صفحه قبل

 

وهذا التعريف المزبور لكل من الذمه والعهده كانه ماخوذ من ارتكازات العقلاء فى باب الغصب حيث راوا ان العين المغصوبه اذا كانت موجوده يقال: انها فى عهده الغاصب،فاذا تلفت يقال:

انها فى ذمته، و حيث ان العين قبل تلفها امر خارجى و بعده عباره عن المثل او القيمه فمن هنا تخيل ان الفارق الاساسى بين العهده والذمه هو: ان الاول ظرف للشىء الخارجى و الثانى ظرف للشىء الكلى الذى لا وجود له خارجا،بينما نرى ان بينهما بحسب الحقيقه فرقا جوهريا فى تركيبهماالعقلائى،والفرق الذى ذكروه انما هو من نتائج ذاك الفرق الجوهرى الحقيقى، و حاصل هذاالفرق الحقيقى:

انه لو واجهنا السوال الاتى: ماهو معنى الذمه؟ فنقول فى جوابه:

ان العقلاء اتفق لهم فى كثير من الاحيان ان كانوا فى مقام التمليك و التملك من دون ان تتيسر لهم اعيان خارجيه يصبون عليها التمليك او التملك، كما فى المعاوضات التى لايتيسر لكلا الطرفين او لاحدهما مال خارجى يوقع عليه العقد، وكما فى باب التحميلات القانونيه من قبيل الحكم على من اتلف مال غيره بانه يجب عليه ايفاء مثله له مع عدم وجود المثل عنده، ففى مثل هذه الموارد التى احتاج فيهاالعقلاء الى جعل تمليكات على الاموال من دون ان تتيسر لهم اموال و اعيان خارجيه اخترع و عاء سمى بالذمه، و فرض فيه وجود اموال هى فى الحقيقه مفهومات خارجيه معتبره بالمعنى الحرفى لا بالمعنى الاسمى بمعنى ان نسبه المال الموجودفى الذمه الى المال الموجود خارجا نسبه المعنى الحرفى الى الاسمى فى كون الاول رمزا ومعنى آليا دون الثانى الذى هو معنى استقلالى، فالملكيه انصبت فى الموارد المزبوره التى احتيج فيها الى جعل تمليكات مع عدم وجود اعيان خارجيه على المعنى الالى الذمى بلحاظ كونه مرآه للخارج، فاذا فرض ان فى ذمه زيد عشره دنانير فمعناه ان هذه العشره دنانير اموال رمزيه و مرآه لتلك الاموال الخارجيه،وانما فرض ذلك لكى يترتب على هذه الاموال الرمزيه نفس الاثر المترتب على الاموال الخارجيه فانه لايمكن تصور العشره دنانيز غير الموجوده خارجا الا بوجودها الذمى الرمزى، والا فهى ليست موجوده بين الارض و السماء من دون ان تستقر لا فى الذمه ولا فى الخارج، اذن فالذمه وعاء للاموال الرمزيه وليست وعاءللخارج، فليس تقسيم الدين الى الذمه والعهده تقسيما اعتباطيا، بل هو راجع الى طبيعه الوعاء الذى يحتوى على الدين،فما دامت العين موجوده فى يد الغاصب لامعنى لكونها فى ذمته لان الذمه و عاء للرموز لا للاعيان الموجوده، و هذاالتملك الذمى هو الذى عبر عنه فى كلماتهم (قدس سره) بشغل الذمه، و يعبر عن المال بالدين و عن المالك بالدائن. هذا هو التفسيرالذمه.

واما العهده فهى وعاء اعتبارى آخر وظرف لشىء آخر يختلف عما كانت الذمه ظرفا له، فالعهده ظرف للتعهدات و المسووليات المجعوله على الشخص سواء منهاما كان مجعولا من قبل نفس الشخص كما فى الالتزامات التى يتعهدها الشخص فى العقود ونعنى بالالتزامات الشروط و كما فى النذر على بعض مبانيه، او ما كان مجعولا بشكل قانون عام كنفقه الاقارب لا الزوجه فلهذه التعهدات و المسووليات وعاءآخر اسمه العهده، و هى كما تكون ظرفا للاعيان الخارجيه كذلك تكون ظرفا للاعيان الكليه،فاما الاول فكالغاصب فان العين الموجوده الخارجيه تكون فى عهدته فهومسوول عنها، واما الثانى فكالمدين فان الدين يترتب على وعاء الذمه اولا فتصيرذمته مشغوله، وبعد ذلك يكون عليه مسووليه الوفاء.

اذن فقد اتضح ان الدين له مرتبتان: الذمه او اشتغال الذمه، و هو تملك المالك شيئا ملصقا بذمه الاخر، والعهده وهى مسووليه الوفاء التى تقع على عاتق المدين،واتضح ان النسبه بين الذمه والعهده هى العموم من وجه:

فماده الاجتماع واضحه.

وماده افتراق العهده عن الذمه لها امثله:

منها: ما اذا كانت العين فى يد الغاصب قبل التلف فعهدته مشغوله.

ومنها: ما اذا تواردت ايادك متعدده على العين المغصوبه ثم تلفت فى يد الاخير، بناء على مبنى صاحب الجواهر رحمه اللّه حيث فرق بين من تلفت العين عنده فذمته مشغوله و بين من قبله فعهدتهم مشغوله((300)).

ومنها: ما اذا باع شيئا و قبض الثمن ولم يقبض المبيع، فعهده البائع مشغوله لا ذمته.

وماده افتراق الذمه عن العهده هو المدين العاجز عن اداء الدين فان ذمته مشغوله و لكن مسووليته ساقطه، اى لاعهده عليه.

والان بعدما اتضح لنا معنى العهده و الذمه فيجب علينا ان نعرف ان الحواله هل هى تصرف بلحاظ العهده او بلحاظ الذمه، فاذا كان زيد مدينا لعمرو بمئه مثلا، ثم احال زيد عمرا على خالد بان ياخذ الدين منه، فزيد المدين هو المحيل و عمروالدائن هو المحال، وخالد المعطى هو المحال عليه، و المال هو المحال به فهل يكون تصرف زيد فى الدين تصرفا فى الذمه او فى العهده؟ ذهب الفقه الجعفرى الى الاول و ان الحواله تصرف فى الدين بلحاظ الذمه، وذهبت جمله من المذاهب الاخرى غير الجعفريه الى الثانى وانها تصرف بلحاظ العهده.

وسياتى توضيح الكلام فى ذلك ان شاء اللّه تعالى.

الامر الثانى:

ان التصرف الواقع على الدين يكون على احد انحاء خمسه:

1- التصرف بالوفاء، وبه يعبر فى الفقه الاسلامى والغربى معا اذا كان الوفاء بالجنس، واما اذا كان بغير الجنس فيعبر عنه فى الفقه اسلامى بالوفاء وفى الفقه الغربى بالمقابل، كما سياتى.

2- التصرف بالتنازل، و يعبر الفقه الغربى عنه بالمقاصه، و هذا تاره يكون بحكم القانون و يعبر الفقه الغربى عنه باتحاد الذمه، و اخرى يكون بالاختيار اى الابراء ويعبر الفقه الغربى عنه بالابراء التبرعى اذا لم يكن بازائه شىء وبالتجديد اذا كان بازائه شىء.

3- التصرف بتبديل الدائن، و يعبر عنه فى الفقه الاسلامى ببيع الدين او هبته،وفى الفقه الغربى بحواله الحق.

4- التصرف بتبديل المدين، و يعبر الفقه الغربى عنه بحواله الدين.

5- التصرف بتبديل نفس المال و تطويره.

هذه هى الانحاء الخمسه التى ترجع اليها انحاء التصرف المعاملى كلها الطارئه على الدين، واليك شرح الانحاء الخمسه بالتفصيل:

الاول: الوفاء، ومرجعه الى تعيين المال الذمى فى عين خارجيه واخراجه من عالم الرموز الى عالم الوجود و الحس، وبذلك ينحل الدين لان قوام الدين بالمال الرمزى، فاذا حول الى المال الخارجى فينحل الدين، فمثلا اذا كان زيد مدينالعمرو بمئه دينار فى ذمته فحولها الى مئه دينار خارجيه واوفاه بها فقدانحلالدين.

وهذا الوفاء: تاره يكون تعيينا لما فى الذمه فى مصداق حقيقى له بلا عنايه و هو الوفاء بالجنس، كما اذا وفى بمئه دينار له فى مقابل المئه دينار التى كانت فى ذمته،ويعبر عنه فى الفقه الاسلامى والغربى بالوفاء.

واخرى يكون تعيينا لما فى الذمه فى مصداق غير حقيقى له مع العنايه وهو الوفاء بغير الجنس، و يعبر عنه الفقه الغربى بالمقابل، كما اذا وفى له بمئه تومان فى مقابل الخمسه دنانير التى كانت فى ذمته.

الثانى: التنازل بمعنى ان يتنازل الدائن عن المال الذى كان فى ذمه المدين، و هو ايضا يوجب انحلال الدين.

وهذا تاره يكون بحكم القانون، كما اذا حكم الشارع بانحلال الدينين المتساويين فيما اذا كان زيد مدينا لعمرو بخمسه و عمرو مدينا لزيد بخمسه، فيتهاترالدينان،وبه يحصل التنازل القانونى اى اتحاد الذمه على حد تعبير الفقه الغربى، وايضاكما اذا كان الاب مدينا لابنه ثم مات الاب وورثه الابن، فيحكم الشارع بالتقاص والتنازل بما ورثه الابن.

واخرى يكون بالاختيار، و هو الابراء الذى يكون مرجعه الى اسقاط الدائن حقه من المدين. و هذا تاره يكون الى بدل اى لايكون مجانيا، و اخرى يكون الى غيربدل، اى يكون مجانيا، فمثال الاول ما اذا قيل للدائن مثلا: ابرىء ذمه مدينك ولك عشره دنانير، ففى طول التنازل والابراء يتولد دين آخر، ومثال الثانى ما اذاقال الدائن للمدين: ابرات ذمتك.

والجامع بين هذه الصور هو عنوان التنازل، وهذا العنوان وان لم يكن مذكورا فى الفقه الغربى الا ان الصور مذكوره، ولا خلاف بين الفقه الاسلامى والفقه الغربى فى ذلك وانه يوجب انحلال الدين، لكن الخلاف فى المصطلحات.

والفرق بين هذين النحوين من انحاء التصرف الواقع على الدين و بين الانحاء الثلاثه الاتيه: ان الدين فى هذين النحوين المزبورين غير ثابت بل هو منحل،واما فى الانحاء الثلاثه الاتيه فالدين ثابت فى نفسه، غايه الامر يكون التغيير بالنسبه الى الدائن او المدين او المال مع الحفاظ على اصل الدين.

الثالث: تغيير الدائن مع الحفاظ على اصل الدين و على المدين، فمثلا اذا كان زيد مدينا لعمرو بخمسه فيجوز تبديل الدائن و هو عمرو بشخص آخر، وهذانظيرالمال الخارجى، فكما يمكن تبديل مالك المال الخارجى بالبيع وغيره كذلك يمكن تبديل مالك المال الذمى فانه ليس الا رمزا او اعتبارا يعتبره العقلاء،فيمكن اعتباره فى وعاء ملصق بشخص آخر، فلا فرق بين المال الخارجى والمال الذمى فى كونهما مالا، غايه الامر ان المال الخارجى روح العشره دنانير والمال الذمى رمزها.

وتغيير الدائن تاره يكون ببيع الدين واخرى بهبته، اما الاول فالمشهور عند الفقه الجعفرى هو الجواز اذا كان البيع بنقد حاضر لا بدين آخر والا فيكون من باب بيع الدين بالدين، واما الثانى فالمشهور عدم الجواز. و اما العامه فالمشهور عندهم الا مالك عدم الجواز فى بيع الدين فضلا عن هبته الا على المدين نفسه، فانه يجوزعندهم بيع الدين على نفس المدين، و اما مالك فيرى جوازبيع الدين مطلقا.

الرابع: تغيير المدين مع انحفاظ الدائن والمال بمعنى ان يتحول المدين من شخص الى آخر، فيكون من قبيل تبديل مكان المال الخارجى، فان مكان المال الذمى هوالذمه فيجوز تحويله من ذمه الى ذمه اخرى، غايه الامر انه يتوقف على رضا المحول اليه اذ هو الذى تكون ذمته وعاء للمال بعد تحويله من ذمه المدين،وهذالااشكال فيه وان كان بحسب الفهم الفلسفى يرى ان الدين يتغير بسبب تحويله من ذمه الى اخرى لان الاعتبار لاينقل والذمه امر اعتبارى، فاذا نقلت الى ذمه اخرى فمعناه احداث دين غير الاول.

الا ان هذا فهم فلسفى لا فقهى، والكلام فى الثانى دون الاول فانه لا اعتباربالفهم الفلسفى فى الامور الارتكازيه العقلائيه فان العقلاء يرون ان المكان قد تغير من دون ايما تغيير فى الدين.

وهذا هو احد محتملات الحواله بحسب الفقه الاسلامى كما يتضح بعد ذلك ان شاءاللّه تعالى.

والان فقد جاء دور النحو الخامس من الانحاء الخمسه، وقبل بيانه لابد من الوقوف على النحو الثالث والرابع لنرى الفرق فيهما بين التصور الاسلامى للذمه وبين التصور الغربى لها، فانه بناء على التصور الاسلامى للذمه يصبح امكان النحو الثالث والرابع على درجه عاليه من الوضوح وذلك لان الذمه بحسب التصورالاسلامى عباره عن الوعاء الاعتبارى للاموال الرمزيه كما سبق والدين هو المالالمطروح فى ذلك الوعاء، و حينذاك فيمكن تبديل مالك الوعاء وكذلك يمكن تبديل الوعاء نفسه اى يمكن تبديل الدائن و هو النحو الثالث و تبديل المدين وهو النحو الرابع ولا يرد عليه اى اشكال بناء على هذا.

واما بناء على تصور الفقه الغربى للذمه والدين فان الدين عنده عباره عن الالتزام الشخصى من قبل انسان بان يدفع الى غيره مالا، وبناء عليه وقع النحوالثالث والرابع المزبوران موردا للاشكال الثبوتى فى الفقه الغربى، فلا يرى انهما ممكنان، بل هو يرى ان ايه محاوله لتغيير الدائن او المدين ترجع الى انهاء الدين الاول و انشاءدين آخر، فيكون مرجعه الى التنازل غير المجانى،فالاشكال ناشىء من ناحيه تصور فقهاء الرومان للدين حيث فسروه بالالتزام الشخصى، ومن هناك استشكلوا فى تغيير الدائن او المدين بان الالتزام الشخصى لايمكن انحفاظه فى صوره تغيير الملتزم او الملتزم له، بل مع تغيير احدهما يتغيرالالتزام ايضا، فلا يبقى الدين اصلا.

وهذا الاشكال غير صحيح بالنسبه الى ما تصوره الفقه الاسلامى للذمه فانه لايفسر الدين بالالتزام كى يرد عليه الاشكال، بل يفسره بالمال الرمزى المحتفظ فى الوعاء الاعتبارى المسمى بالذمه، وهذا ينحفظ حتى مع تغيير الدائن او المدين فان العقلاء لايرون اشكالا فى تغيير مالك الوعاء او الوعاء نفسه مع الحفاظ على اصل الدين كما مر آنفا.

واما الفقه الغربى فحيث تصور الدين و فسره بالالتزام الشخصى فاستشكل فى جواز حواله الحق اى تغيير الدائن و حواله الدين اى تغيير المدين باعتبار ان الدين يتغير فيهما ايضا، ولايمكن انحفاظه مع تغييرهما لان الدائن والمدين هما المقومان للدين، فبتغييرهما يتغير الدين الى دين جديد، وهذا هو معنى التنازلالى بدل.

ومن هنا لم يشرع القانون الرومانى حواله الحق وحواله الدين، نعم اعترف فى باب الارث بحواله الحق وحواله الدين، فان الابن يقوم مقام ابيه فى كونه دائنا او مديوناوذلك باعتبار ان الوارث امتداد للمورث واستمرار للحكم الذى كان مسجلاعلى المورث سواء كان الحكم هو الدائنيه او المديونيه، اذن فالالتزام فى هذه الصوره لايتغير، فيبقى الدين على حاله فيصح.

ثم بعد ان اشكل الفقه الغربى على الملكيه بالنسبه الى الاموال الرمزيه ولم يتعقلها بل اعتبر الملكيه فى خصوص الاموال الخارجيه، اخذ يشعر بوجود الحاجه الى اعمال هذه العمليه اى عمليه تغيير الدائن فكان يتوصل الى بعض نتائجهااو جميعها عن طريق التجديد، فاذا كان للشخص مدين واراد ان يجعل له دائنا آخرفحيث ان الدين بنفسه التزام ويستحيل تغيير طرفى الالتزام مع البقاء على نفس الالتزام فكان الفقه الغربى يحتال على هذه العمليه عن طريق التجديد اى انشاءدين آخرغير الدين السابق فكان يلغى الدين الكائن بين زيد و عمرو ويحدث ديناآخر بين خالد و عمرو، فبينما كان لزيد حق لمطالبته عمرا بالدين فقد انتقل الحق الى خالدو اصبح هو الذى يطالب عمرا بالدين، و هذا الدين يغاير الدين السابق.

فالعمليه روحها هو ماقلناه من تغيير الدائن، الا ان الفقه الغربى البسها ثوب عمليه تغيير الدين و سماها بالتجديد، و جعل الفارق بين الدين السابق واللاحق احتياج الاخير الى اذن المدين حيث يراد جعل خالد دائنا له، فاصبح الفقه الرومانى بذلك معترفا بحواله الحق بعدما كان ناكرا، ثم اعترف الفقه الالمانى الجرمانى بحواله الدين ايضا.

وقيل فى سبب اعتراف الفقه الغربى بحواله الحق: ان ركنيه الدائن فى الدين اخف وطاه من ركنيه المدين فيه، فان المدين لا يفرق فى حاله بين ان يكون دائنه زيدا او عمرا، فاذا تغير الدائن لايضر به شيئا، و اما الدائن فيفرق فى حاله بين ان يكون مدينه زيدا او عمرا، فقد يكون المدين الاول اسهل فى طلب الحق منه من المدين الثانى، ولاجل هذا فلا يضر ان قيل بجواز حواله الحق و تغيير الدائن دون حواله الدين و تغيير المدين.

وثم بعد ذلك افترض عند الفقه الغربى ان حواله الدين ايضا كذلك فاعترف بها،وسياتى بيان ذلك تفصيلا.

واخيرا: فقد اتضح ان الاشكال الذى عاشه الفقه الغربى تجاه عمليتى تغيير الدائن و المدين انما تولد عن تصوره لمعنى الذمه والدين، واما الفقه الاسلامى فقدامضى هاتين العمليتين من دون ايما اشكال، وذلك على اساس تصوره لمعنى الذمه والدين.

نعم، عاش الفقه الاسلامى سنخ الاشكال المزبور، وذلك بالنسبه الى نقل الحق و بيعه لا نقل الدين، فان هناك كلاما بين فقهاء الاسلام فى جواز نقل الحقوق و عدمه((301)) فجاء فى ذلك اشكال نظير الاشكال السابق، حيث قيل فى مقام افاده عدم الجواز: ان الحق عباره عن الاضافه الشخصيه و متقومه بطرفيهااى من له الحق ومن عليه الحق فلا يتعقل انحفاظ هذه الاضافه مع تبدل طرفيها، فمثلا فى باب الشفعه حيث انها حق للشريك فهى اضافه شخصيه متقومه بالشريك الذى له الحق وبالمشترى الذى عليه الحق،فاذا تغير احدهما او كلاهما باحد اسباب النقل فقد تغيرت الاضافه ايضا لتغير طرفيها المقومين لها، فلا يتصور انحفاظهامع تبدلهما.

وهذا الاشكال يوول الى الاشكال السابق الذى اورده الفقه الغربى على انتقالالدائن والمدين، وقد اقترح جمله من فقهائنا كالمحقق الاصفهانى قدس سره حلا للاشكال، وافادوا: ان طرفى الاضافه قد لايكونان مقومين لها بل يمكن انحفاظها مع تبدلهما، فهذا يشبه كثيرا ما افادوه فى باب الدين من الغاء مقوميه الطرفين، والتفصيل موكول الى محله.

اذن فقد عاش الفقه الاسلامى روح الاشكال ولكن بالنسبه الى باب الحقوق لا فى باب الديون.

هذا هو النحو الرابع من انحاء التصرف المتصوره.

الخامس: هو تغيير المال نفسه و تطويره، وسوف نوجل بيانه الى ما بعد البدء فى التخريجات لنكته نذكرها هناك ان شاء اللّه.

الامر الثالث:

ان العناوين المنطبقه على التصرفات المعامليه على قسمين:

الاول: العناوين الاوليه الحاكيه عن نفس التصرف المعاملى ابتداء و مباشره،كعنوان البيع فانه لا يحكى الا عن نفس التمليك و التصرف المعاملى بنفسه، و كعنوان الهبه فانه يحكى عن نفس التمليك بعوض او مجانا.

الثانى: العناوين الثانويه المنتزعه عن التصرفات المعامليه بلحاظ امور واضافات زائده، كعنوان الحواله فانه ليس حاكيا عن نفس التصرف المعاملى مباشره، بل هو عنوان ثانوى لهذا التصرف المخصوص بلحاظ ان هذا التصرف يكون عن طريق الاحاله فينتزع العنوان عن كيفيه هذا التصرف، و كعنوان الصلح فانه ليس عنوانااولياللمعامله، فان المعامله المخصوصه انما ينطبق عليها عنوان الصلح بلحاظ انها انشئت بلسان التسالم والاصلاح فانتزع منها عنوان الصلح، وكذلك عنوان الاجاره فان هذه المعامله عباره عن تمليك المنفعه بعوض، و انتزع منها عنوان الاجاره بلحاظ انها تكون عن طريق ايجار المالك عينه، فهذا العنوان قد انتزع من العين،ولهذاتسند الاجاره الى العين لا الى المنفعه اى يقال: آجر داره، ولا يقال:

آجر منفعتها، فهذا يكشف عن ان هذا العنوان منتزع من هذه المعامله المخصوصه لا انه ينطبق عليها مباشره، والا لصح اسناد الاجاره الى المنفعه التى تقع المعامله عليها.

وحينذاك فيجب التنبيه على نقطتين:

النقطه الاولى: انه ذكر فى الجواهر فى مقام تحقيق الحواله و ماهيتها بعد ذكر كلمات بعض العامه و بعض فقهائنا فى انها معاوضه او استيفاء او تغيير فى المدين اوالدائن ان الصحيح ان الحواله اصل براسها و عنوان مستقل، فليست معاوضه ولا استيفاء ولا غير ذلك، فهى معامله بنفسها مستقله فى عرض الاستيفاء كسائرالعناوين التى تنطبق على التصرفات مباشره، فالبحث عن انها وفاء او تغيير للمدين او غيره غيرمجدك بعد فرض انها عنوان اولى غير منتزع عن شىء.((302)) وهذا غير صحيح بعدما ذكرنا ان الحواله بنفسها ليست عنوانا اوليا بل هى منتزعه عن العنوان الاولى بلحاظ نكته، فلابد من الفحص عن تلك النكته هل هى نكته الوفاء او تغيير المدين او غير ذلك؟ فالبحث فى تكييف الحواله ضرورى، و كونهااصلا من الاصول لايجدى بعد فرض انها عنوان ثانوى منتزع من العنوان الاولى.

النقطه الثانيه: اذا دل الدليل على امضاء العنوان الثانوى لمعامله، فاما ان يفرض عدم الانفكاك بين العنوان الاولى للمعامله و بين عنوانها الثانوى المتنزع عن ذاك، فلااثر عملى فى البحث عن ان الدليل الدال على امضاء العنوان الثانوى يشمل العنوان الاولى او لايشمله وذلك لفرض التلازم بينهما، فاذا دل الدليل على امضاءاحدهما كان مثبتا للاخر ايضا كما هو كذلك فى الاجاره، فانه اذا دلالدليل على امضاء تمليك المنفعه بعوض فهو دال على امضاء الاجاره.

واما ان يفرض انفكاك العنوان الاولى لمعامله عن العنوان الثانوى لها، فيجب البحث عن ان الدليل الدال على امضاء العنوان الثانوى لها هل يشمل العنوان الاولى اولا؟ فاذا تمسكنا بعمومات الامضاء فبها نصحح العنوان الاولى ايضا،والا فلو اقتصرنا على الادله الخاصه فى الامضاء و المفروض ان الادله دلت فى باب الحواله على امضاء الحواله اى العنوان الثانوى لا المعاوضه بين الدينين فهل يمكن استفاده العنوان الاولى منها و هو المعاوضه بين الدينين او لا؟وهذا يرتبط بما يستفاد من دليل الامضاء، فان استفيد منه ان العنوان الثانوى معرف للعنوان الاولى فبنفس دليل الامضاء تثبت صحه العنوان الاولى اى المعاوضه بين الدينين فى باب الحواله وان لم ينطبق عليها العنوان الثانوى وهو الحواله، و ان استفيد من دليل الامضاء ان العنوان الثانوى له موضوعيه بنفسه من دون ان يكون معرفا للعنوان الاولى فلا يستفاد من الدليل الدال على العنوان الثانوى صحه العنوان الاولى.

هذا تمام الكلام فى الامور الثلاثه التى كان لابد من تقديمها قبل البحث عن حقيقه الحواله و بيان الانحاء المتصوره فيه.

والان فلابد لنا من البحث عن الانحاء المتصوره فى الحواله، ثم بعد ذلك يقع البحث عن الاثار و اللوازم لها اثباتا و نفيا، حينئذك نرى ان جمله من الاثار واللوازم تنسجم مع بعض الانحاء وجمله اخرى منها مع البعض الاخر.