والجواب: ان الظاهر من هذا التعبير سواء عبر به الشاهد نفسه او كان تعبيرا من الامام(ع) لبيان مضمون كلام‏الشاهد عرفا هو المقاربة والجماع، ولا يشمل مثل القبلة واللمس ونحوهما، فعندما يقال: جلس فلان من هذه‏المراة مجلس الرجل من امراته فان العرف يفهم من هذا التعبير سيما مع كلمة الجلوس انه واقعها لا انه قبلها اوغير ذلك، ومع هذا الظهور العرفي تكون الشهادة غير غامضة فلا تكون الرواية مخالفة للمشهور، بل حتى لواعترفنا بعدم شاهد على دلالة هذا النص على الجماع فان الحكم بثبوت الحد سيما مع نفي الاحتمالين الاتيين عماقريب يمثل بنفسه شاهدا معززا لتفسيره بالجماع او لترجيح ارداة الجماع عرفا منه ما دمنا نحتمله بدرجة‏جيدة‏مسبقا.

2 ان الرواية تكتفي بما دون الرؤية المباشرة للادخال والمشهور ذهبوا الى شرطية المعاينة وفق ماتقدم.

والجواب: انه لو سلمنا بكبرى وهن الخبر الصحيح بالاعراض بيد انه لا يحرز اعراض مشهور القدماء ما قبل‏الطوسي عن هذا الخبر من هذه الناحية كما اشرنا سابقا، اذ لم نعثر الا على المقنعة للمفيد والكافي لابي الصلاح‏ممن ذكروا هذا الحكم، فكيف نجزم باعراض المشهور عنه حتى تسقط الرواية عن الحجية؟ ثانيا: ما افاده صاحب وسائل الشيعة من احتمال ان يكون المراد بالحد في الرواية التعزير لا المائة‏جلدة((175)).

لكن هذا مجرد احتمال بلا قرينة يبعده مجي‏ء كلمة الحد محلاة بالالف واللام الظاهرة في العهدية، ولو اريد قبول‏ذلك هنا فما هو المانع من قبوله في موارد اخرى لا يقبل نفس صاحب الوسائل حمل الحد فيها على التعزير؟ ثالثا: ما ذكره الحر العاملي ايضا من احتمال ان يكون المراد ثبوت الحد على الشاهد لا المشهودضده((176)).

لكن هذا الاحتمال مستبعد لان هذه الجملة التي نطق بها الشاهد ان كانت ظاهرة في الدخول فمعناه ان الشاهد قدشهد بالزنا من خلال كلام ظاهر في افادته فما هو الموجب لحده؟! واما اذا لم تكن هذه الجملة.. «جلس منها مجلس‏الرجل من امراته‏» ظاهرة في الزنا والدخول بان كانت ظاهرة في الاعم او في غيره فلماذا يحد ما دام لم يشهد عليه‏بالزنا حتى يصدق عليه عنوان القذف، وهذا معناه ان احتمال رجوع ضمير «عليه‏» الى الشاهد نفسه هواحتمال‏ضئيل.

رابعا: وفق ما تقدم فهذه الجملة ظاهرة في الجماع عرفا، وهذا معناه ان الشاهد يريد ان يحكي عن عملية الجماع‏بواسطة هذا التعبير، ومعه فلا تدل الجملة على ان الشاهد راى الفاعل على هيئة ووضعية كما تحكيه هيئة‏ووضعية الرجل مع زوجته حتى يقال ان هذا دليل على كفاية مشاهدة هذه الهيئة، بل تفيد حكايته بهذا التعبير عن‏الزنا نفسه، ومن ثم فالشاهد ساكت عن انه كيف حصل له العلم بالادخال فربما عرف بذلك من خلال الرؤية‏المباشرة.

وبعبارة موجزة فرق بين ان يقول رايته جالسا منها... وبين ان يقول كان جالسا منها... فالاولى تحكي عن متعلق‏الرؤية وربما تفيد المطلوب فيما الثانية تخبر عما رآه دون ان تذكر متعلق الرؤية فلا يكون في الرواية ظهور في‏المطلوب وان كانت مشعرة به.

الثاني: انه لو صحت شرطية المعاينة المباشرة للزم التورط في مخالفة شرعية بلا مبرر وهي النظر الى عورة‏الغير او التجسس((177))، ومعه فتسقط عدالة الشاهد فلا يؤخذ بشهادته.

لكن يرد عليه اولا: ان المطلوب عدالة الشاهد حال ادلائه بشهادته لا حال نظره الى الواقعة المشهود بها، ومعه‏فتكفي عدالته زمن الادلاء حتى لو كان فاسقا قبل ذلك، ولا ملازمة بين الامرين.

ثانيا: ما ذكره بعض الفقهاء من ان عدم النكير على الشهود يمثل شاهدا على جواز النظر بهدف الشهادة على الزنا،ومعه يمكن التمسك بالسيرة المتشرعية المتصلة على جواز النظر، وبالتالي فلا معنى للتشكيك في العدالة‏حينئذ((178)).

لكن هذا الجواب من قبل هذا الفقيه مبنائي، اذ افترض(قده) مسبقا ان الشهادة على الزنا قد اخذ فيها رؤية نفس‏الدخول الملازمة للنظر الى العورة، فاضطره ذلك لابداء تخريج فني للموضوع في مباحث الستر والنظر، الا ان هذاالكلام لا يفيد هنا لانه يمثل من الناحية المنهجية مصادرة، ذلك اننا نتكلم عن ادلة الطرف الثاني النافي لشرطية‏المعاينة وهذا معناه اننا نحاسبها بنفسها بعيدا عن صحة ادلة شرطية المعاينة، اي ان المرحلة اسبق يفترض فيهاانه لا دليل لدينا على الشرطية ومن ثم نريد ان نحاكم ادلة العدم حتى اذا ما ثبت دليل العدم في حد ذاته ومن ثم ثبت‏دليل الشرطية في حد ذاته قمنا باجراء مقايسة لتقديم وجه على آخر، وهنا نقول:

ا لا يمكن النقد على ادلة النافين باثبات جواز النظر بالسيرة، لان السيرة‏تفسير قائم على شرطية المعاينة المفترض عدم ثبوتها بعد، فكيف يراد بها تبرير النظر لنقد برهان قام على نفي‏الشرطية هنا؟ ب لو خلينا والسيرة وادلة حرمة النظر لكان الانسب جعلها شاهدا على نفي الشرطية، لان عدم هذا التفسير سوف‏يضطرنا الى تقييد عمومات ومطلقات حرمة النظر الى العورة فالسبيل الانسب هو الحفاظ على العمومات ورفع‏احتمال الشرطية.

هذا على تقدير تجاهل ادلة ونصوص شرطية المعاينة، اما لو سلمنا بها فسيكون امامنا ادلة حرمة النظر الى‏العورة من جهة وادلة شرطية المعاينة من جهة اخرى وبينهما ظاهرة السيرة، وهنا يقدم تخصيص وتقييد ادلة‏الحرمة على رفع ادلة الشرطية عرفا، ذلك ان المعارضة بين السيرة وادلة الشرطية معارضة مستقرة فيما يوجدجمع عرفي بين السيرة وادلة حرمة النظر الا وهو التقييد والتخصيص، وهذا معناه ان المعارضة بين السيرة‏وادلة الحرمة منحلة فتكون ادلة الحرمة مقيدة بغير صورة النظر الى الزنا تلقائيا فتبقى ادلة الشرطية على حالها.لكن حيث تقدم معنا عدم ثبوت ادلة الشرطية فيكون عموم الحرمة نافذا والسيرة غير كاشفة عن شي‏ء لاحتمال‏اعتماد الشهود على رؤية الملازمات التي تفيدهم القطع بالزنا، نعم سياتي ان ثبوت صحيحة حريز سندا ومتناقد يغير في بعض الامور هنا.

ووفقا لذلك يرتفع الاشكال ايضا عن الصيغة المعدلة لهذه المناقشة الثانية اعلاه اي التورط بمخالفة شرعية،وهذه الصيغة هي انه اذا كان النظر الى العورة حراما فالشريعة سوف تقع في تعارض تقنيني، فمن جهة تحرم‏النظر ومن جهة اخرى تفترض وجود حد على الزنا وهذا يستبطن شيئا من المعاكسة.

وقد قلنا بانه من الممكن ان يعصي الشهود حال نظرهم لكنهم عدول حال اداء الشهادة، فضلا عن شهادة السيرة‏على الحلية او رفع اساس شرطية المعاينة.

لكن التساؤل الذي يبقى هنا يتمركز حول عدم وجود اسئلة من جانب المتشرعة من الصحابة واصحاب الائمة(ع)عن حكم النظر الى العورة لرؤية واقعة الزنا، والاحتمال الاقرب هنا لو لم نجزم به هو ان شرطية الرؤية لم تكن‏ماخوذة في الذهن المتشرعي فلم يضطرهم ذلك الى السؤال عن حكم النظر، اما لو لم نوافق على ذلك فان تفسيرسكوتهم عن هذا التساؤل المنطقي لن يكون واضحا، فكيف لم يلتفت احد منهم الى مسالة النظر الى العورة ويسال‏عن حكمها في مورد الشهادة على الزنا مع ان حرمة النظر الى العورة ثابتة بالقطع بين المسلمين من حيث‏المبدا؟! ج ان السيد الحكيم(قده) نفسه اثار مشكلة امام التمسك بالسيرة هنا حيث ذهب الى ان السيرة دليل مجمل لعدم‏احراز ان نظرهم كان عن تعمد حتى نحكم بالجواز فلربما كان عن غفلة او ان سكوت المعصوم(ع) كان حملا على‏الصحة((179)).

لكن هذه الملاحظة بالذات قابلة للتامل فيما لو قبلنا لزوم تدخل المعصوم(ع) للامر بالمعروف والنهي عن المنكرفي مثل هذا المورد، ذلك ان حمل المعصوم الشهود الاربعة على الصحة يفترض اجتماع الغفلة في نظرهم وهو امرضئيل بحساب الاحتمال، فان احتمال اجتماع اربعة شهود على واقعة واحدة للنظر اليها بهذه الدقة عن غفلة‏واتفاق، ومن ثم احتمال ان تكون حوادث الشهادات المتعددة الاخرى على واقعة زنا ثانية وثالثة و... على هذاالشكل هو احتمال ضئيل جدا، وهذا معناه ان بامكان المعصوم(ع) ان يحرز الاطمئنان بوقوع معصية في المورداو ظن عدم المعصية جهلا من قبل الشهود فهو كمر بالمعروف وناهي عن المنكر او كمبلغ للاحكام ملزم بتذكيرالشهود بحرمة ما فعلوه او لا اقل رفع اشتباههم بالحلية، ومع عدم وجود اي نص تاريخي يفيد مثل هذا الامر فلاشك سيكون ذلك كاشفا عن جواز نظرهم على تقدير افتراض شرطية المعاينة التي لم تثبت هنا عندنا. فمن يلتزم‏بشرطية المعاينة ملزم بالاخذ بهذه السيرة لا لوحدها بل بضم سكوت المعصوم(ع) عن الامر والنهي او عن تبليغ‏الاحكام وهو ما يكشف عن جواز النظر حينئذ.

ثالثا: ما افاده في المسالك((180)) من كون النظر الى العورة حينئذ وسيلة لاقامة حدود اللّه تعالى، فانه بدونه‏ينسد باب الحدود في مثل هذه الموارد وتنتشر الفاحشة.

وقد اجاب بعض الفقهاء عن هذا الوجه بكون حد الزنا مبني على الستر وعدم التحقق في الخارج كما تفيده مجموعة‏قرائن فيه كحالات التوبة ورباعية الاقرار والشهود و...((181)).

وقد تقدم شي‏ء من اثارة الاستفهام حول هذه النقطة بمجموعها، وحصيلة القول ان هذا الوجه لا يمثل دليلا على‏نفي شرطية المعاينة ولا على اثباتها، فان اثبتنا في مورد سابق شرطية المعاينة حكمنا هنا بجواز النظر الى عورة‏الزانيين للسيرة المتقدمة و... لا استكشفنا من نظرهم بطلان الشرطية كما يحاوله هذا الوجه، واذا لم يقم دليل على‏شرطية المعاينة كفى لوحده في اثبات المطلوب من دون حاجة الى هذا الوجه، فالوجه الثاني غير تام ظاهرا. كماتبين ان ما ذكره جملة من الفقهاء من عدم جواز النظر الى عورة الزانيين للشهادة((182)) لا ينسجم مع شرطية‏المعاينة اذا قالوا بها لما تقدم.

الثالث: التمسك بما دل على اقامة الحد على اساس الشهادة برؤية الرجل والمراة في لحاف واحد، فان هذه‏الروايات تؤكد على عدم شرطية المعاينة ذلك ان الاكتفاء برؤيتهما عاريين تحت لحاف واحد واقامة الحد عليهمانتيجة هذه الشهادة هو في الحقيقة تنازل عن المعاينة والا لزم عدم اقامة الحد نظرا لعدم الرؤية المباشرة.

وهذه الروايات عديدة نذكر منها:

ا صحيحة عبدالرحمن الحذاء قال: «سمعت ابا عبد اللّه(ع) يقول: اذا وجد الرجل والمراة في لحاف واحد جلدا مائة‏جلدة‏»((183)).

ب صحيحة عبدالرحمن بن ابي عبد اللّه قال: قال ابو عبد اللّه(ع): «اذا وجد الرجل والمراة في لحاف واحد قامت‏عليهما بذلك بينة، ولم يطلع منهما على (ما) سوى ذلك، جلد كل واحد منهما مائة جلدة‏»((184)).وغيرها((185)) من النصوص التامة وغير التامة سندا. والاوضح من ذلك صحيحة ابي بصير عن ابي عبداللّه(ع) قال: «اذا وجد الرجل مع امراة في بيت ليلا وليس بينهما رحم جلدا»((186)).

فهذه النصوص تؤكد على آلية جديدة في موضوع الشهادة وتوسع من دائرة الحد فيما يرتبط بالمشهود به كماهو واضح، ومما يؤيد هذه التوسعة دون ان يصل الى رتبة الدليل ما جاء في خبر الحسين بن زيد في شاهدين شهداحدهما على شخص بانه رآه يشرب الخمرة فيما شهد الاخر عليه بقيئها حيث حكم امير المؤمنين(ع) بوقوع‏الحد((187)).

لكن المشكلة في هذه النصوص كونها معارضة بنصوص تدل على انهما يجلدان دون الحد من قبيل صحيحة‏عبدالرحمن بن الحجاج قال: «كنت عند ابي عبد اللّه(ع) فدخل عليه عباد البصري ومعه اناس من اصحابه فقال له:حدثني عن الرجلين اذا اخذا في لحاف واحد، فقال له: كان علي(ع) اذا اخذ الرجلين في لحاف واحد ضربهما الحد،فقال له عباد: انك قلت لي: غير سوط، فاعاد عليه ذكر الحديث (الحد) حتى اعاد ذلك مرارا، فقال: غير سوط، فكتب‏القوم الحضور عند ذلك الحديث »((188)). وكذلك صحيحة ابان بن عثمان قال: قال ابو عبد اللّه(ع): «ان عليا(ع)وجد امراة مع رجل في لحاف، فجلد كل واحد منهما مائة سوط غير سوط‏»((189)).

وغيرها من النصوص بما فيها ما دل على الضرب ثلاثين سوطا كخبر سليمان بن هلال((190)).

ومع وجود هذه المعارضة لا يمكن الاخذ بالطائفة الاولى الا بعد حل التعارض لصالحها، وهو ما نفاه بعض الفقهاءفي هذه المسالة اذ ذكروا ان المقدم هو اخبار الطائفة الثانية الناصة على الاقل من الحد لا الاولى، ذلك ان اخبارالطائفة الاولى موافقة لاهل السنة فتكون صادرة على سبيل التقية وهو ما تشهد به صحيحة عبدالرحمن بن‏الحجاج الانفة الذكر((191))، وهذا معناه سقوط الطائفة الاولى عن الاعتبار وبالتالي بطلان الاستشهاد بها على‏نفي شرطية المعاينة.

لكن النقطة الجديرة بالتامل هنا هي في ان تتبع مواقف فقهاء السنة في هذه القضية وما قد توحي به بعض‏نصوصهم على قلة بحثهم في هذا الموضوع بالنسبة الى فقهاء الشيعة، ان هذا التتبع يمنحنا نتيجة‏معاكسة‏فنصوصهم الفقهية تفيد الحكم بالتعزير لا الحد((192))، كما ان روايتهم خبر جلد عبداللّه بن مسعوداربعين جلدة لشخص كان كذلك((193))، وقصة المغيرة المعروفة((194)) كل ذلك يؤكد وقوفهم الى جانب‏القول بعدم اجراء الحد لا اقل من عدم ذهابهم سيما على نحو صيرورته موقفهم العام او الموقف الحاكم الى‏ثبوت الحد كاملا وبالتالي فلا معنى لتقديم الطائفة الثانية وطرح الاولى على اساس التقية، وهذا اي كون الفقه‏السني قائلا بثبوت الانقص من الحد يمكنه ان يشكل دليلا عكسيا لصالح الطائفة الحاكمة بثبوت الحد كاملا حملالروايات النقص على التقية كما فعله العلامة المجلسي((195))، ونسبه المجلسي الاول الى الشيخ‏الكليني((196)).

بل يمكننا القول بان ما دل على ثبوت الانقص من الحد متعارض فيما بينه، اذ دلت مجموعة على المائة سوط عداسوط واحد فيما دلت اخرى على انقص كثلاثين فاذا صححنا سنديا المجموعة الثانية عارضت المجموعة الاولى‏من الطائفة الثانية وسلمت بذلك الطائفة الاولى الدالة على ثبوت الحد كاملا.

بل يمكن ترجيح الطائفة الاولى على الثانية من ناحية كثرتها وتداولها فيما الطائفة الثانية قليلة وهو ما يشكل عاملامقويا لاحتمال الطائفة الاولى ومضعفا للثانية سيما وان خبر زيد الشحام وسليمان بن هلال المدرجين في الطائفة‏الثانية ضعيفان سندا.

نعم في هذا المرور المختصر على مسالة حد الفاعلين في لحاف واحد يتاكد ان رؤية المباشرة ليست لازمة، ولايعني هذا كما قد يكون هو السبب في دفع الفقهاء سيما المتاخرين الى ترجيح الطائفة الثانية التعبد بمجرد الكون‏في اللحاف الواحد بل هي تعبير آخر عن كفاية هذا المقدار العرفي للتدليل على الزنا، من حيث لحاظ الكاشفية التي‏فيه لا من الناحية الموضوعية.

نعم يبقى هنا قضية العلاقة بين صحيحة حريز المتقدمة التي تمثل اقوى وجه للقول الاول وبين الوجوه المعتمدة‏في القول الثاني، فالظاهر هو تقدم ادلة القول الثاني الثابتة سلفا لان منها ما يصل الى درجة احتمالية عالية‏كسكوت المتشرعة عن السؤال عن حكم النظر وهو ما يرفع حجية خبر حريز نظرا لكون الخبر الحجة هو الخبرالموثوق عقلائيا، وهذا الخبر مما قامت وجوه عكسية تدفع هذا الوثوق به اذا اصرينا على تفسيره بالرؤية‏المباشرية والا كانت شواهد القول الثاني معززة لاحتمال التفسير الذي اثاره البعض مما يعط‏ي الرمزية لتعبيرالميل في المكحلة كاشارة الى اليقين الجازم والدقة اللازمة في الشهود والشهادة.

ادلة الموقف الثالث:

والمدرك الوحيد لهذا الموقف هو النصوص التي تقدمت في الوجه الخامس من وجوه الموقف الاول المتقدم هنا،فهذه النصوص تدل على شرطية المعاينة في دائرة عقوبة الرجم لا الجلد ومعه فتكون هذه الشرطية خاصة بهذاالنوع من العقوبات على الزنا وتبقى عقوبة الجلد على القاعدة المقررة في باب الشهادات من كفاية مطلق العلم‏واليقين الحسي على ابعد تقدير، وبهذا يكون هذا الموقف موقفا تفصيليا بين الموقفين الاولين.

وهذه الملاحظة التي تحكي عن اختصاص النصوص المتقدمة بالرجم صحيحة، بيد انها تواجه مشكلة هي خبرمحمد بن قيس (رقم 6) فانه ينص على عقوبة الجلد مما يرفع هذا التفصيل.

وقد يجاب عن هذه المشكلة بان خبر محمد بن قيس هذا منقول بروايتين تقدمتا ايضا احداهما تقول بالجلدوثانيتهما تقول بالرجم (رقم 2) فهذان الخبران ينقلهما محمد بن قيس الى عاصم بن حميد الى ابن ابي نجران في‏الاسانيد كلها مما يعزز ان الرواية واحدة غاية ما في الامر هو ان الخبر الذي اشتمل على الجلد فيه «حتى يشهدعليهما» بينما الثاني فيه «حتى يشهد عليه‏» والاول انسب، هذا من جهة ومن جهة اخرى اضافت الرواية التي ذكرت‏الجلد ذيلا يقول: «وقال: لا اكون اول الشهود الاربعة اخشى الروعة ان ينكل بعضهم فاجلد» فاذا لم نرجح احدالاحتمالين في الرواية لم ندر ما هو الصحيح فيها فتسقط بمقدار الاختلاف على الاقل وبالتالي تزول المشكلة التي‏نعاني منها اذ تبقى النصوص الاخرى بلا منازع.

لكن المشكلة الاخرى التى تبقى هي رواية حريز المتقدمة ايضا (رقم 8) حيث انها تدل باطلاقها على لزوم المعاينة‏في مطلق الحدود رجما او جلدا دون ان تفصل، بيد ان المشكلة من ناحيتها يمكن حلها لصالح الموقف الثالث ذلك‏ان دلالتها سكوتية فاذا ما فهمنا من النصوص الاخرى التفصيل المذكور فلا مانع يمنع من حملها عليه لانها ليست‏في مقام بيان كيفية الشهادة من كافة الجهات بقدر ما هي في مقام بيان حد القذف فاطلاقها من ناحية انواع الحدودوشرطية المعاينة اطلاق بدوي قابل للتفسير على ضوء النصوص الاخرى وليس اطلاقا محكما حتى يقال بانه لايمكن تقييدها بما دل على شرطية المعاينة في الرجم بعد ان كان الطرفان مثبتين لا تقييد بينهما كما هو المقرراصوليا.

لكن حيث اننا فيما تقدم قلنا بان هذه النصوص هي الاخرى كلها لا تدل على المطلوب سواء اتصلت بالرجم او الجلدفيكون هذا الوجه وبالتالي هذا الموقف كله في غير محله، فهذا الموقف مبني على دلالة النصوص على مبداالمعاينة وقد تقدمت مناقشتها ومعه فلا معنى للتفصيل المذكور.

النتيجة:

وفق ما تقدم تكون نتيجة هذا البحث هي عدم شرطية خصوص حاسة البصر في الشهادة على الزنا، فلو شهد على‏الزنا من خلال يقينه الحضوري به بواسطة حاسة اللمس او غيرها كفى وتمت عناصر الشهادة الملزمة للقاضي،كما لا يشترط على تقدير ارادة الوصول الى اليقين بالبصر الرؤية المباشرة لنفس عملية الادخال فلو شهد على‏الزنا بمعنى الادخال لكن من دون رؤية نفس الادخال وانما برؤية ملازماته التي توجب القطع الواضح بحصوله‏كفى ايضا.

ولا يعني هذا اي انكار لمبادى العفو والتخفيف والستر والتوبة و... في القانون الجزائي الاسلامي بقدر ما يعني ان‏اهتمام الشارع باثبات براءة المتهم هو بقدر اهتمامه بادانة الجاني، وتشدد الشارع في وسائل الاثبات وعدم رغبته‏في وقوع العقوبة عمليا وتفضيله من حيث المبدا التوبة على العقوبة امور يمكن الموافقة عليها من حيث المبداايضا دون ان تعني الغاء باب العقوبات او تحويله الى باب مفرغ من مضمون.

الاثبات القضائي تجزئة الاقرار

الشيخ قاسم الابراهيمي

القسم الاول

 معنى التجزئة:

قد مضى في بعض مقالاتنا السابقة اثبات حجية الاقرار في الفقه والقانون((197))، وعدم جواز الرجوع والانكاربعده((198)).

وقد يتصل بكلام المقر الدال على الاقرار ما ينافيه كما كما في الاستثناء من العدد، او كيفا كما في وصف ما عليه‏من دراهم بانها زيوف او مغشوشة، او سببا مبطلا للاستحقاق ككون ما عليه من الدراهم ثمنا لخمر او خنزير اوكلب او رهنا في لعب قمار، او رافعا لفعليته كالتاجيل، او موجبا للخروج عما بذمته من الحق كالوفاء والابراءونحوهما، كما قد ينفصل عنه كذلك.

وحينئذ فهل يجعل الاقرار مع منافيه كلاما واحدا ويلتزم بالباقي من‏الاستثناء في الفرض الاول، وبالموصوف في الفرض الثاني، وبعدم الاستحقاق في الفرض الثالث، وبعدم الفعلية‏في الفرض الخامس، وبعدم اشتغال الذمة بالفعل في الفرض السادس؟ اي يلتزم بالحاصل من مجموع الكلام‏بعبارة اخرى، ام تجعل عبارة الاقرار كلاما والعبارة المنافية له كلاما اخر؟ والاول هو القول بعدم التجزئة،والثاني هو القول بالتجزئة.

فالتجزئة هي تجريد الكلام الدال عن منافيه، وعده كلاما مستقلا عنه.

كلمات القانونيين والفقهاء في تجزئة الاقرار:

الاقرار تارة يصدر من المقر في مورد التهم الجنائية، واخرى في مورد التهم الحقوقية. وانتزاع راي القانونيين‏والفقهاء من كلماتهم يجب ان يحصل في كلا الموردين.

1 كلمات القانونيين في تجزئة الاقرار الجنائي:

هناك اتجاهان في الفقه الغربي بالنسبة الى الاعتراف الجنائي:

الاول: الاتجاه الفرنسي الذي ينيط تجزئة الاقرار بنظر القاضي وتقديره، وذلك لان ادلة الاثبات في الامور الجنائية‏جميعها في القانون الوضعي اقناعية محضة، بمعنى انها تابعة في اعتبارها ومقدار ما يعتبر منها لقناعة القاضي.وما كان المدار فيه ذلك يمتنع معه حده بضابط معين، لاستلزام العمل به مع التخالف مخالفة القناعة الحاصلة‏لدى القاضي من النظر في ادلة الاثبات او بقناعة القاضي مخالفة الضابط المفروض، وخروجه عن كونه ضابطاكذلك.

وهذا الاتجاه اخذ به قضاء اكثر الدول اللاتينية، والقضاء المصري من الدول العربية. قال جندي عبد الملك في‏موسوعته: «مبدا عدم تجزئة الاعتراف لا ينطبق الا في القانون المدني الذي يعين كيفية تقديم بعض الادلة، واما في‏القانون الجنائي المصري فانه لا يوجد مبدئيا ادلة ثبوت قانونية، وفيما عدا الحالة التي بها تكون حرية القاضي‏مقيدة بنص قانوني صريح يعين نوعا خاصا من الادلة.. فان القاضي يبني اعتقاده على ما يشاء، اذ يقدر بتمام‏الحرية قيمة الشهادات والادلة المقدمة، وخصوصا فان كل ماهو متعلق بوقائع الدعوى على الاطلاق يترك الفصل‏فيه نهائيا لقاضي الموضوع، ويخرج عن مراقبة محكمة النقض والابرام (نقض 22 يناير سنة 1910، المجلد 11،عدد 58).

وان المحكمة لها الحق بان تاخذ من اعتراف المتهم الجزء الذي تراه صحيحا، وتترك ما يثبت التحقيق كذبه (نقض‏21 دسامبر سنة 1918، المجلد 2، عدد 59).

وان قاعدة عدم جواز تجزئة الاعتراف في المسائل المدنية ليست متبعة في المسائل الجنائية حيث لقاضي‏الموضوع فيما عدا بعض مسائل مستثناة كامل الحرية في ان يكون عقيدته بحسب جميع عناصر التقدير التي‏تعرض عليه، وان يكونها على الاخص بحسب اقوال واقرارات وبيانات المتهمين بالذات، فله ان ياخذ بها اويستبعدها، سواء في مجموعها او في جزء منها، بحسب ما يراه من مطابقتها او مخالفتها للواقع في نظره (نقض 6مارس سنة 1930، رقم 315، سنة 47 قضائية)»((199)).

الثاني: الاتجاه الانجليزي الذي لم يقبل التجزئة في الاعتراف، ما لم تكن الحقائق المكتشفة والادلة والوقائع تؤيدبعضه وتنفي البعض الاخر، فتصح التجزئة حينئذ.

ودليل عدم التجزئة هنا هو ما سياتي من الادلة على عدم تجزئة الاقرار في الدعاوى الحقوقية.

وبهذا الاتجاه اخذ التقنين العراقي في القضايا الجزائية، فنصت المادة (22) من ذيل قانون اصول المحاكمات‏الجزائية رقم (42) لسنة (1931) على ان «على المحكمة ان تقبل الاقرار برمته، لا الاقسام التي ضد المتهم منه، عدامانص في المادة (21)» التي قضت بجواز تجزئة الاعتراف المستحصل باساءة معاملة المتهم او تهديده اذا ادى‏هذا الاعتراف الى اكتشاف بعض الحقائق، فيجوز عندئذ ان يعتبر ذلك بينة بالنسبة للقسم المتعلق منه بتلك‏الحقائق، ويرد القسم الاخر بمقتضى بطلان الوسائل التي استحصل بها على الاعتراف طبقا للمادة (19) من‏القانون المذكور((200)).

2 كلمات القانونيين في تجزئة الاقرار الحقوقي:

واما في موارد التهم الحقوقية والمدنية فقد تقدم النقل عن القانونيين ان هناك ثلاثة مذاهب في تجزئة‏الاقرار:

الاول: عدم التجزئة مطلقا:

وهو الذي ذهب اليه «دي باج‏» واخذ به المشروع الاولي لقانون الاثبات المصري((201)).

الثاني: التجزئة براي القاضي:

وهو الذي ذهب اليه القانون المدني الليبي، اذ جاء في الفقرة (2) من المادة (397) منه: ترك تقدير قوة الاقرار كالبينة‏للقاضي عند اختلاف طرفي الدعوى في الزيادات المقترن بها اقرار المقر منهما، سواء كانت تتضمن تصريحات‏بوقائع اخرى غير الوقائع المتداعى فيها او بظروف لذات تلك الوقائع يراد بها الحد من اثرها او تغييرها اوازالتها((202)).

الثالث: التجزئة في غير لازم الاقرار:

فقد قسم القانونيون الاقرار الى: بسيط موافق لدعوى المدعي في اصلها وتفصيلاتها من غير زيادة اونقصان.

وموصوف مشتمل على زيادات تكون وصفا للواقعة المتنازع بشانها زمان وقوعها، ككون المعاملة وقعت على‏شي‏ء غير محترم قانونا بشرط معين.

ومركب مشتمل على زيادات ترتبط بوقائع اخرى مرتبطة او منفصلة عن الواقعة الاصلية محل النزاع بين طرفي‏الدعوى.

وقد ذهب مشهور القانونيين الى اصل عدم التجزئة في القسمين الاول والثاني مطلقا، واما الثالث ففصلوا فيه بين‏ان يكون الاقرار بالوقائع الاخرى غير الواقعة الاصلية متوقفا على وجود الواقعة الاصلية، وبين الا يكون كذلك،فعلى الاول لا يجزا الاقرار، وعلى الثاني يجزا.

فالمقر بدين مثلا اذا قرنه بادعاء الوفاء لم يجزا ولا يلزمه شي‏ء، او بادعاء المقاصة منه بدين اخر له على المقر له‏جزى ولزمه اما اثبات ما له من الدين عليه او دفع ما عليه من الدين له.

وبهذا المعنى صرحت كثير من كلمات القانونيين، وتضمنته جملة من مواد القوانين المدنية((203)). ولننقل فيمايلي ما هو جامع من كلماتهم كنماذج لما اجملنا نقله عنهم.

ففي ادلة القانون غير المباشرة قال في شرح المادة (69) من قانون الاثبات العراقي الواردة في تجزئة‏الاقرار:

«نصت المادة 69 من قانون الاثبات: (لا يتجزا الاقرار على صاحبه الا اذا انصب على وقائع متعددة، وكان وجودواقعة منها لا يستلزم حتما وجود الوقائع الاخرى).

يتضح من هذا النص ان الاصل في الاقرار بوجه عام عدم التجزئة، حتى لا يضار المقر باقراره.

فان كان الاقرار بسيطا وهو تصادق الطرفين على الشي‏ء المدعى به فهنا لا محل للنظر فيما اذا كان الاقرار يتجزااو لا يتجزا، ويكون حجة قاطعة على المقر يلتزم به.

وكذلك حال الاقرار عندما يكون مركبا، اي انه يتكون من واقعة اصلية واخرى مرتبطة بها وتقابلها سواء بتمامهااو بجزء منها.

وهنا اما ان يؤخذ الاقرار كله او يترك كله، كان يقر المدين بمشغولية ذمته بالمدعى به او بجزء منه،ويدفع بتجديد الدين او يدعي الابراء.

وهنا لا يتجزا الاقرار عليه، ولا يجوز للدائن ان يتمسك بما هو لصالحه من الاقرار ويترك بقيته، فاما ان يقبل الاقراربرمته وتبرا ذمة المقر، واما ان يترك برمته، وعلى المدعي ان يثبت دعواه بغير الاقرار من ادلة الاثبات، وبعدهايكلف المدعى عليه باثبات دفعه بالتجديد او الابراء.

ففي الاقرار المركب اذا يتحتم وجود واقعتين احداهما اصلية والاخرى مرتبطة بها، وتكونان متلازمتين،وتصح‏فيهما التجزئة‏»((204)).

لكن اطلاقه كون الاقرار المركب هو ما تضمن الاخبار عن واقعتين متلازمتين تصح فيهما التجزئة، واطلاقه الحكم‏بالتجزئة وان كان هو الظاهر من عبارته لكنه غير مراد حتما، لمخالفته المعروف من تعريف الاقرار المركب،ومنافاته لمفهوم الاستثناء الوارد في المادة التي قام بشرحها، ولذا صرح الشراح الاخرون بغير ذلك، ففي الوجيزفي شرح قانون الاثبات قال:

«والاصل في الاقرار المركب عدم قابليته للتجزئة، ولكن هناك حالة يتجزا فيها هذا الاقرار، فاذا كان بين الواقعتين‏ارتباط بحيث يستلزم وجود الواقعة الثانية وجود الواقعة الاولى الاصلية فان الاقرار المركب لا يتجزا، بل يؤخذ به‏كله او يطرح كله، كان يدعي شخص انه اقرض اخر مبلغا من النقود، فيقر المدعى عليه بهذا الدين، ولكنه يدعي انه‏وفاه، فهنا الاقرار مركب، لانه لم يقتصر على الواقعة المدعاة وهي وجود الدين، بل شمل واقعة اخرى هي الوفاء،والواقعتان مرتبطتان، اذ لا يمكن حصول الوفاء بدين معين الا اذا وجد هذا الدين.

ومن ثم فلا يجوز للمدعي ان يتمسك من الاقرار بجزئه المتضمن ثبوت الدين وان يستبعد ما يتعلق منه بالوفاء، بل‏عليه التمسك بالاقرار كله، واذا ادعى عدم الوفاء فعليه هو اثبات ذلك، فلا يكلف المقر اثبات حصول‏الوفاء.

وقضت محكمة التمييز: (الاقرار المركب الوارد بدليل كتابي الذي لا يجوز تجزئته يعتبر مبدا ثبوت بالكتابة، ممايصح معه استماع الشهادة لاثبات التصرف القانوني)((205)).

اما اذا انصب الاقرار على وقائع متعددة وكان وجود واقعة منها لا يستلزم حتما وجود الوقائع الاخرى،فيتجزاالاقرار على صاحبه (م 69 اثبات). ومثال ذلك: الاقرار بالدين مع وقوع المقاصة فيه بدين اخر، فالواقعة الاصلية (واقعة المديونية) مستقلة عن الواقعة المضافة (واقعة حصول المقاصة)، ويكون بامكان الدائن (المدعي)ان ياخذ ما في صالحه وهو ثبوت الدين، ويلقي على المدين (المدعى عليه) عب‏ء اثبات انه دائن له (اي للمدعي)، اي‏ان على المدين ان يثبت ما يدعيه من انقضاء الدين بالمقاصة، فان عجز عن الاثبات فتعتبر المحكمة الاقرار قائمافي اثبات ما هو في صالح الدائن (المدعي) اي في ثبوت دينه، وترفض ادعاء المدين (المقر) حصول المقاصة فيه‏بالنظر لعجزه عن اثباته‏»((206)).

كلمات الفقهاء في تجزئة الاقرار:

وكلمات الفقهاء ككلمات القانونيين يمكن تقسيمها بحسب جنائية الاقرار او حقوقيته الى قسمين:

1 كلمات الفقهاء في الاقرار الجنائي:

الظاهر ان المذاهب الاربعة متفقة على جواز الرجوع في الاقرار الجنائي مطلقا، حيث وردت بذلك كلماتهم.

ففي بدائع الصنائع للكاساني الحنفي: «فالانكار منه [اي من المقر] رجوع عن الاقرار، والرجوع عن الاقراريصح‏في حقوق اللّه تبارك وتعالى، لا في حقوق العباد»((207)).

وفي المغني لابن قدامة الحنبلي: «ولا يقبل رجوع المقر عن اقراره الا فيما كان حدا للّه تعالى يدرا بالشبهات،ويحتاط لاسقاطه، فاما حقوق الادميين وحقوق اللّه التي لا تدرا بالشبهات كالزكاة والكفارات فلا يقبل رجوعه‏عنها، ولا نعلم في هذا خلافا»((208)).

وفي مغني المحتاج للشربيني الشافعي: «والمذهب قبول رجوعه عن الاقرار بالسرقة بالنسبة الى القطع ولو في‏اثنائه، لانه حق اللّه تعالى، فيسقط حد الزنا... اما الغرم فلا، لانه حق ادمي‏»((209)).

وفي شرح الخرشي المالكي على مختصر خليل قال: «ويقبل رجوع السارق عن اقراره، ولا حد عليه، سواء رجع‏الى شبهة كقوله: اخذت مالي المغصوب او المعار وظننت ان ذلك سرقة، او رجع الى غير شبهة. ومثله الزاني،والشارب، والمحارب، ومن اقرت بالاحصان ثم رجعت قبل اقامة الحد عليها»((210)).

وكذا الزيدية، ففي البحر الزخار قال المرتضى: «واعلم ان الاقرار لا يصح الرجوع عنه بحال من الاحوال، الا ان‏يكون الاقرار في حق اللّه تعالى يسقط بالشبهة، كالاقرار بالزنا والسرقة وشرب الخمر يصح الرجوع عن الاقراربهذه الاشياء ويسقط الحق، واما لو كان حقا للّه تعالى ولا يسقط بالشبهة كالوقف والزكاة والحرية الاصلية فانه‏لا يصح الرجوع عنه، او كان الاقرار في سائر حقوق الادميين المالية وغيرها كالنسب والنكاح والطلاق فانه لايصح الرجوع في شي‏ء من ذلك‏»((211)).

بل الظاهر انه محل اتفاق جميع المذاهب الا الظاهرية والامامية الجعفرية، اما الاول فهو الذي صرح به السيد سابق‏في فقه السنة قال: «ومتى صح الاقرار كان ملزما للمقر، ولا يصح له رجوعه عنه متى كان الاقرار متعلقا بحق من‏حقوق الناس.

اما اذا كان الاقرار متعلقا بحق من حقوق اللّه كما في حد الزنا والخمر فانه يصح فيه الرجوع لقوله(ص): «ادرؤواالحدود بالشبهات‏»، ولما تقدم في حديث ماعز في باب الحدود.

وخالف الظاهرية، ومنعوا صحة الرجوع عن الاقرار سواء كان في حق من حقوق اللّه او حق من حقوق‏العباد»((212)).

واما الجعفرية فبعض ظواهر كلماتهم قبول الرجوع منه ايضا، ففي الكافي: «فان رجع من وجب عليه التاديب‏باقراره عنه او تاب قبل رفعه الى السلطان وكان من حقوق اللّه سقط عنه فرض اقامته، وان كان من حقوق الادميين‏لم تؤثر التوبة ولا الرجوع في اسقاطه‏»((213)).

وفي المسالك: «وقد يفرق بين القصاص والحد بما تحقق من ان حقوق اللّه تبنى على المساهلة، ولذلك يقبل الرجوع‏عن الاقرار فيها، وحقوق الادمي مبنية على الضيق‏»((214)).

لكنها قابلة للتاويل والحمل على المورد الخاص، خصوصا وقد صرح المحقق في المختصر والشرائع بانه «لو اقربما يوجب الرجم ثم انكره سقط عنه ولا يسقط غيره‏»((215)).

بل الظاهر انه اجماعي، قال في الجواهر: «واما لو اقر بحد غير الرجم لم يسقط الانكار في المشهور بين الاصحاب‏شهرة عظيمة يمكن معها دعوى الاجماع عليه، لقاعدة عدم سماع الانكار بعد الاقرار، وللمعتبرة...»((216)). وقدتقدم ما يرتبط بذلك((217)).

ومع جواز الرجوع في الاقرار عند اغلب المذاهب فتعقيبه بما ينافيه او يغيره او يبطله بالجواز اولى. وحينئذ يكون‏المبدا الحاكم عندهم عدم التجزئة في الاقرار الجنائي.

واما الجعفرية فالظاهر انهم لا يفرقون بين الحقوق والحدود في تجزئة الاقرار وعدمه، وهو ما سيقع البحث عنه‏في القسم الثاني من كلمات الفقهاء في تجزئة الاقرار.

2 كلمات الفقهاء في تجزئة الاقرار الحقوقي:

لم تنصب كلمات الفقهاء سنة او شيعة بصورة خاصة على تجزئة الاقرار وعدمه عند تعقيبه بما ينافيه، بل خلطوابحثهم عن ذلك بالبحث عن الصيغ المستعملة في الاقرار، وكيفية تعبير المقر عن اقراره، ومدى كاشفيته عن‏ثبوت الحق الذي اورده بكلامه عليه، واشتغال ذمته بالفعل، وغير ذلك مما لا ارتباط له ببحث تجزئة الاقرار.

هذا، ومع ان بحث تعقيب الاقرار بما ينافيه يشتمل على فروض متعددة كتعقيبه بما يزيل الحق المقر به بعضا اوكلا، او ينفي شرطا من شروط اهلية المقر حين الاقرار او اصل تحقق الاقرار منه الا انا اقتصرنا في نقل كلمات‏ائمة المذاهب على الفرض الاول من ذلك، لانه الفرض الوحيد الذي يمكن معه تصور التجزئة، واما الفرضان‏الاخران فاصل الاقرار فيهما لا جزؤه وحده معرض للاشكال.

ففي المقنع لابن قدامة الحنبلي قال: «اذا وصل به ما يسقطه مثل ان يقول: له علي الف لا تلزمني، او قد قبضه، اواستوفاه، او الف من ثمن خمر، او تكفلت به على اني بالخيار، او الف الا الفا، او الا ستمئة، لزمه الالف.

وان قال: كان له علي الف وقضيته، او قضيت منه خمسمئة، فقال الخرقي: ليس باقرار، والقول قوله مع يمينه.وقال ابو الخطاب: يكون مقرا مدعيا للقضاء فلا يقبل الا ببينة، فان لم يكن بينة حلف المدعي انه لم يقض، ولم يبرا،واستحق. وقال:

هذا رواية واحدة ذكرها ابن ابي موسى.

(فصل): ويصح استثناء ما دون النصف، ولا يصح فيما زاد عليه.

وفي استثناء النصف وجهان... ولا يصح‏الاستثناء من غير الجنس نص عليه، فاذا قال: له علي مئة درهم الا ثوبا لزمته المئة، الا ان يستثني عينا من ورق اوورقا من عين فيصح، ذكره الخرقي.

وقال ابو بكر: لا يصح.

فاذا قال: له علي مئة درهم الا دينارا، فهل يصح؟ على وجهين.

(فصل): واذا قال: له علي الف، ثم سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه، ثم قال: زيوفا، او صغارا، او الى شهر، لزمه الف‏جياد وافية حالة، الا ان يكون في بلد اوزانهم ناقصة او مغشوشة، فهل يلزمه من دراهم البلد او من غيرها؟ على‏وجهين.

وان قال: له علي الف الى شهر، فانكر المقر له الاجل، لزمه مؤجلا، ويحتمل ان يلزمه حالا.

وان قال: له علي الف زيوف، وفسره بما لا فضة فيه، لم يقبل، فان فسره بمغشوشة قبل.

وان قال: له علي دراهم ناقصة، لزمته ناقصة.

وان قال: له عندي رهن، وقال المالك: وديعة، فالقول قول المالك مع يمينه.

وان قال: له علي الف من ثمن مبيع لم اقبضه، وقال المقر له:

بل هو دين في ذمتك، فعلى وجهين.

فان قال: له عندي الف، وفسره بدين او وديعة، قبل منه.

وان قال: له علي الف، وفسره بوديعة، لم يقبل.

ولو قال: له في هذا المال الف، لزمه تسليمه.

وان قال: له من مالي او في مالي او في ميراثي من ابي الف او نصف داري هذه، وفسره بالهبة، وقال: بدا لي من‏تقبيضه، قبل.

وان قال: له في ميراث ابي الف، فهو دين على التركة.

وان قال: له نصف هذه الدار، فهو مقر بنصفها...

(فصل): وان قال: غصبت هذا العبد من زيد، لا بل من عمرو، او ملكته لعمرو وغصبته من زيد، لزمه دفعه الى زيد،ويغرم قيمته لعمرو.

وان قال: غصبته من احدهما اخذ بالتعيين، فيدفعه الى من عينه ويحلف للاخر...»((218)).

وفي كنز الدقائق للنسفي الحنفي قال: «لو قال: علي الف من ثمن عبد لم اقبضه، فان عين العبد وسلمه اليه لزمه‏الالف، والا لا، وان لم يعين لزمه الالف، كقوله: من ثمن خمر او خنزير.

ولو قال: من ثمن متاع، او اقرضني وهي زيوف، او نبهرجة، لزمه الجياد، بخلاف الغصب والوديعة.

ولو قال: الا انه ينقص كذا، متصلا صدق، والا لا.

ومن اقر بغصب ثوب وجاء بمعيب صدق.

وان قال: اخذت منك الفا وديعة وهلكت، وقال: اخذتها غصبا، فهو ضامن.

وان قال: اعطيتنيها وديعة، وقال: غصبتنيها، لا.

وان قال: هذا كان وديعة لي عندك فاخذته، فقال: هو لي، اخذه.

وان قال: اجرت بعيري او ثوبي هذا فلانا، فركبه او لبسه فرده، فالقول للمقر.

ولو قال: هذا الالف وديعة فلان، لا بل وديعة لفلان، فالالف للاول، وعلى المقر مثله للثاني‏»((219)).

وفي بداية المبتدي: «ومن استثنى متصلا باقراره، صح الاستثناء ولزمه الباقي، وسواء استثنى الاقل او الاكثر،فان استثنى الجميع لزمه الاقرار وبطل الاستثناء.

ولو قال: له علي مئة درهم الا دينارا او الا قفيز حنطة، لزمه مئة درهم الا قيمة الدينار او القفيز.

ولو قال: له علي مئة درهم الا ثوبا، لم يصح الاستثناء. وقال محمد: لا يصح فيهما. وقال الشافعي: يصح‏فيهما...

ولو قال: له علي الف درهم من ثمن عبد اشتريته منه، ولم اقبضه، فان ذكر عبدا بعينه قيل للمقر له: ان شئت فسلم‏العبد وخذ الالف والا فلا شي‏ء لك.

وان قال: من ثمن عبد اشتريته، ولم يعينه، لزمه الالف. ولا يصدق في قوله: ما قبضت، عند ابي حنيفة، وصل ام‏فصل.

وكذا لو قال: من ثمن خمر او خنزير، لزمه الالف، ولم يقبل تفسيره عند ابي حنيفة، وصل ام فصل، وقالا: اذا وصل‏لا يلزمه شي‏ء.

ولو قال: له علي الف درهم من ثمن متاع، او قال: اقرضني الف درهم، ثم قال: هي زيوف او نبهرجة، وقال المقر له:جياد، لزمه الجياد في قول ابي حنيفة، وقالا: ان قال موصولا يصدق، وان قال مفصولا لا يصدق.

ولو قال: لفلان علي الف درهم زيوف، ولم يذكر البيع والقرض، قيل: يصدق، وقيل: لا يصدق.

ولو قال: اغتصبت منه الفا، او قال: اودعني، ثم قال: هي زيوف او نبهرجة صدق، وصل ام فصل.

وان قال: في هذا كله الفا، ثم قال: الا انه ينقص كذا، لم يصدق، وان وصل صدق.

ومن اقر بغصب ثوب ثم جاء بثوب معيب، فالقول قوله.

ومن قال لاخر: اخذت منك الف درهم وديعة فهلكت، فقال: لا بل اخذتها غصبا، فهو ضامن. وان قال: اعطيتنيهاوديعة، فقال:

لا بل غصبتنيها، لم يضمن((220)).

وفي المنهاج للنووي الشافعي قال: «لو قال: له علي الف من ثمن خمر او كلب او الف قضيته، لزمه الالف في‏الاظهر.

ولو قال: من ثمن عبد لم اقبضه اذا سلمه سلمت، قبل على المذهب وجعل ثمنا.

ولو قال: له علي الف... لا يلزم، لزمه.

ولو قال: له علي الف، ثم جاء بالف، وقال: اردت به هذا وهو وديعة، فقال المقر له: لي عليه الف اخر، صدق المقر في‏الاظهر بيمينه.

فان كان قال: في ذمتي، او دينا، صدق المقر له على المذهب.

قلت: فاذ قبلنا: التفسير بالوديعة فالاصح انها امانة، فيقبل دعواه التلف بعد الاقرار، ودعوى الرد.

وان قال: له عندي او معي الف، صدق في دعوى الوديعة والرد والتلف قطعا، واللّه اعلم.

ولو اقر ببيع او هبة او اقباض، ثم قال: كان فاسدا واقررت لظني الصحة، لم يقبل، وله تحليف المقر له، فان نكل‏حلف المقر وبرى.

ولو قال: هذه الدار لزيد، بل لعمرو، او: غصبتها من زيد، بل من عمرو، سلمت لزيد. والاظهر ان المقر يغرم قيمتهالعمرو بالاقرار.

ويصح الاستثناء ان اتصل ولم يستغرق، فلو قال: له علي عشرة الا تسعة الا ثمانية، لزمه تسعة.

ويصح من غير الجنس، كالف الا ثوبا، ويبين بثوب قيمته دون الف‏»((221)).

وفي مختصر خليل المالكي قال: «يؤاخذ المكلف بلا حجر باقراره... بعلي او في ذمتي، او عندي، او اخذت منك، ولوزاد:

ان شاء اللّه، او قضى، او وهبته لي، او بعته، او وفيته، او اقرضتني، او ما اقرضتني، او لم تقرضني، اوساهلني، او اتزنها مني، او لاقرضنك اليوم، او نعم، او بلى، او اجل جوابا ل: اليس لي عندك؟ او اليست لي‏ميسرة؟ لا [مثل] اقر، او علي، او على فلان، او من اي ضرب تاخذها ما ابعدك منها.

وفي: حتى ياتي وكيلي وشبهه، او اتزن، او خذ، قولان.

[وهو] كلك علي الف فيما اعلم، او اظن، او علمي.

ولزم ان نوكر في الف من ثمن خمر، او عبد، ولم اقبضه، كدعواه الربا، واقام بينة انه راباه في الف لا ان اقامها على‏اقرار المدعي انه لم يقع بينهما الا الربا، او اشتريت خمرا بالف، او اشتريت عبدا بالف ولم اقبضه، او اقررت بكذاوانا صبي، كانا مبرسم، ان علم تقدمه، او اقر اعتذارا، او بقرض شكرا، على الاصح.

وقبل اجل مثله في بيع لا قرض، وتفسير الف في: كالف ودرهم، وخاتم فضة لي نسقا الا في غصب،فقولان...

والاستثناء هنا كغيره.

وصح: له الدار والبيت لي، وبغير الجنس، كالف الا عبدا، وسقطت قيمته‏»((222)).

وفي البحر الزخار للمرتضى الزيدي قال: «وان اقر بوديعة ثم ادعى انها تلفت بعد الاقرار، قبل قوله، لا لو قال:انكشف تلفها قبل اقراره فلا يقبل، اذ هو رجوع عن الاقرار بوجوب رد عينها...

(مسالة): فان قال: له في مالي او فيما ارثه الف، لم يلزمه، لاضافته الى نفسه، فلو قال: في هذا المال او فيما خلفه‏ابي، لزمه.

(مسالة): فلو قال: له عشرة من ثمن ميتة او خمر، لم يصح، اذ قيده بما لا يصح، والكلام متصل فبطل، كالمشروط(عند الشافعي) يلزم ويبطل القيد. قلنا: كالمشروط.

فان قال: علي له الف وهو غير لازم، لزم الالف، اذ اقراره به غير معلق، واخر الكلام رجوع فلا يقبل (عند ابي‏طالب).

فان قال: من ثمن هذه الدار، لم يلزمه الا بتسليم الدار، اذ هو كالمشروط (عند ابن عباس والمؤيد باللّه) يلزمه وان لم‏يسلم الدار، كما لو قال: من ثمن دار ولم يعينها...

ويصح استثناء البعض لا الكل، فيبطل الاستثناء فقط كالرجوع.

(مسالة): والاحسن استثناء الاقل اجماعا، ويصح الاكثر عند الجمهور (احمد وابن درستويه). قلنا: معنى الاستثناءحاصل فيه، وهو اخراج بعض من كل...

و (عن القاسمية ومحمد بن الحسن وزفر) لا يصح الاستثناء الا من الجنس، فيكفي تفسيره لوجوب الحمل على‏الحقيقة (عند ابي حنيفة وابي يوسف)، بل يصح استثناء المكيل من الموزون والعكس، لا قيمي من مثلي والعكس،اذ المقدرات كالجنس الواحد ان اختلفت لا القيميات. قلنا: لا نسلم (بمذهب الشافعي ومالك من انه) يصح من غيرالجنس، فيرجع في تفسير الالف اليه في قوله: علي له الف الا دينارا، لجواز كونه اراد جنسا اخر.

قلنا: انما يجوزمجازا لا حقيقة‏»((223)).

وفي المحلى لابن حزم الظاهري: «ان وصل الاقرار بما يفسده بطل كله، ولم يلزمه شي‏ء، لا من مال ولا قود ولاحد». ومثل له بما اذا قال: كان لفلان علي مئة دينار وقد قضيتها((224)).

وفي قواعد الاحكام قال: «في تعقيب الاقرار بما ينافيه، وفيه مطلبان:

الاول: في الاستثناء، وقواعده خمس... الرابعة: الاستثناء من الجنس جائز اجماعا، ومن غيره على‏الاقوى.

الخامسة: الاستثناء المستوعب باطل، ويجوز ابقاء فرد واحد على الاقوى، فاذا قال: له علي عشرة دراهم الا تسعة،لزمه واحد...

المطلب الثاني: فيما عدا الاستثناء، وهو سبعة:

الاول: اذا عطف ببل، فان كانا معينين او مختلفين لم يقبل اضرابه ولزمه الامران، ولو كانا مطلقين او احدهما لزمه‏واحد او الاكثر... ولو عطف بلكن، لزمه ما بعدها، اذ لا يعطف بها الا بعد النفي...

الثاني: اذا كان في يده شي‏ء على ظاهر التملك فقال: هذا الشي‏ء لزيد بل لعمرو، قضي به للاول، وغرم قيمته للثاني،وكذا:

غصبته من زيد بل من عمرو، على اشكال، او: غصبته من زيد لا بل من عمرو، او: غصبته من زيد وغصبه‏زيد من عمرو، وكذا:

استودعته من زيد بل من عمرو، سواء اتصل الكلام او انفصل...

الثالث: هل يصح البدل كالاستثناء؟ الاقرب ذلك ان لم يرفع مقتضى الاقرار، كما لو قال: له هذه الدار هبة او صدقة،اما لو قال: له هذه الدار عارية او سكنى ففيه نظر، ينشا من كونه رفعا لمقتضى الاقرار، ومن صحة بدل الاشتمال‏لغة.

ولو قال: له هذه الدار ثلثها او ربعها، ففيه الاشكال.