ولا يشمل ما اذا لم يكن كذلك، كما اذا اخبر بان اقتضاءها باذن
اللّه تعالى كذا وكذا بحيث لا يستغني المخاطب عن اللّهتعالى،
ولا يوجب الشرك، ولا يستلزم الكفر بما انزل على محمد(ص)،
ولا يكون اخباره شبيها باخبار الكاهن،فضلا عما اذا لم يعتقد
باقتضائها اصلا، فالتصديق الجناني بالنسبة اليه لا يوجب
المحذور، واما التصديق العمليفلا يجوز ما لم يوجب قوله
الاطمئنان.
لا يقال: ان قوله: «من صدق منجما او كاهنا فقد كفر بما انزل
على محمد(ص)» يدل على ان تصديق المنجم تكذيبللشارع
المكذب له، ويدل على ذلك عطف الكاهن عليه، كما افاده
شيخنا الاعظم(قده)((91)).
لانا نقول: اولا: ان الخبر مرسل.
وثانيا: ان الظاهر من الرواية هو الكفر من جهة لزوم انكار ما
انزل اللّه لا تكذيب الشارع في تكذيبه للمنجم، ولعلوجه الانكار
هو الاخبار القطعي والبتي الذي يؤول الى الاستغناء عن اللّه
تعالى، وهو كفر لو التفت اليه، والمفروضغيره، فتدبر جيدا.
وثالثا: انه لا دليل على تكذيب الشارع لمطلق المنجم.
فتحصل: ان التصديق الجناني بالنسبة الى المنجم فيما كان
يعتقده كفرا وانكارا للضروري من الدين غير جائز،دون ما لم
يكن كذلك فانه جائز. بخلاف التصديق العملي فانه لا يجوز الا
اذا حصل الاطمئنان من قوله.
الثاني: هل يجوز تعلم علم النجوم وتعليمه ام لا؟
يمكن ان يقال: لا دليل على حرمته لو لم يكن المقصود منه هو
ترتيب الاثر او الاخبار بمقتضاه على جهةالجزم.
قال في الجواهر في الكهانة : «قد يقال بعدم الحرمة في العلم
والتعلم والتعليم لا للعمل، للاصل وغيره بعد انصرافالكهانة
والكاهن للعمل والعامل. اللهم الا ان يقال بعدم انفكاك العلم
عن العمل هنا، وفيه منع»((92)).
فاذا كان الامر في الكاهن هكذا ففي المنجم الذي شبه به
اوضح.
واما الاخبار الدالة على كثرة الخطا في علم النجوم فهي لا تدل
على النهي عن ذلك، بل غايتها ان كثرة الخطا مانعةمن الحكم
البتي والقطعي في الحوادث.
قال في الجواهر: «لكن الاحاطة بتمام دقائق هذا العلم مما لا
يتيسر الا لخزان علم اللّه دون غيرهم الذين قد يتخيلوندلالة
القران المخصوص على النحس وهو سعد وبالعكس، كما اتفق
للمنجم مع امير المؤمنين(ع)، لعدم الاحاطةبتمام اقتراناتها
واحوالها، لكن ذلك لا يمنع من النظر فيما دونوه من بعض
احوالها الجارية مجرى الغالب، ولا منالعمل بما يقوله اهلها
على وجه الاحتياط. وعلى ذلك يحمل تعلم جماعة من الشيعة
وغيرهم وفيهم العلماءوالمحدثون وغيرهم من الشيعة،
كالحسن بن موسى النوبختي، وموسى بن الحسن وغيره من
بني نوبخت،واحمد بن محمد بن خالد البرقي، واحمد بن
محمد بن طلحة، والجلودي البصري، ومحمد بن ابي عمير،
ومحمدبن مسعود العياشي، والفضل بن ابي سهل الذي اخبر
المامون بخطا المنجمين في الساعة التي اختاروها لولايةالعهد
للرضا(ع)، فزجره المامون ونهاه ان يخبر بذلك احدا، فعلم انه
تعمده الى ان قال: وغيرهم ممن وقفنا لهمعلى اشياء يقطع
الانسان بانها ليست محض اتفاق على ما زعمه المرتضى كما
لا يخفى على من تتبع احوالهم،ووقف على جملة مما نقل من
اخباراتهم»((93)).
ولقد افاد واجاد، ولكن لا وجه لقصر الجواز على التعلم والتعليم
والعمل على وجه الاحتياط، لما عرفت من جوازالاخبار لا على
جهة الجزم. وعليه فلا مانع من جوازهما للاخبار من دون جزم
وقطع، فافهم.
وذهب السيد ابن طاووس على ما حكي عنه الى جواز التعليم
والتعلم والنظر في النجوم مع اعتقاد كونها علاماتودلالات
على ما يحدث من الحوادث والكائنات اكثر، لكن بحيث يجوز
للقادر الحكيم ان يغيرها ويبدلها لاسبابودواع على وفق
ارادته وحكمته((94)).
وقد عرفت ان الامر كذلك مع اعتقاد كونها مؤثرات باذن اللّه
بحيث يجوز للقادر الحكيم التغيير والتبديل، بل يجوزالاخبار
من دون بت وحكم وقطع. وعليه فالمحرم في التنجيم هو
الاعتقاد بكون العلويات مؤثرات استقلالا اواشتراكا، او مفوضات
في التاثير، او مؤثرات من دون امكان التغيير والتبديل، او
الاخبار البتي والقطعي على نحوينافي الضروري من الدين من
تاثير الدعاء والصدقات، او على نحو الاخبار الغيبي كاخبارات
الكهنة، فلاتغفل.
الثالث: هل يكون الكلام في الرمل والفال وغيرهما كذلك ام لا؟
قال في الجواهر: «وكذا الكلام في الرمل والفال ونحوهما من
العلوم التي يستكشف بها علم الغيب، فانها تحرم معاعتقاد
المطابقة لا مع عدمه، وقد كان رسول اللّه(ص) يحب الفال
ويكره الطيرة، بل ورد عنهم صلوات اللّه وسلامهعليهم امور
كثيرة كالاستخارة وبعض الحسابات وغيرهما مما يستفاد منه
كثير من المغيبات، لكن لا على وجهالجزم واليقين، ولعل ذلك
كله من فضل اللّه على عباده وهدايته بهم، نحو ما جاء عنهم في
الرقى انها تدفع القدر،فقال: انها من القدر. وان هذا الباب باب
عظيم ليس المقام مقام ذكره، خصوصا ما يتعلق في الحروز
والطلسماتوخواص الحروف وبعض الاشياء وغيرها وما يتولد
منها من المصالح والمفاسد، ولكن ينبغي تجنب ما فيه
ضررعلى الناس، واستعمال ما فيه نفع لهم مما هو ليس بسحر،
واللّه العالم»((95)).
والظاهر منه ان الاخبار عن الغائبات على سبيل الجزم محرم
من اي طريق كان، ويدل عليه صحيحة حسن بنمحبوب عن
الهيثم قال: قلت لابي عبداللّه(ع): ان عندنا بالجزيرة رجلا ربما
اخبر من ياتيه يساله عن الشيء يسرقاو شبه ذلك فنساله؟
فقال: «قال رسول اللّه(ص): من مشى الى ساحر او كاهن او
كذاب يصدقه فيما يقول فقد كفربما انزل اللّه من
كتاب...»((96))، الخبر.
قال الشيخ الاعظم(قده): «وظاهر هذه الصحيحة ان الاخبار
عن الغائبات على سبيل الجزم محرم مطلقا، سواء كانبالكهانة
او بغيرها، لانه(ع) جعل المخبر بالشيء الغائب بين الساحر
والكاهن والكذاب، وجعل الكلحراما...»((97)). المعاينة واليقين الشيخ حيدر حب اللّه
مدخل لتحديد نقطة البحث:
يدور البحث هنا حول مسالة ترتبط ارتباطا وثيقا باسس وقواعد
الشهادة القضائية وشروط وضرورات هذهالشهادة، لكن لا على
نطاق كلي وعام يدرس الشهادة على اختلاف مفرداتها
ومواردها وانما على خط محدد يتعلقبالشهادة على الزنا،
فحينما يشهد الشهود على الزنا نسال بالضبط على ماذا
يشهدون؟ وكيف يجب ان تكونطبيعة انكشاف المشهود لهم
هنا؟ هل لابد من اطلاعهم الحسي البصري المباشر على
عملية الزنا والتي تعنيفقهيا ما يسمى بالادخال ام يكفي
انكشاف هذه العملية بالنسبة لهم انكشافا تاما يقينيا واضحا ولو
لم يكن الامرعلى الشاكلة التي تقدمت؟...
وبعبارة اخرى هناك اربع نقاط للبحث في هذه المسالة هي:
1 هل يعتبر في الشهادة على الزنا كون الشهادة على خصوص
الادخال والاخراج او انه تكفي الشهادة علىملازمات ومقدمات
هذا الامر كالشهادة على كونهما عاريين او ما شابه ذلك؟
بمعنى ما هو موضوع الشهادة هلهو كونهما عاريين او على
فراش واحد او في بيت واحد او ان الموضوع هو الادخال؟
2 هل يعتبر في الشهادة العلم واليقين ام انه يكفي الظن وما
كان من قبيله؟
3 اذا اشترطنا العلم هل يلزم ان يكون حاصلا عن طريق
الرؤية بحيث لا عبرة بالعلم الناشى من الحواس
الاخرىكاللمس او العلم الحاصل من الحدس والتحليل؟ وهل
يشترط في هذه الرؤية ان تكون مباشرة للادخال بحيث لايكون
محط النظر شيء فيما متعلق اليقين الناتج عن هذا النظر شيء
آخر وهو الادخال؟
4 هل يشترط في الشهادة النصوصية والصراحة بحيث يلزم
كون عبارة الشاهد نصا صريحا في الزنا ام انهيكفي الظهور
العرفي لهذه العبارة في افادة معنى الزنا الذي هو الادخال؟
والذي يبدو كما اشار اليه بعض الفقهاء المعاصرين ((98)) انه
قد حصل نوع من الخلط والتداخل بين هذه النقاطالاربع في
المباحث الفقهية هنا، وتجنبا لهذا التداخل المخل بحركة
ونظم البحث نفترض هنا على صعيد النقطةالاولى ان الشهادة
لابد ان تكون على الادخال والاخراج لان ذلك هو الزنا بحسب
التعريف الفقهي له لا على مقدماتومصاحبات هذا الفعل، كما
نفترض على صعيد النقطة الثانية كما هو الموقف المعروف
فقهيا في كتاب الشهادات شرطية العلم في الشهادة وعدم
اجزاء الظن ونحوه، وهكذا نغض الطرف ونبني على لزوم
الصراحة في شهادةالشاهد على صعيد النقطة الرابعة، وانما
نفرض هذه الاحتمالات لا نقيضها حتى نحاول الحد من تاثير
مواقففقهية في بعض هذه النقاط على النقطة مورد بحثنا
والتي هي النقطة الثالثة بحسب عرضنا المتقدم وذلك
تحسبالكافة الاحتمالات، فاذا بني مثلا على كفاية الشهادة على
المقدمات فان هذا يترك تاثيره في مسالتنا حيث تصبحرؤية
وضعية الفاعلين كافية في الحد.
فالمسالة التي يبحث عنها هنا هي هل يشترط في الشهادة على
الزنا رؤية نفس الادخال والاخراج او انه يمكنالشهادة عليهما
وبالتالي على الزنا بواسطة رؤية او احساس امر آخر يجعل
الشاهد على يقين بحصولالادخال؟
المواقف الفقهية:
بالرغم من حصول شيء من التشويش في فهم كلمات الفقهاء
المسلمين في هذه المسالة نظرا لعدم وضوح الكثيرمن
العبارات في تحديد ما تقصده سيما وان الكتب الفقهية القديمة
كان يغلب فيها الاختصار بحيث يكتفي الفقهاءبتعبير مصغر قد
لا يوحي ببساطة بكامل المطلوب هنا... فهل يقصد من
اشتراطه الشهادة على انه كان كالميل فيالمكحلة حسب
التعبير الفقهي المتداول انه لابد من الرؤية البصرية المباشرة
لذلك او يقصد ان ما يشهد عليه هوذلك ولو راى ما يفيده
القطع به لا هو بعينه؟ بالرغم من هذا التشوش غير ان الذي
يبدو هو وجود ثلاثة مواقففقهية في هذه المسالة هي:
الموقف الاول: وهو الموقف الذي يذهب الى اشتراط الرؤية
البصرية المباشرة لنفس الادخال والاخراج او للادخالفقط او
للدخول، وقد ايد هذا الموقف جماعة من الفقهاء
المسلمين((99))، بل نص السيد الخوانساري في
جامعالمدارك على انه هو المعروف((100))، ونص بعض الفقهاء
المعاصرين على ان ظاهر الفقهاء الاجماع عليه، بل لااشكال ولا
خلاف فيه((101))، وقد صرح عبدالرحمن الجزيري باتفاق
الفقهاء من المذاهب الاربعة على شرطيةالمعاينة((102)).
الموقف الثاني: وفي مقابل الموقف الاول تبرز وجهة نظر تقول
بان النقطة الجوهرية في مسالة الشهادة على الزناومصداقيتها
القضائية هو العلم الجزمي الذي يحصل للشاهد بفعل اطلاعه
على ما يشهد عليه ولو من غير طريقالاطلاع البصري المباشر
على عملية الادخال، فهذا الوضوح الذي يملكه الشاهد نتيجة
ذلك هو الذي يمنح القيمةلشهادته هذه((103)).
غير ان هذا الوضوح لابد الا يكون ناشئا من عمليات تحليل او
محاسبات ذهنية صرفة بل لابد ان ينبثق عن هذاالاطلاع
الحضوري لدى الشاهد، بمعنى ان الشاهد يستبطن في
شخصيته القانونية واللغوية حضوره لما يشهدعليه، لا يقينه به
حتى لو لم يحضره، وهذا الاستثناء يمكن استنتاجه من مطاوي
المناقشات المبرزة من قبلاصحاب هذا الموقف، فهم يقرون
بخصوصية الحضور في الشاهد وهو ما يعني استبعادهم القول
بحجيةالشهادة التي حصل فيها الشاهد على يقين تحليلي
تاملي.
والمسالة الاضافية في هذا الموقف والتي تميزه عن الموقف
الاول هو فيما يمنحه للشاهد من حرية في الحركة فيمجال
الوسائل التي تمنحه اليقين النهائي بما يشهد عليه، فهو لا
يحصر الوسيلة بحاسة البصر كما لا يحصرالبصر بالمعاينة لنفس
الادخال.
الموقف الثالث: وهو الموقف القائل بالتفصيل بين الحدود، فحد
الجلد لا تشترط فيه المعاينة فيما حد الرجميشترط فيه ذلك،
وقد نسب هذا القول الى الشيخ الطوسي((104))، كما يظهر
من العلامة المجلسي الميل اليهايضا((105)).
وبين هذه المواقف الثلاثة يلاحظ عدم تعرض من جانب العديد
من الفقهاء لهذا البحث اما لانهم لم يتعرضوا لهذاالفصل
اصلا((106)) او لتعرضهم له دون الاشارة الى موقف في
خصوص مسالتنا هنا((107)).
وعلى اية حال سوف يحاول هنا ملاحظة الوجوه والادلة التي
اعتمد عليها الاطراف لتدعيم مواقفهم.
ادلة الموقف الاول((108)):
واهم ما سجل كادلة على هذا الراي امور:
الاول: الاخذ بقاعدة «الحدود تدرا بالشبهات»، وذلك بتقريب
ان المورد من موارد الشبهة حيث يشتبه الامر لدىقيام الشهود
بالشهادة مع عدم رؤيتهم المباشرة للادخال ومعه فتطبق هذه
القاعدة الفقهية ويدرء بذلك الحد، وهذاما ينتج اختصاص اجراء
الحدبصورة الشهادة البصرية عن معاينة.
قاعدة الحدود تدرا بالشبهات:
ولتحقيق الحال هنا لابد من دراسة هذه القاعدة بعيدا عن
علاقاتها وتطبيقاتها ومواردها، فالذي يبدو ان هذهالقاعدة مما
اخذ به كاف ة المسلمين عدا المذهب الظاهري((109))، ومن
هنا فقد ادعي قيام الاجماععليها((110)) وعلى حد تعبير بعض
الفقهاء ان هذه القاعدة مما ارسل ارسال المسلمات واستدل بها
لاعليها((111))، لكن المسالة في هذه القاعدة تكمن في
تفسيرها اولا وبيان مدركها ثانيا.
تفسير القاعدة:
يمكن بيان مجموعة تفسيرات لهذه القاعدة هي:
1 ما ذكره البعض وهو ما يمثل المقدار المتيقن من القاعدة
حسب تتبع الكتب الفقهية التي ذكرت مجموعةكبيرةمن
النماذج التي تصب في صالح هذا المقدار من ان القاعدة تعني
«عدم اقامة الحد على العمل الذي يقعاشتباها، فالمراد من
الشبهة هنا هو تحقق العمل الذي عليه الحد مع الجهل
بالموضوع او الحكم كما هو الحال فيالوطء عن
شبهة...»((112)).
وهذا التفسير للقاعدة يحصر مدلولها بالشبهة من طرف المتهم
بالزنا نفسه، ويدرء بها عن القاضي او الشهود اوغيرهم، فالفاعل
اذا قام بالعمل الذي تترتب عليه عقوبة معينة، لكن اتيانه بهذا
العمل كان عن شبهة حكمية اوموضوعية لم يترتب عليه الحد،
وهذا التفسير للشبهة هو كما يراه البعض نفس «ما يسمى اليوم
في عرف القانونالوضعي بظروف التخفيف وان كانت الشبهة
اقوى لانظروف التخفيف لا تمنع العقاب ولكنها تجعله خفيفا
علىالجاني» بخلاف الشبهة التي قد ترفع العقاب من
اساسه((113)).
وهذا المقدار من التفسير تدعمه بعيدا عن ادلة القاعدة
المشهورة الاصول المقررة دينيا سواء على صعيد علمالكلام او
اصول الفقه او التحديدات العامة للجرائم في الفقه نفسه حيث
اخذت العمدية المختزنة للعلم في تعريفالزنا المعاقب عليه.
2 ان تعني القاعدة طرو الشبهة من طرف القاضي نفسه،
بمعنى ان هذا القاضي مطالب بتحصيل كافة الشروطالماخوذة
في عملية اصدار الحكم، وهذا ما يتطلب منه الفراغ عن مرحلة
التحديد حكميا فيستكمل الصورةالاجتهادية للمسالة مورد
البحث وفق القواعد المقررة عنده لاستنباط الاحكام فلو شك
في لزوم شاهد خامس فيالزنا لا يحق له اصدار الحكم على
اساس اربعة شهود ما لم يفرغ عن الدراسة الاجتهادية للمسالة،
لكن الشبهة هنابهذا المعنى يفترض بها ان تزول بعد فراغ
المجتهد عن التحقيق بالتمسك بامارة او اصل او مع القطع
بحكم ما لافرق في ذلك، هذا على صعيد الشبهة الحكمية.
اما على صعيد الشبهة الموضوعية فالامر كذلك فلو لم يحرز
الحاكم عدالة الشهود مثلا درء الحد عن الجاني حتىتقوم ادلة
حجة ومعتبرة على عدالتهم، وهذا المقدار من التفسير
تستدعيه ايضا الادلة العامة في الفقه واصولهفمقتضى هذه
الادلة العمل عن بينةاجتهادية وتحديد مفردات القضية خارجا
وهذا مما لا يظن ان فيه خلافا بينالفقهاء.
3 ان تعني القاعدة ايضا عروض الشبهة من طرف القاضي
نفسه، لكن بمعنى الشبهة الواقعية اي اشتباه الواقع،وهذا معناه
حكما او موضوعا ان ما يزيل القاعدة المذكورة ليس سوى
انكشاف الواقع للحاكم انكشافا قطعيا، فلوانكشف انكشافا ظنيا
ولو بدليل معتبر لم يكف، ونتيجة ذلك حصول نوع من
المعارضة بين الامارات والنصوصالواردة في القضاء وبين هذه
القاعدة فالامارات تقول مثلا بان الظهور العرفي في شهادة
الشاهد كاف، لكن مفادهذه القاعدة درء الحد في مورد الظهور
هذا اذا لم توجب الامارات القطع للحاكم.
والحال كذلك على صعيد الاصول العملية الجارية في باب
القضاء فقد يدعى بان ظاهر هذه القاعدة هو التقدم علىهذه
الاصول.
4 ان يكون المراد بالقاعدة حصول الشبهة لدى القاضي
والجاني اما على نحو المجموعية كما هو ابعد
احتمالاتالتفسير لها او على نحو الجميعية بمعنى كفاية طرو
الشبهة بالنسبة لاحدهما، وهذا الاحتمال سوف
يشملحينئذالتفسيرات الثلاثة المتقدمة.
وتطبيقا للقاعدة في المورد هنا يلاحظ ان التفسير الاول لا
علاقة له بالبحث هنا ذلك اننا نفترض وقوع الفعل منالزاني
عالما عامدا حكما وموضوعا، اما التفسير الثاني فهو الاخر غير
شامل ، ذلك ان المفترض عدم وجود شبهةموضوعية لدى
الحاكم، والشبهة الحكمية يفترض بعيدا عن الحيثيات الاخرى
التي فرغ منها الفقيه سلفا اننابصدد البحث عن حل لها فاذا
لم نتوصل الى حجة شرعية معينة تحل المشكلة جرت القاعدة
والا فلا.
اما التفسير الثالث فهو مورد الكلام لانه شامل لمسالتنا حيث
يفترض ان لدينا شبهة واقعية اذ لا دليل قطعي علىراي من
الاراء ولو تسنى لفقيه تحصيل اليقين بالواقع الحكمي
والموضوعي لبطل مورد القاعدة هنا. وبهذا يتضححال التفسير
الرابع فيما يتصل بمسالتنا.
مدرك القاعدة:
وقد ذكرت وجوه عديدة لاثبات هذه القاعدة كما اختلفت
الاقوال بين من اعتبرها نصية وبين من خرجها علىاساس آخر
هي:
1 وهو الاساس فيها، وهو الحديث النبوي المعروف: «ادرؤا
الحدود بالشبهات» ((114)) ، فانه يدل على انعروض الشبهة
يوجب درء الحد مطلقا، وما نحن فيه من هذا القبيل.
لكن هذا الحديث قابل للمناقشة:
اولا: بالضعف السندي فيه كما ذكره اكثر من واحد((115))، اما
من طرق الشيعة فلم ترد الرواية الا في فقيهومقنع الصدوق
وفي كتاب دعائم الاسلام لكنها في الجميع مرسلة، فان بني
على حجية مراسيل الصدوق سيماالمصدر منها ب «قال» تثبت
هذه الرواية، والا كما هو الاظهر وفاقا للسيد الخوئي((116))
سقطت الرواية عنالحجية.
وربما يناقش ان هذا الحديث مشتهر بين الفقهاء كافة وقد
تلقوه بالقبول((117))، بل هو مما اخذت به
القوانينالوضعية((118))، بل انه مما تواتر لدى
الفريقين((119))، بل ان كثرة طرقه ونقله بروايات كثيرة
عنالنبي(ص) يؤكدان صحة نسبته الى النبي(ص)((120))،
والذي يشهد على الاعتراف به لدى الفقهاء ورود تعبيردرء
الحدود بالشبهات في موارد كثيرة جدا من كلماتهم، وهذا
التعبير لا مرجع آخر له سوى هذا النبوي فانتشابه التعبير
يمثل شاهدا واضحا على نفوذ هذا النبوي في المباحث الفقهية،
ومثل هذه الشهرة كافية لمنحالحديث الاعتبار.
ويمكن الجواب عن هذه المناقشة بان اشتهار القاعدة لا يعني
الاعتراف بهذا النبوي، ذلك ان هذه القاعدة ممكنةالتفسير من
دون هذا النص، والفقهاء حينما استعملوا هذا التعبير اوردوه في
موارد وطء الشبهة وامثاله كما تشهدبذلك موارد الاستعمال
الكثيرة له عندهم مما يلحظ بوضوح لدى تتبع كلماتهم، وهذه
الموارد قامت الادلة المختلفةعلى درء الحد فيها بعيدا عن
النبوي فمن غير المعلوم استنادهم اليه فيها واما استخدام
التعبير نفسه فلا يوجد مايمنع من تفعيل الفقهاء لهذا التعبير
نظرا لدقته واختصاره في التوظيف في موارد حصل القبول
بالدرء فيها منادلة اخرى.
واما من طرق اهل السنة فهو حديث مرفوع وموقوف كما ذكره
بعض الباحثين((121))، ولا تشفع فيه المحاولاتالمتقدمة
للتصحيح لنفس الاسباب، كما لا ينفع ما ذكره البعض من انه
ولو كان ضعيفا سندا بيد انه تام متناوموافق للعقل((122)) فان
هذا لو تم كفت فيه الادلة الاخرى التي اتمته ولم نعد بحاجة
الى هذا الدليل والا فمجردكونه موافقا للاعتبار لا يعني الاخذ
بمضمونه بلا دليل مستقل.
والمتحصل ان هذا النبوي ضعيف بالارسال.
نعم اذا فسرنا الشبهة بما فسرت به في مباحث البراءة من علم
الاصول كما فعله السبزواري في المهذب كفت ادلةالبراءة
هناك على هذا المعنى للشبهة((123)) الذي لا يتجاوز
التفسيرين الاولين حتما، وصار البحث عن السندهنا امرا لغوا.
ثانيا: ما ذكره بعض الفقهاء من ان الحديث مخصوص ظاهرا
بالشبهة لدى الفاعل لا الحاكم، ذلك ان ظاهر
الحديثالتاسيس لامر جديد، واذا كان المراد الشبهة لدى
الحاكم فقد الحديث تاسيسيته، ذلك انه لم يقل احد من
المسلمينانه مع قيام البينة الشرعية يمنع الحاكم من اجراء
الحد، كما ان عدم اقامته الحد عند عدم الدليل الشرعي مما
لايحتاج الى نص تاسيسي لوضوحه، والمتحصل ان ظهور
الحديث في التاسيس مانع عن شموله للحاكم فيكونمختصا
بالفاعل كوطء الشبهة((124)).
لكن هذه المناقشة قابلة للجواب:
ا بالنقض، اذ المسالة على نفس المنوال من طرف الفاعل،
افهل يناقش احد من المسلمين في عدم ثبوت عقوبةعلى
الوطء شبهة؟ الا تقرر ذلك ادلتهم الكلامية والاصولية بعيدا
عن هذا النص؟ والا تستدعيه الطبيعة الانسانيةالعقلائية
الحاكمة في مثل هذه الموارد؟ فاذا كانت التاسيسية غير
واضحة في مورد الحاكم فلا جزم بانها اقلوضوحا في موارد
الفاعل.
ب بالحل، فلو حافظنا على ظهور الحديث في التاسيسية، فلا
يوجد ما يمنع من شموله للحاكم، ذلك ان هذاالحديث نبوي
اي في بدايات تكون المنظومة الحقوقية والمفاهيمية الدينية
وبالتالي فلا يمكن مقايسة الوعي العامالحقوقي عند المسلمين
اليوم بما هو في بدايات زمن الرسالة، ولعل الرواية صدرت في
بدايات الهجرة النبويةحيث لم يكن المسلمون على دراية
بالاحكام القانونية الاسلامية، وصدور مثل هذا الحديث للتنبيه
على ضرورةتحصيل القاضي للثبوت الشرعي فيما يحكم به في
مثل هذا الجو مما لا غرابة فيه ولا منافاة للتاسيس، بل
حتىخبر المقنع المنقول عن امير المؤمنين(ع) لا بعد في
صدوره على هذا النحو بعد ان كانت الكثير من النصوص
التياتت في زمن الائمة(ع) على هذه الشاكلة بحسب اختلاف
موضوعاتها ووعي المسلمين لها.
ثالثا: ان هذا الحديث يدل على ابعد تقدير على التفسير الاول
والثاني المتقدمين للقاعدة وهما كما تقدم مما لا يبدوانه
يناقش فيهما احد((125))، اما التفسير الثالث فهو غير محتمل
اذ لازمه تعطيل الحدود كافة ونقد غرضالشارع من وراء مئات
النصوص التي اطلقها حول الحدود بمختلف انواعها، اذ لا يخلو
مورد من شبهة بهذا المعنىفاذا اريد درء الحد حتى في هذه
الموارد لما كان هناك معنى لتشريع باب الحدود.
نعم يمكن القبول بالتفسير الثالث للحديث فيما اذا كان مدرك
الفقيه في مورد ما اصلا عمليا كالاستصحاب، فانظاهر النبوي
بناء على التفسير الثالث او ما يشمله كالرابع التقدم على هذا
الاصل، ذلك ان مورد النبوي اخص منمورد الاصول العامة
العملية فلا يبعد تقديمه عليها عرفا، فلو احرز الحاكم محكومية
شخص ما بعقوبة الجلد لكنهشك في اجراء الحد عليه عمليا لا
يمكنه استصحاب عدم الاجراء لترتيب الحد لان النبوي مقدم
عليه هنا عرفا، امانكتة هذا التقديم العرفي فلها محل آخر.
2 ما دل على درء الحد عن المسلم قدر المستطاع واشباه
ذلك وما دل على عدم الرجم مع الظن بلا بينة وهي:
ا خبر ابن عباس ان رسول اللّه(ص) لاعن بين العجلاني
وامراته، فقال شداد بن الهاد هي المراة التي قال
رسولاللّه(ص): «لو كنت راجما احدا بغير بينة لرجمتها؟ فقال:
لا، تلك امراة كانت قد اعلنت في الاسلام»((126)).
ب وعن ابن عباس ايضا قال: قال رسول اللّه(ص): «لو كنت
راجما احدا بغير بينة لرجمت فلانة، فقد ظهر منهاالريبة في
منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها»((217)).
ج ما عن ابي هريرة قال: قال رسول اللّه(ص): «ادفعوا الحدود
ما وجدتم لها مدفعا»((218)).
د ما عن عائشة قالت: قال رسول اللّه(ص): «ادرؤوا الحدود
عن المسلمين ما استطعتم، فان كان له مخرج فخلواسبيله،
فان الامام ان يخطى في العفو خير من ان يخطى في
العقوبة»((129)).
فظاهر هذه الروايات كما استدل به بعض((130)) هو السعي
للتوقف في اجراء الحد قدر المستطاع وما امكنالتماس المخرج
والعذر للجاني وهو ما يفيد مؤدى القاعدة ويمثل تطبيقات
عملية لها، ويشمل بالتالي ما نحنفيه.
والجواب اولا: ان الروايتين الثالثة والرابعة ضعيفتان من
الناحية السندية حتى وفق القواعد السندية المقررة لدىاهل
السنة كما ذكره الشوكاني وغيره((131))، نعم صحح الشوكاني
الرواية الاخيرة لكن موقوفة غير متصلةبالنبي(ص) وهو ما
سياتي الحديث عنه لاحقا.
ثانيا: ان الخبرين الاولين لا يدلان على ازيد من التفسير الثاني
المتقدم للقاعدة وقد سبق ان قلنا بان هذا التفسيرتقتضيه
الادلة العامة فقها واصولا.
ثالثا: ان الخبرين الاخيرين لا يفيدان ما يزيد عن النبوي
المتقدم اذ المفروض ان المراد بما استطعتم
الاستطاعةالمبررة شرعا وفق القواعد المقررة لا الاستطاعة
التكوينية، اذ لازم الاخيرة تعطيل الحدود وسدها بالكلية،
وليسلازما لها فحسب بل تكون الرواية دالة على ذلك وهو غير
محتمل، والظاهر من هاتين الروايتين انعلى الفقيهالبحث في
مخارج يمكن ان ترفع حجية الادلة وتسقط اعتبارها اما مع
اكتمال الاثبات الشرعي والقانوني فلا معنىلهذه الروايات
حينئذ لانها تفترض التعليق على وجود المدفع والمخرج
والمفروض عدمه.
3 مجموعة النصوص الواردة عن الصحابة مما يفيد هذا
المدعى سواء على مستوى القول او الفعل نحو ما وردعن ابن
مسعود انه قال: «ادرؤا الحدود بالشبهة»، وما روي عن عمر بن
الخطاب وعثمان بن عف ان من انهما عذراجارية زنت وهي
اعجمية، وادعت انها لم تعلم التحريم، وغيرها من
الروايات((132)).
بيد ان هذه الروايات لا تمثل بنفسها حجة شرعية ما دامت لم
تصدر عن صاحب الشرع نفسه، بيد انه يمكن انيدعى بان كثرة
هذه النصوص والافعال الصادرة عن المتشرعة يمكنها ان
تشكل كاشفا عن الموقف الشرعي،ولكن ذلك اذا تم لا يفيد
ازيد من التفسيرين الاولين للقاعدة كما يلاحظ من الروايات
نفسها بوضوح.
4 اصالة الاحتياط اما المطلقة او في الاموال والدماء
والفروج((133))، والتي استوحاها الفقهاء من
نسيجمترابطسيال في المصادر الدينية القانونية والاخلاقية،
ولعل هذه الاصالة هي المل الحقيقي لقاعدة الدرء فيكلماتهم.
والملاحظة التى يمكن تسجيلها على هذه الاصالة هي انه من
غير المفترض ان تكون مرجعا للفقيه في استنباطالاحكام
وتبيين الحدود والامتدادات لها كما هو المقرر في مباحث
البراءة من علم اصول الفقه، اذ لا يفهم منهابمعونة ما ذكروه
في الاصول نحو حكومة على الادلة الاولية الثابتة عند الفقيه،
وهذا معناه ان هذه الاصالة تمثلمرجعا ميدانيا اجرائيا للفقيه،
بمعنى ان القاضي مطالب ببذل جهود اضافية للتدقيق في
الادلة والشواهد والبيناتوالاقرارات والايمان، وملاحقة
تفاصيل الحادثة واجراء تحقيق شامل في مفرداتها وعدم
التورط في الاستعجالفي اصدار الاحكام قبل قراءة مختلف
الحيثيات نظرا لخطورة الحكم الذي سوف يصدره... ولا
يحتمل في هذهالاصالة التقدم حتى على الادلة والامارات التي
ثبتت حجيتها كما هو معروف اصوليا.
نعم بالنسبة الى اصالة الاحتياط في الدماء يمكن القول اذا
ثبتت بدليل معتبر واضح ومستقل بتقدمها علىالاصول
العملية لا الامارات، اذ من المحتمل ان يكون لها نظر الى مثل
ذلك، وتفصيل الكلام موكول الىمحله((134)).
5 ما ذكره بعض الباحثين((135)) من امكانية اكتشاف هذه
القاعدة عن طريق تجميع موارد تلتقي فيها من قبيلما
دلعلى لزوم صراحة الشهادة ودقتها((136)) وما دل على
ثبوت الخيار للشهود في الشهادة او التستر ومانص على ترجيح
التوبة على الاقرار((137))، وكذلك ما ورد في قصة اقرار ماعز
بن مالك والمراةالغامدية((138)) بتقريب ان تلك كانت
محاولة من النبي(ص) لعدله عن الاقرار فاذا عدل تصبح
محاكمته مورداللشبهة فيسقط الحد لذلك((139)).
ويمكن تطوير صياغة هذا الوجه من خلال افتراض ابتناء الحدود
على التخفيف كما نص عليه بعضالفقهاء((140))، وتكون هذه
الشواهد المتقدمة دالة على مبدا التخفيف هذا الذي يمكنه ان
يشكل مدركا لقاعدةالدرء ولمسالة الشهادة على الزنا ايضا.
بيد ان هذا الوجه لا يوجد ما يعززه بشكل قواعدي، اذ يستفاد
من جملة موارد التشدد في مسالة الحدود من قبيلالنهي عن
التاخير في اقامة الحد وانه لا نظر ساعة في الحد((141)) وانه
لا كفالة ولا شفاعة في الحد((142)) بلحد الشهود للفرية
وردت فيه صور تبدي بوضوح درجة التشدد ضد ظاهرة القذف
، وهذا ما قد يشكلمانعا عن التمسك بمبدا قواعدي((143))
بعنوان التخفيف في الحدود، اما الشواهد التي ذكرت سيما
قصة اقرار ماعزوالغامدية فلا تفيد هذا المبدا، ذلك انها تريد
التاكيد على مبدا الوضوح في الحكم ومفرداته ومبرراته،
فقصةالاقرار قابلةللتفسير على اساس امكانية عدم وضوح
الامور للمتشرعة في الصدر الاول بحيث لم يكن الزناوحدوده
واضحين فيكون التاكيد والملاحقة لاجل تاكد الحاكم من
حيثيات القضية ودفع اي احتمال مشوشلحكمه، وكذلك
الحال في مسالة ترجيح التوبة وامثالها فان هناك فرقا بين عدم
رغبة الشارع في ايقاع الحد علىالزاني كمبدا وبين حكمه بلزوم
التشدد فيه بعد وصوله الى الحاكم، فوظيفة الزاني او الشهود
مختلفة عن وظيفةالحاكم ولا ينبغي الخلط بين الوظيفتين.
وبهذا ظهر ان فكرة التخفيف في الحدود لا تعني انسجاما مع
وظائف الحاكم المقررة بالادلة الاخرى ازيد ممايفيده
التفسيران الاولان لقاعدة الدرء.
6 التمسك بالاجماع((144))، حيث كانت هذه القاعدة كما
تقدم موردا للاتفاق بين الفقهاء عداالظاهري.
والجواب: ان هذا الاجماع مطمئن بمدركيته فليس بحجة، هذا
مضافا الى ان معقده غير واضح فمن غير المعلوم انهانعقد على
ازيد من التفسير الاول والثاني للقاعدة كما يلاحظه من يتتبع
موارد استعمال الفقهاء لها، وقد تقدم انهمالا ينفعان هنا بل لا
يحتاجان الى دليل الاجماع نفسه.
وبهذا يتبين ان اقصى ما هو ثابت من قاعدة الدرء هو هذان
التفسيران وهما لا يدلان كما اتضح على شرطيةالمعاينة هنا.
المذهب الظاهري وقاعدة الدرء:
تقدم ان المذهب الظاهري يرفض قاعدة درء الحدود بالشبهات
كما شرحه ابن حزم نفسه في المحلى، فقد ناقشابن حزم ادلة
المثبتين للقاعدة من الروايات والنصوص بضعف سندها
بالارسال او الوقوف على الصحابة، ومنهنا رفض القاعدة تمسكا
بقوله تعالى: (تلك حدود اللّه فلا تعتدوها) (البقرة:
229) .
((145))
والذي يبدو ان ابن حزم قد وافق من خلال كلامه على
التفسيرين الاولين لقاعدة الدرء، وكان يصب مناقشاته علىما
هو ازيد منهما بحجة ان فيه تعديا على حدود اللّه وتعطيلا
للحدود الشرعية، وهو ما يبرر ما ذكره البعض منتطبيق ابن
حزم القاعدة بمعنى الشبهة من طرف الفاعل في الكثير من
الموارد الفقهية في كتبهومذهبه((146)).
وقد تبين مما تقدم ما يوافق هذه المقولة وان الصحيح عدم
ثبوت ازيد من هذا المقدار من القاعدة ويغلب علىالظنان
فقهاء الامامية سيما المتقدمين منهم كانوا على هذا الراي ايضا.
الثاني: من وجوه الموقف الاو ل التمسك بالخط العريض في
اصل الشهادة وهو كونها عن حس كما هو ثابتومقرر في بحث
الشهادات عندهم، وحيث اننا نتحدث حول الشهادة والمفترض
ان الزنا كما عرفوه في بداياتبحث حد الزاني ((147)) هو
عملية الادخال فالشهادة عليه شهادة على نفس الادخال،
وحيث يعتبر الحس فيالشهادة، والحس في مثل هذه الامور
هو الحس البصري فلا بد ان يكون الشاهد مشاهدا ببصره لنفس
عمليةالادخال، وبذلك يتم هذا الشرط((148)).
وقد تعرض هذا الوجه بعد تجاوز المبنى الذي يذهب الى كفاية
مطلق العلم في باب الشهادات بدون حاجة الىالسماع او
المعاينة كما ذهب اليه البعض((149)) لمناقشتين هما:
المناقشة الاولى: ما ذكره بعض الفقهاء من ان هذه القاعدة لا
اشكال فيها وانما الكلام في استدعائها ما ذكرهاصحاب الموقف
الاول، سلمنا ان الشهادة من الشهود وهو الحضور، وانه اخذ
فيها الابصار او السماع او نحوه منالحواس، وسلمنا ان ما نحن
فيه يتطلب الشهادة عن حس... الا ان دعوى انه لابد ان تكون
هناك رؤية مباشرةلعملية الايلاج نفسها غير واضحة، اذ ان
لازمه سد باب الشهادة على الزنا الا نادرا، اذ من اين يجتمع
اربعةشهودعدول ويرون نفس الدخول بهذه الوضعية؟! مع ان
التاريخ الاسلامي كثيرا ما يخبرنا عن حالات اقامةالشهادة على
الزنا ومن ثم الحد زمن الرسالة او بعده، مما يشكل شاهدا على
عدم اخذ مثل هذه القيود في الشهادةعلى الزنا والا لما كان
هناك مبرر لكل هذه النقولات التاريخية((150)).
وهذه المناقشة يمكن ان نحللها الى نقطتين:
ا ان لازم مقولة الموقف الاول سد باب الشهادة على الزنا.
لكن الاستفهام الذي يمكن اثارته هنا هو هل هناك ما يدل على
رغبة عند الشارع في كثرة الحدود الحاصلة علىالزنا خارجا؟ الا
يمكن افتراض ان رفع عدد الشهود في الزنا الى اربعة بخلاف
غيره بما في ذلك القتل شاهد معززلاحتمال عزوف المشرع
عن كثرة ايقاع هذا النوع من الحد في الخارج؟ الا يفسر حث
الشارع الزاني على التوبةوعدم تقديم نفسه للمحاكمة من
خلال الاقرار على اساس عدم تشدده في وقوع العقوبة على
الزنا لا بمعنى رغبتهفي تساهل الحاكم بل عدم ايصال النوبة
اليه؟ ان هذه الشواهد وامثالها وان كنا لا نجزم بدلالتها على ما
نقوله لكنهاتشكل عائقا لصحة القول الوارد في المناقشة
خصوصا وانه لا دليل عليه بنفسه.
وبعبارة موجزة ان اقصى ما يفيده هذا الوجه هو تحجيم
الشهادة على الزنا تحجيما كبيرا وهو ما لا دليل على المنععنه
فضلا عن استلزامه تحجيم اجراء الحد نفسه، بل على حد تعبير
بعض الفقهاء من الممكن ان يكون غرضالشارع متعلقا بعدم
ثبوت هذه المعصية الكبيرة في الخارج((151)) انسجاما مع
مبدا تشريعي في باب العقوباتيقضي باخفاء الجرم وعدم
كشفه.
بل يمكن النقاش حتى في درجة التحجيم المفترضة بناء على
اخذ الشرطية، ذلك ان الشواهد الميدانية تفيد باننسب اثبات
الزنا من خلال الاقرار الناجم عن التحقيق القضائي هي نسب
جيدة وكثيرة والاقرار ليس مختصابالصورة الاختيارية العفوية
التي يقوم بها المقر دون اي معلومات مسبقة عنه كما هو
الحاصل في بعضالنصوص كقضية ماعز بن مالك بل يمكن ان
يحصل كثيرا عقيب التحقيقات القضائية والامنية وهو ما له
حيزكبيرفي النشاط القضائي المعاصر((152)).
ب ان الشواهد التاريخية تفند مثل هذه الشرطية.
لكن الكثرة المفترضة في المناقشة غير واضحة، فالعديد من
النصوص التي تحدثت عن اقامة الحد خارجا كانتتحكي عن
الاقرار وسيلة للاثبات القضائي كما فى قصة ماعز بن مالك،
وبعضها كانت القرائن هي التي تثيرالقضية كحصول الحمل
لدى المراة او خروج الولد على غير شبه امه وابيه وما شابه
ذلك، على ان مجموعةحوادث على امتداد بضعة عشرات من
السنين لا تمثل شاهدا على الكثرة المدعاة المثيرة للاستفهام
هنا سيما وانوسائل التخفي لم تكن بقوة ما هو موجود فعلا.
والانصاف ان مجرد المرور السريع على المنقولات التاريخية لا
يبرر لنا رفع اليد عن هذه الشرطية اذا ما دل عليهاالدليل سيما
وانه من غير المعلوم صدق كافة الشهادات المنقولة لا صدقا
تاريخيا ولا صدقا في الشهادةنفسها.
المناقشة الثانية: ما ذكره السيد الخوئي(قده) وغيره من ان
الشهادة على الزنا يمكن ان يصدق عليها انهاحسيةوبالمشاهدة
بلا حاجة الى اشتراط المعاينة المباشرة، اذ ان رؤية المقدمات
الملازمة للادخال خارجا توجبصدق الرؤية لما يشهد عليه
عرفا، وهذا المقدار كاف في الشهادة ولا دليل على ما هو ازيد
منه((153))، بل ان مايفهمه العرف هنا هو مرجعية الحس وهو
ما يحصل بتحكيم اي حاسة من الحواس ايضا ولو حاسة السمع
التي قدتفيد اليقين من خلال الصوت الخاص((154)).
وهذا الكلام منه(قده) منسجم والقاعدة في باب الشهادات،
لان المدار في الشهادة هو العلم والحضور، اما انهذينالامرين
كيف يحصلان وعبر اى ة واسطة يتحققان فهذا ما لم يرد فيه
نص في كتاب الشهادات، فيمكن تحصيلذلك على وجه
القطع من خلال السمع او اللمس او... مما هو موكول الى النظر
العرفي والعقلائي العام، وفيما نحنفيه لا يتردد شخص في
نسبة رؤية الزنا من خلال رؤيته الكثير من الملازمات التي
توجب عرفا وعقلائيا اليقينالجازم به، وما دام العرف هو
الملاك في التحديد فيكفي هذا المقدار فيه.
الثالث: ما اشار اليه الشهيد الثاني من احتمال كلمة الزنا التي
ترد في شهادة الشهود لزنا العين واشباه ذلكفتعينها في مقام
الشهادة يستدعي ابراز موضح وهو التصريح بالمراد به وهو
الادخال فاذا لم يكن قد رآه فلامحالة لا يمكنه الشهادة
به((155)).
لكن هذا الوجه يقع في التداخل ما بين اشتراط المعاينة لنفس
الادخال مباشرة، واشتراط الصراحة والنصوصيةفي شهادة
الشاهد كما اشير اجمالا الى ذلك في مطلع هذا البحث فالاول
تقدم الكلام عنه في الوجه السابق اذ لا يزيدهذا الوجه عما قرر
هناك، واما الصراحة فلا باس بالالتزام بها على ابعد تقدير ما
دمنا نمنح الشاهد يقينه بالادخالفكيف لا يشهد عليه وقد رآه
عرفا؟!
الرابع: التمسك بالاولوية بتقريب ان الوارد في قصة اقرار ماعز
بن مالك وغيره هو التشدد في تحديد الزنا وجعلالمراد فيه
على نفس الدخول، فاذا كان التشدد بهذا الحجم في الاقرار
فبطريق اولى لابد منه في البينة، وهذا معناهانه لابد للشهود
من ان يوضحوا وبصراحة انهم راوه كالميل في المكحلة كما هو
الوارد في خبر ماعزنفسه((156)).
ويرد عليه ان المستفاد من مثل هذه النصوص هو ضرورة تاكد
الحاكم من عدم وجود خلل في فهم المقر لمفهومالزنا او لما
يعترف به، اي ان على الحاكم التنبيه لاحتمالات اقرار
المقروعدم العجلة بمجر د تلفظه بكلمة ما منالممكن انه لا
يعرف مضمونها الشرعي وتداعياتها، وهذا مطلبقابل للقبول
حتى في موردنا، وهو ما تشبعهفرضية ان الشهود على يقين
ودراية بما يقولون، وهو ما لا يدل على ازيد من الزامهم بتوضيح
مرادهم منالشهادة حتى يرتفع بذلك الاحتمال الاخر لدى
الحاكم.
واقصى ما تفيده هذه النصوص مضافا الى ما تقدم هو حث
الشارع المذنبين على عدم تقديم انفسهم الى ساحةالمحاكمة
والمحافظة على التكتم وعدم كشف ما ستره اللّه تعالى عليهم
كما يستفاد من ذيل بعضها وهذا لا علاقةله بوظيفة الحاكم
بعد ثبوت الدليل.
الخامس: التمسك بالنصوص الواردة في المقام والتي يظهر
منها اشتراط معاينة الشهود للدخول معاينةحسيةبصرية
مباشرة((157))، وهذه النصوص هي:
1 صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «حد الرجم ان
يشهد اربعة انهم راوه يدخل ويخرج»((158)).
2 خبر محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع) قال: قال امير
المؤمنين(ع): «لا يرجم رجل ولا امراة حتى يشهد عليهاربعة
شهود على الايلاج والاخراج»((159)).
3 خبر ابي بصير عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «لا يجب الرجم
حتى (يشهد الشهود الاربع) انهم قد راوهيجامعها»((160)).
4 خبره الاخر قال: قال ابو عبد اللّه(ع): «لا يرجم الرجل
والمراة حتى يشهد عليهما اربعة شهداء على الجماعوالايلاج
والادخال كالميل في المكحلة»((161)).
5 خبره الاخر ايضا قال: «حد الرجم في الزنا ان يشهد اربعة
انهم راوه يدخل ويخرج»((162)).
6 خبر محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع) قال: قال
اميرالمؤمنين(ع): «لا يجلد رجل ولا امراة حتى يشهد
عليهمااربعة شهود على الايلاج والاخراج...»((163)).
7 خبر ابي بصير عن ابي عبد اللّه(ع): «... ولا يجب الرجم حتى
تقوم البينة الاربعة بانه قد رؤي (راوه)يجامعها»((164)).
8 صحيحة حريز بن عبد اللّه عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «... ولا
تقبل شهادتهم حتى يقول اربعة: راينا مثل الميل
فيالمكحلة»((165)).
وظاهر هذه النصوص لزوم المعاينة المباشرة لنفس عملية
الادخال والاخراج، ومعه فتكون حاكمة على المبداالعام في
كتاب الشهادات والقاضي بكفاية مطلق العلم كما اشار له في
الجواهر((166))، وهذا معناه اخذ الرؤيةهنا على نحو
الموضوعية ولو لخصوصية المورد نظرا لبناء الحدود على
التخفيف وقاعدة الدرء((167)). لكنمجال المناقشة هنا وارد
ايضا وذلك:
اولا: لما تقدم واشار له السيد الخوئي(قده) ايضا من صدق
عنوان الشهادة على الزنا والادخال من خلال رؤيةالملازمات
القطعية عرفا، وهذا يعنى ان هذه الروايات لا تضيف على المبدا
المعمول به في كتاب الشهاداتخصوصية جديدة.
ثانيا: ان الوارد في خبري محمد بن قيس وخبر ابي بصير
[رقم: 4] هوالشهادة على الادخال لا رؤيتهنفسه((168))، وقد
تقدم ان الشهادة على الادخال تصح عرفا حتى مع عدم الرؤية
المباشرية بالبصر.
ثالثا: ان هذه الروايات لا تفيد لزوم رؤية الشهود لنفس عملية
الادخال، وذلك ان الوارد فيها هو رؤية الرجليجامعها او يدخل
ويخرج او رؤي يجامعها، وهذا كله غير رؤية نفس الدخول
والخروج فانه قد يصدق انه رؤييدخل ويخرج ولو لم تحصل
رؤية الدخول نفسه بالعين وانما رؤيت الملازمات القريبة
المفيدة للجزم عرفاوعقلائيا.
وبعبارة اشمل يمكن اعتبار النصوص على طائفتين:
ا الطائفة التي عبرت بالشهادة على الادخال، وقد تبين انها لا
تفيد شرطية المعاينة.
ب الطائفة التي عبرت برؤى يجامعها او يدخل او... وقد ظهر
انها تغاير رؤية نفس الدخول.
نعم تبقى صحيحة حريز حيث يظهر منها ان ما هو مثل الميل
في المكحلة نفس الخارج والداخل لا الرجل، الا اذا قلناكما
ذهب اليه البعض بان التعبير بالرؤية كناية عن لزوم اليقين
والدقة((169))، فتكون ماخوذة على نحوالطريقية لمطلق
العلم((170)).
رابعا: ما اشار اليه في جامع المدارك من ان اخذ المشاهدة
على هذا النحو شرطا في الشهادة يحتاج الى الورودبمقدار مهم
في الاخبار، ومع عدم ذلك على هذا النحو يستكشف عدم اخذه
شرطا((171)).
لكن هذا الامر غير واضح، فلو دلت هذه النصوص كانت كافية
كما هو المعتاد في موارد كثيرة اخرى اكتفى فيهابما يقرب من
عشرة روايات، نعم اذا كانت المسالة مثارا للجدل من الناحية
الذاتية او التاريخية كما سياتي عندالحديث عن مسالة النظر
الى عورة الزانيين امكن التمسك بمثل هذا المبنى لتقرير ما
افاده(قده).
خامسا: ان هذه النصوص تدل على المطلوب في الرجم لا
الجلد فلا يمكن الاخذ بها للحكم بالمعاينة مطلقا وفي كلانواع
الحدود على الزنا.
وهذه المناقشة هي في الحقيقة دعوى الموقف الثالث في
المسالة هنا، وسوف ياتي الحديث عن ادلة هذا الرايلاحقا.
السادس: التمسك بالاجماع المدعى في المقام كما
تقدم((172)).
لكن الجواب عن هذا الوجه صار واضحا بعد بيان المدارك
العديدة المحتملة للمسالة.
والمتحصل عدم ثبوت دليل على هذه الشرطية، نعم لعل اقوى
ما في الباب صحيحة حريز التي سوف ياتيكلامنهائي عنها.
ادلة الموقف الثاني:
ويمكن ان تذكر وجوه مدعمة للموقف الثاني هي:
الاول: الاخذ بصحيحة زرارة عن ابي جعفر(ع) قال: «اذا قال
الشاهد انه قد جلس منها مجلس الرجل من امراته اقيمعليه
الحد»((173)).
والظاهر من هذه الرواية انها تكتفي بمثل هذا المقدار في
الشهادة بلا حاجة الى معاينة نفس الادخال.
بيد ان هذا الوجه قابل للمناقشة:
اولا: انه لم يحك عن احد العمل به، وان نقل عن الشيخ
الطوسي احتماله بعد تخصيصه الحد بالجلد دون الرجم،ومع
اعراض المشهور عنه لا يصل الى رتبة الحجية كما افاده صاحب
الجواهر وغيره((174)).
وعدم عمل الفقهاء بهذه الرواية يمكن تفسيره على احد
شكلين:
1 بالشهادة الغامضة كما هو ظاهر الجواهر نفسه هنا، اذ
الجلوس مجلس الرجل من زوجته محتمل لغير الجماعومعه
فتكون الرواية مخالفة للمشهور.
|