ومن هنا يمكن ان يعزز كلام السيد الخوئي باعادة صياغته على
مستوى الصغرى فيه وذلك ان وضع‏ضابطة عامة في هذا
المورد يعد امرا صعبا حتى لو قبلنا من ناحية كبروية بمبنى
دوران عناوين الحرج‏والضرر في ادلتهما عليهما كوجود نوعي
فضلا عن الشخصي، ذلك ان افتراض ضابطة نوعية
غالبة‏يتطلب تجاهل العوامل والمؤثرات الخارجية التي تلعب
دورا بارزا في رفع التوتر الجنسي في المجتمع‏فضلا عن احاد
الافراد، فرب مجتمع في عصر واحد ونتيجة وجود وتوفر
مختلف وسائل الاثارة في‏الصحف او غيرها من وسائل الاتصال
كالتلفزيون والكمبيوتر والانترنت و... فضلا عن السفور
الفاحش‏والتدني الاخلاقي و... يكون التوتر الجنسي فيه عاليا،
فقد يبلغ اطفاله الحلم باكرا نسبيا، وتلعب المؤثرات‏الخارجية
في اثارة حالة تهييج وتحريك غرائزي عام في وسطه.. هذا
المجتمع لا يمكن مقايسة الحالة‏النفسية والغريزية فيه للمراة
بمجتمع محافظ قد انعدمت فيه او تضاءلت فعالية الكثير
من هذه المؤثرات،(ومن الضروري هنا الاشارة الى ان هذا
المثال الذي ذكرناه ليس مطردا، لان هناك في وسط بعض
الباحثين‏النفسيين والاجتماعيين من يملك رؤية قد تكون
عكسية) هذا فضلا عن ان الاختلاف الزمني له دور ايضا في‏هذا
الامر فما يحدد اليوم قد لا تتحمله ظروف واوضاع الغد او
الامس.. ومن هنا يصعب وضع ضابطة عامة‏في كثير من
الاحيان، وهذا ما تؤكده الدراسات النفسية والاجتماعية...
وعليه فجعل المدار على عنوان الحرج او الضرر فحسب لا
يثبت هذه الرؤية الفقهية بشكلها المتداول، بيدانه ينفع في
رفع اليد على نحو المبدا او القضية المهملة على الاقل عن
اصالة البراءة‏والرخصة.
ثانيا ما ذكره السيد الخوئي ايضا من ان قاعدتي نفي الحرج
والضرر ترفعان الحكم الثابت ولا تثبتان‏حكما على ما هو المقرر
فيهما، وفي مورد بحثنا فقد تمت الاستفادة من القاعدتين
لاثبات حق للزوجة‏والزام على الزوج وهو ما لا تشمله
القاعدتان((171)).
وهذا الجواب مبني على اختصاص قاعدة لا ضرر برفع الحكم لا
اثباته، اما من يرى شمولها للموردين‏معا فلا تجري بحقه هذه
المناقشة، وعلى اية حال فالمسالة مبنائية تقرا في علم الاصول.
ثالثا ان القاعدتين اذا اثبتتا حكما فانما تثبتانه في مورد
الشخص الذي كان معرضا للحرج والضرر،والا فلا يعقل ان
يكون وقوع زيد في الحرج بسبب امر ما موجبا لثبوت حكم
الزامي على عمرو بدليل‏نفي الحرج.
وقد استخدم السيد الخوئي(ره) هذه الصيغة في اطار معين
حين اعتبر ان لازم تطبيق القاعدتين هووجوب تزويج اللا تي
يقعن في الحرج او الضرر وهذا مما لا قائل به((172)).
ويناقش بان الحصيلة المراد استفادتها من القاعدتين هي اثبات
الحق للزوجة لان الذي يقع في طرف‏المواجهة هو حرمانها من
هذا الحق، فالذي تستلزمه القاعدتان هو اعطاؤها هذا الحق،
واعطاؤها الحق‏بمقتضى القاعدتين هو اثبات لحكم في نفس
المورد الذي عرض عليه الحرج، وهذا لا يمنع من كون
ثبوت‏هذا الحق قد استدعى احكاما الزامية على الطرف الاخر ما
دام لا يمكن للشريعة ان ترفع الحرج الذي‏وقعت فيه المراة الا
بذلك.
والذي يدفعنا الى اعتبار المسالة مرتبطة اوليا بموضوع الحق
هو ان مقاربة الزوجة ليس حكما تكليفيابحتا بحيث لو تخلف
عنه الرجل يؤثم حتى لو رضيت الزوجة وانما ياتي هذا الالزام
للرجل بتبع الحق‏الثابت للمراة فعلينا اولا ان نجري القاعدة
على هذا الحق وفق القواعد.
وقد يقال: ان المسالة ليست محصورة بذلك بل يمكن جعل
الطلاق هنا ولو برفع امرها الى الحاكم‏الشرعي.
والجواب: انه لا موجب لرفع امرها الى الحاكم ما دام لا حق لها
حسب الفرض حتى لو وقعت في الضرروالحرج والاستعانة
بالطلاق يحتاج الى دليل يشرعه فلا تحل المشكلة به.
وبعبارة اخرى ان التامل في الشريعة واحكامها المرتبطة
بالزوجية فيما يخص المراة يوجب ان ننظر الى‏القاعدتين في
مورد الزوجية بطريقة مغايرة لنظرتنا اليهما في الموارد
الاخرى، وللتوضيح ناخذ المثال‏التالي: لو وقع فلان من الناس
في حرج شديد بسبب فقره المادي فلا يتصور مثلا لزوم
مساعدته على‏شخص اخر عملا بقاعدة نفي الحرج، وذلك لان
الشريعة قد فتحت المجال لرفع حرج الاول منهما بغيرالثاني
فترجع مبررات الحرج الى اسباب واقعية لا شرعية، وبالتالي لا
تشملها قاعدة نفي الحرج لانها تنفي‏الحكم الحرجي بمعنى
اضافة الشي‏ء الى معلوله لا مطلق الحرج حتى الذي لا
مسؤولية للشارع بما هوشارع عنه، اما في موردنا فان رفع
الحرج لدى المراة لا يكون وفق المقررات الشرعية الا بزوجها،
لان‏المراة قادرة على رفع حرجها خارجا بغير زوجها لولا المنع
الشرعي الذي يلزمها هي من جهة ويكون‏مسؤولا عن الزام
المجتمع لها من جهة اخرى، وبهذا صح ان يقال ان الشريعة
التي حرمت المراة من رفع‏حرجها بغير زوجها ينحصر طريق
رفعها للحرج بالزام الزوج بكفايتها ونحوه مع استبعاد ان ترفعه
بطريق‏الرخصة بالزنا ونحوه حسبما يعرف من مذاق الشارع
ودرجة تشدده في ذلك، ولا اشكال في ذلك من
ناحية‏القاعدتين، والشاهد على ذلك انه لو القيت الى‏العرف
احكام الزواج المتعلقة بالمراة واطلعته على حالة‏الحرج التي
وقعت فيها ثم قلت له: ان هذا الدين لا حكم حرجي فيه، لقال
لك ان هذا تناقض واضح، اذكيف لا يوجد حكم حرجي على
المراة هنا والحال اننا لم نثبت لها حقا جنسيا يذكر داخل العلقة
الزوجية‏كما حرمناها تشريعا من اي حق لاشباع رغبتها
الجنسية خارج اطار مؤسسة الزواج؟
ووفق ما تقدم ظهر ان هناك مقدارا تثبته ادلة الحرج وهو
الحكم بثبوت حق لها في مورد الحرج الشديد،وبالتالي يلزم
الرجل بالاستجابة لها حيثما تدعيه ويحتمل في حقها ونحو
هذه الموارد.
الوجه الثالث: التمسك بادلة الايلاء، وذلك بتقريب ان منح
الحرية للرجل المولي الى اربعة اشهر شاهدعلى انه ليس للمراة
الحق في المواقعة قبل ذلك،والا لزم بطلان يمينه لكونه على
امر محرم او على الاقل‏غير راجح او ماشابه. ويعزز ذلك
بصحيحة عمرو بن اذينة عن بكير بن اعين وبريد بن معاوية
عن ابي‏جعفر وابي عبد اللّه(ع) انهما قالا: (( اذا الى الرجل ان لا
يقرب امراته فليس لها قول ولا حق في الاربعة‏اشهر، ولا اثم
عليه من كفه عنها في الاربعة اشهر...))((173)).
ويناقش اولا ان الايلاء وحق الزوجة الجنسي فكرتان
متغايرتان، لان الاول حكم تعبدي ثبت في محله‏الخاص فلا
يمكن التعدي عنه الى غيره، ويعززه ان الاربعة اشهر في الايلاء
انما تكون من حين المرافعة‏لا وقت الحلف، وهذا ما ذكره السيد
الخوئي((174)).
ووفق صيغة اخرى ذكرها بعض المعاصرين ان مسالة الايلاء
ترجع الى انه كان يمثل في العرف الجاهلي‏شكلا من اشكال
الطلاق، فالشريعة انظرت المولي الى اربعة اشهر ورتبت عليه
احكاما، واين هذا مما نحن‏فيه مما لا علاقة له بذلك الموضوع
الخاص في مورده((175))؟
ثانيا ان مقتضى ادلة الايلاء على اقصى تقدير هو جريان
احكامه بعد الحلف على اقرب تقدير، وهوزمان قد يكون مفصولا
عن اخر وقاع شهرا او اكثر بقليل او كثير او اقل كذلك، ومعه
فتكون مدة‏المجامعة المرخص بها ازيد من خمسة اشهر، وهو
مقطوع البطلان عندهم، فهذا الدليل لا يفيد في اثبات‏النظرية
المعروفة((176)).
غير انه بعيدا عن مسالة القفز من فكرة الايلاء الى فكرة الحق
الجنسي والتي يجاب عنها بما تقدم، الا انه قد يستوحى من
مفهوم صحيحة عمرابن اذينة ان الرجل اذا لم يوقع ايلاء
فللمراة حق عليه في‏الاربعة اشهر، وهو ما قد يعزز فكرة
التحديد الزماني من خلال ادخال عنصر الاشهرالاربعة.
الا ان هذا الاستيحاء من مفهوم الرواية غير واضح، لان اقصاه
ثبوت‏حق لها في الاربعة اشهر من دون‏تحديده او فقل هي
ليست في مقام بيان هذا الحق، فقد يكون مرة واحدة وقد يكون
اكثر ومعه فلا تتم‏فكرة التحديد الزماني، واما اخذ عنصر الاربعة
اشهر فانما هو لخصوصية‏الايلاء الذي فيه مثل هذاالعنصر ولا
يفيد دخالة عنصر من هذا القبيل في الحق الجنسي.
الوجه الرابع: وهو مجموعة روايات قد تطل على الموقف هنا
بصورة مباشرة وهي:
الرواية الاولى: ما رواه الشيخ الكليني عن الصادق(ع) قال:
((من جمع من النساء ما لا ينكح فزنا منهن‏شي‏ء فالاثم
عليه))((177)).
وهذه الرواية قابلة للمناقشة:
اولا الضعف السندي بالارسال فان محمد بن جعفر او جعفر
بن محمد رواها عن بعض رجاله عن‏الصادق(ع)، فلا يبنى عليها
حكم شرعي.
ثانيا انها تثبت الاثم على الزوج في المورد الذي يفضي فيه
عدم المقاربة الى وقوع الزوجة في الحرام،وهو اخص من
المدعى، لان من الممكن ان لا تقع الزوجة في الزنا لتدينها او
غيره، وبالتالي ففي هذه‏الحالة لا يطالب الزوج بمقاربتها اصلا
سواء بلغت الاشهر الاربعة او اكثر.
ثالثا ما افاده السيد الخوئي من ظهورها في التزوج من المراة
بحيث لا يقربها ابدا، لا انه يقربها لمدة‏محدودة وبالتالي فتكون
الرواية اجنبية عن موردنا((178)).
الرواية الثانية: صحيحة حفص بن البختري عن ابي عبد
اللّه(ع) قال: ((اذا غاضب الرجل امراته فلم يقربهامن غير يمين
اربعة اشهر استعدت عليه، فاما ان يفي‏ء واما ان يطلق فان تركها
من غير مغاضبة او يمين‏فليس بمؤول))((179)).
فهذه الرواية اعطت حكما بالاربعة اشهر حتى لو لم يحلف
الزوج بحيث انه ليس لها امر قبل تمام‏الاربعة اشهر.
ويناقش اولا ان الرواية على اقصى تقدير خاصة بموارد
المغاضبة فليس لها تقنين عام لكافة الحالات،وخصوصية
المغاضبة متعقلة.
ثانيا ان الرواية تهدف الى الاشارة الى ان قطع العلاقات
الجنسية من قبل الزوج عن مغاضبة تترتب‏عليه احكام تشمل
الزامه بالطلاق على تقدير عدم الفي‏ء، وهذا اجنبي عن المورد
هنا، وذلك لانه من‏الممكن ثبوت الحق الجنسي لها ولزوم
المقاربة عليه عند مطالبتها لكن لا بحيث انه لو لم يفعل اجبر
على‏احد الامرين، فتكون الرواية بصدد الحديث عن حالات
المغاضبة المترافقة مع عدم ادائه حقها لا عن مبداالحق
الجنسي لها وعدم اداء الزوج الحق لمطلق سبب وفي كافة
الظروف.
ثالثا ان المفهوم من الرواية بلحاظ ذيلها هو ان المغاضبة
ولو بدون وقوع اليمين تعد محكومة‏بحكم الايلاء لانه قال:
((فان تركها من غير مغاضبة او يمين فليس بمؤول)) ولا معنى
لهذا النفي الا ان‏تكون المغاضبة وبقرينة جريان نفس احكام
الايلاء عليها بنص الرواية من الايلاء ولو حكما على اقل‏تقدير،
ومن هنا يمكن تسجيل بعض الملاحظات السابقة على مسالة
الاستدلال بالايلاء هنا.
الرواية الثالثة: وهي عمدة الاستدلال هنا، وهي صحيحة
صفوان بن يحيى عن ابي الحسن الرضا(ع) انه((ساله عن
الرجل يكون عنده المراة الشابة فيمسك عنها الاشهر والسنة لا
يقربها ليس يريد الاضرار بهايكون لهم مصيبة يكون في ذلك
اثما؟ قال: اذا تركها اربعة اشهر كان اثما بعد ذلك))((180)).
وهذه الرواية تدل على ترتب الاثم بعد تحقق ترك الزوجة اربعة
اشهر، فلو لم يتركها اربعة بل تركهاثلاثة فلا اثم عليه بمقتضى
مفهوم الرواية المستفاد من كون الامام(ع) في مقام ذكر
تحديدللمسالة.
لكن الرواية في اطار الاستدلال بها هنا واجهت او تواجه بعض
المناقشات وهي:
المناقشة الاولى: الضعف السندي فلا يعتمد عليها((181)).
ولكن هذه المناقشة التي ذكرها صاحب المسالك غير واضحة،
فان الرواية قد رواها الشيخ الطوسي‏بطريقين احدهما اسناده
الى صفوان نفسه وهو مذكور في الفهرست وان لم يتعرض له
في مشيخة‏التهذيب والاستبصار((182))، وثانيهما اسناده الى
احمد بن محمد بن عيسى عن علي بن احمد بن اشيم‏عنه، كما
رواها الصدوق في الفقيه باسناده الى صفوان بن
يحيى((183))، والسند الثالث على اقل تقديرتام اي سند
الصدوق((184)) ويمكن تتميم الاسنادين الاخرين ايضا وفق
جملة مباني رجالية‏اخرى.
والذي يبدو ان صاحب المسالك كان يقرا الرواية في التهذيب
لانه ذكر ذيل ((الا ان يكون باذنها))، وهذاالذيل غير موجود الا
في الرواية التي سندها هو السند الثاني هنا، وهذا السند ضعيف
وفق المباني‏الرجالية المعمول بها انذاك،لان علي بن احمد بن
اشيم وصفه الشيخ الطوسي في رجاله بانه‏مجهول((185))، ولا
طريق لتوثيقه الا بناء على وروده في اسانيد كامل الزيارات
وفق المبنى المعروف‏فيها، وهو مبنى حديث الظهور نسبيا
ويبدو انه لم يكن‏له اثر زمن الشهيد الثاني بل كان على ما
يظهرواحدا من نتاجات الفكر الاخباري الحديث، ومعه يمكن
تبرير حكم الشهيد الثاني بالضعف السندي‏للرواية من دون
الاخذ بهذا القول، فالرواية صحيحة سندا.
المناقشة الثانية: انها خاصة بحالات وجود هم ومصيبة عند
الرجل ((يكون لهم مصيبة)) ومعنى ذلك ان‏الرجل لا يريد
الاضرار بزوجته ولا التخلف عن مقتضيات حقها، وانما قد طرا
عليه طارى‏ء الحق به‏الهم‏والحزن كوفاة والده واشباه ذلك مما
قد يكون تكليف الرجل اثناءه بممارسة الجنس مع زوجته
غيرمنسجم مع ظروفه النفسية، وهذا الزوج قد رخص له الشرع
في عدم مقاربة الزوجة فترة اربعة اشهركمدة كافية لذلك دون
ما هو ازيد، شريطة ان لا يكون لديه نية الاذية للزوجة، وعلى
الزوجة الصبرتقديرا لظروفه، واما ما عدا هذه الحالة فلابد من
تلمس دليل له غير هذه الرواية.
ويمكن تقريب خصوصية الحالة المفروضة في الرواية من خلال
ضم عبارة ((ليس يريد الاضرار بها)) الى‏عبارة ((فيمسك عنها
الاشهر والسنة لا يقربها))،وذلك انه لا يحتمل ان شخصا لا يريد
الاضرار بزوجته‏ولم يطرا عليه طارى‏ء من سفر او مرض او هم
او ما شابه ذلك ومع ذلك لا يقرب زوجته الشابة، اذ ان
هذه‏فرضية نادرة جدا حيث لم يفرض سبب يبررها في الرواية
من سفر او مرض او نحو ذلك... وهذا يصلح‏شاهدا على
خصوصية المسالة ويشكل مانعا عن انعقاد دلالة شمولية في
النص.
ووفق ما تقدم وحتى الان فقد تبين انه لا يوجد دليل واضح
يمكن اعتماده كمرجع للحكم بالنظرية‏التي ذهبت لفكرة
التحديد الزمني وان غاية ما تؤكده الادلة المتقدمة هو ضرورة
عدم وقوع الزوجة في‏الحرج او الحرام من عدم مواقعتها، كما
انه على تقدير تمامية هذه الادلة بما يؤكد فكرة
التحديدالزماني‏لابد من مقارنتها بالادلة التي تقام على الفكرة
المقابلة وستاتي ان شاء اللّه تعالى لنجد كيف
ستكون‏المحصلة النهائية من مقاربة هاتين المجموعتين من
الادلة؟
نظرية المماثلة والمشابهة في الحق
اي بين الرجل والمراة كزوجين، اذ كما هو معروف فقهيا فان
للرجل الحق في اشباع رغباته الغريزية من‏زوجته بصورة لا
حدود لها الا الحيض او النفاس او المرض او بعض العناوين
الطارئة، وان على الزوجة‏تلبية كافة رغباته منها دون تلكؤ،
وبمجرد ان تمتنع ولو لمرة واحدة تكون عاصية، وعلى راي
البعض‏وربما الكثير من الفقهاء ناشزة ايضا تترتب عليها احكامها
المعروفة مما يرتبط بالنفقة وغيرها.
وهذه الرؤية المخالفة هنا تؤكد الحق للزوجة على زوجها تماما
كذاك الحق الذي له عليها مما يعني‏التشابه والتماثل في الحق
الجنسي بينهما.
وامام القائلين بهذه الصورة لحق المراة هنا تقديم ادلتهم والا
فان اصالة البراءة عن الزام الزوج بموافقة‏زوجته كاصل حكمي
او عدم حق لها بذلك يمثلان مرجعا يعتمد عليه ولا يعدل عنه
الا الى النتيجة التي‏توصلنا اليها في البحث المتقدم حول
مقولة التحديد الزمني بناء على صحة ما تقدم.
كما تجدر الاشارة الى اننا هنا سوف نفترض ان حق الزوج
الجنسي هو ما ذكرناه انفا، ولن نبحث في‏هذا الحق ومدى
صحته من ناحية التوسعة والتضييق، وبالتالي سوف نحاكم
مقولة التماثل على انهاتطابق هذا النوع وهذه الدرجة من الحق
والا لو عدلنا من تصورنا عن حق الرجل هنا او تبين ان
المؤيدين‏لنظرية التماثل لا يقولون بثبوت حق للرجل بهذا
المستوى فلربما تختلف نمطية البحث، وقد تسقط
بعض‏المناقشات الاتية عن مستوى الصحة.
وعلى اية حال فحاصل ما يذكر هنا لتاكيد هذا الراي وجوه هي:
الوجه الاول: ان العلقة الزوجية انما شرعت بهدف تحصين
الرجل والمراة من الانحراف الاخلاقي، وهذابنفسه يستدعي
ثبوت الحق لها تماما كما هو ثابت له تحصيلا لغرض الزواج او
بعض الغرض منه اذكيف يتصور التحصين للمراة مع عدم
اثبات حق لها في العلاقة الجنسية او اثبات حق لها كانه
بحكم‏العدم؟! فان مقولة التحديد الزمني كما يطرحها الفقهاء لا
تلزم الرجل الا بادخال مقدار الحشفة من العضوالذكري في
فرج المراة لا غير، بل اكتفى بعضهم بذلك في الدبر من دون
ان يلزم الرجل بمنحها احساساباللذة، بل يكفي الادخال ولو
بمقدار الثانية الواحدة انزل هو ام لم ينزل، شعرت هي باللذة ام
لم تشعر اصلافضلا عن الوصول الى مرحلة الكمال...((186)).
المناقشة: وهذا الاستدلال جيد من الناحية المبدئية ومستفاد
من الروح العامة للتشريع في مسالة العلاقة‏الزوجية ويحتوي
على نزعة مقاصدية متقنة الى حد بعيد، غير انه لا يثبت
النتيجة المطلوبة والمفترضة،وذلك ان التحصين قد يحصل
ولو بمرتبة اقل من مطلق الاستجابة للزوجة عند مطالبتها
بالمقاربة، فان‏امتناع الرجل او المراة احيانا عن الاستجابة لرغبة
الاخر منهما لا بصورة دائمة او غالبة او كثيرة لايوجب رفع
الحكمة من الزواج عند الشارع الا في حالات نادرة جدا لعدم
افضاء هذه الحالة الى وقوع‏الانحراف الاخلاقي بالزنا او غيره...
فهذا الدليل اقصى ما يثبته هو لزوم كون كل طرف بحق الاخر
ايجابيافي الاطار العام، لا ان كل فرد فرد من المطالبة يجب
الاستجابة له كما هو الحال في حق الرجل فقهياوفق ما هو
معروف.
الوجه الثاني: النصوص العديدة التي تؤكد مقولة ان الغريزة
الجنسية للمراة تفوق غريزة الرجل وانها ان‏لم تزوج تقع في
المفاسد، وهذه النصوص هي:
الرواية الاولى: ما رواه الكليني عن ابي عبد اللّه(ع) في حديث
قال: اي رسول اللّه(ص) ((ايها الناس، ان‏جبرئيل اتاني عن
اللطيف الخبير فقال: ان الابكار بمنزلة الثمر على الشجر اذا
ادرك ثمارها فلم تجتن‏افسدته الشمس ونثرته الرياح، وكذلك
الابكار اذا ادركن ما يدرك النساء فليس لهن دواء الا البعولة،
والا لم‏يؤمن عليهن الفساد لانهن بشر...))((187)).
الرواية الثانية: خبر عبد الرحمن بن سيابة عن ابي عبد
اللّه(ع) قال: ((ان اللّه خلق حواء من ادم فهمة‏النساء
الرجال...))((188)). ونحوها خبر اخر رواه الواسط‏ي((189))،
وثالث رواه ابن جمهور عن ابيه‏رفعه((190))، ورابع رواه
وهب((191))، وخامس رواه غياث بن ابراهيم((192)).
الرواية الثالثة: ما رواه الاصبغ بن نباتة قال: قال امير
المؤمنين(ع) ((خلق اللّه عزوجل الشهوة عشرة‏اجزاء فجعل
تسعة اجزاء في النساء وجزءا واحدا في الرجال، ولولا ما جعل اللّه
عزوجل فيهن من الحياءعلى قدر اجزاء الشهوة لكان لكل رجل
تسعة نسوة متعلقات به((193))، ونحوها مع اختلافات
خبرضريس،واسحاق بن عمار، وابي بصير، ومسعدة بن
صدقة((194)).
وهذه الروايات تشهد على الموضوع الذي نعالجه لتؤكد ولو
بطريقة غير تقنينية ضرورة اشباع‏غريزة الزوجة داخل مؤسسة
الزواج.
غير انه قد يناقش في هذه الروايات بمناقشتين هما:
المناقشة الاولى: وهي مناقشة سندية حاصلها: ان هذه
النصوص ضعيفة السند فلا يعتمد عليها، وهذه‏المناقشة قد
تستوحى من صاحب هذا الوجه نفسه((195)).
غير ان هذه المناقشة غير وجيهة، لان بعض هذه النصوص وان
كان ضعيف السند كما ذكر كالخبرالاول باحد طرقه، وخبر
ابن جمهور،وخبر اسحاق بن عمار، وخبر ابي بصير، فان هذه
الاخبار جميعهامرسلة، كما ان خبر الواسط‏ي ضعيف به، وكذا
خبر وهب، غير ان خبر غياث بن ابراهيم تام سندا، لانه‏مروي
في العلل عن ابيه عن سعد عن محمد بن الحسين عن محمد
بن يحيى عن غياث بعد تجاوزمشكلة انه ابن ابي ابراهيم او ابن
ابراهيم كما هو الارجح وكذا الحال في خبر الاصبغ بن
نباتة‏ومسعدة بن صدقة.
فاذا هناك البعض من هذه الاخبار صحيح سندا.
المناقشة الثانية: وهي مناقشة دلالية يفهم ايضا من صاحب
هذا الوجه ميله اليها، ولهذا جعل هذا الوجه‏في قوة المؤيد من
دون ان يمنحه رتبة الدليل، وحاصلها انه لا توجد دلالة واضحة
في هذه النصوص،لان مركز كلامها مختلف عن مركز مسالتنا
وان كان مضمونها قابلا لان يسلط الضوء على ما
نحن‏فيه((196)).
وقد يقال: ان هذه المناقشة تامة من حيث المبدا بمعنى انها
اي الروايات لا تستطيع ان تؤكد صحة‏هذه الرؤية الفقهية
لكنها قادرة على ان تقدمنا خطوة نحو الامام بالنسبة للنظرية
الاولى المتقدمة، لان‏الخبر الذي اشتمل على مسالة ان همة
المراة في الرجل قد اشتمل عقيب هذه الفقرة على جملة
الامربالحبس في البيت، وهذا المقطع وارد في خبر تام صحيح
السند ايضا وهو خبر غياث،ومعنى ذلك ان من‏الضروري سد
حاجات المراة تخوفا من فسادها نظرا الى ان الامر بالحبس
يمثل نموذجا تشريعياللحيلولة بين المراة والمعصية.
غير ان هذه المحاولة غير واضحة لانها تعتمد على مقدمة
خارجية لم يكتنفها النص، بل ان نفس الامربالحبس دون
تعرض لسد حاجات المراة الغريزية من شانه ان يضعف من اية
محاولة للاستفادة من هذه‏النصوص لان‏امر الزوج بقضاء
حاجات زوجته الغريزية او على الاقل باخذها بعين الاعتبار
والاهتمام‏من الصعب تجاوزه في مثل المقام والتعويض بدلا
عنه بالامر بالحبس، هذا كله باستثناء الرواية الاولى‏التي تجعل
الزواج حصانا للمراة بضميمة ما تقدم ذكره في الوجه الاول هنا.
المناقشة الثالثة: وهي مناقشة ربما تؤثر على قوة الوجه الاول
نفسه هنا وحاصلها ان ههنا حلقة‏مفرغة ومفترضة لم يجر
ملؤها، وهي ان المشرع في هذه النصوص حيث اعترف بقوة
الحاجة الجنسية‏للمراة فلابد له ان يفرض بصورة الزامية على
الرجل مقاربة زوجته عند مطالبتها ونحو ذلك حتى لاتاخذ
هذه الحاجة طريقا ومنفذا اخر مفضيا الى الفساد، في حين ان
هذه النصوص تنسجم مع رفع‏الالزام عن الرجل الا اذا خاف
وقوعها في الحرام،لان المستدل كانه يتصور ان رفع الالزام
التشريعي‏بالمواقعة يساوق رفع المواقعة بوجودها الخارجي
مطلقا، وكان العلاقات الجنسية الزوجية لها دافع واحدوهو
الشريعة نفسها، وهذا خطا فمن الممكن ان تكون الشريعة في
الاطار النوعي قد اكتفت بالدوافع‏الطبيعية الغالبة عند الرجل
من حيث المبدا، وبالتالي لا تكون هذه النصوص مؤشرة وبشكل
تام على‏الالزام الشامل للرجل بحيث تكون المسالة شرعيا
بحجم هذا القول، وهذه الفكرة مبنية على مبنى كلامي‏اصولي
في تدخل الشريعة في كافة مرافق الحياة حيث تفترض ان ما له
دوافع طبيعية لا حاجة لتدخل‏الشريعة في امره وان كانت
الشريعة ذات موقف في الامر من حيث ملاك الحكم وارادته،
وهذا بحث ليس‏هنا مجال تحقيقه.
الوجه الثالث: التمسك بقوله تعالى (فلا تميلوا كل الميل
فتذروها كالمعلقة)((197)) ذلك ان هذه الاية‏الكريمة تفيد
النهي عن صيرورة المراة كالمعلقة مما يفيد حرمة سلب المراة
حقوقها من النفقة وغيرها،وترك الرجل مقاربة زوجته عند
طلبها وحاجتها محقق لهذا العنوان((198)).
والجواب: ان ظاهر هذا العنوان وان كان شاملا لغير مورد
النفقة‏وسلمنا بحكومة الاية على كافة‏الادلة الاخرى الا ان
عنوان المعلقة‏لا يعني مطلق حالات حرمان الزوجة حقها بل
يختص بصورة‏الحرمان الذي ياخذ شكلا خاصا يقرب من
الهجران الكامل او هو نفسه، واما تخلف الزوج احيانا اوكثيرا عن
بعض الحقوق بطريقة او باخرى فلا يوجب صدق هذا العنوان
هنا، والذي يشهد لما تقدم‏السياق الوارد في الاية فان الميل كل
الميل قد وقع في سياق الحديث عن مسالة العدل بين النساء
والذي‏قد يغلب فيه بين الناس الاعراض الكامل او شبه الكامل
عن احدى الزوجتين اوالزوجات.
ان مقتضى ظهور الاية الكريمة هو حرمة جعل المراة في حالة
وسط‏ى بسبب تقصير الزوج في حقوقهابحيث بلغت حالة انها لا
تدري اهي في زوجية او انها مطلقة؟ وهذا المقدار لا يفيد
لاثبات هذا الراي‏هنا.
والذي يحتمل هو ان صاحب هذا الوجه قد ذكر جملة وجوه
هدف من خلالها للخروج من دائرة النظرية‏المعروفة ولعل ما
ذكره يحقق له ذلك لكنه لا يثبت البديل الذي طرحه عن تلك
الرؤية الفقهية، فهذا الوجه‏المستفاد من هذه الاية اذا قايسناه
بالصورة الفقهية بقطع النظر عن سياق تعدد الزوجات
يمكن ان‏يصدق معه ان الرجل جنسيا يميل كل الميل وان
زوجته بحكم المعلقة من هذه الناحية، فاذا قبلنا ان
الاية‏انحلالية الدلالة الى كل حق حق تم المطلوب هنا بهذا
المقدار، والا كما هو الظاهر لانها بصدد الحديث‏عن الاطار
العام الحاكم على الحياة الزوجية عموما فلا تكون الاية حينئذ
مشتملة على كثير دلالة هامة‏على ما نحن فيه.
الوجه الرابع: التمسك بقوله تعالى: (وعاشروهن
بالمعروف)((199)) حيث ان العشرة بالمعروف لا تكادتصدق الا
مع ثبوت الحق لها جنسيا تماما كما هو له.
والجواب: ان العشرة بالمعروف ليست احادية الشكل والرتبة،
ومن الطبيعي انه لا يراد من الامر بالعشرة‏بالمعروف في الاية
ضرورة التقيد بتمام مراتبها حيث يعلم استحباب كثير منها
وعدم وجوبه، وهذا يعني‏ان الامر هنا متوجه على ما يعد في
العرف العقلائي معروفا بحيث يكون عدمه موجبا لصدق
عنوان‏العشرة بلا معروف او العشرة بالسوء، وهذا المعنى
المستفاد من الاية الكريمة لا يفيد مماثلة الحق‏الجنسي بين
الرجل والمراة لان عدم استجابة الرجل احيانا وربما كثيرا في
بعض الصور لا يوجب‏صدق عنوان عشرة السوء بخلاف صورة
التمرد الكامل او الكثير اللافت واحيانا القليل، ومن هنا فهذه
الاية‏تدفعنا خطوة كبيرة نحو الامام بالقياس الى نظرية
التحديد الزماني المتقدم وقد تقترب من الراي الاخرالقائل
بالمشابهة لكنها لا تثبته بالدقة وبتمام امتداداته.
الوجه الخامس: التمسك بمفهوم كل من صحيحة عمرو بن
اذينة وصفوان بن يحيى المتقدمتين، لان‏الاولى يفيد مفهومها
انه لو لم يحصل ايلاء من قبل الرجل فان للزوجة حق وقول في
الاربعة اشهر،وبالتالي عليه اثم من كفه عنها هذه المدة، واما
الثانية فان مفهومها يعط‏ي انه لو تركها اقل من اربعة‏اشهر كان
اثما في صورة عدم وجود المصيبة والهم وفق الشرح المذكور
لهذه الرواية سابقا.
والرواية الاولى مفهومها بهذا الشكل تام ظاهرا لانها بصدد ذكر
حكم محدد، غير ان الرواية الثانية قديضعف من قوة هذا
المفهوم فيها، فان شرط المنطوق وهو وجود الهم والمصيبة
قد ورد في كلام‏السائل لا في جواب‏الامام(ع) وهذا يعني ان
جواب الامام(ع) قد توجه على الفرضية التي اشتملها
السؤال،وهذا المقدار لا يعط‏ي ظهورا في ان الامام(ع) قد لحظ
في جوابه الصورة العكسية لمفروض السائل، فان‏هذا الاحتمال
بعيد عرفا لان المجيب ياخذ عادة مفروض السؤال بعين
الاعتبار ولا يظهر من مفروض‏السؤال هنا صورة عدم الهم
والمصيبة، فلا معنى او لا ضرورة ملزمة لتوجه الجواب على ما
لا دلالة‏في السؤال عليه.
لكن هنا تعليق وهو ان هذين المفهومين يفيدان على اقصى
تقدير ان للمراة الحق في الاربعة اشهرلكنهما لا يدلا ن على ان
هذا الحق هو بحيث يجب على الزوج الاستجابة لزوجته دائما،
وبالتالي فهماينسجمان مع ما تقدم من مدلول اية العشرة
بالمعروف ونحوها مما تقدم، كما قد يحتملان نظرية‏التحديد
الزماني من دون مرجح لاحد التصورين على الاقل.
الوجه السادس: التمسك بقوله تعالى (ولهن مثل الذي عليهن
بالمعروف)((200))وذلك بتقريب ان الاية‏الكريمة تفيد تشابه
الحق الذي يثبت لهن مع الامر المفروض عليهن، وحيث ان
المراة ملزمة بتمكين نفسهاللزوج عند رغبته في ذلك فانه
وبمقتضى الاية يكون لها الحق في استجابة الزوج لها عند
رغبتها ايضا،والا فان مدلول الاية لا يكون محققا.
غير ان هذا الوجه يستدعي تساؤلين هما:
ا انه ما هي الدرجة الواحدة التي يفارق فيها الرجل المراة كما
ورد في الاية الكريمة عقيب هذا المقطع‏الذي نقلناه انفا
مباشرة (وللرجال عليهن درجة)؟ فانه اذا كان المراد من
التماثل فيما لهن وفيما عليهن هوالتماثل في الجنس وفهمنا
من الدرجة الواحدة الوحدة التامة اي خصوصية واحدة تميز
وتقدم الرجل على‏المراة، فان هذا سوف يفضي بنا الى ضرورة
ابراز محاولات لتفسير الكثير من فوارق الحق بين
الرجل‏والمراة كموضوع الطلاق والحضانة والتعدد الزوجي وغير
ذلك بعد افتراض ان هذه الدرجة هي القيمومة‏لتصريح النص
القراني بها في موضع اخر (الرجال قوامون على النساء)((201))
وهذا تساؤل نقضي على‏الطرف الاخر تفسيره وحله.
لكن هذا الاشكال النقضي المثار قد يكون قابلا للحل، وذلك
بارجاع اكثر او كل العناوين الى عنوان‏القيمومة، فالطلاق
ونحوه يفسر على هذا الاساس وان كانت بعض العناوين غير
واضحة في انطباق هذاالتفسير عليها، وعلى اية حال فهذا بحث
اخر متعلق بذيل الاية ليس هنا محله.
ب ان الضمير (لهن) في الاية يفترض رجوعه كما يفهم من
سياق الاية الى المطلقات الرجعيات،فالاية وردت على الشكل
التالي (والمطلقات يتربصن بانفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن
ان يكتمن ما خلق اللّه في ارحامهن‏ان كن يؤمن باللّه واليوم
الاخر وبعولتهن احق بردهن في ذلك ان ارادوا اصلاحا ولهن
مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن‏درجة..) ومن
الواضح ان الضمائر ترجع الى (المطلقات) الواردة في صدر
الاية.
ووفقا لذلك فلماذا افترض في الاية الكريمة ان هذا المقطع
يمثل قاعدة عامة في العلاقة الزوجية مع انه‏حكم مرتبط
بالعلاقة مع المطلقة الرجعية؟ وبالتالي يكون معناه ان ما
يفرض على المطلقة الرجعية من‏واجبات يكون بالمقابل لها
حق بازائها كالمبيت في منزل زوجها والذي صرح القران
الكريم بوجوبه‏عليها ووجوب ان لا يخرجها الرجل من بيتها
فترة العدة الا في حالة ارتكابها الفاحشة‏المبينة((202)).
والذي يظهر بمراجعة التفاسير((203)) في الاية الكريمة انها
اعتبرت هذا المقطع متعلقا بالعلاقة بين‏الزوجين لا انه خاص
بالمطلقة الرجعية كما هو واضح من كلمات الكثير من
المفسرين، والذي يفهم من‏بعض كلماتهم في ذلك وان لم
يطرحوا القضية كاحتمالين بل ارسلوا ما ذكروه ارسال
المسلمات ان‏المقطع‏الذي يسبق موضع الشاهد قد ذكر حق
الرجل بارجاع زوجته المطلقة رجعيا في العدة ومعنى‏ذلك ان
لكم ارجاعهن اذا اردتم الاصلاح في ذلك لا الاضرار بهن وعلى
تقديره اي الارجاع وعودتها الى‏علقة الزوجية فهي اذن زوجة
فيكون لهن ما عليهن نعم لكم عليهن درجة... وبهذا يعمم
مدلول المقطع‏محل الشاهد.
ولم اعثر من بين كلمات المفسرين على من احتمل رجوع
الضمير الى المطلقات سوى اشارة عابرة من‏العلا مة
الطباطبائي(ره) في تفسير الميزان حيث قال: ((فالمراد
بالجميع معنى واحد وهو: ان النساء اوالمطلقات قد سوى اللّه
بينهن وبين الرجال مع حفظ ما للرجال من الدرجة عليهن،
فجعل لهن مثل ماعليهن))((204)).
والصيغة التي وردت في التفاسير لتبرير تعميم المقطع لا يوثق
بها على مستوى الظهور العرفي، لانهامجرد محاولة والا
فالمفترض رجوع الضمير الى المطلقات ويكون معنى الدرجة
هو ان قرار هذه المراة‏في الامساك او الارسال هو بيد الرجل.
ونحن وان كنا لا نجزم برجوعه الى المطلقات بحيث لا ينفع
في الاستدلال هنا، لكن على الاقل لا يظهربصورة يمكن الاتكاء
عليها رجوعه الى الزوجات ليمثل قاعدة زوجية عامة.
وعليه فالمتحصل من مجموع ادلة الراي الثاني ان للمراة الحق
في الاقل من الاشهر الاربعة بما يحول‏دون انحرافها الاخلاقي
ويعد في العرف العقلائي معروفا، اما الاستجابة التفصيلية بما لا
يفسح المجال‏ولو بمخالفة واحدة فهذا غير واضح، ولعل صاحب
الراي الثاني يذهب الى ما توصلنا اليه.
ولكن يبقى هنا انه على تقدير تمامية ادلة القول الاول والثاني
فما هو طريق‏الجمع بينهما؟ انه ودون‏الدخول في مقايسة كل
دليل وما يقابله، فان المرجح هو ادلة القول الثاني لانها ادلة
قرانية عامة‏ومتعددة، وفيها ما يبعد عنه امكان التخصيص وهي
اقوى من ادلة القول الاول حسب الظاهر.
نتيجة البحث:
والنتيجة المستحصلة من مجموع ما تمت الموافقة عليه كلا
او مضمونا مما تقدم هو ان للمراة حق‏المقاربة بما يزيل
مبررات الانحراف الاخلاقي عندها اولا، وبما يعد في العرف
العقلائي معروفا بحيث‏يكون تركه مصداقا للعشرة السيئة
ثانيا
((205))، وهذه النتيجة تترتب عليها مجموعة نتائج‏ابرزها:
اولا ان القضية متحركة ولا يوجد اي تحديد زماني فيها، بل
تختلف باختلاف الازمنة والامكنة‏والظروف وطبائع النساء و...
ثانيا لا يعني الحق الجنسي للزوجة اي صيغة اطلاقية شاملة
بحيث كلما ارادت وجب على الزوج‏الاستجابة بل تتحرك
القضية، فقد يكون امتناع ما محرما وقد يكون اكثر من امتناع
غير محرم تبعالمدى صدق العشرة السيئة والظلم العقلائي
ضمن اطار مؤسسة الزواج.
ثالثا لا تختلف القضية سواء كانت الزوجة شابة او غير شابة
كان الزوج مسافرا او حاضرا وماشابه هذه العناوين، بل القضية
تتبع ما تقدم من عناوين، نعم بالنسبة للمنقطعة هناك مجال
للتامل ليس‏هنا بحثه فعلا.
رابعا المقاربة والاتصال الجنسي هنا لا يعني محض الادخال
للحشفة، بل يمتد لكل ما تقتضيه حيثيات‏العشرة الحسنة ورفع
الانحراف الذي منه ما هو محرم غير الزنا ايضا، فقد يعبر عن
اتصال جنسي‏مكتمل، ومن هنا تتحدد ايضا مسالة ان المقاربة
لابد ان تكون من قبل او انه يكفي الدبر، فالقضية‏متحركة
وتختلف باختلاف الطبائع والحالات النفسية ولا يمكن وضع
صيغة محددة ملزمة على نحواطلاقي، بل قد تكون الامور
مجزئة حتى ولو بدون المقاربة اي ما يستبطن الادخال
احيانا.
خامسا ان الحكم هنا تجري عليه كافة العناوين الحاكمة
كعناوين الحرج والضرر والاضطرار و... وليس‏في المسالة قضاء
او اداء ايضا لعدم وجود اطار زماني كما تقدم.
سادسا ان نسق الادلة المتقدمة هو كون المسالة مندرجة
اولا في الحقوق، وبالتالي فليس الامر حكماتكليفيا الا بتبع
مطالبة ذي الحق بحقه، فمع التنازل لكفايته وعدم الحاجة
يسقط، هذا واللّه العالم‏باحكامه.
الاثبات القضائي الاقرار حجة قاصرة
الشيخ قاسم الابراهيمي
يتضمن بيان معنى القاصرية ومذهب الفقه والقانون فيها،
والادلة المقامة او التي يمكن ان تقام عليها.
معنى قاصرية الاقرار:قد يخبر المقر بواقعة تترتب عليها جملة
حقوق بعضها على المقر تجاه المقر له‏وبعضها للمقر نفسه او
لشخص ثالث، فهل جعل الشارع الاقرار حجة بنحو يتناول
الجميع فتثبت الحقوق‏التي للمقر او لشخص ثالث على من اقر
عليه كما تثبت على المقر الحقوق التي للغير عليه، ام يكون
اقراره‏حجة بمقدار ما عليه للغير دون سائر الحقوق؟ الثاني هو
معنى القاصرية.
فلو اقر بعض ورثة الميت بدين له او لغيره على مورثه، لم يكن
اقراره حجة على سائر الورثة، ولايخصم شي‏ء من نصيبهم من
تركة الميت لو لم يكن مدينا، وان نفذ ما اقر به من الدين في
حقه بمقدارما يقع في حصته من النقص لو فرض الميت مدينا
واقعا.
فالقاصرية اذا هي اقتصار حجية الاقرار على المقر، وعدم تعديها
عنه الى‏غيره في ترتب الاثار والحقوق‏اللازمة عليه المفترض
ترتبها على مؤدى الاقرار لو فرض حقيقة واقعة.
والظاهر ان القاصرية مذهب كل من القانونيين والفقهاء، وفيما
يلي كلماتهم:
القاصرية في القانون وكلمات القانونيين:
قد صرحت بالقاصرية المواد القانونية للدول المختلفة، حيث
نصت في الغالب على ان الاقرار حجة‏قاصرة على المقر، وقد
اوردنا ذلك كله في مقالة ((حجية الاقرار))((206)).
وتبع علماء القانون واصحاب الدراسات والتخصصات القانونية
الاحكام القانونية فيما ذهبت اليه. ففي‏النظرية العامة لعلم
القانون قال المزوغي:((تقتصر حجية الاقرار على المقر، ولا
يتعدى الى الغير كما تنص‏على ذلك المادة (397) من التقنين
المدني))((207)).
وفي كتاب نظام القضاء في الشريعة الاسلامية جاء: ((ان الاقرار
حجة قاصرة على المقر لا يتعداه الى‏غيره، فيؤاخذ به المقر
وحده دون سواه، لان المقر لا ولاية له الا على نفسه))((208)).
وفي الوجيز في مبادئ الاثبات والبينات: ((ان الاقرار حجة
قاصرة على المقر وحده، وهذا ما نصت عليه‏المادة (469 م. ع)
والفقرة الاولى من المادة (468 م.ع) بقولها: يلزم المرء باقراره
الا اذا كذب بحكم.
وهذا معناه ان الاقرار متى تم مستوفيا شروطه صار المقر
وحده المؤاخذ به...))((209)).
وفي التعليق المقارن على مواد قانون الاثبات العراقي قال:
((والاقرار حجة قاصرة لا يتعدى اثره على غيرالمقر، وعلى
خلفائه الذين تقيدهم تصرفاته))((210)).
واوضح ما ذكر في هذا الباب واوسعه تناولا للموضوع ما كتبه
الدكتور السنهوري في الوسيط حيث‏قال:
((ولما كان الاقرار هو اعفاء من الاثبات، ونزول عن المطالبة
بهذا الحق، فهو من هذه الناحية تصرف‏قانوني يقتصر اثره على
المقر، ويتعدى اثر الاقرار الى ورثة المقر بصفتهم خلفا عاما له،
فيصح‏الاحتجاج عليهم بما حواه الاقرار.
ولا يتعدى اثر الاقرار الى غير المقر وورثته، فلا يتعدى الى
الدائن او الشريك او الورثة فيما بينهم، فلواقر احد الشركاء في
الشيوع بتصرف الشركاء في الملك الشائع، كان اقراره بهذا
التصرف حجة عليه‏وحده، ولا يكون حجة على الشركاء الاخرين
الذين لم يصدر منهم اقرار.
ولو اقر احد الورثة بحق على التركة، فان اقراره يكون حجة
عليه دون سائر الورثة.
ولو اقر احد المدينين المتضامنين في الدين، فلا يسري هذا
الاقرار في حق الباقين (م 295) الفقرة الاولى‏المدني((211))،
ويكون الاقرار حجة قاصرة على المدين الذي صدر منه الاقرار.
والدائن والخلف الخاص بخلاف الورثة، لا يتعدى اليهما اثر
الاقرار كما قدمنا، فاذا اقر المدعى عليه في‏دعوى استحقاق دار
بملكية الدار للمدعي، لم يكن هذا الاقرار حجة على دائنه،
ويجوز للدائن ان يتدخل في‏الدعوى، ويثبت بجميع الطرق ان
الاقرار غير صحيح، حتى تبقى الدار لمدينه، فيستطيع ان ينفذ
عليهابالدين كذلك اذا كان المدعى عليه في المثل المتقدم قد
باع الدارلاخر، ثم رفعت عليه دعوى الاستحقاق،واقر بملكية
الدار للمدعي، فان هذا الاقرار يكون حجة قاصرة عليه دون
المشتري، ويستطيع هذا ان‏يتدخل في الدعوى ليثبت ان
الاقرار لا صحة له حتى تخلص له ملكية الدار.
وفي الحالتين المتقدمتين اذا حكم في الدعوى بمقتضى اقرار
المدعى عليه قبل ان يتدخل الدائن اوالمشتري، فلهذين
الاعتراض على الحكم اعتراض الخارج عن الخصومة وفقا
لاحكام المواد (450 الى 456)من تقنين المرافعات «المصري‏»
لاثبات عدم صحة الاقرار الصادر من المدعى عليه، اذ هو حجة
قاصرة‏عليه لا تتعدى اليهما، ذلك ان الدائن او المشتري كان
وقت صدور الحكم ممن يتعدى اليهم، ويعتبر حجة‏عليهم،
ومن ثم يثبت له حق الاعتراض.
اما الورثة، فلو مات المدعى عليه بعد الاقرار وقبل الحكم في
الدعوى، فان الاقرار لا يكون حجة عليهم،ولهم اءن يثبتوا عدم
صحته بجميع الطرق، حتى تبقى الدار في التركة.
ولكن اذا صدر الحكم قبل موت المورث، وفي مواجهته، فانه
يسري على الورثة، ولا يثبت لهم حق‏الاعتراض، ذلك انهم
وقت صدور الحكم ضد مورثهم كان الحكم يسري في حقهم
باعتبارهم خلفا عاما،فيبقى الحكم ساريا في حقهم حتى بعد
موت المورث وقيام حقهم في الارث))((212)).
وقال في الفقرة الثانية: ((ويبقى الاقرار حجة قاصرة على المقر
حتى بالنسبة الى المقر لصالحه، ذلك ان‏الاقرار اذا كان حجة
فللمقر لصالحه، فانه لا يكون حجة عليه، فلو ان المدين اقر
لدائنه بالدين وقال: انه‏وفاه، او ان الدين سقط بعد ذلك
بالمقاصة فلا يكون قوله: انه وفاه، او ان الدين سقط بالمقاصة،
حجة على‏الدائن. وهذا ما يعرف بالتجزئة في الاقرار))((213)).
القاصرية عند الفقهاء:
لم يتعرض الفقهاء سنة وشيعة للقاصرية بالبحث كموضوع
مستقل، لا لعدم ثبوتها، بل لجزئية‏موضوعها والتسالم عليها
عندهم، ولذا كانت الاشارة اليها كامر مسلم تبدر منهم في
ثنايا البحث‏وكلما دعت الحاجة الى ذلك.فممن اشار اليها من
علماء الشيعة كذلك: الشيخ الطوسي في المبسوط حيث‏قال:
((ان الاقرار اخبار عن حق واجب عليه، واخبار الرجل عن حق
واجب على غيره لا يثبت الا بشهادة،وهذا ليس بشهادة، فلا
يثبت بها الحق))((214)).
ونحوه العلا مة في التذكرة((215)) وفخر المحققين في
الايضاح((216)) والكركي في جامع‏المقاصد((217))، وبهذا
المضمون ذكر ابن فهد الحلي في المهذب
البارع((218))والاردبيلي في مجمع‏الفائدة والبرهان((219)).
وقال ابن حمزة في الوسيلة في بيان شروط الاقرار: ((والا
يؤدي الاقرار الى ان يكون اقرارا على الغير الا باذنه))((220)).
بل نفى الشهيد الاول في الدروس النزاع عنه((221))، والنراقي
في العوائد الاشكال فيه حيث قال:((ويختص نفوذه بما كان
على النفس، فلا ينفذ ما كان للنفس او على الغير، ولا خفاء من
ذلك ولااشكال))((222)).
ومن علماء السنة: الرافعي قال: ((الاقرار في ملك الغير مردود،
ظاهر))((223)).
والنووي حيث قال: ((والاقرار الذي فيه حمل نسب الغير على
غيره لا على نفسه فكان دعوى او شهادة،وكل ذلك لا يقبل الا
بحجة))((224)).
والدسوقي قال: ((والاقرار على الغير في المعنى
دعوى))((225)).
والسرخسي قال: ((ابو حنيفة يقول: هذا اقرار على الغير،
والاقرار على الغير لا يكون حجة، لانه شهادة،وشهادة الفرد لا
تثبت الحكم))((226)).
وابو بكر الكاشاني قال: ((ان الاقرار تصرف على نفس المقر، فاذا
تضمن ابطال حق الغير كان دعوى اوشهادة على غيره من
ذلك الوجه، فيصدق على نفسه لا على غيره))((227)).
وغيرها مما ورد في كلماتهم.
بيان موضع البحث:
ان المتحصل من مجموع كلمات الفقهاء سواء منهم الشيعي
والسني وخلافا لما عليه القانونيون ان‏البحث عن القاصرية لا
طائل ولا جدوى من ورائه، لوضوح ان الحجية انما جعلت
للاقرار الماخوذ في‏تعريفه كونه ((على النفس))، فالبحث عن
ثبوتها لما للنفس او للغير على الغير خروج عن موضوع
البحث‏وموضوع ادلة الحجية الى الدعوى والشهادة.
لكن ما ذكروه انما يتم في الاخبار بوقائع يترتب عليها من
الحقوق ما هو للنفس او للغير محضا، دون‏الاخبار بما يترتب
للغير على النفس مضافا الى القسمين الاخرين عليه، كالاقرار
بالنسب والزوجية‏وامثالهما، فانه يصدق عليه بلحاظ الحقوق
التي على المقر للغير انه اقرار وان تضمن الحقوق الاخرى‏التي
يصدق عنوانا الدعوى والشهادة بلحاظها.
وكيفما كان، فالظاهر ان البناء على حجية الاقرار في تمام ما
يترتب عليه من حقوق او الاقتصار فيها على‏خصوص الحقوق
اللازمة للمقر، يرجع الى ان الاقرار هل جعلت له الحجية بما هو
امارة قد اخذ في‏عنوانها كون المخبر عنه واقعة تثبت بموجبها
على المخبر عنها حقوق ملزمة مما يوجب الظن بصدق‏المخبر
في اخباره عنها، دون لحاظ شي‏ء اخر من قبل الشارع في جعل
الحجية له غير هذا المقدار من‏الكاشفية عن الواقع، ام بما هو
اصل عملي لاحظ فيه الشارع مضافا الى ذلك نوع الاثار
المترتبة على‏فرض‏كون مؤدى الاقرار حقيقة واقعة، فجعل له
الحجية في خصوص الاثار التي تكون للغير على النفس‏دون
التي لها او للغير على الغير؟
الادلة على قاصرية الاقرار:
لا ريب ان معرفة نحو جعل الشارع الحجية للاقرار يتوقف على
النظر في الادلة الواردة في الاقرار،وتفحص ما يصلح ان يكون
دليلا منها على نفي حجية الاقرار فيما يكون للنفس او الغير.
والادلة التي استدل او يستدل بها على قاصرية الاقرار هي:
الاول: ما استدل به القانونيون لقاصرية الاقرار من ان الاقرار
سنخ تصرف ناشئ من ولاية الانسان‏الثابتة على ماله ونفسه،
وهي غير ثابتة بحق الغير الا ما دل الدليل عليه.
ففي الوجيز قال: ((والعلة في كون الاقرار حجة على المقر
وحده ان للمقر ولاية على نفسه دون غيره،فيقتصر اقراره
عليه، ولا يؤاخذ به غيره، بخلاف البينة، فانها حجة
متعدية))((228)).
وفي حجية الاقرار في الاحكام القضائية قال السماگية:
((للمقر بشروطه المتقدمة الولاية الكاملة على‏نفسه، له ما يشاء
من التصرف مما يعود اثره عليه، ولا ولاية له على غيره، ولذا
كان اقراره حجة عليه‏فقط، لما بينا من ان الاقرار فرع الولاية
على النفس))((229)).
والظاهر ان الدليل لولا ما اشكلنا به لدى البحث عن حجية
الاقرار
((230)) تام عندهم، فلا يرد ما قديشكل به عليه من
احتياجه الى التتميم بضم بعض الاصول، اما بجهة التعذير عن
مخالفة الواقع لو كان‏على الخلاف، او بجهة الحاسمية لمادة
النزاع الذي لابد من حسمه، او غير ذلك، لامكان الجواب‏منهم:
اولا: باجرائهم اصالة عدم الحجية عملا عند الشك فيها
كالاصوليين وان لم يصرحوا بذلك، اذ هومقتضى حكمهم
بقاصرية الحجية لمجرد عدم الدليل عليها، بل يكفي ابقاؤهم
المتنازع عليه في يدالمدعى عليه من دون ترتيب اثر على
دعوى المدعي، فانه المراد من عدم الحجية حتى
عندالاصوليين.
وثانيا: باحتمال ضم القانونيين اصالة البراءة عن التهمة
الموجهة الى المدعى عليه، لقولهم بها وان لم‏يصرحوا بذلك
ايضا.