضاء تقدم
اربعة منها، واليك تتمة البحث...
القسم الثاني
الخامس: ربما يفصل في جواز اعطاء العضو بين ما اذا لزم منه
محذور اختلاط المياه والانساب كما اذا كان العضورحما او
بيضة امراة او مشيمة او خصية فلا يجوز ذلك، اذ اختلاط
الانساب امر مرغوب عنه في الشريعة،وبين مالم يلزم منه ذلك
المحذور فيجوز.
ويمكن الجواب عنه: بان المرغوب عنه في الشرع هو اختلاط
المياه، كما تشهد له اخبار العدة، وهو لا يحصل‏بمجرد انتقال
هذه الاعضاء الى الغير،لصيرورة هذه الاجزاء اجزاء لمن تنتقل
اليه، فبعد صدق كونها اجزاء للغيرفكل ما تولده هذه الاجزاء انما
هو من بدن المنقول اليه لا بدن المنقول منه، فلا مجال لتوهم
لزوم اختلاط المياه‏والانساب.
نعم، ربما يقال: ان الاطباء يرون ان بيضة المراة بالفعل حاملة
لجميع ما يتولد منها في الاتي، وانما يصدر عنها مايصدر
بالتدريج مع عروض الموجبات الخاصة، وعليه فيلزم اختلاط
مياه صاحب هذه الاجزاء مع غيره ولوصارت اجزاء للثاني.
ولكن يمكن ان يقال اولا: انه مع معلومية صاحب البيضة لا يلزم
اختلاط المياه. وثانيا: مع الجهل بصاحبها لا يلزم‏ذلك المحذور
بعد حكم العرف بكونها من اجزاء الثاني، اذ الاحكام تابعة
للموضوعات العرفية لا العرف الخاص‏كعرف الاطباء. نعم، ما لم
تصر جزءا للثاني فهي محكومة بجزئيتها للاول، وحينئذ يلزم
المحذور من اختلاط‏المياه.
لا يقال: انه في صورة حكم الاطباء ببقاء بيضة المراة على ما
عليها لا يحكم العرف بكونها من الثاني، والعرف متبع‏في صورة
ما اذا جزم وخطا العرف الخاص كالثوب المتنجس بالدم فان
عرف الفلاسفة يحكم ببقاء الدم ما دام‏اللون باقيا، والعرف يجزم
بعدمه ولا يقبل حكم الفلاسفة.
لانا نقول: وفيما نحن فيه ايضا كذلك، فان بيضة المراة بعد
صيرورتها جزءا للثاني يجزم العرف بكون الولد من‏الثاني ولا
يقبل قول الاطباء بانه من الاول.
لا يقال: ان دعوى الجزئية منظور فيها، لان الاعضاء المبانة من
الحي محكومة بكونها كالميتة، وهذه الاعضاء مع‏اتصالها ببدن
الغير لا تنقلب عما هي عليه من كونها من اعضاء الشخص
الفلاني، بل هي باقية على ما هي عليه من‏جزئيتها للبدن
المنقول منه، والحاقها بالثاني مسامحي، كما ان البساط
المنخرق اذا اصلح موضعه المنخرق‏بشي‏ء من الريش والصوف
لا تعد الاشياء المزيدة اجزاء للبساط الا بالعرض والمجاز، بل هي
باقية على كونها من‏الاجزاء المزيدة.
لانا نقول: ان قياس الاجزاء المتصلة بالبدن بوصلة البساط
قياس مع الفارق، لعدم الفعل والانفعال والتبديل‏والتبدل في
مثل البساط، بل الاولى قياس المقام بترقيع الاشجار والازهار
بلحاء من غيرها، فانه بعد الترقيع‏والامتصاص يصير اللحاء
المذكور جزءا للشجر الذي رقع به. وهكذا اذا رقعت اجزاء الغير
ببدن انسان وتقبلهاالبدن وتكيفت فيه بحيث يسري فيها الدم
وينبت اللحم ويشتد العظم ويدرك الالم بادخال الابرة ونحوها،
فهي تعدمن اجزاء بدن المنقول اليه عرفا.
ومع حكم العرف بان الاجزاء المزيدة من اجزاء المنقول اليه لا
مجال لاستصحاب بقائها على جزئيتها من بدن‏المنقول منه،
لان الاصل لا يجري مع حكم العرف بجزئيتها من المنقول اليه
وجريان الادلة الدالة على احكام اجزاءبدن الثاني، وكونها اجزاء
للاول في السابق لا ينافي جزئيتها للثاني بالفعل.
نعم ، يمكن ان يقال: ان تقبل البدن للاعضاء يحتاج الى مرور
مدة حتى يجري فيها الدم من بدن المنقول اليه ويوجب‏نبات
اللحم واشتداد العظم، فما لم يحصل ذلك لا تترتب عليها اثار
بدن المنقول اليه، بل يلزم ان تترتب عليها احكام‏الاجزاء المبانة
من الحي من النجاسة ان انفصلت من الحي او انفصلت من
الميت قبل الغسل، واما اذا انفصلت بعدالغسل فهي محكومة
بالطهارة وان لم تصر اجزاء للبدن الحي، ولكن لا يجوز الصلاة
فيها ان كانت مما تحله الحياة‏كاللحم، دون ما لا تحله الحياة
كالسن، كما هو مقتضى الجمع بين الاخبار، كصحيحة ابن ابي
عمير عن ابي‏عبداللّه(ع) في الميتة انه قال: ((لا تصل في شي‏ء
منه ولا في شسع))((30))، ورواية الحسين بن زرارة عن
ابي‏عبداللّه(ع)، قال:... ساله ابي وانا حاضر عن الرجل يسقط
سنه، فياخذ سن انسان ميت فيضعه مكانه. قال:
((لاباس))((31)) وبقية الكلام في محله.
ومما ذكر يظهر حكم الترقيع فيما اذا كان ذلك من جنس
مخالف، فانه بعد صيرورته عضوا لمن رقع به تترتب
عليه‏احكامه من جواز النظر وعدمه، وما لم يصر عضوا له بقي
على حكمه السابق.
وهكذا يظهر حكم الترقيع فيما اذا كان ذلك من مسلم لكافر او
بالعكس، فلا تغفل.
السادس: اذا لم يوص الميت باعطاء عضوه، فهل يجوز لاوليائه
الاذن في ذلك او لا يجوز؟
ربما يقال: لا يجوز ذلك، لعموم ادلة ثبوت حرمة الميت كما اذا
كان حيا،لقولهم(ع): ((حرمة الميت كحرمة الحي))،فكما لا
يجوز لاحد ان يتعرض لشي‏ء من اعضاء الحي كذلك لا يجوز
لاحد ان يتعرض لشي‏ء من اعضائه في حال‏مماته، من دون فرق
بين اوليائه والاجانب.
وربما يستدل للجواز باطلاق لفظ ((الولي)) في النصوص على
متصدي امور الميت من الاقرباء، كقوله(ع): ((يغسل‏الميت
اولى الناس به، او من يامره الولي بذلك))((32)).
وكمرسلة ابن ابي عمير عن بعض اصحابه عن ابي عبد اللّه(ع)
قال: ((يصلي على الجنازة اولى الناس بها، او يامر
من‏يحب))((33)).
وكمرسلة جميل عن احدهما(ع) قال: ((اذا مات ولي المقتول
قام ولده من بعده مقامه))((34)).
وكقوله تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا
يسرف في القتل انه كان منصورا)((35)).
وعن علي(ع) انه كان يقول: ((ولي الدم يفعل ما يشاء، ان شاء
قتل وان شاء صالح))((36)).
بدعوى ان مقتضى مفاد كلمة ((الولي)) هو جواز التصدي
لامور الميت بما يراه مصلحة له، فاذا راى ولي الميت‏مصلحة
في اعطاء اعضاء الميت للترقيع فيجوز له ذلك، اخذا باطلاق
لفظ ((الولي)).
وفيه: ان هذه النصوص مختصة بموارد تجهيز الميت وباب
القصاص والديات، ولا اطلاق فيها حتى يشمل سائرالموارد
باطلاقه، لانها في مقام‏بيان وجوب الامور المذكورة على الولي،
او احقيته من غيره فيها، كقوله:((الزوج احق‏بها من الاب والولد
والاخ))((37))، او في مقام بيان قائم مقام الولي بعد موته،لا
في مقام جعل الولاية للولي في‏مطلق الامور. نعم لو سلمنا
الاطلاق فهو قائم مقام الميت فيما جاز له، فاذا جاز للميت
اعطاء عضوه للغير حفظالحياته كذلك يجوز للولي ذلك، ولكنه
محدود بما جاز للميت، فلا يجوز التخط‏ي عنه.
لا يقال: ان الاطلاق لو سلم معارض بما يدل على ان حرمة
الميت كحرمة الحي.
لانا نقول: فكما ان الميت في حال حياته جاز له ذلك ولا
يتنافى مع حرمته فكذلك الولي، فتامل، ولا اقل من الشك،
فلايجوز التعدي عن تلك الموارد ورفع اليد عن عموم لزوم
مراعاة حرمة الميت.
السابع: يجوز اخذ الاعضاء من الحربي حيا كان او ميتا، اذن او
لم ياذن، اذ لا حرمة للحربي حيا وميتا، واختصاص‏ادلة حرمة
الميت بالمسلم.
وعليه، فيجوز اخذ بعض اعضائهم عند معالجتهم في حال
الحياة او بعد موتهم ما لم تعرض الطوارئ والعناوين‏الموهنة
للاسلام والمسلمين.
واما اخذ الاعضاء من المعاهد والذمي مع الاذن فلا اشكال، واما
بدونه فان كان حيا فلا يجوز، لرعاية حرمتهم بعقدالذمة، وان
مات جاز اخذ الاعضاء منه، لانقضاء مدة عقد الذمة بالموت، الا
ان يكون المشروط في عقد الذمة هورعاية ابدانهم بعد الموت
ايضا فلا يجوز، لان ذلك نقض لعهد الذمة والمعاهدة،بل الامر
كذلك لو كان عقد الذمة‏مبتنيا على الشرط المذكور.
وربما استدل لحرمة اخذ الاعضاء من جسد الذمي ولو لم
يشترط ذلك باطلاق قول الصادق(ع) في صحيحة
جميل:((قطع راس الميت اشد من قطع راس الحي))((38)).
واجيب عنه: بمنع الاطلاق والانصراف بعد كون الاصل في
الكفار هو عدم الحرمة، وعروض حرمة الذمي ما دام‏عقد الذمة
باقيا، فاذا ارتفع عقد الذمة بالموت عادوا الى ما كانوا عليه من
عدم الحرمة. هذا مضافا الى انه لو سلمناالاطلاق وعدم انصرافه
عن الذمي فانه يقيد بالايمان والاسلام، بقرينة سائر الاخبار
المتقيدة بالايمان والاسلام،كقوله(ص): ((حرمة المسلم ميتا
كحرمته وهو حي سواء))((39))، وقوله(ع): ((ان اللّه حرم من
المؤمنين امواتا ماحرم منهم احياء))((40))، وقوله(ع): ((ابى
اللّه ان يظن بالمؤمن الا خيرا، وكسرك عظامه حيا وميتا
سواء))((41))،فان الظاهر من هذه الاخبار ان الاحترام من
خصائص الايمان والاسلام.
ويزيد على ذلك دلالة بعض الاخبار على مقدار دية قطع الراس
بما يظهر منه ان المراد من الميت هو المسلم، فان‏المئة دينار
التي عينت لقطع الراس في صحيحة حسين بن خالد((42))
هي دية جنين المسلم قبل ولوج الروح،ودية الكافر الذمي
ليست بهذا المقدار، لان ديته في حال الحياة ثمانمئة درهم،
كما نص عليه في الاخبار، كصحيحة‏محمد بن قيس عن ابي
جعفر(ع) قال: ((دية الذمي ثمانمئة درهم))((43)). ولا يمكن
ان تزيد ديته في حال الممات‏عن حال حياته، فذكر مئة دينار
لدية قطع الراس شاهد على ان المراد من الميت هو الميت
المسلم الذي يكون في‏حكم الجنين المسلم قبل ولوج الروح
في مقدار الدية.
فتحصل: انه يجوز اخذ الاعضاء من جسد الذمي بعد موته لو لم
يشترط عدمه في عقد الذمة، لا سيما اذا اذن وليه‏بذلك.
الثامن: لا يجوز العفو عن المجرم المسلم في قبال اعطاء بعض
اعضائه للترقيع، قضاء لاطلاق ادلة حرمة‏الاضرار.
كما لا يجوز تغريره باخذ بعض اعضائه، لعدم الدليل على
مشروعية التغرير بذلك، فمقتضى اطلاق ادلة حرمة‏الاضرار
عدم الجواز.
وهكذا لا يجوز تخليصه من الحبس باخذ عضو من اعضائه.
التاسع: لا اشكال في جواز ترقيع بدن الكافر باعضاء الميت
الكافر، كما لا اشكال في ترقيع بدن المسلم باعضاءالميت
الكافر.
واما ترقيع بدن الكافر باعضاء الميت المسلم فيما يجوز له البذل
فربما يقال بجوازه، لعدم دليل على المنع ما لم‏يوجب اذلالا
للمسلمين، والا فلا يجوز.
ويشكل ذلك: بانه ينافيه النبوي الشريف: ((الاسلام يعلو ولا
يعلى عليه))((44)) الذي يستدل به لعدم جواز تعلية‏بناء الكفار
على بناء المسلمين، كما في المبسوط حيث قال: ((ليس له «
الذمي‏» ان يعلو على بناء المسلمين،لقوله(ع):الاسلام يعلو ولا
يعلى عليه))((45)).
وكما في الجواهر حيث استدل له بانه موضع وفاق بين
المسلمين على ما في المسالك والرياض، وادعي عليه‏الاجماع
كما في المنتهى والتذكرة، وهو الحجة بعد امكان استفادته من
قوله(ع): ((الاسلام يعلو ولا يعلى عليه))، ومن‏قوله تعالى:
(العزة للّه ولرسوله وللمؤمنين) وغير ذلك مما دل على رجحان
رفعة المؤمن وضعة الكافر في جميع‏الاحوال((46)).
ولا يخفى عليك ما في الاستدلال بالنبوي المذكور لحرمة
التعلية والرفعة للكافر، لان الظاهر منه هو بيان علوالاسلام في
الدليل والحجة بحيث لا يغلبه شي‏ء من الادلة والبراهين، ولا
ربط له بعلو المسلمين على الكفار.
اللهم الا ان يقال: ان لازم علو الاسلام في الدليل والمنطق هو
علو المسلمين على غيرهم، ولكنه على فرض كونه‏لازما بينا
بالمعنى الاخص مخصوص بالاعتلاء الدليلي والبرهاني، ولا
يرتبط بعلو الدار ونحوه.
نعم لا باس بالاستدلال باطلاق دليل حرمة الميت المسلم
كحرمة الحي في المقام، اذ مقتضاه عدم جواز ترقيع‏اعضاء بدن
المسلم ببدن الكافر، لانه خلاف احترامه، اذ ذلك يضاهي القاءه
في النجاسة والبالوعة،فتدبر.
العاشر: ان المرتدين في حكم الكفار، ولا حرمة لهم، بخلاف
المحاربين من المسلمين او المقتولين بالحدودالشرعية،
فانهم من المسلمين ولهم ما لهم، فلا يجوز التعرض
لاجسادهم بعد موتهم كما لا يجوز التعرض لهم في‏حياتهم، الا
فيما رخص فيه، وذلك لاطلاق ادلة حرمة الميت المسلم.
ودعوى الملازمة بين مهدورية دمائهم وعدم حرمتهم،
مردودة بانه لا دليل لها، ولا يمكن الالتزام بها بعد ما نراه‏من
وجوب الصلاة عليهم ودفنهم وغير ذلك. ففي صحيحة هشام
عن ابي عبداللّه(ع)، قال: قلت له: شارب الخمروالزاني والسارق
يصلى عليهم اذا ماتوا؟ فقال: ((نعم))((47)). وفي خبر
السكوني عن جعفر، عن ابيه، عن ابائه(ع)،قال: ((قال رسول
اللّه(ص): صلوا على المرجوم من امتي، وعلى القاتل نفسه من
امتي، لا تدعوا احدا من امتي بلاصلاة))((48)).
الحادي عشر: لا باس بتقطيع اعضاء الحيوانات بعد تذكيتها
وترقيعها، وانما الاشكال من ناحية الصلاة فيها لوكانت مما لا
يؤكل، ولعله يرتفع بالاضطرار وضرورة المعالجة.
واما اذا اخذت الاعضاء من الحيوانات من دون تذكية او اخذت
من نجس العين او اخذت من الحيوانات قبل موتها،فهذه
الاعضاء محكومة بالنجاسة، ولا اشكال في الترقيع بها الا من
ناحية نجاستها، ولكنه يرتفع ايضا بالضرورة‏والاضطرار الى
خصوصها للمعالجة.
نعم، هنا اشكال لا يختص بالحيوانات بل يجري في الاعضاء
الماخوذة من الانسان ايضا، وهو ان اعضاء الميتة اوالاجزاء
المبانة المحكومة بحكم الميتة لا يجوز الانتفاع بها ولو بمثل
الترقيع بها، للمنع من مطلق الانتفاع‏بها.
واجيب عن ذلك: بان مطلق الانتفاع ليس ممنوعا، وانما
الممنوع هو الاستعمالات المتعارفة الموقوفة على
الطهارة‏والتذكية كالاكل. قال في جامع المدارك: ((من جملة
المحرمات الميتات القابلة للذكاة من ذي النفس وغيره،ولا
شبهة‏في حرمتها والانتفاع بها في الجملة. واما حرمة جميع
الانتفاعات، مثل تسميد الارض او تغذية الكلب،
فتشكل‏استفادتها من الادلة. وبعبارة‏اخرى: مثل اللحم الانتفاع
المتعارف منه اكله، كما ان المسكر الانتفاع‏المتعارف منه‏شربه،
لا اشكال في شمول دليل الحرمة للانتفاع المتعارف، واما
الانتفاع الغير المتعارف فشمول الادلة له محل‏اشكال، وان كان
يتراءى من رواية تحف العقول المذكورة في المكاسب لكن
الظاهر الانصراف، فلايخطر بالبال‏حرمة تعجين التراب بالخمر
لسد الثقبة في الدار، او دفن الميتة تحت الاشجار المثمرة.
بل يشكل شمولها للانتفاع المتعارف في الاعصار المتاخرة الغير
المتعارف في الاعصار السابقة، كالانتفاع‏ببعض المسكرات في
عمل الجراحين لتخدير العضو او لمنع خروج الدم في
التزريقات))((49)).
وتحقيق المسالة يتوقف على المراجعة الى مداركها.
وقد ورد المنع من الانتفاع بالميتة في عدة روايات:
منها: موثقة علي بن ابي المغيرة المروية عن الكافي: عن
محمد بن يحيى وغيره، عن احمد بن محمد، عن ابن‏محبوب،
عن عاصم بن حميد، عن علي بن ابي المغيرة، قال: قلت لابي
عبد اللّه(ع): جعلت فداك، الميتة ينتفع منهابشي‏ء؟فقال:
((لا)). قلت: بلغنا ان رسول اللّه(ص) مر بشاة ميتة فقال: ما
كان على اهل هذه الشاة اذ لم ينتفعوا بلحمهاان ينتفعوا باهابها
(بجلدها)؟! قال: ((تلك شاة لسودة بنت زمعة زوجة
النبي(ص) وكانت شاة مهزولة لا ينتفع‏بلحمها،فتركوها حتى
ماتت، فقال رسول اللّه(ص): ما كان على اهلها اذ لم ينتفعوا
بلحمها ان ينتفعوا باهابها؟! اي‏تذكى))((50)).
ومنها: موثقة سماعة المروية عن التهذيب باسناده عن
الحسن، عن زرعة،عن سماعة، قال: سالته عن جلود
السباع‏اينتفع بها؟ فقال: ((اذا رميت وسميت فانتفع بجلده،
واما الميتة فلا))((51)).