2 علي بن احمد بن موسى الدقاق.

3 محمد بن محمد بن عصام الكليني.

4 هارون بن موسى بن احمد بن سعيد التلعكبري.

5 محمد بن موسى بن المتوكل.

وقد ورد في بعض المصادر الفقهية ان من تلامذته الشيخ الصدوق((359))، ولم ينقله احد، لان الصدوق يروي‏عن الكليني بالواسطة، وقد ذكر طريقه اليه في مشيخة الفقيه.

مكانته العلمية:

اشادت كلمات الاعلام من الفريقين بفضله ومكانته، واذعنت بجهوده العلمية وعطائه الفذ، حتى لقب ب «ثقة‏الاسلام‏» على الاطلاق. واليك شطرا من كلماتهم المعربة عن فضله عندهم واكبارهم لشخصه:

ت قال الشيخ النجاشي(ع) فيه: «كان اوثق الناس في الحديث واثبتهم. صنف الكتاب المعروف بالكليني يسمى‏الكافي في عشرين سنة‏»((360)).

ت واثنى عليه شيخ الطائفة الطوسي(قده) قائلا: «جليل القدر، عالم بالاخبار»((361)). وقال: «ثقة، عارف‏بالاخبار»((362)).

ت واعتبره المحقق الحلي ممن اشتهر فضله وعرف تقدمه في نقل الاخبار وصحة الاختيار وجودة‏الاعتبار((363)).

ت وقال السيد ابن طاووس(ع): «الشيخ المتفق على ثقته وامانته‏»((364)).

ت واطراه الشيخ المجلسي(قده) بقوله: «الشيخ الصدوق، ثقة الاسلام، مقبول طوائف الانام‏»((365)).

ت وقال ابن الاثير: «هو من ائمة الامامية وعلمائهم‏»((366)).

وقال عنه ايضا: «الامام على مذهب اهل البيت، عالم‏في مذهبهم، كبير فاضل عندهم مشهور»((367)).

ت وقال الصفدي: «كان من فقهاء الشيعة والمصنفين على مذهبهم‏»((368)).

ت ومثله قال ابن حجر((369)). ووصفه ايضا بانه: «من رؤساء فضلاء الشيعة في ايام المقتدر»((370)).

ت وقال الذهبي: «شيخ الشيعة وعالم الامامية، صاحب التصانيف، ابو جعفر محمد بن يعقوب‏الكليني‏»((371)).

ت وقال ابن ماكولا: «من فقهاء الشيعة والمصنفين في مذهبهم‏»((372)).

ت وقال المولى خليل بن الغازي القزويني: «اعترف المؤالف والمخالف بفضله، قال اصحابنا: وكان اوثق الناس في‏الحديث، واثبتهم واغورهم في العلوم‏»((373)).

ت واثنى عليه الافندي: «ثقة الاسلام.. الشيخ الاقدم المسلم بين العامة والخاصة، والمفتي لكلاالفريقين‏»((374)).

ت وقال الشيخ حسن الدمستاني: «ثقة الاسلام وواحد الاعلام، خصوصا في الحديث، فانه جهينة الاخبار وسابق‏هذا المضمار، الذي لا يشق له غبار ولا يعثر له على عثار»((375)).

ت وقال صاحب الجواهر مثنيا عليه وعلى علي بن بابويه ومكانتهما عند ولده الصدوق: «لا ريب ان الكليني ووالده‏من اجلاء الامامية مع انهما عنده اي الشيخ الصدوق بمكانة عظيمة جدا سيما والده بل والكليني‏ايضا»((376)).

وقفة مع كتاب الكافي:

لا شك ان كتاب الكافي قد ملا فراغا مرجعيا كبيرا، اذ لم يكن الى عصر مؤلفه جامع للاصول والفروع يرجع اليه في‏الفقه والحديث والكلام وغيرها من العلوم، وانما الذي كان هو عبارة عن مجموعة من الاصول والكتب المتفرقة‏والمبثوثة بايدي الرواة وحفظة الحديث من غير تنقية او تبويب او استيعاب، فقام الكليني وقد كان خبيرا بالاخباربصيرا بها ناقدا لها بعملية جمع وضبط وفرز وانتقاء للاحاديث من تلك الاصول، ثم افراغها ضمن تقسيم‏صناعي جامع ومبتكر لم يتفق مثله لكتاب مثله.

وتظهر لنا جسامة الجهد الذي بذله الكليني في هذا السبيل اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار المدة الزمنية التي استغرقهاتاليف هذا الكتاب، حيث دامت عشرين عاما، هذا مع ما كان عليه الكليني من خبرة وكفاءة عالية تؤهله للقيام به في‏اقصر فرصة ممكنة، سيما مع رواج الحديث وكتبه واصوله انذاك، اذ كان الحديث يشكل الطابع العام واللغة‏المدرسية لاغلب العلوم، فليس امام الباحث ثمة صعوبة في تحصيل تلك المادة، خصوصا مع ملاحظة بيئة‏الكليني ببغداد او الري وما كانت تمثله من مركزية وريادة على الصعيد العلمي، مما يعني توفر جميع العوامل‏والدواعي لانجاز اي عمل علمي من هذا القبيل.

ان ملاحظة جميع هذه العوامل والاوضاع منضمة بعضها الى بعض تقودنا الى القول بان ما قام به الشيخ الكليني‏لم يكن عملا فنيا او تجميعيا صرفا بالرغم من كونه مهمة اعظم بها من مهمة، سيما وهي الاولى من نوعها بل‏ينم‏ذلك ويكشف عن خبرة وجهد علمي كبيرين كانا الاساس في جمع احاديث هذه الموسوعة وتبويبها وتنسيقهاوانتقائها من الاصول المعتمدة باخراج الصحيح منها، كما اوضحه في مقدمة الكتاب. وبعبارة ثانية: ان هذا العمل‏يعتبر عملا اجتهاديا وخبرويا في فهم الاخبار وفقهها.

ومن هنا فقد احتل هذا المصدر المهم الصدارة والتقدم منذ اليوم الاول لتاليفه، فقد ارتشف من معينه علماء هذه‏الامة من فقهائها وائمة الحديث فيها من الطبقة الاولى المعاصرة لزمن تاليفه، مذعنين بقدرة مؤلفه وبراعته في‏هذا الفن، مقدرين له جهده في هذا الكتاب.

قال الرجالي القديم الشيخ النجاشي: «كنت اتردد الى المسجد المعروف بمسجد اللؤلؤي وهو مسجد نفطويه‏النحوي اقرا القران على صاحب المسجد وجماعة من اصحابنا يقرؤون كتاب الكافي على ابي الحسين احمد بن‏احمد الكوفي الكاتب حدثكم محمد بن يعقوب الكليني. ورايت ابا الحسن العقرائي يرويه عنه. وروينا كتبه كلها عن‏جماعة شيوخنا: محمد بن محمد، والحسين بن عبد اللّه، واحمد بن علي بن نوح، عن ابي القاسم جعفر بن قولويه،عنه‏»((377)). وهي شهادة تكشف بحق عن المرتبة الرفيعة لهذا المصنف الفذ، واهتمام الوسط العلمي به‏انذاك، وروايته له اجازة وسماعا.

وقد روى هذا الاثر الخالد رجالات الفقه والحديث الاوائل ممن كان له الصدارة في الفتيا والحديث، كالشيخ المفيد،والسيد المرتضى، والشيخ الطوسي، والصدوق، وابن قولويه، والنجاشي، والتلعكبري، والزراري، وابن ابي‏رافع الصيمري، وابي المفضل الشيباني، وابن عبدون، وغيرهم.

وقد اطبقت كلمات الاعلام على تفضيله وترجيحه:

قال الشيخ المفيد: «هو من اجل كتب الشيعة واكثرها فائدة‏»((378)).

وقال الشهيد الثاني بانه: «لم يعمل الامامية مثله‏»((379)).

وقال المجلسي الاول بانه: «اضبط الاصول، واحسن مؤلفات الفرقة الناجية، واعظمها»((380)).

وقد تفرد هذا المصنف العظيم بمزايا قل نظيرها في غيره:

منها: قرب عهده بزمن النص، حيث كان تاليفه في عصر الغيبة الصغرى وعهد السفراء.

ومنها: انه مجموع من الاصول المعتمدة والكتب المعول عليها عند الطائفة.

ومنها: الالتزام بنقل نص الحديث لا النقل بالمعنى.

ومنها: الالتزام بايراد جميع سلسلة السند من المؤلف الى المعصوم(ع) متصلا، وقد يحذف صدر السند، ولعله‏لنقله عن اصل المروي عنه من غير واسطة او لحوالته على ما ذكره قريبا، وهذا في حكم‏المذكور((381)).

ومنها: جامعيته لفصول المعرفة كافة، من العقائد والاحكام والاخلاق، بعكس اقرانه الثلاثة التي اختصت‏بالاحكام والفروع حسب.

ومنها: حسن التبويب وحسن التعبير عن عناوين الابواب وانطباقها على الروايات المنضوية تحتها.

ومن هنا فقد حظ‏ي هذا المصنف بعناية الاعلام منذ القدم فاولوه اهتماما فائقا شرحا وتعليقا واختصاراوترجمة‏وتحقيقا.

وقد عد بعض الباحثين من جملة شروحه الكثيرة اثني عشر شرحا، ومن التعليقات عليه احدى وعشرين‏تعليقة((382)).

اشارة هامة:

ثم ان مما تجدر اليه الاشارة هنا هو ان كتاب الكافي لم يكن يمثل جميع ما عند مصنفه من تراث روائي، فان ثمة‏مرويات له لم يروها في هذا الكتاب، ولم اعثر على من اشار الى هذا او تتبع البحث فيه، والذي وقفت عليه في‏استقراء ناقص ما رواه تلميذه ابو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه (المتوفي 368) في كامل الزيارات حيث اسندعنه ست روايات لم نعثر عليها في مظانها من كتاب الكافي. وكذا ما رواه الشيخ الصدوق في بعض كتبه.

وحيث‏ان‏المجال لا يسع لذكر تلك الروايات جميعا لخروجه عم ا نحن بصدده من البحث فلذا نكتفي بنقل بعض النماذج‏للاشارة والتنبيه، عسى ان يوفق البعض للقيام بتتبع ذلك وجمع تراثه الروائي مع سائر ما تبقى من كتبه التي‏وصلت الى ايدي بعض العلماء فنقلوا عنها. واليك اولا ما رواه تلميذه ابن قولويه في كامل الزيارات:

1 حدثني محمد بن يعقوب، عن عدة من اصحابنا، عن احمد بن محمد ابن عيسى، عن علي بن الحكم، عن زياد بن‏ابي الحلال، عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «ما من نبي ولا وصي نبي يبقى في الارض باكثر من ثلاثة ايام، ثم ترفع روحه‏وعظمه ولحمه الى السماء، وانما يؤتى مواضع اثارهم، ويبلغونهم من بعيد السلام، ويسمعونهم في مواضع‏اثارهم من قريب‏»((383)).

2 حدثني محمد بن يعقوب قال: حدثني عدة من اصحابنا، منهم احمد ابن ادريس ومحمد بن يحيى، عن العمركي‏بن علي، عن يحيى وكان خادما لابي جعفر الثاني(ع) عن بعض اصحابنا، رفعه الى محمد بن علي بن‏الحسين(ع)، قال: «قال رسول اللّه(ص): من زارني او زار احدا من ذريتي زرته يوم القيامة، فانقذته من‏اهوالها»((384)).

3 حدثني محمد بن يعقوب، عن عدة من رجاله، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن عبد الرحمان بن ابي نجران‏قال: قلت لابي جعفر الثاني(ع): جعلت فداك، ما لمن زار قبر رسول اللّه(ص) متعمدا؟ قال: «له الجنة‏»((385)).

4 حدثني محمد بن يعقوب، عن احمد بن ادريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن ابي‏عبد اللّه(ع) قال: «من اتى قبر الحسين(ع) عارفا بحقه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تاخر»((386)).

5 حدثني محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي الوشاء قال:سالت الرضا(ع) عن زيارة قبر ابي الحسن(ع) امثل زيارة قبر الحسين(ع)؟ قال: «نعم‏»((387)).

6 حدثني ابي وعلي بن الحسين ومحمد بن يعقوب رحمهم اللّه جميعا عن علي بن ابراهيم بن هاشم، عن ابيه، عن‏احمد بن محمد بن ابي نصر قال: سال بعض اصحابنا ابا الحسن الرضا(ع) عمن اتى قبر الحسين(ع)؟ قال: «تعدل‏عمرة‏»((388)).

واما ما رواه الشيخ الصدوق عنه فننقل منه:

1 ما رواه في العيون عن محمد بن عبيدة قال: سالت الرضا(ع) عن قول اللّه عزوجل لابليس: (ما منعك ان تسجد لماخلقت بيدي)((389))، قال: «يعني بقدرتي وقوتي‏»((390)).

2 ما رواه في الخصال عن محمد بن علي بن ماجيلويه عن اثنا عشر اماما من ال محمد كلهم محدثون بعد رسول‏اللّه وعلي بن ابي طالب منهم((391)).

الملامح العامة للبعد الفقهي تنحصر دراسة هذا البعد في حدود القسم الثاني من كتاب الكافي، اي قسم الفروع، اذ لا سبيل لاستكشاف الملامح‏العامة من فقهه وتسليط الضوء عليها غير ما بثه من اراء واستدلالات وبيانات فقهية خلال بحوثه الروائية.

وقد اورد في هذا القسم من كتابه نحو عشرة الاف حديث من ابواب الفقه كافة، من الطهارة الى الديات، مبوبا هذه‏الاحاديث بتقسيم فني مبتكر ودقيق، خال من التكرار والتداخل والخلط.

وقد ختم بعض الابواب بالنوادر من‏الاخبار سالكا في بيان الاحاديث الفقهية مسلك اهل الحديث في ايراد الاخبار في كل مسالة وباب مع بيان ما اذااقتضى الامر ذلك لموارد تعارض الاخبار، او بيان رايه وفتواه على ضوء الروايات التي ينقلها، او ببحث فروع‏الباب ومسائله بحثا فقهيا استدلاليا قبل ايراد الاخبار الواردة فيها، كما فعل ذلك في اول كتاب الارث، او بتلخيص‏عام لمضمون مجموعة من الابواب واحاديثها، كما فعل ذلك في باب السهو والشك في كتاب الصلاة. كما ضمن‏كتابه تمشيا مع طريقة الفقهاء في بحوثهم استشهادات عديدة لكلمات واراء من سبقه من الفقهاء من اصحاب‏الائمة(ع)، من امثال زرارة بن اعين، ويونس بن عبد الرحمان، والفضل بن شاذان.

ومن اجل توضيح هذه الموارد نتوقف عندها، لتسليط الضوء عليها وايضاحها بشكل اكثر تفصيلا:

1 بيان الفتوى على ضوء الاخبار والاستدلال عليها:

قد ذكر الفقهاء ان الغسلة الثانية في الوضوء سنة، بل ادعي الاجماع عليه. وذهب الشيخ الكليني(قده) الى انه لايؤجر على الثانية، مستدلا على ذلك بقول ابي عبد اللّه(ع): «ما كان وضوء علي(ع) الا مرة مرة‏». ولما كان هذاالحديث يحكي فعله(ع) فهو من سنخ احاديث الوضوءات البيانية التي قد يرد عليها انه(ع) قد اكتفى بالواجب من‏الغسل، فان الشيخ الكليني وكانه يجيب على هذا الاشكال المقدر ذكر ان الامام صلوات اللّه عليه كان اذا وردعليه امران كلاهما للّه طاعة اخذ باحوطهما واشدهما على بدنه((392)).

ثم انه تعرض بعد ذلك للروايات المعارضة الدالة على ان «الوضوء مرتان‏»، جامعا بينهما بان ذلك لمن لم يقنعه‏مرة واستزاد.

فالملاحظ في هذه الممارسة الاجتهادية انه لم يقتصر فيها على ايراد الخبر ايرادا كما هو داب المحدثين بل علل‏ذلك مبينا الوجه في هذه العلة، وهو الحديث المروي عنه(ع) من انه كان اذا ورد عليه امران كلاهما للّه طاعة اخذباحوطهما، وهي التفاتة ظريفة في المقام،وبذلك فانه يجيب عن اشكال مطوي ومقدر. كما انه لم يقف عند احدطرفي الادلة في المسالة، بل اورد الروايات المعارضة لها، ثم صار بصدد التوجيه والجمع بينهما.

2 الجمع بين الاخبار المتعارضة:

ا المشهور بين الفقهاء بل هو موضع وفاق بينهم((393)) ان الجد وكذا الجدة، لاب كانا ام لام، لا يرثان مع وجودالابوين، فهما بمنزلة الاخ مع وجود الابوين لا يرثان. وقد عقد الشيخ الكليني بابا في ارث الجد اورد فيه ما يدل على‏ان الجد يقاسم الاخوة فهو بمنزلتهم، ثم اورد في باب ارث ابن الاخ والجد اخبارا تدل على ان لهما السدس طعمة،معقبا عليها بان «هذا قد روي، وهي اخبار صحيحة‏»، ثم قال في مقام علاج التعارض ورفعه: «الا ان اجماع‏العصابة ان منزلة الجد منزلة الاخ من الاب يرث ميراث الاخ، واذا كانت منزلة الجد منزلة الاخ من الاب يرث ما يرث‏الاخ يجوز ان تكون هذه اخبارا خاصة. الا انه اخبرني بعض اصحابنا ان رسول اللّه(ص) اطعم الجد السدس مع‏الاب ولم يعطه مع الولد، وليس هذا ايضا مما يوافق اجماع العصابة ان منزلة الاخ والجد بمنزلة واحدة‏»((394)).

فان الملاحظ لهذا النص يجده انه قد انطوى على عملية اجتهادية توازن بين كفتي الروايات المتعارضة في مسالة‏ارث الجد لتحسم التنافي بينهما لصالح الاخبار التي قام الاجماع على مدلولها، بمعنى عدم توريثه، ومن هنا فان ماورد في اطعامهما السدس محمول على الندب، قال في الجواهر:

«المحكي عن الكليني(ع) بعد اعترافه بان اجماع‏العصابة على تنزيل الجد منزلة الاخ المعلوم عدم مشاركته الابوين يقضي بارادة الندب له‏»((395)).

وكذا في مسالة وجود اب وجد ولم يكن له ولد، حيث ورد بعض الاخبار باطعامه السدس في هذه الصورة خاصة،فانه صرح ايضا بان «ليس هذا ايضا مما يوافق اجماع العصابة ان منزلة الاخ والجد بمنزلة واحدة‏»((396)).

ب المشهور المعروف بين الامامية ان من شرائط القصد في السفر الا يكون سفره اكثر من حضره، كالمكاري‏والملاح وغيرهم، بل ادعي عليه الاجماع، الا ما عن ظاهر العماني من وجوب القصد على كل مسافر، ويدل على‏فتوى المشهور الروايات المستفيضة((397))، منها: ما رواه الكليني بسنده عن ابي جعفر(ع) قال: «اربعة قديجب عليهم التمام، في السفر كانوا او الحضر: المكاري، والكري، والراعي، والاشتقان، لانه عملهم‏»((398)).وروى ايضا في نفس الباب عن احدهما(ع) قال: «ليس على الملاحين في سفينتهم تقصير، ولا على المكاري‏والجمال‏»((399)).

الا انه اخرج رواية اخرى معارضة دلت على ان «المكاري اذا جد به السير فليقصر»((400)).

وقد جمع بينهما: بان ذلك اذا جد به السير فجعل المنزلين منزلا واحدا، واختار وجه الجمع هذا شيخ الطائفة في‏التهذيب، وتابعه عليه فقال: «الوجه في هذين الخبرين ما ذكره محمد بن يعقوب الكليني(ع) قال: هذا محمول على‏من يجعل المنزلين منزلا، فيقصر في الطريق ويتم في المنزل‏»((401)).

قال في الجواهر معلقا على هذا الوجه من الجمع: «ولعله لانه مقتضى الجمع بين الاطلاق والتقييد، ولما يلاقونه في‏الفرض من شدة الجهد والتعب المناسبين لشرعية القصر، ولانصراف تلك الاطلاقات الى السيرالمتعارف‏»((402)).

وقد عمل بذلك ايضا من المتاخرين جماعة، منهم صاحب المدارك والمنتقى والمحدث الكاشاني والفاضل الهندي‏وصاحب الذخيرة والحدائق والمستند((403)).

ج روى في وقت التلبية للاحرام روايات عدة، ثم جمع بينها:

الكليني عن الحلبي، عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «اذا صليت في مسجد الشجرة فقل وانت قاعد في دبر الصلاة قبل ان‏تقوم ما يقول المحرم، ثم قم فامش حتى تبلغ الميل وتستوي بك البيداء، فاذا استوت بك فلبه‏»((404)).

وروى ايضا في نفس الباب عن عبد اللّه بن سنان انه سال ابا عبد اللّه(ع): هل يجوز للمتمتع بالعمرة الى الحج ان‏يظهر التلبية في مسجد الشجرة؟ فقال: «نعم، انما لبى النبي(ص) على البيداء، لان الناس لم يكونوا يعرفون‏التلبية، فاحب ان يعلمهم كيف التلبية‏»((405)).

وايضا عن اسحاق بن عمار، عن ابي الحسن(ع) قال: قلت له: اذا احرم الرجل في دبر المكتوبة ايلبي حين ينهض به‏بعيره او جالسا في دبر الصلاة؟ قال: «اي ذلك شاء صنع‏»((406)).

قال الكليني في مقام الجمع بينها بالتخيير وشاهد الجمع عنده هو خبر اسحاق بن عمار الانف : وهذا عندي من‏الامر المتوسع، الا ان الفضل فيه ان يظهر التلبية حيث اظهر النبي(ص) على طرف البيداء، ولا يجوز لاحد ان يجوزميل البيداء الا وقد اظهر التلبية، واول البيداء اول ميل يلقاك عن يسار الطريق((407)).

وتبعه على هذا الوجه من الجمع الشيخ في الاستبصار((408))، والعلامة المجلسي في شرحه((409)).

3 عنايته بالاقوال:

من المسائل المهمة في البحث الفقهي الوقوف على اقوال الاخرين وارائهم سيما في المسائل الخلافية الحساسة،وذلك لتحصيل الوفاق والخلاف فيها. ومن هنا نجد الكليني(ع) قد اهتم بهذا الجانب في بعض المسائل الخلافية‏الهامة في باب الارث، فتارة نجده يعنى بنقل اقوال فقهائنا السابقين كيونس والفضل وزرارة، وربما يستغرق‏نقله عنهم صفحات من كتابه وقد ينحصر النقل عنهم احيانا به وتارة ينقل اراء جمهور المسلمين ومواضع‏خلافهم او وفاقهم معنا، وقد نقلنا ما ورد في كتابه من فقه يونس والفضل بن شاذان وزرارة في الاعداد السابقة‏من المجلة. واما ما نقله عن الجمهور وعنايته بمواضع اجماع المسلمين والخلاف معهم فننقل هنا بعض النماذج‏منه:

ت ميراث الولد:

قال(قده): «الاجماع [قائم على] ان ولد الولد يقومون مقام الولد، وكذلك ولد الاخوة اذا لم يكن ولد الصلب ولااخوة، وهذا من امر الولد مجمع عليه، ولا اعلم بين الامة في ذلك اختلافا»((410)).

ت ميراث البنتين:

قال(قده): «وقد تكلم الناس في امر الابنتين: من اين جعل لهما الثلثان، واللّه جل وعز انما جعل الثلثين لما فوق‏اثنتين؟ فقال قوم: باجماع، وقال قوم: قياسا، كما ان كان للواحدة النصف كان ذلك دليلا على ان لما فوق الواحدة‏الثلثين، وقال قوم بالتقليد والرواية. ولم يصب واحد منهم الوجه في ذلك...»((411)). الى اخر كلامه الذي تقدم‏نقله بتمامه.

ت ميراث الازواج والاخوة والاخوات:

قال(قده): «ثم ذكر [عزوجل] فريضة الازواج فادخلهم على الولد وعلى الابوين وعلى جميع اهل الفرائض على‏قدر ما سمى لهم. وليس في فريضتهم اختلاف ولا تنازع، فاختصرنا الكلام في ذلك.

ثم ذكر فريضة الاخوة والاخوات من قبل الام فقال: (وان كان رجل يورث كلالة او امراة وله اخ او اخت) يعني:لام(فلكل واحد منهما السدس فان كانوا اكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث)، وهذا فيه خلاف بين الام ة، وكل هذا (من بعدوصية يوصي بها او دين)((412)). فالاخوة من الام لهم نصيبهم المسمى لهم مع الاخوة والاخوات من الاب والام،والاخوة والاخوات من الام لا يزادون على الثلث ولا ينقصون من السدس، والذكر والانثى فيه سواء، وهذا كله‏مجمع عليه، الا ان لا يحضر احد غيرهم‏»((413)).

ان الملاحظ لهذه النماذج يلمس من خلالها سعة اطلاع المؤلف، وعنايته بموارد الخلاف والوفاق في فقهنا وفقه‏الجمهور.

4 البحث الاستدلالي في بعض البحوث الهامة:

ان الملاحظ لمصنفات القدماء يجد اهتماما خاصا منهم ببعض الابواب الفقهية، حيث كانت بعض مسائلها مدارالبحث والخلاف بين الفريقين، وذلك نظير مسائل باب الوضوء والنكاح والطلاق والارث. والسبب في ذلك هوان‏مدارك تلك الاحكام والفروع هو القران الكريم، وهو مصدر مشترك بين الجميع قطعي الصدور عندهم، ومن هنافان الجميع يحاول التمسك باياته وتقريب الاستدلال بها على مقصوده.

ولذا نجد ان الشيخ الكليني(قده) في كتاب الارث والفرائض قد عدل عن طريقته التي سار عليها في مجمل بحوث‏كتابه بالاقتصار على ايراد الاخبار، فقام اولا في اول كتاب الارث ببيان الطبقات وتوضيحها، ثم قام في باب اخرببيان الفرائض المكتوبة لهم في الكتاب شارحا ذلك ببيان واف على ضوء الايات المبينة للفرائض والاسهم، مع‏استعراض للاقوال ومواطن الاجماع والخلاف في تلك المسائل، وطرح المناقشات التي يمكن ان ترد في البحث‏مجيبا عليها، ثم يشرع بعد ذلك بتبويب الاخبار المتعلقة بمسائل كتاب الارث، كل ذلك يضع الباحث امام نموذج‏من نماذج البحث الفقهي في كتاب الكافي، ليقف عند صورة تعكس مستوى البحث الفقهي لمؤلفه الفقيه وهويخرج عن منهجه الحديثي التقليدي الذي سار عليه في كتابه ليحرر بحثا فقهيا استدلاليا في فروع ومسائل‏شتى.

الملامح العامة للبعد الاصولي يظهر للمتتبع لتاريخ علم الاصول ان التكوين الاول لهذا العلم قد بدا بشكل رسمي ومقرر في القرنين الرابع‏والخامس. وهذا لا يلغي بالطبع الجهود العلمية الاولى التي سبقت هذه الفترة والتي ظهرت في بعض مصنفات‏اصحاب الائمة في هذا المجال، اذ انا نتكلم عن الوجه الرسمي لهذا العلم كصناعة مقررة تمتلك مقوماتها ومنهجهاالخاص بها.

وقد عاصر فقيهنا الكليني بدايات تلك المرحلة التي ارسى قواعدها بعض معاصريه من فقهائنا العظام الذين‏افتقدنا اثارهم وعطاءهم العلمي، الامر الذي افقدنا امتلاك تصور كامل وجامع في هذا المجال.

والكليني بالرغم مما اشتهر وعرف عنه من اهتمامه بامر الحديث، فان المتتبع في مجموع ارائه وبحوثه الفقهية‏التي ضمنها كتابه الروائي يجد ان ثمة مرتكزات ومنطلقات اصولية للبحث الفقهي عند الكليني، نشير اليها لعلهاتكون ومضة في الكشف عن خلفيات البعد الفقهي عند هذا الفقيه:

1 الادلة:

يدور محور البحث الفقهي لدى الكليني على الادلة التالية:

الكتاب، السنة، الاجماع.

اما الدليل الاول فقد استند اليه في مجموعة من ارائه وبحوثه، والدليل الثاني يمثل المحور الاساس في كتابه.

واما الاجماع فقد ارتكن اليه في مواضع من كتاب الارث، مرتئيا حجيته بالرغم من عدم الوقوف على منشا الحجية‏والاعتبار لديه. واليك بعض النماذج والتطبيقات في هذا المجال:

ا قال في كتاب الارث في بيان الفرائض : «ان اللّه جل ذكره جعل المال كله للولد في كتابه، ثم ادخل عليهم بعدالابوين والزوجين، فلا يرث مع الولد غير هؤلاء الاربعة، وذلك انه عزوجل قال: (يوصيكم اللّه في اولادكم)((414))،فاجمعت الامة على ان اللّه اراد بهذا القول الميراث، فصار المال كله بهذا القول للولد»((415)).

فان المتامل في هذا النص يلاحظ كيف انه حكم الاجماع في فهم النص، وهي ملاحظة جديرة بالاهتمام حيث تلفتناالى دور الاجماع في تبيين النص وتفسيره.

ب وقال ايضا في وجوه الفرائض: «ان اللّه جعل الفرائض على اربعة اصناف، وجعل مخارجها من ستة اسهم،فبدابالولد والوالدين الذين هم الا قربون وبانفسهم يتقربون لا بغيرهم، ولا يسقطون من الميراث ابدا، ولا يرث‏معهم احد غيرهم الا الزوج والزوجة، فان حضر كلهم قسم المال بينهم على ما سمى اللّه عزوجل، وان حضربعضهم فكذلك، وان لم يحضر منهم الا واحد فالمال كله له. ولا يرث معه احد غيره اذا كان غيره لا يتقرب بنفسه‏وانما يتقرب بغيره، الا ما خص اللّه به من طريق الاجماع ان ولد الولد يقومون مقام الولد، وكذلك ولد الاخوة اذا لم‏يكن ولد الصلب ولا اخوة. وهذا من امر الولد مجمع عليه، ولا اعلم بين الامة في ذلك اختلافا»((416)).

وهنا نلاحظ ايضا دور الاجماع في استثناء ارث ولد الولد من الحكم المذكور.

ج وقال ايضا بعد ان اورد ما يدل على ارث الجد والجدة السدس طعمة المخالف للمجمع عليه من انهما لا يرثان ذلك‏مع وجود الابوين: «هذا اي ما يدل على اطعامهم السدس قد روي، وهي اخبار صحيحة، الا ان اجماع العصابة ان‏منزلة الجد منزلة الاخ من الاب يرث ميراث الاخ‏»((417)).

لقد جعل الاجماع عاضدا ومرجحا لاحد شقي التعارض بين هذه الاخبار، وسياتي الكلام عن ذلك عند التعرض‏لبحث المرجحات في حالات التعارض.

2 حجية الظواهر:

وهذا ما يظهر منه في مواطن عديدة في كتابه حين استشهد بالنصوص القرانية معولا على ظاهرها مضافا الى‏نصها.

3 حجية خبر الاحاد:

وهي من المسائل التي احتدم الكلام فيها عند الاقدمين من فقهائنا، فذهب البعض الى منعها وعدم العمل بها بل الى‏استحالتها، والحجة عندهم خصوص الخبر المتواتر، فيما ذهب الاخرون الى حجية اخبار الاحاد واعتبارها. وممن‏ذهب الى هذا الراي فقيهنا المترجم، حيث افتى في عدة مواضع من كتابه بمضمون اخبار الاحاد، كما سنقف على‏ذلك عند التعرض للمجموع من فقهه وفتاواه.

4 التعارض:

وهو من اهم مسائل علم الاصول واجلها، لكثرة ابتلاء الفقيه بها في مقام البحث والاستنباط، ويرجع في مثل هذه‏الحالات عادة الى المرجحات، وقسمها الاصوليون الى المرجحات السندية والمرجحات الدلالية.

وقد اشار الشيخ الكليني الى القسم الثاني منها في مقدمة كتابه عند الاشارة الى اختلاف الاخبار وتعارضها، منبهاعلى عدم امكان الجمع بينها بالراي دون الرجوع الى الموازين التي اقامها الائمة(ع) في مثل هذه الحالات. وهذه‏الموازين بحسب ما حددها هي:

ا الموافقة للكتاب.

ب مخالفة الجمهور.

ج الاخذ بالخبر المجمع عليه.

قال(قده): «انه لا يسع احدا تمييز شي‏ء مما اختلف الرواية فيه عن العلماء(ع) برايه، الا على ما اطلقه العالم‏بقوله(ع):

«اعرضوها على كتاب اللّه، فما وافق كتاب اللّه عزوجل فخذوه، وما خالف كتاب اللّه فردوه‏»، وقوله(ع):«دعوا ما وافق القوم، فان الرشد في خلافهم‏»، وقوله(ع): «خذوا بالمجمع عليه، فان المجمع عليه لا ريب فيه‏».ثم‏يشير الى موارد تطبيق هذه القواعد وقل ة الاطلاع على تشخيصها والوقوف عليها فيقول:

«ونحن لا نعرف من‏جميع ذلك الا اقلة، ولا نجد شيئا احوط ولا اوسع من رد علم ذلك كله الى العالم(ع)، وقبول ما وسع من الامر فيه‏بقوله(ع): «باي ما اخذتم من باب التسليم وسعكم‏»((418)).

ولم نعثر في حدود التتبع على تطبيق لهذه المرجحات سوى المرجح الثالث في مسائل باب الارث. وهذا لا ينفي‏بالطبع اعمالها جميعا بحسب الواقع عند اختياره للاخبار التي اوردها في كتابه. قال الحجة السيد حسن الصدرفي عداد مميزات كتاب الكافي: «ومنها: انه غالبا لا يورد الاخبار المعارضة، بل يقتصر على ما يدل على الباب الذي‏عنونه، وربما دل ذلك على ترجيحه لما ذكر على ما لم يذكر»((419)).

وعلى اي حال، فان من تطبيقات المرجح الثالث ما اشرنا اليه سابقا في مسالة ارث الجد مع وجود الابوين، حيث‏قدم الروايات الدالة على منعه من الارث على روايات الطعمة سدسا، لقيام الاجماع على الاولى مع صحة الروايات‏الثانية.