والمراد من الحسن هو الحسن بن سعيد، وهو اخو الحسين بن
سعيد، وهو ثقة، كما ان زرعة ثقة، وكان ممن صحب‏سماعة، ثم
ان اسناد الشيخ الى الحسن بن سعيد صحيح كما في المشيخة.
وغير ذلك من الاخبار الدالة على المنع عن الانتفاع
بالميتة((52)).
ومقتضى هذه الاخبار هو المنع عن الانتفاع بالميتة ويمكن
دعوى دلالتها على التعميم لا سيما مع تعميم السؤال
في‏موثقة علي بن ابي المغيرة، ولعل هذا منشا معروفية حرمة
مطلق الانتفاع عند الاصحاب.
نعم لا اطلاق في الرواية الثانية حيث ان السؤال عن الانتفاع
بجلود السباع،والجواب ناظر اليه، وكيف كان فلا
يعم‏الانتفاعات الغير المتعارفة وان صارت‏متعارفة بعد صدور
الرواية، ولو سلم شمولها لمطلق الانتفاع ولا اقل‏من‏الشك فلا
يعم. هو يعارضها ما رواه ابن ادريس نقلا عن جامع البزنط‏ي
صاحب مولانا الرضا(ع) قال: سالته عن‏الرجل تكون له الغنم
يقطع من الياتها وهي احياء ايصلح له ان ينتفع بما قطع؟ قال:
((نعم، يذيبها ويسرج بها، ولاياكلها ولا يبيعها))((53))، وغيره
من الروايات الواردة في جواز الاستفادة من اجزاء الميتة بناء
على عدم اعراض‏الاصحاب عن هذه الروايات الدالة على جواز
الانتفاع. ومن المعلوم ان الذوب والاسراج‏لا خصوصية له، وانما
المرادهو عدم الاستفادة منه في الاكل واما غيره مما لا يشترط
فيه الطهارة والتذكية فلا مانع فيه. وعليه فيدور الامر
بين‏التصرف في هيئة الاخبار المانعة وحملها على الكراهة
وبين تقييد الاخبار المانعة بما يشترط فيه الطهارة‏والتذكية
كالاكل ونحوه، واما غيره وان كان متعارفا فلا يحرم.
ولا يمكن الالتزام بالاول لانه خلاف الظاهر مضافا الى انه لم
يقل احد بكراهة اكل الميتة او لبسها فيما يشترط فيه‏الطهارة،
وان امكن القول بكراهة الاسراج بها جمعا بين ما رواه عن جامع
البزنط‏ي وصحيحة الوشاء، قال: سالت اباالحسن(ع) فقلت:
جعلت فداك، ان اهل الجبل تثقل عندهم اليات الغنم
فيقطعونها قال: هي حرام، قلت: جعلت فداك،فنصطبح بها؟
فقال: اما علمت انه يصيب اليد والثوب وهو حرام((54)).
ومن المعلوم ان المراد من الحرام في الذيل هو المكروه لانه
من الضروري عدم تحريم تنجيس اليد والثوب في‏الشريعة.
فلا محيص عن اختيار الثاني، لانه انسب بالصناعة الفقهية لان
الجمع بين المطلق والمقيد امر عرفي لا يكون منافياللاخذ
بالظواهر فيحمل الاخبارالمانعة بعد التقييد على ارادة الانتفاع
بالميتة كما ينتفع من المذكى باستعمالها في‏الاكل وغيره مما
يشترط فيه الطهارة دون ما لا يشترط فيه الطهارة والتذكية
جمعا بين الاخبار.
هذا مضافا الى امكان دعوى ان الظاهر من قول السائل ينتفع
بها اي هل ينتفع بها كالانتفاع بالمذكى.
ولذلك اختار السيد الخوئي(ره) هذا الجمع في
التنقيح((55))، ثم انه لا يخفى عليك انه لا يصح الاستدلال
لجوازالترقيع بالاجزاء المبانة بان الترقيع بها الذي يوجب خروج
العضو المبان عن كونه ميتة لصيرورته جزءا وعضوامن موجود
حي يشمله لا محالة الادلة المبنية لحكم اعضائه واجزائه فلا
تعمه ادلة المنع ويكون باقيا على اصل‏الجواز.
لان ملاك الجواز هو عدم عموم الادلة المانعة، لاختصاصها
بالمتعارف من الانتفاعات مما يشترط فيه‏الطهارة.
ومع قطع النظر عن ذلك، يشكل ذلك بانه قبل صيرورتها
عضوا او جزءا من الحي تكون الاجزاء المبانة باقية على‏كونها
ميتة، فنفس الترقيع بها انتفاع، فلو كان مطلق الانتفاع محرما
كان الترقيع ايضا محرما، وصيرورتها عضواوجزءا بعد ذلك لا
ينفع في رفع الحرمة عن الانتفاع بها قبل ذلك، لانها في طول
الترقيع كما لا يخفى.
ولو ابيت عما ذكر من عدم حرمة الانتفاع بها فيما لا يشترط
فيه الطهارة والتذكية، فيجوز الترقيع بها في المقام‏لضرورة
المعالجة، كما سياتي بيان ذلك ان شاء اللّه تعالى.
الثاني عشر: لا اشكال في جواز الترقيع او وجوبه على الطبيب
عند توقف حفظ الحياة على ذلك، ولو كان ذلك‏ملازما لترك
واجب كوجوب دفن العضو،لاهمية حفظ الحياة.
واما في غير هذا المورد مما لا يتوقف حفظ الحياة عليه فهل
يجوز له ذلك مع مخالفة خطاب التكفين والدفن ام لا؟يمكن
ان يقال: ان ذلك ممنوع لكونه موجبا لترك تكفين العضو
ودفنه، وهما واجبان، فان العضو ما دام يصدق عليه‏انه من
الاجزاء المبانة من الحي او من اجزاء الميت، يجب تكفينه
ودفنه.
نعم، بعد صيرورته جزءا للحي لا يبقى موضوع للدفن والتكفين
كما لا يخفى. اللهم الا ان يقال: لو سلم وجوب‏التكفين والدفن
في مثل المقام فالاضطرار الى المعالجة يرفعهما، كما يرفع
حرمة النظر واللمس عند المعالجة‏لوتوقفت على النظر. ولذا
استدل المحقق الحائري(ره) لرفع حرمة النظر واللمس عند
الاضطرار الى المعالجة((56))بعموم رفع ما اضطروا اليه،
وعموم الضرورات تبيح المحظورات، وصحيحة الثمالي عن
ابي جعفر(ع)، قال: سالته‏عن المراة المسلمة يصيبها البلاء في
جسدها اما كسر واما جراح في مكان لا يصلح النظر اليه، ويكون
الرجال ارفق‏بعلاجه من النساء، ايصلح له ان ينظر اليها؟ قال:
((اذا اضطرت اليه فيعالجها ان شاءت))((57))، فانها تدل
على‏جواز رفع اليد عن الحرام باضطرار المريض اليه، وبذلك
ترفع اليد عن اطلاق ما دل على عدم الجواز،كموثقة‏السكوني
عن ابي عبداللّه(ع) قال: سئل امير المؤمنين(ع) عن الصبي
يحجم المراة، قال: ((ان كان يحسن يصف‏فلا))((58))، من
دون فرق بين كون الضرورة المسوغة للنظر مما يلزم رفعها
شرعا، كما اذا كان مرض المراة‏مؤديا الى الهلاك او المضرة،
وبين كونها مما لا يلزم رفعها شرعا، كما اذا لم يكن كذلك بل
كان تحمله شاقا عليها،لصدق الاضطرار وترك الاستفصال في
الصحيحة، فكما ان الاضطرار الى المعالجة يوجب رفع اليد عن
الحرام‏كذلك يوجب رفع اليد عن الواجب وهو التغسيل
والتكفين، لضرورة العلاج.
وكخبر علي بن جعفر، عن اخيه موسى بن جعفر(ع)، قال:
سالته عن المراة تكون بها الجروح في فخذها او بطنها
اوعضدها، هل يصلح للرجل ان ينظر اليه يعالجه؟ قال:
((لا))((59)). فادلة رفع الاضطرار وصحيحة الثمالي تدل
على‏رفع الحرمة. وتوهم ان الاضطرار انما يوجب رفع الحكم
عن المضطر دون غيره،فكيف يجوز للطبيب رفع اليد
عن‏الواجب مع ان المضطر هو المريض لا الطبيب؟!
مدفوع: بما افاده المحقق الحائري(ره) من ان الاضطرار انما
يوجب رفع الحكم عن خصوص المضطر فيما اذا لم‏يكن رفعه
عنه متوقفا عقلا على رفعه عن غيره كما في المقام، والا
فيكون دليل رفعه عن المضطر دالا بدلالة‏الاقتضاء على رفعه
عن ذلك الغير ايضا، صونا عن اللغوية((60)).
هذا مضافا الى امكان دعوى ان الترقيع بالاعضاء لا ينافي وجوب
التكفين والدفن في اكثر الموارد، لعدم احتياج‏الترقيع الى
مضي زمان ينافي الفورية العرفية.
على ان لقائل ان يقول: دليل التكفين والدفن لبي، فيقتصر فيه
على القدر المتيقن، وهو ليس مثل المقام.
ولكن يرد عليه: ان الدليل الاجتهادي موجود في المقام وهو
مرسلة ابن ابي عمير عن ابي عبداللّه(ع)، قال: ((لا يمس‏من
الميت شعر ولا ظفر وان سقط منه شي‏ء فاجعله في
كفنه))((61)). وخبر عبد الرحمن بن ابي عبد اللّه، قال:سالت
اباعبداللّه(ع) عن الميت يكون عليه الشعر فيحلق عنه او يقلم
(ظفره)، قال: ((لا يمس منه شي‏ء، اغسله‏وادفنه))((62)).
فيجب التكفين والدفن بناء على ان مرسلات ابن ابي عمير في
حكم المسانيد، كما هوالظاهر.
اللهم الا ان يقال: بان الروايات المذكورة تدل على لزوم تكفين
الاعضاء ودفنها، حتى لا تصير منتنة ومندرسة‏بحيث تنافي
احترام الميت، فتكون تلك الروايات منصرفة عما اذا كانت
الاعضاء مورد الاستفادة كزماننا هذا.ويشهد لذلك ما رواه في
التهذيب عن محمد بن يعقوب، عن صفوان بن يحيى، عن
الحسين بن زرارة عن ابي‏عبداللّه(ع)، قال:... ساله ابي وانا
حاضر عن الرجل يسقط سنه، فياخذ سن انسان ميت فيضعه
مكانه قال: ((لاباس))((63)).
وهو يدل على جواز اخذ السن الذي هو عضو من الميت لعلاج
الاسنان، مع ان لازمه هو عدم الدفن.
فتحصل: ان الترقيع للترميم الذي اضطر اليه المريض جائز
لضرورة المعالجة، الا ان ذلك فيما اذا كان اخذالاعضاء جائزا
بمثل الوصية، فلا تغفل.
الثالث عشر: هل يجوز اخذ شي‏ء في قبال اعطاء العضو ام لا؟
ذهب بعض الفقهاء الى صحة بيعه وتمليكه، مستدلا بان
الانسان وان لم يكن مالكا لاعضائه ومتعلقات نفسه وبدنه‏ملكية
اعتبارية عقلائية ضرورة‏ان امرها وان كان بيده بحكم الضرورة
عند العقلاء ايضا كما مر الكلام فيه الا انهالا تعتبر من املاكه
كما يعتبر لباسه ونقوده وداره وفرشه ملكا له،لكنه ليس قوام
البيع الذي هو تمليك مال بعوض‏الا بان يكون اختيار المبيع
بيد البائع.
كما يظهر ذلك لمن تدبر امر الزكاة، فان الظاهر ان الزكاة زكاة
لا غير، فهي مال وليست ملكا لاحد، والموارد الثمانية‏المذكورة
في الكتاب العزيز انما هي مصارف معينة لها شرعا لا انها او
بعضا منها مالكة لها، ومع ذلك فلا ينبغي‏الشك في انه اذا باع
ولي الامر الزكاة التي اخذها بما انه ولي امر المسلمين فالبيع
بيع حقيقة، بل وصحيح عرفاوشرعا.
فهكذا الامر في مسالة اعضاء الانسان ومتعلقاته، فانها مال يبذل
مال اخر بازائه، ويكون امرها بيد صاحبه، فله ان‏ينقلها الى الغير
مجانا، كما ان له نقلها اليه في مقابل عوض، وحقيقة مثل هذا
النقل هو البيع، ومقتضى اطلاق مثل‏قوله: (احل اللّه البيع)
وسائر ادلة صحة البيع صحته، فيصير العضو المذكور ملكا
للمشتري.
ثم قال:
ان قلت: ان امر عدم ملكية الانسان لاعضائه ملكية اعتبارية وان
كان كما ذكرت، الا ان هنا ادلة خاصة دلت على‏اعتبار الملكية
في المبيع، ومقتضاها بطلان بيع الانسان لاعضاء نفسه، وكفى
في ذلك النبوي المشهور: ((لا بيع الا في ملك)).
قلت: لم نقف على النبوي المعروف بهذه العبارة بعد فحص
اكيد، ولا على رواية اخرى عن النبي او الائمة‏المعصومين(ع)
تفيد هذا المعنى.
ثم نقل اخبارا متعددة من طرق العامة تدل على ان النبي(ص)
قال: ((لا بيع الا فيما تملك)) او ان النبي(ص) قال:
((ليس‏على رجل طلاق فيما لا يملك، ولا عتاق فيما لا يملك،
ولا بيع فيما لا يملك))، قائلا بان المراد بها ان يعمد الانسان
الى‏بيع الشي‏ء قبل ان يصير ملكا له ويدخل في ملكه. واستشهد
عليه بامرين:
احدهما: قوله(ص): ((ليس على الرجل...))، فان التعبير به انما
يناسب لو كان وقوع البيع يوجب عليه تكليفا يؤخذ به،وهو لا
يكون الا اذا كان بيعه عن نفسه، والا فبيع ما ليس ملكا له اذا
كان بيع مال الغير ومن قبيل الفضولي فوقوع‏البيع انما يوجب
وقوع التكليف على مالك المبيع، والبائع الفضولي اجنبي عن
البيع لا يوقعه في تكلف اصلا، بخلاف‏ما لو باع عن نفسه.
وقد وردت عن الائمة المعصومين(ع) في باب بيع العينة
بالفاظ اخر ما تدل على بطلان بيع العين قبل ان‏يملكها.
وثانيهما: ذكر البيع في عداد طلاق ما لا يملك، فان من
الواضح ان الملكية المعتبرة في الطلاق ليست ملكية
اعتبارية،بل انما هي بمعنى كون امر المطلقة بيده، بان تكون
زوجة له حين وقوع الطلاق، ليتصور فيه مفهوم الطلاق.
فكما ان المراد بالملك فيه هو ان يكون مالكا لامرها بالفعل، في
قبال ما ليس امرها بيده، كطلاق الاجنبية التي هي‏زوجة الغير،
وكطلاق من يريد تزويجها قبل ان يتزوجها.
فهكذا الكلام في قوله: ((لا بيع فيما يملك)) او ((لا بيع الا
فيما تملكه))، فيراد بالملك فيه: ان يكون امر المبيع بالفعل
بيده‏ليكون له الان التصرف فيه بالبيع ونحوه.
وبعبارة اخرى: يراد بالملكية ان يكون تحت اختياره وفي يده
وسلطته، وهذا معنى حاصل للانسان بالنسبة الى‏اعضائه الى ان
قال: فهذه الاخبار انما هي بصدد النهي عن بيع الشي‏ء قبل ان
يدخل تحت يده واختياره، لا في مقام‏اشتراط الملكية
الاعتبارية في المبيع((64)).
ويمكن ان يقال اولا: انا نمنع بناء العقلاء في عصر الشارع على
بذل الحي لاعضائه من جهة كونه مختارا في امراعضائه، وقد
مر ان الاخذ بمثل قاعدة السلطنة ونحوها غير تام، لانها ليست
مشرعة، بل لو سلم اطلاق القواعدوالادلة مثل قاعدة السلطنة
او قاعدة تفويض الامور الى المؤمن الا الاذلال‏كما دلت عليه
موثقة سماعة((65))فهي محكومة بقاعدة لا ضرر.
وثانيا: ان الاعضاء المبانة محكومة بالنجاسة الذاتية، وقد دل
الدليل على عدم جواز بيع النجاسات الذاتية وان‏كانت لها
منافع شائعة، كقوله(ع): ((ثمن العذرة من السحت))((66)).
فالعذرة وان كانت لها منفعة شائعة كالتسميدلكن لا يجوز
بيعها وشراؤها، وحيث لا خصوصية للعذرة فكل نجاسة ذاتية
تكون كذلك.
وثالثا: ان الاجزاء المبانة والميتة مما يصرح بعدم جواز بيعها،
لقوله(ع) في موثقة ابي نصر البزنط‏ي عن مولاناالرضا(ع) في
الاليات المقطوعة: ((نعم،يذيبها ويسرج بها، ولا ياكلها، ولا
يبيعها)(((67))، ولقول الامام الصادق(ع)في موثقة السكوني:
((السحت ثمن الميتة))((68))، وغير ذلك من الروايات. وفي
قبالها خبر محمد بن عيسى، عن‏ابي القاسم الصيقل وولده،
كتبوا الى الرجل: جعلنا اللّه تعالى فداك، انا قوم نعمل السيوف
ليست لنا معيشة ولاتجارة غيرها، ونحن مضطرون اليها، وانما
علاجنا (غلافها ظ) جلود الميتة والبغال والحمير الاهلية لا
يجوز في‏اعمالنا غيرها، فيحل لنا عملها وشراؤها وبيعها ومسها
بايدينا وثيابنا ونحن نصلي في ثيابنا؟ ونحن محتاجون‏الى
جوابك في هذه المسالة، ياسيدنا،لضرورتنا. فكتب: ((اجعل ثوبا
للصلاة)). وكتب اليه: جعلت فداك، وقوائم‏السيوف التي تسمى
السفن نتخذها من جلود السمك، فهل يجوز لي العمل بها
ولسنا ناكل لحومها؟ فكتب(ع): ((لاباس))((69)).
ولكن الرواية ضعيفة من جهة جهالة ابي القاسم الصيقل،
والقول بان المخبر هو محمد بن عيسى لا ابو القاسم‏الصيقل،
غير سديد بعد رواية محمد بن عيسى عن ابي القاسم الصيقل،
فان الظاهر منه ان الراوي للكتابة هو ابوالقاسم، وعليه فابو
القاسم الصيقل روى كتابة اهل صنفه الى الامام لا كتابة نفسه
وولده اليه، والا لقال: ((كتبنا))، هذامضافا الى ان الراوي لو
كان محمد بن عيسى للزم ان يقول: ((كتبا)) لا ((كتبوا)). هذا
من جهة سند الرواية.
واما من حيث مدلولها فلا تدل على المقصود، لان مورد السؤال
كما افاد شيخنا الاعظم في المكاسب عمل السيوف‏وبيعها
وشراؤها، لا خصوص الغلاف مستقلا ولا في ضمن السيف على
ان يكون جزءا من الثمن في مقابل عين‏الجلد، فغاية ما يدل
عليه جواز الانتفاع بجلد الميتة بجعله غمدا للسيف،وهو لا
ينافي عدم جواز معاوضته‏بالمال((70)).
والحاصل: ان مع احتمال ان يكون المبيع هو السيف والغلاف
تابع له بنحو الشرط، لا تصلح تلك الرواية للخروج بهاعن تلك
النصوص، وبقية الكلام في محلة.
وعليه، فالاعضاء المبانة ممنوعة البيع بخصوصه شرعا فلا يجوز
اخذ شي‏ء بازائها.
ورابعا:انا لا نسلم عدم دخالة الملكية الاعتبارية في حقيقة
البيع بعد كونه تمليك عين بعوض لغة وعرفا، ولوسلمنا ذلك
فقد دلت الروايات على اعتبارها:
فمنها:رواية سليمان بن داود المنقري، عن جعفر بن غياث،
عن ابي عبد اللّه(ع)، قال: قال له رجل: ارايت اذا رايت‏شيئا في
يدي رجل، ايجوز لي ان اشهد انه له؟ فقال: ((نعم)).
قلت:فلعله لغيره؟
قال:((ومن اين جاز لك ان تشتريه ويصير ملكا لك‏ثم تقول بعد
«ذلك‏» الملك: هو لي وتحلف عليه، ولا يجوز لك ان‏تنسبه الى
من صار ملكه اليك من قبله؟! ثم قال ابو عبد اللّه(ع): لو لم
يجز هذا ما قامت للمسلمين سوق))((71)).
والذي رواه في الفقيه عن سليمان بن داود المنقري فقد رواه
عن ابيه، عن سعد بن عبداللّه، عن القاسم بن محمدالاصبهاني،
عن سليمان بن داود المنقري المعروف ب ((ابن الشاذكوني))
على ما صرح به في المشيخة. والرواية‏ضعيفة بسبب جهالة
جعفر بن غياث، وان قلنا باتحاد القاسم بن محمد الاصبهاني
مع القاسم بن محمد الجوهري‏كما في رجال الاردبيلي. وكيف
كان، فقوله(ع):((ومن اين جاز لك ان تشتريه)) يدل على
توقف جواز الشراء على‏كون ذي اليد مالكا وكون الشي‏ء ملكا له،
ولا يكفي مجرد كونه تحت يده كما لا يخفى.
ومنها: صحيحة محمد بن الحسن الصفار المروية في الكافي:
عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن انه كتب‏الى ابي
محمد(ع): رجل كان له قطاع ارضين، فحضره الخروج الى
مكة، والقرية على مراحل من منزله، ولم يؤت‏بحدود ارضه
(ولم يكن له من المقام ما ياتي بحدود ارضه خ الفقيه)وعرف
حدود القرية الاربعة، فقال للشهود:اشهدوا اني قد بعت من
فلان (يعني المشتري خ الفقيه) جميع القرية التي حد منها
كذا والثاني والثالث والرابع،وانماله في هذه القرية قطاع
ارضين، فهل يصلح للمشتري ذلك وانما له بعض هذه
القرية(وانما له نصف هذه القرية خ‏الفقيه)، وقد اقر له بكلها؟
فوقع(ع): ((لا يجوز بيع ما ليس يملك، وقد وجب الشراء على
البائع على ما يملك))((72)).
ورواها في الفقيه عن محمد بن الحسن بن احمد بن
الوليد(رضى)، عن محمد بن الحسن الصفار انه كتب اليه
في‏رجل...الخ، الا ان فيه: ((فوقع(ع): لا يجوز بيع ما ليس
يملك «بالباء»))((73)).
ورواها في التهذيب ايضا بسند صحيح عن محمد بن الحسن
الصفار قال:... وكتبت اليه: رجل... الخ، الا ان الجملة‏الاخيرة
فيه‏جاءت مطابقة‏لما رواه في الفقيه في قوله: ((فوقع(ع): لا
يجوز بيع ما ليس بملك «بالباء»))((74)).
والظاهر ان نسخة الفقيه والتهذيب ارجح من نسخة الكافي، اذ
دخول الباء شائع في خبر ((ليس)) ولكن دخول ((ليس))على
الفعل ليس بشائع.
ولا يخفى عليك ان الرواية تدل على اشتراط صحة البيع
والشراء بالملك،فان السائل بقوله: ((وانما له بعض هذه‏القرية))
ذكر ان البائع مالك لبعض القرية وانه باع جميع القرية مع انه
ليس له الا بعضها، فاجاب الامام(ع)بان البيع‏صحيح فيما ملكه،
لا فيما ليس يملك او لا يملكه، ومن الظاهر ان المستفاد منه
هو اشتراط صحة البيع بمالكية البائع‏ومملوكية المبيع، لا
صرف كون العين تحت اختياره. هذا مضافا الى ان النسخة لو
كانت((لا يجوز بيع ما ليس بملك‏بالباء)) فالامر اوضح، فانه
يفيد اشتراط الجواز بالملك، كما في النبوي الشريف: ((لا بيع
الا في ملك)).
ومنها: موثقة اسحاق بن عمار المروية عن التهذيب، عن
الحسن بن محمد ابن سماعة، عن علي بن رئاب وعبد اللّهبن
جبلة، عن اسحاق بن عمار، عن العبد الصالح(ع) قال: سالته
عن رجل في يده دار ليست له، ولم تزل في يده ويدابائه من
قبله، قد اعلمه من مضى من ابائه انها ليست لهم، ولا يدرون
لمن هي، فيبيعها وياخذ ثمنها؟ قال: ((ما احب‏ان يبيع ما ليس
له)).
قلت: فانه ليس يعرف صاحبها، ولا يدري لمن هي، ولا اظنه
يجي‏ء لهارب ابدا. قال: ((ما احب ان يبيع ما ليس له)).
قلت:فيبيع سكناها او مكانها في يده، فيقول لصاحبه: ابيعك
سكناي وتكون في يدك كما هي في يدي؟ قال:((نعم،
يبيعهاعلى هذا))((75)).
اذ الظاهر هو اشتراط مملوكية المبيع للبائع في صحة البيع، لا
كون المبيع تحت يده، والا فهي تحت ايديهم ويجوزلهم
التصرف فيها، فتامل.
هذا مضافا الى ظهور قوله(ع): ((ما احب ان يبيع ما ليس له))
في اشتراط الملكية وتعلق الشي‏ء بالمالك، لا كونه تحت‏يده
واختياره.
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم المروية عن التهذيب، عن
الحسين بن سعيد، عن حماد، عن حريز، وصفوان عن‏العلاء،
جميعا عن محمد بن مسلم،عن ابي جعفر(ع)، قال: سالته عن
رجل اتاه رجل فقال: ابتع لي متاعا لعلي اشتريه‏منك بنقد او
نسيئة، فابتاعه الرجل من اجله. قال: ((ليس به باس، انما
يشتريه منه بعدما يملكه))((76)). والمرادبالعلاء هو العلاء بن
رزين، بقرينة الراوي والمروي عنه.
والمستفاد من الرواية: هو اشتراط مملوكية المبيع ومالكية
البائع في صحة البيع والشراء، لان الظاهر من قوله:((بعدما
يملكه)) ان الاشتراء يتعلق بالشي‏ء بعد دخوله في املاكه
وامواله وصيرورته مالكا له. وحمله على ان المرادانه بعد دخوله
تحت اختياره خلاف الظاهر جدا.
ومنها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سالت ابا
عبداللّه(ع) عن العينة، فقلت: ياتيني الرجل فيقول: اشترالمتاع
واربح فيه كذا وكذا، اراوضه على الشي‏ء من الربح فتراضى به،
ثم انطلق فاشتري المتاع من اجله لولا مكانه‏لم ارده، ثم اتيه به
فابيعه.
قال: ((ما ارى بهذا باسا، لو هلك منه المتاع قبل ان تبيعه اياه
كان من مالك،وهذا عليك بالخيار ان شاء اشتراه منك‏بعدما
تاتيه وان شاء رده، فلست ارى به باسا))((77)).
لظهوره في اشتراط صحة البيع بدخول الشي‏ء في ملك البائع،
فما دام لم يدخل الشي‏ء في حبالة امواله ولم يصرالبائع مالكا
اياه لا يجوز البيع، فقبل البيع حيث كان من اموال البائع فلا
مانع من البيع، لتاخره عن كونه من‏امواله.
ومنها: صحيحة منصور بن حازم عن ابي عبداللّه(ع) في رجل
امر رجلا يشتري له متاعا، فيشتريه منه. قال: ((لاباس بذلك،
انما البيع بعدما يشتريه))((78)).
فان الظاهر منه ان البيع متاخر عن الاشتراء، وهو تملك المبيع
بعوض.ومقتضى الحصر هو عدم جواز البيع فيما لم‏يتملك
شيئا.
وغير ذلك من الاخبار الدالة على اشتراط صحة البيع
بمملوكية المبيع ومالكية البائع.
وحمل الاخبار المذكورة على ان المراد هو اشتراط صحة البيع
بكون المبيع تحت اختياره لا بكونه من امواله وتحت‏حبالة
ملكيته، كما ترى بعد ما عرفت من الشواهد الدالة على تعليق
صحة الاشتراط بمملوكية المبيع‏ومالكية‏البائع.
والاستشهاد بروايات العامة مع ضعفها ومنافاتها مع ما ورد في
روايات الخاصة على ان المراد هو كونه تحت‏الاختيار، بعيد
جدا.
وخامسا: النبوي الشريف: ((لا بيع الا في ملك)) مشهور
ومعمول به كسائر النبويات المروية عن طرق العامة، فلاحاجة
الى السند، اللهم الا ان يقال: استناد الاصحاب اليه غير محرز.
وسادسا: ان العمدة في المنع هو الاخبار الدالة على ممنوعية
بيع الاعيان النجسة والاجزاء المبانة، ومع الغمض‏عنها فمع
كون الاجزاء المبانة مما لها فائدة عقلائية يحكم العقلاء بكونها
من الاموال لصاحبها، والمالية الاعتبارية‏تكفي في صحة البيع
وان لم يعتبروها قبل الابانة بالفعل، فلا حاجة في تصحيح البيع
الى اثبات كفاية كونها تحت‏اليد، والاخبار الدالة على اعتبار
مملوكية الشي‏ء قبل البيع لا تدل على ازيد من كونه مالا
للبائع، وهو متحقق في‏الاجزاء المبانة.
وسابعا: ان القول باشتراط الملكية الاعتبارية في المبيع لا
يلزم منه القول ببطلان بيع ولي الامر لما اخذه زكاة‏وخمسا،
بعد امكان القول بتملك عنوان الفقراء للزكاة وعنوان السادة
للخمس، وهكذا فان الجهات العامة التي عبرعنها بالمصرف في
الزكاة او الخمس تصلح للمالكية، ومع امكان المالكية بالنسبة
الى الجهات العامة لا ملازمة‏بين اشتراط الملكية الاعتبارية
والقول ببطلان بيع ولي الامر، اذ للولي ولاية على الجهات
العامة، فله بيعها بعدتحقق شرط صحته من المملوكية
والملكية الاعتبارية.
وبالجملة، فبعد دلالة النصوص على عدم جواز بيع الاعيان
النجسة والاجزاء المبانة لا يصح بيع الاجزاءالمبانة.
واما قبل ابانة الاجزاء، فانها وان كانت طاهرة ولكن لا يصح
بيعها، لان شرط صحة البيع هو الملكية الاعتبارية،وهي
مفقودة، اذ لا اعتبار للمملوكية في اجزاء الحر.
فتحصل: انه لا يجوز اخذ شي‏ء في قبال الاجزاء المبانة مطلقا،
سواء كانت من الحي او الميت، اوصى الميت به او لم‏يوص، لان
الوصية في امر غير مشروع غير نافذة. واما بذل شي‏ء لباذل
العضو فيما جاز له ذلك بعنوان التكريم‏والهبة من دون قصد
المعاوضة فلا مانع منه. كما لا اشكال فيما اذا اعط‏ى احد لغيره
شيئا بداعي ان ياذن له في‏الاستفادة من بعض اعضائه فيما اذا
جاز له ذلك ولو بالوصية، ولا يجوز اعطاء شي‏ء لاولياء الميت
بداعي ان ياذنوافي ذلك، لعدم ولايتهم على ذلك. نعم لا باس
باعطاء شي‏ء يرفع يدهم عنه فيما اذا جاز التصرف في الميت
بجهة من‏الجهات.
الرابع عشر: في صورة عدم اطمئنان الطبيب بنجاح عملية
الترقيع في بدن المريض، او عدم اطمئنانه بسلامة بدنه‏من
المضاعفات الحاصلة بعد ذلك كما في ترقيع الكبد ونحوه ففي
مثل هذه الصورة هل يجوز الترقيع او لا؟
ولا كلام في جواز اخذ العضو من الميت فيما اذا اوصى الميت
ببذل عضوه ولو لمثل هذه الموارد، بناء على جوازالوصية ببذل
العضو ونفوذها، وانما الكلام في التصرف في ابدان المرضى عند
عدم الاطمئنان بنجاح عملية‏الترقيع فيها وسلامة البدن، فان
كان ذلك مع كونه اختبارا معالجة بالفعل للمريض امكن القول
بالجواز فيما اذاكانت المعالجة راجحة عند العقلاء، كما عليه
بناء العقلاء. فلا وجه لما في جامع المدارك من التمثيل لعدم
رجحان‏المعالجة عند العقلاء بما لو كان المظنون الضرر او
الموت بسبب المعالجة، مستشهدا بان الاطباء المحتاطين
لايقدمون عليها((79)).
وذلك لان بناء العقلاء على المعالجة ولو مع احتمال ضعيف
كاف في الجواز، ولا يضره اجتناب جمع من المحتاطين‏من
الاطباء.
ويؤيد ما ذكر خبر اسماعيل بن الحسن المتطبب قال: قلت
لابي عبد اللّه(ع):اني رجل من العرب، ولي بالطب بصر،وطبي
طب عربي، ولست اخذ عليه صفدا « عطاء».
قال: ((لا باس)). قلت له: انا نبط الجرح « اي نشقه‏» ونكوي
بالنار. قال: ((لا باس)).
قلت: ونسقي هذه السموم الاسمحيقون والغاريقون.
قال: ((لا باس)).
قلت: انه ربما مات؟
قال: ((وان مات))((80)).
نعم، ان كان ذلك لمجرد الاختبار والارتقاء العلمي، فان اوجب
ضررا على الغير فلا يجوز وان لم يكن مهلكا، والا فمع اذن
المريض وعدم الضرر والهلاك لا وجه للمنع، كما لا يخفى.
الخامس عشر: ربما يعرض عند الترقيع ما يؤدي الى فساد
العضو، هل يكون الطبيب ضامنا لذلك او لا؟
يمكن ان يقال: ان الطبيب بالنسبة الى العضو المذكور ليس
بضامن لو لم يفرط ولم يتعد، لانه امانة عنده، والامين لايضمن
الا بالتفريط والتعدي والخيانة والتقصير، والعوارض والطوارئ
لا دخل للطبيب فيها. نعم، لو فرط او تعدى‏فهو ضامن. هذا كله
بالنسبة الى فساد العضو المرقع به.
واما بالنسبة الى ضمان الطبيب حيال نفس المريض، فان كان
قد اخذ البراءة من المريض او وليه ولم يقصر في‏عمله فلا
ضمان، كما تدل عليه معتبرة السكوني عن ابي عبد اللّه(ع)
قال: ((قال امير المؤمنين(ع): من تطبب‏او تبيطرفلياخذ
البراءة من وليه، والا فهو له ضامن))((81))، حيث تدل الرواية
بحسب ظاهرها على ان البراءة موجبة لعدم‏الضمان، لا ان
الضمان المحقق من جهة الجناية يرتفع بالبراءة كما قيل، اذ مع
تحقق الجناية بدون البراءة يكون‏تعلق الضمان واضحا، ولا
يحتاج الى الحكم بالضمان، فلا يكون لقوله(ع): ((والا فهو له
ضامن)) الظاهر في حدوث‏الضمان وجه بل اللازم ان يقال: ان
مع عدم اخذ البراءة لا رافع للضمان، فتدبر جيدا.
واما اذا لم ياخذ البراءة وان لم يقصر، بل وان اذن المريض او
وليه، فهو ضامن، لاطلاق دليل الضمان، واختصاص‏رفعه
بصورة البراءة في المعتبرة المذكورة.
هذا مضافا الى ما جاء في معتبرة السكوني من ان امير
المؤمنين(ع) ضمن ختانا قطع حشفة غلام((82))، بناءعلى
حملها على ما اذا لم ياخذ البراءة وان كان ماذونا فيه بحسب
الغالب.
ثم ان المراد من الولي هو الذي له تصدي امور المريض، وهو
في الانسان ولي شرعي من الاب والولد وغيرهما من‏الطبقات
ان كانوا، والحاكم الشرعي مع عدمهم، وعدول المؤمنين مع
عدمه.
السادس عشر: اذا اختطف شخص انسانا فشق بطنه واخذ بعض
اعضائه،فان اوجب ذلك هلاك المختطف جرى‏فيه القصاص،
وان لم يوجب ذلك هلاكه فلا اشكال في حرمة الاختطاف،
واستحقاق التعزير به ان لم يكن ذلك‏حرفته، والا فربما يقال:
انه مفسد فتترتب عليه احكام المفسد. بل لعل الاختطاف
المذكور سرقة للحر او الحرة،فيشمله خبر الثوري قال: سالت
جعفر بن محمد(ع) عن رجل سرق حرة فباعها. فقال: ((فيها
اربعة حدود، امااولها:فسارق تقطع يده...))، وموثقة السكوني ان
امير المؤمنين(ع) اتي برجل قد باع حرا فقطع يده((83)).
اللهم الا ان يقال: بيع الحرة والحر له دخل في الحكم بجريان
احكام السرقة، فتامل.
وكيف كان، فشق البطن جناية الجائفة، وهي موجبة لاستحقاق
ثلث الدية ان لم نقل باختصاصها بالراس والوجه‏وشمولها للبدن
ايضا كما هو المعروف،واما ان قلنا باختصاصها بالراس والوجه
فيجري حكم القصاص، الا اذارضي المجني عليه بالدية.
واما اخذ العضو، فان كان مما في الجسد منه اثنان ففيه نصف
الدية، وان كان مما في الجسد منه واحد فدية كاملة،لقول
الامام الصادق(ع) في صحيحة عبداللّه بن سنان: ((ما كان في
الجسد منه اثنان ففيه نصف الدية، مثل
اليدين‏والعينين...))((84)) وغيره، بناء على كونه غير مختص
بالاجزاء الظاهرية وانما يعم ويشمل الاجزاء الباطنية،وكون ذكر
اليدين والعينين ونحوهما من باب المثال،كما هو الظاهر.
واما بناء على اختصاص الرواية بالاجزاء الظاهرية وعدم تقدير
الدية في العضو الماخوذ من الباطن ففيه الارش‏والحكومة، وهو
ان يقوم صحيحا ان كان مملوكا، ويقوم مع الجناية وينسب الى
القيمة ويؤخذ من الدية‏بحسابه.
هذا مع قطع النظر عن مالية الماخوذ بعد الابانة كالكلى
ونحوها، والا امكن القول بضمان قيمتها مضافا الى الدية،فانها
بعد الاخذ مال، والواجب هو رده الى صاحبه، فمع الاتلاف ولو
بترقيعه في بدن اخر فهو له ضامن‏بالاتلاف،وضمان الدية من
جهة القطع، ومن المعلوم ان تعدد الاسباب يقتضي تعدد
الضمان.
وان رقعه الاخذ في بدنه، فهل يمكن القول بجواز اخذ عين
العضو لبقائه، او لا، لصدق الاتلاف بصيرورته جزءا؟وجهان.
وبقية الكلام في محله.
السابع عشر: اذا قلنا بجواز الوصية باعطاء الاعضاء فلا دية
على‏الاخذ، لاقدام الميت على ذلك، ومع الوصية والاذن‏لا
يكون ذلك منافيا لحرمة الميت.
واما اذا لم يوص او لم نقل بجواز الوصية، فهل يوجب اخذ عضو
من الميت لغرض الترقيع دية العضو ام لا؟
ربما يقال: الظاهر هو وجوب الدية، وذلك لتعليل ثبوت الدية
بقطع راس الميت بحرمة الميت في حال مماته بمثل‏حرمته
في حال حياته، فكما ان الجناية عليه في حال حياته توجب
الدية فكذلك في حال كونه ميتا.
وتشهد له صحيحة عبداللّه بن سنان في رجل قطع راس
الميت، قال(ع):((عليه الدية، لان حرمته ميتا كحرمته
وهوحي))((85))، لتعليل الدية بالضابطة المذكورة.
وهذه العلة المنصوصة كما تقتضي عموم حكم وجوب الدية في
شتى افراد الجنايات واقسامها فهكذا تقتضي‏ثبوت حكم الدية،
سواء كان ذلك بداعي التمثيل والتنكيل او بداعي ارادة الانتفاع
بعضوه في الترقيع، اذ كلتا الحالتين‏مشتركتان في ان الحرمة
المجعولة للميت تمنع عن جواز اقدام الغير على قطع عضو
منه، وفي انها تقتضي ثبوت‏الدية على القاطع لما اقدم على
هتك حرمته وقطع عضوه بلا اذن منه، ولا ما يقوم
مقامه((86)).
ومن المعلوم ان مجرد جواز ذلك عند تزاحم الاهم لا يدفع
العلة لتشريع الدية، بل اخذ العضو عند التزاحم ينافي‏حرمة
الميت المسلم وان كان الاخذ جائزا، كما اذا وضع الساقط من
فوق رجله على راس مؤمن، فانه مع جوازه آلدفع الهلاك
ونحوه ينافي احترام المؤمن. هذا مضافا الى ما قيل من ان
التعليل غير ثابت بل لعله حكمة الحكم،ومقتضى اطلاق جعل
الدية كاف في اثبات الدية، فتامل.
نعم، اذا توقف حفظ حياة مؤمن على اخذ عضو من ميت مسلم
امكن التمسك بالاخبار الواردة في جواز تقطيع الولدواخراجه
من بطن امه حفظا لحياة امه، او شق بطن امه حفظا لحياة
ولدها، بدعوى ان مقتضى اطلاقها هو عدم‏وجوب الدية. اللهم
الا ان يقال باختصاصها بموردها من صيرورة الميت سببا
مقتضيا لموت الحي.
لا يقال: ان جواز اخذ العضو شرعا يستلزم عدم الدية.
لانا نقول: لا ملازمة بين رفع الحكم التكليفي ورفع الحكم
الوضعي، الا ترى انه يجوز عند الاضطرار اكل مال الغيرومع
ذلك لا يرفع ضمانه؟! فكل مورد يجوز فيه اخذ العضو من باب
التزاحم وتقديم جانب الاهم، ولم يرد فيه نص‏خاص، لا وجه
لرفع حكم الدية، وبقية الكلام في محله.
الثامن عشر: هل يجوز ترقيع موضع القصاص بنفس العضو
الذي قطع منه او بغيره، ام لا يجوز؟
ربما يقال: ان المستفاد من الايات والاخبار تساوي الجناية
والقصاص، بل ما دل على التساوي لعله اب
عن‏التخصيص((87))، وعليه فالقصاص بمثل الجناية الواردة
يكفي في تحقق التساوي، ومعه لا مانع من ترقيع‏موضع
القصاص بنفس العضو الذي قطع منه او بغير العضو المذكور.
واليه مال سيدنا الامام المجاهد(ره) حيث قال: ((لو قطع اذنه
فالصقها المجني عليه والتصقت فالظاهر عدم سقوط‏القصاص.
ولو اقتص من الجاني فالصق الجاني اذنه والتصقت ففي رواية:
قطعت ثانية لبقاء الشين، وقيل: يامرالحاكم بالابانة لحمله
الميتة والنجس. وفي الرواية ضعف. ولو صارت بالالصاق حية
كسائر الاعضاء لم تكن ميتة‏وتصح الصلاة معها، وليس للحاكم
ولا لغيره ابانتها، بل لو ابانه شخص فعليه القصاص لو كان عن
عمد وعلم، والا فالدية))((88)).
واورد عليه اولا: بان المماثلة في قوله تعالى: (فمن اعتدى
عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) تقتضي ان
يجعل‏الجاني بلا اذن مثلا كما ان المجني عليه يكون كذلك.
وفيه: ان المماثلة في الاعتداء تعني ان الجناية الواردة على
شخص تقتضي ايراد مثلها على الجاني، وهو الذي عبرعنه
بالقصاص، وهذه المماثلة هي التي دلت عليها الاية الكريمة ولا
تدل على اكثر من ذلك، ولا تامر بالمماثلة بين‏الجاني والمجني
عليه بعد القصاص.
ولعل هذا هو مراد السيد المحقق الخوانساري(ره) من قوله: ان
المستفاد من الايات والاخبار تساوي الجناية‏والقصاص.
وثانيا: بان ذلك وان كان كذلك بحسب القاعدة الاولية، ولكن
اللازم هو رفع اليد عنه بما رواه الشيخ في التهذيب‏باسناده عن
محمد بن الحسن الصفار، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن
غياث بن كلوب، عن اسحاق بن عمار،عن جعفر، عن ابيه(ع):
((ان رجلا قطع من بعض اذن رجل شيئا، فرفع ذلك الى
علي(ع) فاقاده، فاخذ الاخر ما قطع‏من اذنه فرده على اذنه
بدمه فالتحمت وبرات، فعاد الاخر الى علي(ع) فاستقاده، فامر
بها فقطعت ثانية، وامر بهافدفنت، وقال(ع): انما يكون القصاص
من اجل الشين))((89)).
بدعوى ان مقتضاها هو عدم جواز ترقيع موضع القصاص او
موضع الجناية ليبقى الشين، كما يشهد له عموم‏قوله(ع):
((انما يكون القصاص من اجل الشين))، وهذا البقاء لا يتحقق الا
اذا منع عن الترقيع به وعن اعادته بعدالاستئصال.
وفيه: ان الرواية ضعيفة، ولعله من جهة عدم التوثيق الخاص
للحسن بن موسى الخشاب. ولكن الضعف ممنوع‏بعدما صرح
في رجال النجاشي وغيره بانه من وجوه اصحابنا، مشهور، كثير
العلم((90)).
هذا مضافا الى ما عن البهبهاني في التعليقة من انه روى عنه
محمد بن احمد بن يحيى ولم يستثنه ابن‏الوليد.
على ان احمد بن محمد بن عيسى روى عنه، مع انه بعد
البرقي عن قم لمكان نقله عن الضعفاء.
نعم، يرد على الرواية كما اشار في جامع المدارك : ان لازم
التعليل المستفاد من الخبر هو جواز جرح المجني عليه‏للجاني
ثانيا بل ثالثا وازيد مع الاندمال في بدن الجاني وعدم الاندمال
في بدن المجني عليه لبقاء الشين،وهكذاعكس ذلك، فيجوز
جرح الجاني لبدن المجني عليه ثانيا بل ثالثا وازيد مع الاندمال
في بدن المجني عليه وعدم‏الاندمال في بدن الجاني لبقاء
الشين. ولا اظن الالتزام به في غير موردها، فلا يؤخذ بعموم
التعليل، وذلك لان غايته‏هو الحكم به في مورد الرواية من منع
المجني عليه من اعادة اذنه فيما اذا لم يتمكن الجاني منها بناء
على ظهورقوله: ((فاخذ الاخر ما قطع...)) في المجني عليه، او
منع الجاني من ذلك بناء على ان المراد من قوله: ((فاخذ الاخر
ماقطع...)) هو الجاني. وكيف كان فلا يتعدى عن مورد الرواية
الى سائر الموارد.
هذا مضافا الى ان الرواية بناء على تسليم الاخذ بعموم التعليل لا
تشمل ما اذا تمكن كل واحد من المجني عليه‏والجاني من
الترقيع، فيجوز لكل واحد منهما ترقيع اذنه.
وربما يفصل في ذلك كما في كلمات سديدة فتارة: تكون
الجناية علة تامة لصيرورة المجني عليه بلا هذا العضوالى الابد،
كان قطع اذنه مثلاوالقاها الى كلب او هرة فاكلها، او احرقها
بالنار، او دقها وسحقها، او قطعها في بر لايمكن فيه عملية
الترقيع. ولعله يلحق به ما اذا كانت عملية الترقيع امرا مغفولا
عنه عند عامة الناس الذين منهم‏المجني عليه.
واخرى: لا تكون الجناية علة تامة، كان اقدم على قطع اذنه في
مستشفى،وذكر له ان طبيب عملية الترقيع موجودوهو نفسه
يتحمل مؤونته.
ففي الصورة الاولى: للمجني عليه بموجب ادلة القصاص ان
يفعل ذلك بالجاني حتى تتحقق المماثلة. فتجويز ان‏يرقع
الجاني بذاك العضو المقطوع عن بدن نفسه خلاف ادلة
القصاص، وبه يلحق مورد الغفلة العامة.
واما اذا كانت الصورة الثانية، فالحقيقة هي ان الجناية لم توجب
الا مجرد قطع عضو المجني عليه، والا فصيرورته‏بلا ذاك
العضو الى الابد كانت من اثار مسامحة نفسه لا من اعمال
الجاني، فلا تقتضي ادلة القصاص ان يمنع‏الجاني عن عملية
الترقيع استنادا الى حصول المماثلة في الاعتداء والقصاص، فان
الاعتداء لم يوجب الا حدوث‏القطع، واما بقاؤه فهو لا يستند الى
المعتدي بل الى مسامحة المعتدى عليه، فلو اراد المجني عليه
قطعه ثانية لكان‏هو اعتداء ازيد مما اعتدي عليه، وهكذا لو اراد
ان يمنعه من الترقيع به الى ان قال: فتحصل ان الحق هو
التفصيل بين‏الموارد، وان للمجني عليه المنع من الترقيع اولا
ومطالبة قطعه بعد الترقيع ثانيا، الا ان تكون اسباب الترقيع
معدة له‏بلا اي مانع ولم يقدم عليه مسامحة، وحينئذ فلا حق
له على الجاني بعد الاختصاص الاول اصلا((91)).
وانت خبير بان المماثلة في الاعتداء ليست الا بايراد مثل
الجناية، كما نص عليه في اية كيفية القصاص (ان
النفس‏بالنفس والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن
والسن بالسن...)((92)).
واما سائر الامور، فان كانت راجعة الى ايراد نقص في البدن
كاذهاب‏استعداده لتقبل العضو فللمجني عليه ذلك،لعموم
جواز الاعتداء بالمثل، وان لم تكن راجعة الى ذلك كان القى
المقطوع الى حيوان فاكله، او احرقه بالنار،او منع‏من الصاق
العضو، وغير ذلك من المحرمات فانه بعد وجوب دفن الاعضاء
المبانة يكون الالقاء والاحراق وكذلك‏منع الغير عن الالصاق من
المحرمات، فلا تشملها اية المماثلة في الاعتداء، اذ الجنايات
والجراحات قابلة للقصاص‏وليس المحرمات، بل هي توجب
العقوبة والمؤاخذة والتعزير والضمان على حسب مواردها.
الا ترى انه اذا قطع شخص يد غيره ولاط به اقتص منه بقطع
يده، ويجري عليه حكم اللواط، ولا يفعل به اللواط؟!لتحقق
المماثلة مع ما فعله.
هذا مضافا الى انه في حالة غفلة المجني عليه عن عملية
الترقيع لا سببية للجاني حتى يلحق بصورة ممانعته
من‏الالصاق.
وعليه، فلا وجه للتفصيل المذكور، مع ان الممانعة فعل محرم
لا يرتبط بالجناية الواردة على المجني‏عليه.
فتحصل: انه يجوز ترقيع العضو المقتص منه، كما يجوز
للمجني عليه الترقيع، الا ان يؤخذ بالرواية في خصوص‏موردها،
كما ادعى عليه الاجماع في الرياض. ومقتضى الاولوية هو جواز
منع الجاني ايضا من الترقيع مع عدم‏تمكن المجني عليه منه.
نعم لو تمكنا من ذلك لجاز لكل واحد منهما الترقيع.
لا يقال: ان الترقيع للجاني ممكن في مورد الرواية.
لانا نقول: الظاهر منه هو عدم تمكن الجاني منه، ولعل وجهه
هو ان عضوه المقطوع بامر مولانا امير المؤمنين(ع)صار مدفونا.
وكيف كان فيقتصر في العمل بالرواية حينئذ على مورد قطع
شي‏ء من الاذن في المجني عليه اوالجاني، واما التعدي منه الى
سائر الموارد فمحل اشكال ونظر، ولااقل من الشك، فمقتضى
اصالة عدم جوازالتعرض للغير هو عدم جواز الممانعة، فتامل.
ثم انه ربما يقال: ان العضو المقطوع ميتة، وعليه لا تصح الصلاة
فيها،فعلى الحاكم الشرعي ان يمنعه من‏الالصاق.
لكن فيه اولا: منع صدق الميتة بعد الترقيع وحلول الحياة في
العضو وصيرورته كسائر الاعضاء.
ثانيا: ان حمل الميتة في مقام المعالجة جائز، لان الضرورات
تبيح المحذورات.
التاسع عشر: هل يجوز للمحدود ترقيع عضوه المقطوع بالحد،
ام لا؟
فيه وجهان:
وجه الجواز: ان مقتضى القاعدة هو الاقتصار على المتيقن بعد
عموم حرمة التعرض للغير، والمتيقن هو مجردقطع العضو،
والزائد عليه الذي هو المنع من الترقيع محرم، لعموم دليل
حرمة التعرض للغير، ولا اقل من الشك،فمقتضى استصحاب
حرمة التعرض له الثابتة قبل السرقة هو عدم جواز المنع من
الترقيع.
ووجه المنع: هو قوله تعالى: (السارق والسارقة فاقطعوا ايديهما
جزاء بما كسبا نكالا من اللّه)((93))، بدعوى ان‏المستفاد منه
عرفا بتناسب الحكم والموضوع ان المامور به هو الحصول على
اثر القطع اعني الانفصال، فكان‏القطع بمنزلة المقدمة للتوصل
الى هذا الاثر، حتى يكون الاثر الباقي جزاء ونكالا.
كما لو اوقف عبده مثلا على باب الدار ليمنع من دخول كلب
في داره، فاذا هجم كلب ودخل داره لغفلة العبد او عجزه‏عن
منعه فلا يصغى الى دعوى ان‏المكلف به هو الا يدخل الكلب،
وقد دخل بالفرض، فليس على العبد الاقدام على‏اخراجه من
الدار بعد ان دخل، وذلك لان المفهوم من هذا التكليف في
العرف وعند العقلاء ان المكلف به انما هو ان لايكون كلب في
داره، والمنع من الدخول انما هو بمنزلة مقدمة له، فاذا دخلها
فعلى العبد التوصل باي وسيلة ممكنة‏الى اخراجه منها.
ففيما نحن فيه ان الحد المامور به هو ان يكون السارق مقطوع
اليد وبلا يد، والقطع طريق اليه قد امر اللّه تعالى به،والا فالغاية
منه هو الواجب، وهو المناسب لان يكون نكالا يتعظ به
غيره((94)).
وفيه: ان الغاية من القطع المدلول عليها في الاية المباركة هي
الجزاء والنكال، وهما حاصلان بمجرد القطع، ولا دليل‏على ان
المامور به هو بقاء اثر القطع. ودعوى ان العرف يفهم ذلك لا
شاهد لها، وقياس المقام بالمثال المذكور مع‏الفارق، فان
المعلوم في المثال هو عدم وجود الكلب في الدار، بخلاف
المقام فان بقاء الاثر غير معلوم‏المطلوبية.
وربما يستدل لذلك بروايات:
منها: صحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع) قال: ((قضى
امير المؤمنين(ع) في السارق اذا سرق: قطعت يمينه،واذا سرق
مرة اخرى: قطعت رجله اليسرى، ثم اذا سرق مرة اخرى
سجنه، وتركت رجله اليمنى يمشي عليها الى‏الغائط، ويده
اليسرى ياكل بها ويستنجي بها، فقال: اني لاستحيي من اللّه ان
اتركه لا ينتفع بشي‏ء، ولكني اسجنه‏حتى يموت في
السجن...))((95)).
بدعوى انها ظاهرة الدلالة في ان اجراء حد السرقة يؤدي الى الا
يكون للسارق يد يمنى في المرة الاولى، والا يكون‏له رجل
يسرى في المرة الثانية، وانه يترك له يده اليسرى لان تكون
هي التي ياكل بها، ورجله اليمنى لان تكون هي‏التي يمشي
عليها، ولذلك كان هو(ع) يستحيي من اللّه بعد ذلك ان يقطع
له يدا او رجلا فيؤدي الى الا ينتفع بشي‏ء.
وبعبارة اخرى: قوله(ع): ((تركت رجله اليمنى يمشي عليها
الى الغائط، ويده اليسرى ياكل بها ويستنجي بها))واضحة
الدلالة على ان قطع الرجل يوجب ان يفوت عليه المشي عليها،
وقطع اليد يوجب فوت الاكل بها والاستنجاءبها، وعلى ان اجراء
حد القطع يوجب فيه هيئة انه لا يكون له يد او رجل((96)).
وفيه: ان الرواية ناظرة الى حد السرقة بالحكم الاولي، ولا نظر
لها الى صورة ترميم بعض الاعضاء بالترقيع،خصوصا مع عدم
تعارفها، فلا اطلاق لها. وبالجملة: حد السرقة يوجب كيفية
مذكورة بالطبع الاولي، ولا ينافي‏جواز تغير وضع المحدود
بالترقيع وان كثرت الروايات الواردة في ترتيب حد السارق
والسارقة من قطع اليد اولا،ثم قطع الرجل ثانيا، ثم الحبس
الابدي ثالثا((97))،فتامل.
ومنها: خبر محمد بن سنان المروي في العيون باسانيده عن
الرضا(ع) فيما كتب اليه من العلل : ((وعلة قطع اليمين‏من
السارق: لانه يباشر الاشياء غالبا بيمينه، وهي افضل اعضائه
وانفعها له، فجعل قطعها نكالا وعبرة للخلق لئلا يبتغوا اخذ
الاموال من غير حلها))((98)).