الحرية في الخطاب المعاصر

القسم الثاني

ان كل ايديولوجية تستهدف الانسان وتحمل برنامجا لحياته اذا اريد لها ان تاخذ طريقها الى الساحة الحضارية لابد وان تعلن‏عن موقفها تجاه مسالة الحرية وتوضح مدى اعتقادها بذلك.. والا فسوف تقفل راجعة ولا يمكنها الاقتراب من اذهان الناس‏ونفوسهم فضلا عن مسيرتهم في الحياة.. لذا تجد ان الاتجاهات المتطرفة والكيانات المتحجرة التي لا تعير اهمية كبيرة‏لمسالة الحرية قد باتت تعاني من العزلة بل الحذف من قاموس الحياة.. فان اتخاذ موقف سلبي او متردد بالنسبة لحرية‏الانسان مما تشمئز منه النفوس وتتضايق منه العقول..

غير ان وصف اتجاه ما بانه يؤمن بالحرية او لا يؤمن بها يتوقف على‏بيان الضابط والملاك للايمان بالحرية.. من هنا نرى من اللازم ان نمتلك معيارا واضحا وميزانا دقيقا بهذا الشان قبل ان نشرع‏في البحث حول التصور الاسلامي عن مسالة الحرية وقبل ان نخطو خطوة واحدة الى الامام من اجل استنباط الموقف الفقهي‏منها.. والا فسوف لا ننتهي الى نتيجة حاسمة ونضيع الوقت في جدل عقيم لا ينتج لنا قناعة قطعية..

ملاك الاعتقاد بالحرية سنحاول فيما ياتي بيان الضوابط والملاكات التي يتم على اساسها الاعتقاد بالحرية من خلال ايراد عدة عناوين نسردها على‏التوالي:

اصالة الحرية:

ان الايمان بالحرية ينشا من الايمان بالانسان، فان خنق حريته معناه انكار الحقيقة الانسانية باعتبارها ظاهرة اجتماعية..لاننا فعلا لا نتحدث عن الانسان باعتباره ظاهرة فيزياوية او بايلوجية كي يقال بعدم صدق هذه الملازمة.. حيث ان محط النظرليس الموجود الذي يتحرك وله حيز من الفراغ ولا الكائن الحي الذي يتنفس وينمو ويتكاثر.. بل ان النموذج المبحوث عنه هوالمخلوق المفكر والفاعل والمسؤول ذو الامال والتطلعات الذي جعله اللّه خليفة له في الارض.. فانكار الحرية الانسانية لايختلف كثيرا من ناحية النتائج عن انكار اصل حق الانسان في الحياة بشكل يتناسب مع خصوصياته.. فالحرية اذا اصل مسلم‏وصحيح وضرورة حياتية للبشر وكفى.. ولا نتعب انفسنا في مناقشة من ينكر هذا الاصل..

ثم انه يمكن ان يفسر مفهوم الايمان بالانسان بتفسيرين، هما:

التفسير الاول: ان يراد بذلك ان الانسان يملك السيادة الكاملة في مقابل ابناء نوعه.. فهو الذي يحدد مواقفه تجاه الاموروالقضايا التي تهمه من دون ان تكون لغيره من الناس سيادة عليه وسلطة تقهره على السير في اتجاه معين وتفرض عليه‏قناعات اخرى.. وهذا المعنى كقاعدة اولية صحيح ومسلم ومفروغ عنه ويؤول بالتالي الى الايمان بالحرية.. والا فان عدم‏اباحة الفضاء الحر المناسب لاداء الانسان دوره يساوق الغاء ذلك الدور وسلب لحق الانسان في الحياة.. وهذا التفسير داخل‏في دائرة هذا البحث..

التفسير الثاني: ان يقصد من ذلك كون الانسان صاحب السيادة المطلقة وليس ثمة سيادة اخرى فوقها ولا معنى لوجودخطوط حمراء من اية جهة كانت ولو من قبل خالقه..

لكن اثبات صحة مثل هذا الامر او نفيه يدخل في دائرة البحث العقلي‏والفلسفي.. ولا ربط له بالحرية كقيمة انسانية الذي يتكفل به البحث الحقوقي والنظر العقلائي.. اذا فهذا المعنى خارج عن‏مسؤولية هذا البحث.. ولا يصح الخلط بين هاتين الحيثيتين.. فليس الاعتقاد بوجود جهة اخرى اعلى من الانسان تضع بعض‏المؤشرات لحركة الانسان منافيا مع الايمان بالانسان وبالتالي منافيا مع الايمان بحريته.. وذلك لان الانسان ليس هو نقطة‏البداية في هذا الوجود فاننا مهما بالغنا في دور الانسان وقيمته فهو لا يعدو ان يمثل احدى حلقات هذا الوجود الممتدة من‏المبداالا ول والسائرة نحو غد اخر.. فاذا كان هذا موقعه في صفحة الكون فلا ينبغي له ان يتهم في خيالاته وينسى خلقه ويغفل‏عن مستقبله في الاخرى.. ويجب الا ننسى اننا بصدد دراسة هذا الانسان الفعلي وهو الانسان المخلوق لا الانسان المستغني‏عن الخالق الذي لا وجود له خارجا..

هذا مضافا الى اننا سوف نثبت في فرصة لاحقة ان شاء اللّه ان ثمة فراغات في النظريات الحقوقية والقوانين المشرعة لا يمكن‏ان تبرر او تملا الا من خلال التسليم بفرضية المشرع الاعلى الذي هو فوق البشرية وانه مبدا التشريعات كما هومبداالوجود..

الاطلاق والتقنين لا صالة الحرية:

ان الاعتقاد باصالة الحرية لا يعني بالضرورة الاعتقاد بها على نحو الاطلاق فيمكن التسليم باصل الحرية مع الايمان بحتمية‏تقنينها.. وليس من الموضوعية ان ننعت من يعتقد تقنين الحرية بانه رافض للحرية ونجعله في مصاف المنكرين لها..فان‏ذلك كما ينسجم مع القول بالاطلاق ينسجم مع القول بالتقنين فكلاهما يعتقد بالحرية كاصل ثابت وان ما الخلاف في تحديددائرتها سعة وضيقا.. بل سيتضح ان لا سبيل منطقيا للقول بالحرية المطلقة وبعرضها العريض..

(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب) ولا حول ولا قوة الا باللّه

 رئيس التحرير

 عقود التوريد والمناقصات

الاستاذ الشيخ حسن الجواهري

 القسم الثاني

 ثانيا عقود المناقصات وعقد المناقصة عقد جديد لم يرد له ذكر في القران والسنة والفقه، بخلاف عقد المزايدة الوارد في السنة‏والفقه.

تعريف المناقصة: هي «ارساء العقد على افضل العروض عند وجود العروض المتعددة في وقت واحد عرفا»وهذا الارساء قد يتضمن تمليكا اذا تعلقت المناقصة على توريد سلعة من السلع، وقد يتضمن تمليك منفعة اذاتعلقت المناقصة على الانتفاع، وقد يتضمن عقد اجارة اذا كانت المناقصة قد تعلقت على الاعمال (المقاولات)..وهكذا. فالمناقصة التي هي ارساء العقد على افضل العروض ليست بنفسها تمليكا او اجارة، وانما يكون التمليك‏او الاجارة او المضاربة او المزارعة او السلم او الاستصناع متضمنا لعقد المناقصة، كالصلح الذي هو عبارة عن‏التسالم والتصالح الذي يتضمن التمليك اذا تعلق بعين، وقد يتعلق بالانتفاع فيفيد فائدة العارية (التي هي مجردالتسليط)، وقد يتعلق بالحقوق فيفيد الاسقاط او الانتقال، وقد يتعلق بتقرير امر بين المتصالحين فيفيد مجردالتقرير.

والذي يدلنا على ذلك: ان المناقصة لو كانت هي البيع والاجارة والسلم والاستصناع والاستثمار لزم كون‏المناقصة مشتركا لفظيا، وهو واضح البطلان، فلم يبق الا ان يكون مفهوم المناقصة هو نفس ارساء العقد على‏افضل العروض الذي يتضمن في كل مورد فائدة من الفوائد حسب ما يقتضيه متعلقه.

وعلى هذا، فالمناقصة عقد يتضمن عقد بيع (توريد او سلم) او اجارة او استصناع او استثمار، الموجب فيه هوالبائع، وهو المورد او المسلم او المقاول او المستثمر او المستصنع، والقابل هو المشتري للبضاعة او المسلم اليه‏او المستاجر او صاحب المال في عملية الاستثمار.

توضيح لعقود المناقصات:

ان ما يجري في الخارج لعقود المناقصات يحتوي على عمليات يكون لفهمها الاثر الخاص في تشخيص الحكم‏الشرعي، لذا من المستحسن ان نستعرض سير عملية المناقصة من الدعوة الى المشاركة حتى نهاية العقد،فنقول:

1- يعلن في الصحف الكثيرة الانتشار (اذا كانت المناقصة عامة)((1)) عن الدعوة الى المشاركة في مناقصة‏لشراء سلعة او انشاء مشروع معين، ويذكر اخر موعد لتسلم المضاريف التي فيها الاستعداد لتقبل الصفقة بسعرمعين.

2- يشترط في الاشتراك في عملية المناقصة شراء المعلومات التي اعدتها الجهة الداعية الى المناقصة حول‏المشروع.

3- يبدا عقد المناقصة من تسلم المضاريف وفتحها، ويكون تقبل المشروع بسعر معين هو الايجاب، والداعي الى‏المناقصة بما انه قد التزم باختيار افضل من يتقدمون للتعاقد معه، فحينئذ يكون بذل السلعة او العمل بسعر اقل‏موجبا لسقوط الايجاب الاول وبقاء الاقل.

4- اذا رست المعاملة على احد المتناقصين باعتباره الافضل للتعاقد، فقد حصل القبول وتم العقد في هذه‏اللحظة.

الايجاب ملزم في عقد المناقصة:

ثم ان الايجاب في كل عقد يجوز ان يرجع عنه قبل حصول القبول، الا في عقد المناقصة، فان الايجاب الذي يصدرمن البائع او المقاول لا يجوز الرجوع عنه قبل اتيان القبول، ولهذا قد يتساءل عن سبب عدم الرجوع عن هذا الايجاب‏قبل حصول القبول؟ والجواب: هو وجود التزام بين الاطراف المتناقصة على ارساء العقد على افضل العروض، وهذا معناه عدم جوازرجوع صاحب العرض عن عرضه (اي عدم جواز رجوع الموجب عن ايجابه)، وعدم جواز اختيار المشتري غيرالعرض الافضل بحجة من الحجج الا ان يشترط جواز ذلك له صريحا. وهذا الالتزام المتبادل بين المتناقصين‏مستفاد من مفهوم المناقصة التي هي ارساء العقد على افضل العروض، وقد قبل بها كل الاطراف واقدموا عليهاورتبوا اثرا على ذلك، فان هذه الالتزامات التي تكون متبادلة ويرتب عليها الاثر تكون ملزمة للطرفين حسب الادلة‏الشرعية في وجوب الوفاء بالشروط والالتزامات، ولا نؤمن بالاجماع الدال على كون الشروط الملزمة هي التي‏تكون في ضمن عقد ملزم((2)).

واذا تم عقد المناقصة بارساء العقد على افضل العروض لا نجد مشكلة في عقود المقاولات، حيث ان العمل يقدم‏شيئا فشيئا، وثمن العمل يجوز دفعه معجلا او مؤجلا ونجوما. وكذا لا مشكلة في الاستثمار اذا كان مضاربة اومزارعة او مساقاة، لان طبيعة هذه العقود لا يشترط فيها تقديم كل المال الممول للمشروع. كما لا مشكلة ايضا في‏ايجار المنفعة عن طريق المناقصة، وانما الاشكال يكون في المناقصة اذا كانت عقد توريد او سلم مع تاجيل الثمن‏والمثمن في عقود التوريد، او تاجيل ثمن السلم ايضا ودفعه نجوما في عقد السلم. وهذه المشكلة تعرضنا لحلهافي عقود التوريد فلتراجع هناك، وخلصنا الى ان عقد التوريد او حتى السلم اذا صدق عليه انه عقد عرفا مع تاجيل‏العوضين ودفعهما نجوما فتشمله عمومات الوفاء بالعقد، ولا مانع يمنع من صحة العقد الا ما ذكر من انه بيع دين‏بدين او بيع كالي بكالي، وقد اجبنا((3)) عن هذين الحديثين وعرفنا انهما لا يمنعان من صحة عقود التوريد بل‏وحتى السلم اذا تاجل الثمن ودفع نجوما مع صدق العقدية عليه((4)).

الفرق بين المناقصة والبيع العادي:

وبما تقدم اتضح الفرق بين عقد المناقصة والبيع العادي، حيث ان عقد المناقصة هو: ارساء العقد على افضل‏العروض، ويتضمن بيعا او اجارة او استثمارا باختلاف متعلق العقد، بينما البيع العادي هو: انشاء تمليك شي‏ءبعوض مع القبول.

كما ان عقد المناقصة يوجد التزاما بين المتناقصين باختيار افضل العروض، وهذا يجعل الموجب المتقدم‏بعرضه غير مختار في سحب عرضه حتى قبل حصول القبول والارساء، كما ان القابل لا يجوز له ان يقبل غيرافضل العروض الا مع شرط صريح بذلك. كل ذلك لمفهوم عقد المناقصة الذي يتضمن هذا الالزام، بينما يحق‏للموجب في البيوع العادية ان يسحب ايجابه قبل ان يحصل القبول.

ومن الفرق المتقدم يحصل فرق اخر هو: ان المناقصات تكون قد اشت رط فيها شرط ضمني باسقاط خيارالمجلس او عدم اعماله، حيث ان الالتزام بالتعاقد مع افضل من يتقدم للتعاقد ليس معناه عرفا هو الالتزام بالتعاقدحتى يتم ثم يفسخ بعد ذلك بخيار المجلس. ونستطيع ان نشبه ما نحن فيه من عدم وجود خيار مجلس في عقدالمناقصات بمن حلف ان يبيع داره الى شخص معين، فانه لا يحق له ان يبيعها منه ثم يفسخ بخيار المجلس. وهذايفسر لنا معنى ارتكازية عدم الفسخ في عقد المناقصات، بينما في البيوع العادية يكون خيار المجلس‏بحاله.

ومما ينبهنا على الاشتراط الضمني لسقوط خيار المجلس او عدم اعماله هو اخذ خطاب الضمان الابتدائي الذي‏يكون لصالح من يلتزم بالعقد ضد من لم يلتزم به بعد رسو المعاملة، كما سياتي.

هل المناقصة عقد؟ وما اركانه؟ قد اتضح مما تقدم ان المناقصة عقد جديد (اي لم يكن له ذكر في القران والسنة والفقه) يتضمن تمليك عين اومنفعة او اجارة لعمل وامثالها، فالمناقصة عقد تتضمن عقدا اخر يختلف باختلاف الموضوع.

واما اركانه فهي:

1- المناقص: الموجب الذي يعرض سلعة موصوفة او عملا محددا بسعر محدد، لان الايجاب هو تمليك السلعة اوالمنفعة او العمل كما في المقاولات.

2- المناقص: القابل الذي يبرز قبوله لافضل العروض، وهو الذي يملك الثمن، الا ان تمليكه للثمن تبعي لتمليك‏السلعة او المنفعة او العمل.

وتمامية العقد هنا قد تكون بصورتين:

الاولى: ان يتقدم الايجاب، وهو عرض السلعة او العمل الموصوفين بثمن معين، ثم ياتي القبول من المشتري على‏افضل العروض.

الثانية: قد يتقدم القبول بقول المشتري: «انا اشتري سلعة اوصافها معلومة‏»، او «استاجر عاملا لعمل معين‏باختيار افضل العروض‏»، ثم تاتي العروض فيختار افضلها.

وبما انه لا يشترط تقديم الايجاب على القبول ويجوز ان يتقدم القبول ولكن بلفظ «اشتريت‏» او «استاجرت‏»، فيمكن‏ان ياتي الايجاب بعد هذا القبول بلفظ «بعت‏» فيتم العقد.

لا غررية في هذه المعاملة:

وهذه المناقصة التي يتقدم فيها القبول لا غرر فيها، لاننا نعلم بحصول العقد مع جهل صفته، بينما الغرر الذي نهى‏عنه رسول اللّه(ص) هو ما لم يعلم بحصول الشي‏ء المبيع.

وحتى لو قلنا: ان الغرر يشمل جهالة صفة المبيع، فان المبيع والمستاجر هنا ليس فيهما جهالة عند تمامية العقد اوالاجارة وان كانت الجهالة موجودة عند انشاء القبول، فلا جهالة في العقد عند ابرامه.

علاقة المناقصة بالمزايدة:

ان العلاقة بين المناقصة والمزايدة هي علاقة تضاد من الناحية اللغوية والموضوعية، فالزيادة ضد النقص، ولهذاوردت التفرقة بينهما في العقود باختلاف موضوعهما.

فالمناقصة: تستهدف اختيار من يتقدم باحسن عطاء، ويكون ذلك عادة فيما اذا ارادت الادارة القيام باعمال معينة‏كالاشغال العامة، او ارادت الادارة شراء كمية من السلع المعينة الموصوفة.

اما المزايدة: فهي تستهدف ايضا اختيار من يتقدم باحسن عطاء ولكن فيما اذا ارادت الادارة ان تبيع مثلا.

وعلى هذا اتضح ان العلاقة وان كانت بين المناقصة والمزايدة هي علاقة تضاد الا ان تعريفهما واحد، وهو: «ارساءالعقد على افضل عطاء عند وجود العروض المتعددة في وقت واحد عرفا».

غاية الامر المناقصة تكون للشراءوالمقاولات، والمزايدة تكون في البيع لما عند الادارة من سلع او ادوات.

اما الانتفاع بالشي‏ء، فكما يمكن ان يكون فيه المناقصة فيما اذا كان المنتفع واحدا والعرض متعددا، كذلك يمكن ان‏يكون فيه المزايدة فيما اذا كان العرض واحدا والمنتفع متعددا.

ومما تقدم يتضح ان التعريف الوارد في قرار المجمع بشان المزايدة لا يخلو عن اشكال، فقد ورد في قرار رقم 73(4/8) بشان عقد المزايدة تعريف عقد المزايدة بانها: «عقد معاوضة يعتمد دعوة الراغبين نداء او كتابة للمشاركة‏في المزاد، ويتم عند رضا البائع. والاشكال على هذا التعريف يكمن في ان «دعوة الراغبين نداء او كتابة للمشاركة‏في المزاد» التي اخذت في التعريف لا تمت الى العقد بصلة، بل هي مقدمة للعقد، فلا يحسن ادراجها في تعريف‏عقد المزايدة، وعقد المزايدة او المناقصة هو: «ارساء العقد على افضل العروض حينما تكون العروض متعددة في‏وقت واحد»، ولا يخفى ان ارساء العقد معناه ان يختار احد المتعاملين افضل العروضات المتعددة في وقت واحد،ففي المزايدة، يختار البائع افضل العروضات المتعددة من المشتركين في المزايدة، وهذه العروضات وان كانت‏من القابل الا انها لابد ان تكون بعنوان التملك بثمن معين، فياتي الايجاب باختيار احدها (وهو الافضل) بعنوان‏التمليك، فيحصل القبول المتقدم والايجاب المتاخر.

ولا خيار في هذا العقد، لعدم اشتراط تقديم الايجاب على‏القبول اذا كان القبول بعنوان التملك بثمن معين.

وفي المناقصة: تتقدم الايجابات من المشتركين، وياتي القبول من المشتري على اختيار افضلها، فيتم‏العقد.

التكييف الشرعي لعقد المناقصات:

بما ان المناقصات هي من العقود الجديدة التي لا اثر لها في نصوص الشرع، فلا يمكن ان يستدل عليها بنصوص‏خاصة فيها.

ولكن بما انها عقد عرفي بين طرفين يتضمن بيعا او اجارة او مقاولة او استثمارا، فيشملها عموم قوله تعالى:(اوفوا بالعقود) و (تجارة عن تراض) و (احل اللّه البيع) اذا كانت المناقصة تتضمن بيعا عرفيا بين الطرفين، لماثبت في عقود التوريد من ان العقود المعاملية التي اشار اليها القران الكريم بقوله: (اوفوا بالعقود) لا تختص‏بالعقود التي كانت موجودة في زمن صدور النص، بل النصوص الواردة في الشريعة المقدسة وردت على نحوالقضية الحقيقية، بمعنى ان الشارع المقدس اوجد حكمه على موضوع معين، ومتى وجد هذا الموضوع وجدالحكم ولو لم يكن الموضوع موجودا حين صدور النص، ولكن بشرط اشتمال الموضوع وهو العقد هنا على‏الشروط التي اشترطها الشارع المقدس في صحة العقد، وعدم اشتماله على الموانع التي بينها الشارع لبطلان‏العقد((5)). وسوف نتعرض لما يقترن او يسبق عقد المناقصات او يلحقه من عقود او اجراءات، لنراها هل تكون‏مانعة من صحة عقد المناقصة ام لا؟ علاقة المناقصة ببيع ما ليس عند البائع:

ذكرنا في عقد التوريد ان الروايات الحاكية لنهي النبي(ص) عن بيع ما ليس عند البائع((6)) وروايات عدم مواجبة‏البيع للمشتري الا بعد ان يشتري البائع السلعة((7)) (اي عدم شراء المشتري للسلعة الا بعد ان يشتريها البائع)لابدمن تخصيصها بالعين الخارجية (الشخصية)، وذلك لورود الروايات الصحيحة التي عمل بها كل المسلمين‏في جواز بيع الكلي الموصوف في الذمة سلما، وبما ان المناقصات اذا كانت على سلع موصوفة تسلم في وقت‏معين، فهي من السلم الجائز قطعا، ولا ربط لها ببيع ما ليس عند البائع.

اما اذا كانت المناقصة ليست متضمنة للبيع بل متضمنة للاجارة (المقاولات) او الانتفاع بعين وامثالهما، فلااشكال في صحتها، ولا ربط لها ببيع ما ليس عند البائع اصلا الذي هو مختص بالعين الشخصية الخارجية التي لايتصور فيها المناقصة، بل المتصور فيه المساومة والمراوضة للوصول الى الاتفاق، وهو غير المناقصة.

انواع المناقصات:

يذكر للمناقصات انواع وتقسيمات لا تؤثر في تغيير الحكم الشرعي لها:

منها: المناقصات العامة والمناقصات الخاصة (المحدودة):

وهذا التقسيم واضح، اذ المراد من المناقصات العامة:هي التي تفسح مجالا لعدد غير محدود من المناقصين، وما يتبع ذلك من اجراءات.

والمراد من المناقصات الخاصة: هي التي توجه فيها خطابات لمن تتوفر فيهم اهلية الاشتراك في المناقصة، فهي‏تقتصر على عدد محدود من المناقصين، ولها اجراءاتها الخاصة ايضا ومبرراتها.

ومنها: المناقصات الداخلية والمناقصات الخارجية: باعتبار ان المناقصين قد يكونون من داخل البلد او خارجه،ولهما اجراءاتهما.

ومنها: المناقصات العلنية والمناقصات السرية: باعتبار حضور المناقصين في المناقصة وتقديم عروضهم‏بصورة علنية، وعدم حضورهم وتقديم عروضهم بصورة مضاريف مختومة، ويكون لكل منهما اجراءاته‏الخاصة.

ولكن قلنا: ان كل هذه الاقسام لا تؤثر في تغيير الحكم الشرعي، فلا حاجة الى الاطالة فيها.

نعم: ان المناقصات قد تتنوع بتنوع موضوعها كما تقدم ذلك في تعريف المناقصة فتكون المناقصة متضمنة‏لبيع(توريد سلعة) او للانتفاع او المقاولة على الاعمال او الاستصناع، او سلم ، او استثمار. وقد ذكرنا ذلك في‏التعريف فلا نعيد.

ولا باس بالاشارة الى ان جميع المناقصات تلتزم بمبدا تكافؤ الفرص، وهو مبدا المساواة بين المتناقصين، ولايخالف هذا المبدا الا بنص صريح. كما انها تلتزم بمبدا المنافسة بين المتناقصين، بمعنى عدم كونهم متواطئين‏على حد معين من السعر، بل يجب ان يكون كل واحد منهم مستقلا عن الاخر في تقديم عرضه.

حكم دفتر الشروط:

ان دفتر الشروط الذي يحمل قائمة احتياجات المناقصة وما يتبعها من شروط ومواصفات اشتركت خبرات‏واستشارات في اعدادها وبذل المعد لهذا الدفتر في مقابله مالا يعتبر ذا نفع للمشارك في المناقصة وان كان النفع‏اطلاعه على شروط ومواصفات المناقصة. وعلى هذا يحق للمعد لهذا الدفتر بيعه على المشترك في المناقصة،سواء كان بيعه على جميع المتناقصين بسعر التكلفة او اكثر، اذ يشمل هذه المعاملة العمومات، مثل: (اوفوابالعقود) و (احل اللّه البيع).

نعم، من رست عليه المعاملة يستفيد من هذا الدفتر اكثر من غيره، ويمكن ان يباع هذا الدفتر بسعر تكلفته على كل‏واحد من المتناقصين، ويكون خيار الفسخ لمن لم ترس المعاملة عليه.

وحينئذ اذا رست المعاملة على احدهم اخذه‏وشرع في العمل على طبقه. واما الباقون فيرجع اليهم الثمن اذا فسخ كل واحد منهم عقده.

وفرق المعاملة الاولى عن الثانية هو: ان المعاملة الاولى اذا كان دفتر الشروط قد صرف عليه اربعون دينارا، يحق‏لمن اعده ان يبيعه على المشتركين في المناقصة ولنفرضهم خمسين مشاركا كل دفتر بدينار او كل دفتر بآ(800) فلس، فيحصل على ما خسره على دفتر الشروط مع الزيادة او بلا زيادة.

اما المعاملة الثانية: فان الدفتر يباع على كل واحد من الخمسين باربعين دينارا وهو سعر الكلفة مع خيار فسخ‏لمن لم ترس المعاملة عليه، فان رست على احدهم اخذه بالاربعين وارجع الثمن الى الباقين اذا فسخت‏معاملاتهم.

حكم تقديم نسبة من الثمن ضمانا من المتقدم الى المناقصة:

وهذا ما يسمى بالضمان النقدي الذي يقدمه من يتنافس على العملية الى المستفيد الذي يدعو الى المناقصة،ويستحقه المستفيد عند عدم قيام الطالب باتخاذ ما يلزم من رسو العملية عليه((8)). ويسمى هذا الضمان‏الابتدائي، تمييزا له عن الضمان النهائي الذي سياتي.

وهذا الضمان يكشف عن جدية عرض الخدمات من قبل كل المشتركين وجدية ارادة المتعاقد. وتكييف هذاالضمان النقدي يكون باحد وجوه ثلاثة:

اولا يمكن ان يكون في مقابل رضا (المشتري او المقاول) لفسخ المعاملة، حيث اننا علمنا ان هذه المعاملة لازمة،ومعنى ذلك عدم جواز الفسخ من قبل احد الطرفين كالمشتري اذا لم يرض البائع، وحينئذ يكون دفع هذا الضمان‏النقدي الى المستفيد في مقابل رضاه بفسخ المعاملة او المقاولة. وهذا التوجيه يكون صحيحا اذا كانت المعاملة قدتمت وصارت ملزمة حين قبول الداعي الى المناقصة، ويكون كتابة العقد للتوثيق فقط.

ثانيا يمكن ان يشترط الداعي الى المناقصة عند بيع دفتر الشروط ان يتملك كمية من المال وهي الضمان النقدي آعند عدم الالتزام بابرام العقد من قبل من رست عليه العملية، وهذا الشرط في ضمن عقد فيكون ملزما، سواء قلناان العقد قد تم عند قبول الداعي الى المناقصة كما هو الصحيح او قلنا ان العقد يتم عند كتابة العقد مع رضاالطرفين لا قبل ذلك.

ثالثا على انه يمكن القول: بان المقاول او البائع اذا كان قد تعهد او التزم بان يكون المال الذي دفعه الى الداعي الى‏المناقصة ملكا للداعي الى المناقصة عند عدم القيام بالاجراءات اللازمة عليه عند رسو العملية عليه، وقد رتب‏الطرف الاخر عليه الاثر فعمل كل ما يلزم لعقد المناقصة حتى رست على البائع او المقاول، فحينئذ يشمل هذاالتعهد والالتزام من الطرفين (اوفوا بالعقود) الذي معناه اوفوا بالعهود، كما يشمله قوله(ع):

«المسلمون عندشروطهم‏».

حكم الدخول الى المناقصة على المرخص لهم:

قد يلجا الداعي الى المناقصة الى محدودية المناقصة بالا يسمح للدخول في المناقصة الا لمن رخصت لهم‏الحكومة القيام بالتوريد او الخدمات (المقاولات)، وكذا قد تعمد الدولة ايضا الى هذه الطريقة. وهذه الطريقة‏يلجااليها لما فيها من التا كد من جدية الداخلين في المناقصة ومن قدراتهم الفنية الكافية لاغناء المشروع، وقدتكون اقل كلفة من المناقصة العامة وتكون اسعارهم ارخص، لان المرخص لهم حكوميا في الدخول في المناقصة‏يكونون من المنتجين والمقاولين الحقيقيين لا من الوسطاء.

وحكم هذه العملية جائز بلا اشكال، لاختيار الجهة الداعية الى المناقصة في تعاملها مع عدد محدود من‏المناقصين، وهم الذين تتوفر فيهم شروط معينة قد يكون منها الترخيص الحكومي للمقاولات والبيع باقسامه، اوغير ذلك من الشروط التي لا تخالف كتابا ولا سنة.

نعم، قد تكون هذه المعاملة مخلة بالعدالة والمساواة بين الراغبين في التعامل، الا ان هذا الاخلال لا يصل الى‏حدالبطلان او الحرمة ما دام لا يحتوي على ظلم الاخرين واضرارهم، وربما كان فيه نفع للداعي الى‏المناقصة.

حكم التامينات المقدمة في المناقصة:

قد يطلب الداعي الى المناقصة تامينات تعادل نسبة من قيمة المعاملة (نقدية او غير نقدية كضمان من البنك لدفع‏مبلغ معين من النقود) يستحقها المستفيد (الداعي الى المناقصة) اذا تخلف العميل عن الوفاء بالتزاماته‏المنصوص عليها في العقد بين المقاول والمستفيد((9))، عدا شرط التسليم في الموعد المقرر، فان هذا سنتكلم‏فيه في الشرط الجزائي.

اقول: ان هذا الطلب هو شرط في ضمن عقد الايجار او البيع، وحينئذ يصح لمن اشترط هذا الشرط ان يمتلك هذه‏التامينات النقدية في حالة التخلف، استنادا الى قوله تعالى: (اوفوا بالعقود)، والى قوله(ع): «المسلمون عندشروطهم‏»، فتحصل ان العقد والشرط الذي ضمنه يجب الوفاء بهما اذا لم يكن الشرط مخالفا للقران والسنة (وهوالمفروض).

اما التامينات (اذا كانت غير نقدية) فكضمان البنك لنسبة من قيمة العملية عند تخلف المقاول او البائع عن الالتزام‏بالشروط المشترطة عليه، وتخلف عن دفع النسبة من قيمة العملية.

وهذا الضمان عرفي يكون البنك ملزما بدفع‏تلك النسبة عند تخلف المشروط عليه عن العمل بتلك الشروط وتخلفه عن دفع تلك النسبة من قيمة العملية.

حكم التامينات اذا تاخر المقاول او البائع عن تسليم ما يجب عليه عن الموعد المقرر:

قد يطلب الداعي الى المناقصة غرامة في صورة التاخر عن تسليم ما يجب على المقاول من اعمال ناجزة في‏موعدها المقرر، او في صورة تاخر البائع عن تسليم البضاعة في موعدها المقرر، فهل تكون هذه الغرامة‏صحيحة ويستحقها الداعي الى المناقصة؟ والجواب: ان هذا ما يعبر عنه في الفقه بالشرط الجزائي، ونتكلم في صحته تارة في عقد الاجارة وتارة في‏البيع:

اما في الاجارة: فقد ذكر علماء الامامية صحة هذا الشرط بشرط الا يحيط بجميع الكراء، استنادا الى قوله(ع):«المسلمون عند شروطهم‏»، وقوله(ع) في صحيح الحلبي عند اشتراط المستاجر على الاجير ان يوصله الى‏السوق في يوم كذا، وعند عدم ايصاله يحط من الكراء عن كل يوم كذا وكذا قال: «شرطه هذا جائز ما لم ى حط‏بجميع كراه‏»((10)).

واما في البيوع: فان الشرط الجزائي الذي دليله «المسلمون عند شروطهم‏» لا يفرق في صحته بين الاجارة والبيع،فيكون صحيحا اذا اشترى انسان دارا من غيره على ان يسلمها له في مدة معينة، واشترط المشتري على البائع‏غرامة معينة في كل يوم يتاخر عن التسليم، فلو تاخر البائع عن التسليم اياما معينة فيستحق عليه المشتري‏الغرامة. وهذا كله صحيح في البيع الشخصي الخارجي.

اما اذا كان المبيع كليا موصوفا في الذمة (اي في ذمة المبيع) كبيع السلم او التوريد اذا قلنا بصحته فهنا يكون‏الشرط الجزائي (الغرامة) في مقابل تاخيره ربا جاهليا، وهو محرم، فيكون الشرط الجزائي في هذه الصورة‏مخالفا للسنة، فلا يجوز.

اشتراط التعويض:

ونفس الكلام المتقدم في الغرامة نقوله بالنسبة الى اشتراط المستاجر او المشتري التعويض عن الضرر الحاصل‏من تاخر تسليم العمل او السلعة، الا ان الفرق بين الغرامة والتعويض هو:

ان الغرامة يكون الضرر فيها مفترضاولا يلزم اثباته على الداعي الى المناقصة، ولا يستطيع المتعاقد الاحتجاج بعدم وقوعه.

وهذا بخلاف التعويض‏الذي يجب فيه اثبات الضرر ومقداره، ويستطيع المتعاقد اثبات عدم وقوعه.

هل يلزم اخبار المشتري بان البضاعة تملكها البائع بالاجل؟ اقول: ان كلامنا في مناقصات البيع والتوريد والمقاولات تكون على سلعة كلية موصوفة في الذمة، فقد يشتري‏المشتري كليا في ذمة البائع يقدمه له بعد مدة معينة، وهذا ما يسمى بالسلم، فان كان الثمن ايضا مؤجلا ويسلم‏بعض المثمن في وقت لاحق بنسبة من الثمن، فهو عقد التوريد الشائع في هذه الايام بين الدول.

اما اخبار المشتري بان البضاعة قد تملكها البائع بالاجل فهو بيع المرابحة الذي نسب فيه الربح الى الثمن (لا الى‏السلعة)، وهذا احد اقسام البيع، لان «البائع اما ان يخبر براس ماله او لا، والثاني المساومة، والاول المرابحة ان باع‏بربح، والمواضعة ان باع بنقص، والتولية ان انتفيا معا»((11)). وعلى هذا تكون المرابحة هي البيع مع الاخباربراس المال مع الزيادة عليه.

وهذا البيع مرابحة مختص بالسلعة الشخصية التي اشتراها المشتري الاول واراد بيعها للمشتري الثاني بربح‏ينسب الى راس المال، فيذكر راس ماله ويذكر زيادة عليه واحدا في المئة او عشرة في المئة.

وفي هذا البيع ذكر الفقهاء انه: «يجب على البائع الصدق في الثمن، والمؤن، وما طرا من موجب النقص، والاجل،وغيره‏»((12)).

وله الحق في ذكر الثمن، كان يقول: «اشتريته بكذا واريد ربح كذا»، او يقول: «تقوم علي بكذا»، فيزيد في ثمن شرائه‏لو صدق عليه ما يوجب نقله وحفظه وامثال ذلك.

اما في المبيع الكلي الذي نحن بصدده فلا يوجد ثمن قد اشتريت به السلعة اولا حتى يخبر به وباجله لو كان له اجل،فلا موجب لهذا العنوان في بيع المناقصات والمقاولات.

نعم، لو امكن ان يكون عقد التوريد منصبا على سلعة شخصية خارجية قد رئيت من قبل المشتري واشترط‏توريدها الى بلده في اوقات معينة يسلم فيها نسبة من الثمن الى البائع، يمكن هنا ان يكون البيع مرابحة،وحينئذيجب على البائع الاخبار بالاجل لو كان البائع قد اشترى سلعته بثمن مؤجل، لان المفروض ان البائع يبيع‏بنفس الثمن مع زيادة معينة، فلو كان قد اشتراه مؤجلا وباعه بنفس الثمن حالا مع زيادة لم يكن بيع مرابحة، وكان‏خيانة وكذبا.

مماطلة المشتري في تسديد ثمن البضاعة:

قد يتسلم المشتري البضاعة من البائع ويماطل في تسديد الثمن، فهل هناك حالة يضمن فيها البائع عدم مماطلة‏المشتري في تسديد الثمن؟ الجواب: هناك عدة اجوبة لضمان عدم مماطلة المشتري:

الاول: ان البائع يحق له (في عقد السلم اذا تاجل الثمن تبعا لتاجل المبيع، او في عقد التوريد الذي يكون فيه البدلان‏مؤجلين) الا يسلم المبيع حتى يقبض الثمن، وفي هذه الحالة تنتفي مماطلة المشتري موضوعا.

ولكن هذه الحالة غير متيسرة في هذه العقود، لان البائع في دولة والمشتري في دولة اخرى، وتسليم الثمن‏مباشرة الى البائع غير متيسر، بالاضافة الى ان المشتري قد يتصور مماطلة البائع في تسليم المثمن بعد قبضه‏للثمن فيتوقف عن تسليم ثمنه اولا، وله الحق في ذلك ايضا، ولهذا وجد الجواب التالي لضمان عدم مماطلة‏المشتري وهو:

الثاني: ان يدفع المشتري الثمن الى البنك، ويامره بتسليمه الى البائع عند تصدير البضاعة الى المشتري حسب‏الوثائق التي يبرزها بنك البائع بتصدير البضاعة الى المشتري. وهذه الحالة يضمن فيها البائع ثمنه والمشتري‏مثمنه بواسطة بنك البائع وبنك المشتري بعد وصول مدارك ارسال البضاعة ووصولها.

وهذه الصورة الثانية هي ما يصطلح عليه ب «الاعتمادات المستندية‏» المنتشرة في عمليات التجارة الخارجية،فيفتح المشتري في البنك «اعتمادا» خلاصته: تعهد بنك المشتري للبائع بناء على طلب المشتري ان يدفع له مبلغامن المال (الثمن) في مقابل المستندات التي تبين ان البضاعة التي اشتراها المشتري قد شحنت بقصد وصولها الى‏المشتري خلال مدة معينة، وهذا ما يسمى باعتماد الاستيراد((13)).

ويظهر من هذه الصورة الثانية: ان دور البنك هو دور المتعهد بوفاء دين المشتري للبضاعة الخارجية فيما اذا اطلع‏على شحن السلعة بواسطة الوثائق الرسمية.

وهناك صورة اخرى يكون البنك مسؤولا عن دفع ثمن البضاعة في صورة ما اذا استلم مستندات التصدير من‏البائع وسلمها الى المشتري وقبلها. ولكن هذه الصورة قد تلكى عملية ضمان ثمن البضاعة للبائع، اذ قد تصدرالسلعة ولم يقبل المشتري المستندات، فتحصل المماطلة.

ويستحق البنك على عمله هذا اجرة، لانه عمل جائز وخدمة يقدمها البنك للمشتري، لان تسلم المستندات التي تدل‏على شحن البضاعة، وفحصها للتاكد من عدم تزويرها، وتسديد الثمن للمصدر او بنكه، هي اعمال يقوم بها البنك‏لصالح المشتري، فيستحق اجرة عليها.

الثالث: قد يقال: ان البائع لاجل ان يضمن عدم مماطلة المشتري في تسديد ثمن البضاعة قد يلجا الى الشرط‏الجزائي في صورة تاخر المشتري في التسديد، فيحصل عن كل يوم يتاخر فيه المشتري في التسديد للثمن غرامة‏معينة او تعويضا معينا، وهذا الشرط (الغرامة) او التعويض تمنع المشتري من التاخير، لان البائع يتمكن ان‏يقاضيه الى القضاء الحكومي عند تاخره، فيستحق عليه الثمن والغرامات او التعويضات التي حصلت من التاخيرلتسديد الثمن.

اقول: ان الثمن ما دام دينا في ذمة المشتري يجب دفعه في مدة محددة، فتاخيره في مقابل الغرامات او التعويضات‏يكون ربا جاهليا محرما، لان الربا الجاهلي ما عبر عنه في الروايات:

«اتقضي ام تربي؟!»، وهذا بنفسه موجود في‏الشرط الجزائي عند تاخر الثمن الذي هو دين على ذمة المشتري، فيكون محرما.

خلاصة البحث والذي ننتهي اليه من هذا البحث لعقود التوريد والمناقصات هو ما يلي:

اولا عقود التوريد:

1 ان كل عقد عرفي ولو كان جديدا يجب الوفاء به اذا كان مشتملا على الشروط التي اشترطها الشارع ولم يكن‏هناك ما يمنع منه شرعا، استنادا الى قوله تعالى: (اوفوا بالعقود).

2 ان عقد التوريد: هو عبارة عن توريد سلعة او مواد محددة الاوصاف في تواريخ معينة لقاء ثمن معين يدفع على‏اقساط.

3 ان عقد التوريد لا يشمله حديث نهي النبي(ص) عن بيع الدين بالدين، ولا حديث النهي عن بيع الكالي بالكالي.وليس عقد التوريد عقدا ربويا، ولا اجماع على بطلانه، لان النهي عن بيع الدين بالدين بالاضافة الى ضعف سنده‏قد فسر بما اذا كان هناك دينان قبل العقد ويباع احدهما بالاخر.

كما ان حديث نهي النبي(ص) عن بيع الكالي بالكالي ضعيف السند ايضا، وقد فسر اما بمعنى بيع الدين بالدين، اوبمعنى ان يكون هناك دين في سلم فيباع في اجل، ولم يكن عقد التوريد كذلك.

كما ان من الواضح ان بيع التوريد ليس بربا، لانه بيع سلعة بثمن. وهو عقد جديد لا اجماع على بطلانه، كما هوواضح.

4 لا علاقة لعقد التوريد بالنهي عن بيع ما ليس عندك، لان التوريد غالبا ما يكون على سلعة موصوفة كلية، بينماالنهي عن بيع ما ليس عندك يختص بالسلعة الشخصية الخارجية فيما اذا باعها غير مالكها لنفسه، بينما عقدالتوريد وان كان على سلعة شخصية معينة، فان المفروض بيعها من قبل صاحبها الى المشتري، فلا محذورفيه.

5 اركان عقد التوريد هي: البائع (المورد) الذي يكون موجبا، والمشتري الذي يقبل البيع.

6 شروط عقد التوريد هي الشروط العامة للمتعاقدين (بلوغ، عقل، اختيار). وشروط العوضين هي نفس شروط‏السلم، لكنها تكون للثمن وللمثمن معا.

7 ان عقد التوريد عقد لازم، للادلة القرانية والروائية الدالة على اللزوم في العقود، بالاضافة الى الاصل العملي‏والعقلائي.

8 يثبت خيار المجلس في عقد التوريد اذا كان فيه مكان للعقد، وينقضي بالتفرق، للحديث المشهور: «البيعان‏بالخيار ما لم يفترقا».

9 يثبت خيار الشرط في عقد التوريد، للادلة العامة على صحة الشرط: «المسلمون عند شروطهم‏».

10 يثبت خيار الغبن في عقد التوريد اذا تصورنا الغبن فيه مع جهل المغبون.

11 لا يثبت خيار الرؤية (وهو المسبب عن رؤية المبيع على خلاف ما اشترطه فيه المتبايعان) اذا كان التوريد على‏سلعة كلية موصوفة، لان خيار الرؤية في العين الشخصية. اما اذا كان التوريد على سلعة شخصية معينة مرئية‏ثم اتضح انها على خلاف الرؤية والوصف، ثبت خيار الرؤية في عقد التوريد.

12 لا ياتي خيار العيب في عقد التوريد اذا وقع على كلي موصوف في الذمة. اما اذا وقع عقد التوريد على عين‏معينة شخصية فيثبت خيار العيب: اذا وجدت معيبة، وكان العيب قبل القبض، ولم يعلم به المشتري.

13 الشرط الجزائي (غرامة او تعويضا) صحيح في بيع التوريد عند عدم تسليم البضاعة نهائيا من قبل البائع،وهو يؤول الى ان حق الفسخ انما يثبت للبائع عند دفع الغرامة او التعويض.

14 الشرط الجزائي (غرامة او تعويضا) صحيح عند مخالفة البائع الشروط المشترطة في العقد، وهو يؤول الى‏اسقاط حق المشتري في الفسخ او عدم اعماله لخياره في مقابل الغرامة او التعويض.

15 الشرط الجزائي (غرامة او تعويضا) لا يصح عند عدم تسليم البضاعة في تاريخها المعين وسلمت بعد ذلك،لانه يؤول الى الربا الجاهلي التي منعت منه الشريعة.

ثانيا عقود المناقصات:

1 عقد المناقصة: هو ارساء العقد على افضل العروض عند وجود العروض المتعددة في وقت واحد عرفا.

2 عقد المناقصة قد يتضمن تمليكا لعين او لمنفعة، وقد يتضمن عقد اجارة، وقد يتضمن استثمارا (كعقدمضاربة او مزارعة او مساقاة)، حسب متعلق عقد المناقصة.

3 الايجاب المتقدم به البائع او المقاول ملزم في عقد المناقصة على خلاف بقية العقود، كما ان الداعي الى‏المناقصة ملزم باختيار افضل العروض، كل ذلك للتعهد الموجود بين الاطراف على ذلك المعلوم من مفهوم‏المناقصة التي اقدموا عليها ورتبوا عليها الاثر، فهذه الالتزامات اما تعهدات من الاطراف او شروط مشترطة في‏المناقصة، ويجب العمل على وفقها حسب الادلة الشرعية، لوجوب الوفاء بالعهد او الشرط.

4 ان ارتكازية عدم الفسخ في عقود المناقصات ترجع الى الشرط الضمني باسقاط خيار المجلس او عدم اعماله،فهو عقد يشبه بيع الدار المحلوف على بيعها لشخص اخر.

5 المناقصة: عقد جديد لم يذكر في الكتاب والسنة والفقه، اركانه: المناقص والمناقص، يتم بتقديم الايجاب‏المتمثل بعرض السلعة او العمل الموصوفين بثمن معين، وياتي القبول من الداعي الى المناقصة على افضل‏العروض. وقد يتم العقد بتقديم القبول بلفظ «اشتريت‏» او «استاجرت‏»، ثم ياتي الايجاب بلفظ «بعت‏» و «اجرت‏».

6 لا غرر في عقود المناقصات، لاننا نعلم بحصول العقد وصفة المبيع والثمن، او صفة العمل والاجرة عندحصول العقد وتمامه.

7 المناقصة والمزايدة يتفقان في التعريف ويختلفان في الهدف والغاية.

8 المناقصة عقد جديد يدل على صحتها العمومات القرانية، كقوله تعالى: (اوفوا بالعقود) او (تجارة عن تراض) ،و (احل اللّه البيع) اذا كانت المناقصة تتضمن بيعا.

9 لا علاقة للمناقصة ببيع ما ليس عندك، لان المناقصة تكون على امر كلي، بينما النهي عن بيع ما ليس عندك‏مختص بالعين الشخصية.

10 يجوز بيع دفتر الشروط الذي بذل الداعي الى المناقصة في اعداده مالا، فيصح بيعه على جميع المناقصين‏بسعر التكلفة مقسمة على عدد الدفاتر، او اكثر من التكلفة. كما يصح بيع كل دفتر بسعر التكلفة، ويجعل خيارالفسخ لمن لم ترس عليه المعاملة، فان رست المعاملة على احدهم فهو المستفيد من دفتر الشروط حيث يعتمدعليه في عمله، اما بقية المناقصين فيستعاد الثمن لهم اذا فسخوا المعاملة.

11 يجوز اخذ نسبة من الثمن لصالح المشتري او المستاجر اذا امتنع البائع او المستاجر من القيام بما يجب عليه‏بعد رسو المعاملة عليه، ومعنى ذلك ان البائع يحق له الفسخ عند دفع نسبة من الثمن الى المشتري مثلا. كما يمكن‏ان يكون استحقاق المشتري او المستاجر لهذه النسبة بواسطة الشرط الذي اشترط في ضمن عقد البيع او الاجارة(المقاولة)، كما يمكن ان يكون عقدا براسه.

12 يجوز قصر المناقصة على المرخص لهم حكوميا بالدخول في مناقصات التوريد والاعمال، لان الجهة الداعية‏الى المناقصة مختارة في التعامل مع من تريد.

13 يجوز للداعي الى المناقصة ان ياخذ تامينات نقدية او غير نقدية كغرامة يستحقها اذا لم يقم العميل بالوفاءبالتزاماته المنصوص عليها في العقد، عدا شرط التسليم في الموعد المقرر، لانه يؤول الى الربا الجاهلي الممنوع‏منه شرعا اذا كان في عقد بيع كلي، اما اذا كان في عقد اجارة او في بيع عين شخصية فهو جائز، استنادا الى عموم‏«المسلمون عند شروطهم‏»، ولا مانع يمنع من ذلك، لعدم وجود الربا الجاهلي هنا. وجواز اخذ التامينات النقدية في‏صورة عدم القيام بالشروط الا شرط تاخر التسليم استنادا الى كونه شرطا في ضمن عقد لازم.

14 يجب اخبار البائع المشتري بالاجل الذي اشترى فيه البضاعة اذا كان البيع لبضاعة شخصية قد اشتراهاباجل وكان البيع مرابحة، ولا يجب اذا كان البيع مساومة.

وينتفي موضوع هذا الحكم اذا كان المبيع كليا في الذمة، كما هو الغالب في عقود التوريد.

15 يمكن سد الباب امام مماطلة المشتري في تسديد ثمن البضاعة بطلب البائع فتح الاعتماد المستندي من قبل‏المشتري لدى البنك، ولكن لا يجوز جعل الشرط الجزائي على المشتري في صورة تاخيره في دفع الثمن لردعه‏عن المماطلة، سواء كان الشرط الجزائي غرامة او تعويضا، وذلك في صورة كون الثمن دينا في ذمة المشتري،كما هو الغالب، لان هذا يؤول الى الربا الجاهلي الممنوع منه شرعا.

التنجيم وعلم النجوم

اية اللّه السيد محسن الخرازي

 من الواضح ان علم الفلك والذي يسمى ايضا بعلم الهيئة وعلم النجوم من جملة العلوم القديمة ذات التاريخ العريق، حيث نجد اثار ذلك في الامم السابقة، الا ان الملاحظ ان هذا العلم لم يتحرك في حدود دائرته كعلم مبتن على معادلات رياضية‏وحسابية وقواعد خاصة به، بل دخلت عليه عدة عناصر غريبة عن ذات العلم، فامتزج بجملة من الحدسيات والتخمينات‏والرجم بالغيب، فصار اقرب ما يكون الى الكهانة والخرافة، من قبيل الاخبار بالمغيبات نتيجة لاوضاع فلكية معينة. وايضاصار علم الفلك انذاك مشوبا بعدة اعتقادات باطلة خارجة عن مسؤولية هذا العلم، من قبيل الاعتقاد بكون الافلاك والنجوم هي‏الخالقة والمؤثرة في الكون على نحو الاستقلال او الاشتراك مع اللّه سبحانه وتعالى.

من هنا، اذا اردنا ان نحلل موقف الشريعة نصوصا وفتاوى تجاه هذا العلم، لابد ان ناخذ تلك الامور بنظر الاعتبار، ونفصل‏بين الموقف تجاه العلم نفسه وبين ما عرض عليه من شوائب لا تمت اليه بصلة، فان النهي والتحريم ناظران الى تلك‏الحيثيات الخارجة عن ذات العلم، فلو خلا عن المحاذير الطارئة عليه كما هو المتعارف اليوم فان الشريعة لا تنهى عنه. فهذاالموقف السلبي للاسلام انما هو من اجل الوقوف امام الخرافات، والحيلولة دون تفشيها في المجتمع، وعدم السماح بنشرالاعتقادات الباطلة فيه.

وقد قام الكاتب الموقر دام ظله في هذه الدراسة بالكشف عن هذه الحقيقة وبيانها، حيث ازاح الستار عن بعض التوهمات‏وعالج النصوص الشرعية معالجة اثبت فيها عدم معارضة الشريعة مع علم النجوم في حد ذاته. فليس من الصحيح اذا فهم‏النصوص الناهية على اساس الرفض لعلم النجوم، بل ان النهي منصب على الحيثيات الدخيلة عليه، فلم يقف الاسلام في‏وجه هذا العلم في يوم من الايام، بل ان كل من يراجع التاريخ يرى ان عدة من رواد هذا العلم كانوا من علماء المسلمين من‏مختلف المذاهب الاسلامية ومن اصحاب الائمة(ع) والفقهاء والمحدثين والمفكرين الاسلاميين:

كمحمد بن ابي عمير، وبني‏نوبخت، واحمد بن محمد بن خالد البرقي، واحمد بن محمد بن طلحة، والجلودي البصري، ومحمد بن مسعود العياشي،والفضل بن ابي سهل، وعلي بن الحسن العلوي المعروف بابن الاعلم وابي الحسن النقيب باقيزاط، وعلي بن الحسين‏المسعودي صاحب كتاب مروج الذهب وابي القاسم بن نافع، وابراهيم الفزاري، وابي خالد السجستاني وغيرهم.