استقبل امره بادئ ذي بدء سنة ثمانين هجرية في حاضنته
الاولى في ثقيف الطائف ففيها كانت ولادته ونشاته،ثم‏انتقل
منها الى الكوفة((311))، ولم يؤرخ لسنة ذلك تحديدا كما لم
يظهر بقاؤه فيها الى آخر حياته، الا ان وصفه في‏عبارة النجاشي
بانه وجه اصحابنا بالكوفة تدل على بقائه فيها فترة ليست
بالقصيرة وربما تكون الى آخر حياته‏حيث لم ينقل مترجموه
اعراضه عنها او انتسابه الى بلد آخر، وتصفه بعض الروايات الاتية
بانه كان من اهل الكوفة،نعم اقام في المدينة بعد انتقاله الى
الكوفة اربع سنين يتلمذ فيها على الامام ابي جعفر الباقر(ع).
اما اسرته فلا نملك معلومات مفصلة عنها، ولكن وردت اسماء
بعض ولده في اسانيد الاخبار، والمذكور منهم‏شخصان:
1 ابراهيم بن محمد بن مسلم، ولم يذكروه في كتب الرجال،
وقد روى عن ابيه حديثا نقله في البحار عن تنبيه‏الخواطر
للشيخ ورام((312))، ورواية اخرى عن امالي الشيخ المفيد.
2 احمد بن محمد بن مسلم، روى عنه ايضا العلامة المجلسي
نقلا عن طب الائمة رواية واحدة((313)). والظاهر انهمالم
يكونا من المكثرين في الرواية.
وقد كان بريد العجلي ومحمد بن مارد ختنيه((314)). وذكر
بعضهم الكاهلي ايضا((315)).
واما مولاه فهو سويد وكان قد صحبه وفقه عليه، وله كتاب
يرويه جماعة وكان من الثقات الوجوه((316)).
واما ختناه فكانا ايضا من الرواة والثقات، فان حال بريد العجلي
اشهر من ان يذكر، واما محمد بن مارد فهو عين ثقة‏كما يصفه
النجاشي وكان له كتاب يرويه الحسن بن محبوب، وكان كوفيا،
عربي صميم((317)).
منزلته عند الائمة(ع) ورعايتهم له:
لقد حظيت شخصية محمد بن مسلم بمرتبة سامقة لدى
الامامين الباقرين(ع)، حيث كانا يكنان لشخصه احتراما
ووداخاصين، مما جعله موردا لعناياتهم وتفقدهم. ولا شك انه
انما نال ذلك لاستحقاقه واهليته علما وعملا وسلوكا.
ولقد كانت هذه الرابطة متينة ومتبادلة بينه وبينهم(ع) سيما
وانها قد امتدت عدة عقود من الزمن.
وثمة اخبار تكشف عن عمق هذه العلاقة نكتفي منها بخبر
واحد.
قال محمد بن مسلم: خرجت الى المدينة وانا وجع ثقيل فقيل
له: محمد بن مسلم وجع، فارسل الي ابو جعفر(ع)بشراب مع
الغلام مغط‏ى بمنديل، فناولنيه الغلام وقال لي: اشربه فانه قد
امرني ان لا ارجع حتى تشربه، فتناولت، فاذارائحة المسك منه،
واذا شراب طيب الطعم بارد، فلما شربته قال لي الغلام: يقول
لك اذا شربت فتعال، ففكرت فيما قال‏لي ولا اقدر على
النهوض قبل ذلك على رجلي، فلما استقر الشراب في جوفي،
كانما انشطت من عقال، فاتيت بابه‏فاستاذنت عليه، فصوت بي:
نصح الجسم، ادخل، فدخلت وانا باك، فسلمت وقبلت يده
وراسه، فقال لي: وما يبكيك يامحمد؟ فقلت: جعلت فداك
ابكي علي اغترابي وبعد الشقة وقلة المقدرة على المقام عندك
والنظر اليك، فقال لي: اما قلة‏المقدرة فكذلك جعل اللّه اولياءنا
واهل مودتنا وجعل البلاء اليهم سريعا، واما ما ذكرت من الغربة
فلك بابي عبد اللّه(ع)اسوة بارض ناء عنا بالفرات صلى اللّه عليه.
اما ما ذكرت من بعد الشقة فان المؤمن في هذه الدنيا غريب
وفي هذا الخلق‏منكوس حتى يخرج من هذه الدار الى رحمة
اللّه، واما ما ذكرت من حبك قربنا والنظر الينا وانك لا تقدر
على ذلك فاللّهيعلم ما في قلبك وجزاؤك عليه ثم قال لي:
كيف وجدت الشراب؟ فقلت: اشهد انكم اهل بيت الرحمة وانك
وصي‏الاوصياء، لقد اتاني الغلام بما بعثت وما اقدر على ان
استقل على قدمي، ولقد كنت آيسا من نفسي، فناولني
الشراب‏فشربته، فما وجدت مثل ريحه ولا اطيب من ذوقه ولا
طعمه، ولا ابرد منه، فلما شربته قال لي الغلام: انه امرني
ان‏اقول لك اذا شربته فاقبل الي، وقد علمت شدة ما بي، فقلت:
لاذهبن اليه ولو ذهبت نفسي: فاقبلت اليك وكاني انشطت‏من
عقال. فالحمد للّه الذي جعلكم رحمة لشيعتكم. فقال: يا محمد
ان الشراب الذي شربته فيه من طين قبور آبائي وهوافضل ما
استشفي فلا تعدلن به، فانا نسقيه صبياننا ونساءنا فنرى فيه كل
خير... قال محمد بن مسلم: فسقاني منه‏مرتين، فما اعلم اني
وجدت شيئا مما كنت اجد حتى انصرفت((318)).
ومن هنا فان ثمة روايات كثيرة صدرت منهم(ع) لبيان فضله
ومنزلته وهي تشيد بدوره في احياء مذهب اهل البيت(ع).وقد
بلغت هذه الاخبار حد الاستفاضة في الكثرة.
قال المحقق السيد الخوئي(قدس سره): والروايات في مدح
محمد بن مسلم وجلالة شانه وعظم مقامه
متظافرة‏مستفيضة((319)):
1 الكشي عن جميل بن دراج قال: سمعت ابا عبد اللّه(ع)
يقول: «بشر المخبتين بالجنة: بريد بن معاوية العجلي وابوبصير
ليث بن البختري المرادي ومحمد بن مسلم وزرارة، اربعة
نجباء امناء اللّه على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت‏آثار النبوة
واندرست‏»((320)).
2 عن الفضل بن عبد الملك قال: سمعت ابا عبد اللّه(ع) يقول:
«احب الناس الي احياء وامواتا اربعة: بريد بن معاوية‏العجلي
وزرارة ومحمد بن مسلم والاحول، وهم احب الناس الي احياء
وامواتا»((321)).
3 عن سليمان بن خالد الاقطع قال: سمعت ابا عبد اللّه(ع)
يقول: «ما اجد احدا احيا ذكرنا واحاديث ابي(ع) الا زرارة‏وابو
بصير ليث المرادي ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي،
ولولا هؤلاء ما كان احد يستنبط هذا، هؤلاء حفاظ‏الدين وامناء
ابي(ع) على حلال اللّه وحرامه، وهم السابقون الينا في الدنيا
والسابقون الينا في الاخرة‏»((322)).
4 عن ابي عبيدة الحذاء قال: سمعت ابا عبد اللّه(ع) يقول:
«زرارة وابو بصير ومحمد بن مسلم وبريد من الذين قال
اللّهتعالى: (والسابقون السابقون # اولئك
المقربون)((323))»((324)).
5 عن جميل بن دراج عن ابي عبد اللّه(ع) في حديث انه ذم
رجلا فقال: «لا قدس اللّه روحه ولا قدس مثله، انه ذكراقواما
كان ابي(ع) ائتمنهم على حلال اللّه وحرامه وكانوا عيبة علمه،
وكذلك اليوم هم عندي مستودع سري واصحاب‏ابي(ع) حقا،
اذا اراد اللّه باهل الارض سوءا صرف بهم عنهم السوء، هم نجوم
شيعتي احياء وامواتا، يحيون ذكرابي(ع)، بهم يكشف اللّه كل
بدعة، ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين وتاويل الغالين‏»
ثم بكى، فقلت: من هم؟ فقال:«من عليهم صلوات اللّه وعليهم
رحمته احياء وامواتا: بريد العجلي وزرارة وابو بصير ومحمد بن
مسلم..»((325)).
6 عن داود بن سرحان قال: سمعت ابا عبد اللّه(ع) يقول: «اني
لاحدث الرجل بالحديث وانهاه عن الجدال والمراء في‏دين اللّه،
وانهاه عن القياس فيخرج من عندي فيتاول حديثي على غير
تاويله الى ان قال: ان اصحاب ابي كانوا زينااحياء وامواتا،
اعني: زرارة ومحمد بن مسلم ومنهم ليث المرادي وبريد
العجلي، هؤلاء القوامون بالقسط، هؤلاءالقوامون بالصدق، هؤلاء
السابقون اولئك المقربون‏»((326)).
7 عن عبد اللّه بن ابي يعفور قال: قلت لابي عبد اللّه(ع): انه
ليس كل ساعة القاك ولا يمكن القدوم، ويجي‏ء الرجل
من‏اصحابنا فيسالني وليس عندي كل ما يسالني عنه، فقال:
«فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي!فانه قد سمع من
ابي‏وكان عنده وجيها»((327)).
ولكن ورد في مقابل هذه الاخبار، روايات في ذمه، وقد اجاب
عنها المحققون وناقشوا في طرقها.
قال الامام الخوئي(قدس سره):
«ولو صحت اسانيد هذه الروايات لم يعتد بها في قبال الروايات
المستفيضة المتقدمة، وقد اسبقنا في ترجمة زرارة مادل من
الروايات ان المعصوم سلام اللّه عليه ربما كان يصدر منه ذم
اصحابه حفظا لهم‏»((328)).
مدحه:
لقد اجمع الرجاليون وائمة الفقه والحديث على مدحه واطرائه
وتوثيقه بما يعرب عن منزلته وفضله العظيم. واليك‏بعض
كلماتهم فيه:
قال عبد الرحمان بن الحجاج وحماد بن عثمان وهما من
معاصريه : ما كان احد من الشيعة افقه من محمد
بن‏مسلم((329)).
وقال النجاشي: محمد بن مسلم بن رباح ابو جعفر الاوقص
الطحان مولى ثقيف وجه اصحابنا بالكوفة، فقيه ورع،صحب ابا
جعفر وابا عبد اللّه(ع) وروى عنهما وكان من اوثق
الناس((330)).
وعده الشيخ الكشي ممن اجتمعت العصابة على تصديقهم
من الاولين من اصحاب ابي جعفر وابي عبد اللّه(ع)
الذين‏انقادوا لهم بالفقه، بل هم افقه الاولين((331)).
واشاد الشيخ المفيد معلم الامة بدوره عادا له من الفقهاء
والاعلام الرؤساء الماخوذ عنهم الحلال والحرام والفتياوالاحكام
الذين لا يطعن عليهم ولا طريق الى ذم واحد منهم((332)).
وعده البرقي (تارة) في اصحاب الباقر(ع) قائلا: محمد بن
مسلم الثقفي الطائفي و (اخرى) من اصحاب الصادق(ع)قائلا:
ابو محمد محمد بن مسلم بن رياح ثم الثقفي الطائفي، ثم
انتقل الى الكوفة، عربي، والعامة تروي عنه وكان منا،وانس
الراوي يروي عنه((333)).
وعده الشيخ الطوسي تارة في اصحاب الباقر(ع) واخرى في
اصحاب الصادق(ع) قائلا: محمد بن مسلم بن رباح
(رياح)الثقفي ابو جعفر الطحان الاعور اسند عنه، قصير حداج،
وروى عنهما واروى الناس منه: العلاء بن رزين القلاء، مات‏سنة
خمسين ومئة وله نحو سبعين سنة. وثالثة من اصحاب
الكاظم(ع) قائلا: محمد بن مسلم الطحان لقي ابا
عبداللّه(ع)((334)).
سيرته الذاتية:
تميزت شخصية مترجمنا رضوان اللّه عليه بسجايا كريمة
وخصال رفيعة، كما هو شان العظماء الذين تجتمع فيهم‏خصال
الخير فتكون ذواتهم معدنا للنبل وسيرتهم مثال يحتذى، سيما
اذا اقترنت تلك الخصال بالعلم والفقاهة. وفيمايلي اشارة الى
بعض مزايا شخصية فقيهنا المترجم في حدود ما بايدينا من
معلومات في هذا المجال.
1 تواضعه:
كان محمد بن مسلم رجلا شريفا موسرا ذا وجاهة وشان علمي
اجتماعي مرموقين. وورد وصفه في عبارة مترجميه‏بانه كان
وجه اصحابنا بالكوفة، والمراد بالاصحاب هم العلماء لا عامة
الشيعة والناس. الا ان سيرته قد تجسدت فيهااعلى درجات
التواضع، فقد نقل ان الامام الباقر(ع) قد امر محمد بن مسلم
وكان عنده بالمدينة بالتواضع فقال:تواضع يا محمد. وايا
كانت المصلحة التي قدرها الامام(ع) في نصحه فانه لما قفل
محمد الى الكوفة راجعا اخذ امتثالالامر الامام(ع) قوصرة من
تمر مع الميزان وجلس على باب مسجد الجامع وصار ينادي
عليه، فاتاه قومه فقالوا له:فضحتنا. فقال: ان مولاي امرني بامر
فلن اخالفه، ولن ابرح حتى افرغ من بيع ما في هذه القوصرة.
فقال له قومه: اذاابيت الا ان تشتغل ببيع وشراء فاقعد في
الطحانين، فهيا رحى وجملا وجعل يطحن((335)).
وواضح ان الامام(ع) لم يحدد نوع العمل عندما اشار على
محمد بن مسلم بالتواضع والعمل الا انه اختار اقل الاعمال‏شانا.
2 عبادته وورعه:
من الصفات التي اشتهر بها كثرة العبادة وشدة الورع، فقد ذكر
احمد بن محمد بن خالد البرقي: «انه كان مشهورا في‏العبادة
وكان من العباد في زمانه‏»((336)) وتعبيره بالعباد صيغة
مبالغة تدل على كثرة عبادته وتميزه بها بين
اصحاب‏الائمة(ع). الا انه مع ذلك كله نراه يستقل ورعه ولا
يعتبره في الحد المطلوب الذي يجب ان يكون عليه شيعة
اهل‏البيت(ع). وهذه فضيلة ومنقبة اخرى تسجل لهذه
الشخصية حيث انه يستسخف ورعه ولا يراه شيئا اذا ما قيس
بورع‏غيره من اخوانه. فقد روى عبد اللّه بن بكير عن زرارة قال:
شهد ابو كريبة الازدي ومحمد بن مسلم الثقفي عند
شريك‏بشهادة وهو قاض فنظر في وجههما مليا ثم قال:
جعفريان فاطميان فبكيا فقال لهما: ما يبكيكما؟ قالا له: نسبتنا
الى‏اقوام لا يرضون بامثالنا ان يكونوا من اخوانهم لما يرون من
سخف ورعنا، ونسبتنا الى رجل لا يرضى بامثالنا ان‏يكونوا من
شيعته، فان تفضل وقبلنا فله المن علينا والفضل فينا! فتبسم
شريك ثم قال: اذا كانت الرجال فليكن امثالكماباولئك اجيزها
هذه المرة. قال فحججنا فخبرنا ابا عبد اللّه(ع) بالقصة. فقال: ما
لشريك شركه اللّه يوم القيامة بشركين من‏نار((337)).
ومر به الامام الصادق(ع) وهو بمسجد رسول اللّه(ص) يصلي
في شدة الحر، قال محمد بن مسلم: فلقيني بعد فقال: اياك‏ان
تصلي الفريضة في تلك الساعة، اتؤديها في شدة الحر؟ قلت:
اني كنت اتنفل((338))!
وقد كانت هذه الصفة مشهورة ومشهودة له في كلمات
مترجميه التي وصفته بانه «فقيه ورع‏» كما وصفته بانه «كان‏من
اوثق الناس‏»((339)) اذ لازم الورع ان يكون موردا لوثوق الناس
وركونهم اليه.
3 وثاقته ووجاهته:
لقد جسدت عبارة النجاشي السابقة التي وصفته بانه كان من
اوثق‏الناس الثقة الاجتماعية التي كانت تتمتع بهاشخصية
المترجم، وهي تعكس بلا شك وجاهته الاجتماعية، وقد وصفه
معاصروه من امثال والد محمد بن خالدالطيالسي بالجلالة
والشرف في قومه، وقد كان مقبولا موثوقا به عند الخاص والعام
وفي كلا البعدين الاجتماعي‏والعلمي. فقد روى عنه الجمهور
وكان محترم الراي لدى ائمة مذاهبهم وقضاتهم من امثال ابي
حنيفة وابن ابي ليلى‏وشريك القاضي الذي عبر عنه قائلا: اما
انه لقد كان مامونا على الحديث.
4 انقياده للائمة(ع):
من المميزات المهمة في شخصية محمد بن مسلم هو شدة
التزامه وانقياده لاوامر الائمة الطاهرين وتوجيهاتهم، فكان‏لا
يتخلف عنها قيد انملة مما يعكس عمق اعتقاده بهم لا في
المسائل العلمية والنظرية فحسب، بل حتى فيما يرجع‏لاموره
الشخصية كما عرفنا ذلك سابقا من امر الامام(ع) له بالعمل
والتواضع فاختار اوضع الاعمال وبتلك الطريقة‏التي نقلها
الخبر لنا تعبيرا عن التزامه بتوصية الامام(ع) وارشاده في
حين انه كان بامكانه من باب الابراء للذمة ان‏يتخذ عملا ارقى
من العمل الذي اتخذه وهو بيع التمر بباب المسجد الجامع وهو
ينادي عليه.
الا انه اراد ان يجسد طاعته لهذا الامر الارشادي باعلى درجات
الامتثال وافضلها. لمدة دامت طويلا وربما الى آخرحياته حتى
اكتسب من خلالها شهرة (الطحان) فكان يعرف بذلك.
وهكذا تجده مسلما منقادا بعلم وبصيرة في القضايا الاعتقادية
بنفس الدرجة من التسليم والانقياد في غيرها. فقدحدث قائلا:
كنت عند ابي جعفر محمد بن علي الباقر(ع) اذ دخل جعفر
ابنه، وعلى راسه ذؤابة وفي يده عصا يلعب بهافاخذه الباقر(ع)
وضمه اليه ضما ثم قال: بابي انت وامي لا تلهو ولا تلعب ثم قال
لي: يا محمد هذا امامك بعدي فاقتدبه واقتبس من علمه واللّه
انه لهو الصادق الذي وصفه لنا رسول اللّه(ص). ان شيعته
منصورون في الدنيا والاخرة‏واعداؤه ملعونون على لسان كل
نبي، فضحك جعفر(ع) واحمر وجهه. فالتفت الي ابو جعفر
وقال لي: سله. قلت له: ياابن رسول اللّه من اين الضحك؟ قال:
يا محمد العقل من القلب والحزن من الكبد والنفس من الريه
والضحك من‏الطحال. فقمت وقبلت راسه((340)).
ان الخبر المذكور يوضح جليا مدى ارتباط محمد بن مسلم
بائمة اهل البيت(ع) وانقياده لهم صغارا كانوا او كبارا،فالجميع
عنده ائمة حجج مفترضوا الطاعة، ولذا سارع الى السؤال من
الامام الصادق(ع) بعد طلب الامام منه ذلك بلاتردد او شك
في علميته على صغر سنه. كما ان في الرواية اشارة طريفة الى
ذكاء محمد بن مسلم حيث انه لم يتوجه‏بالسؤال عن قضايا
الفقه او الاعتقادات لاختبار الامام وانما ساله سؤالا مناسبا
للمقام حيث ان الامام(ع) كان قد ضحك‏فجاء سؤاله مناسبا
لذلك المقام.
عطاؤه العلمي:
ليس بامكان الباحث في حياة القدماء من فقهائنا سيما طبقة
اصحاب الائمة(ع) ان يقف على تصور كامل للابعادالعلمية
والفقهية لديهم، وذلك لعدم وجود الضبط التاريخي الدقيق
لتلك المرحلة ولفقدان الكثير الكثير من آثارهم‏ومصنفاتهم
التي لولاها لا يتم عرض متكامل وتقويم دقيق لعطائهم
العلمي، ومن هنا فان محاولة الخوض والبحث‏ستكون في
حدود المتوفر بايدينا من تراثهم، لدراسته واستنطاق كل ما
يمكن استنطاقه من النصوص الواردة عنهم‏لتكوين عناصر
البحث.
1 البعد الفقهي:
مكانته ودوره في الفقه:
لا شك ان لفقيهنا المترجم دور بارز في رفد حركة الفقه
وانتشارها في القرن الثاني وذلك من خلال ما اسداه
من‏خدمات علمية جليلة في هذا المجال. ولم يكن هذا الدور
ليؤثر اثره لولا تخطيط ائمة اهل البيت(ع) ورعايتهم في
ارساءقواعد تلك المدرسة العلمية الكبرى واعدادهم لمثل هذه
الطبقة من الفقهاء والعلماء الذين ملاوا العالم علماونورا.
ومحمد بن مسلم هو من ثمرات تلك المدرسة المباركة وممن
ادوا حقها وقاموا بنشر رسالتها.
ولذا فقد عرف ائمة اهل البيت(ع) له ذلك واشادوا بدوره عبر
كلماتهم التي كشفت عن ضخامة ذلك الدور وخطورته.فقد
عده الامام الصادق(ع) من ذوي الاستنباط ومن حفاظ الدين
والامناء من قبل اللّه على الحلال والحرام ومن القائلين‏بالصدق
القوامين بالقسط. وانه من اصحاب ابيه الذين ائتمنهم على
حلال اللّه وحرامه، وكانوا عيبة علمه، قال(ع):«وكذلك اليوم
هم عندي، هم مستودع سري، واصحاب ابي(ع) حقا، اذا اراد
اللّه باهل الارض سوء صرف بهم عنهم‏السوء، هم نجوم شيعتي
احياء وامواتا، يحيون ذكر ابي(ع)، بهم يكشف اللّه كل بدعة،
ينفون عن هذا الدين انتحال‏المبطلين، وتاويل الغالين، ثم
بكى(ع) فساله جميل بن دراج راوي هذا الحديث عنهم
فقال: من عليهم صلوات اللّهوعليهم رحمته احياء وامواتا: بريد
العجلي وزرارة وابو بصير ومحمد بن مسلم‏»((341)).
واعظم بها من كلمات معبرة عن قدر هذا الفقيه الكبير وعن
الدور والمهام التي كانت على عاتقه، ولولا هذه
الكلمات‏والشهادات الصادرة عنهم(ع) لكان من الصعب جدا
الاحاطة والاطلاع على الجهود والمنجزات العلمية الضخمة
لفقهاء تلك‏الطبقة.
لقد منح الامام الصادق(ع) ثقته المطلقة لمثل هذه الشخصية
النادرة كما ابان لخاصة اصحابه وعلمائهم فضلا عمن‏دونهم
فضلها ومقامها العلمي الشامخ مشيرا بالرجوع اليها. فقد ساله
عبد اللّه بن يعفور انه ليس كل ساعة القاك ولايمكن القدوم،
ويجي‏ء الرجل من اصحابنا فيسالني وليس عندي كل ما
يسالني عنه فقال: «فما يمنعك من محمد بن‏مسلم الثقفي؟!
فانه قد سمع من ابي وكان عنده وجيها»((342)).
وواضح ان ابن ابي يعفور لم يكن من سواد الناس ليرجعه
الامام(ع) لمحمد بن مسلم، بل كان وجها من
وجوه‏اصحابهم(ع) وذا شان ومحل لديهم، فقد وصفه الشيخ
النجاشي بالوثاقة والجلالة في الاصحاب كريما على ابي
عبداللّه(ع)((343)). وعده الشيخ المفيد في الفقهاء الاعلام
والرؤساء الماخوذ منهم الحلال والحرام
والفتياوالاحكام((344)).
ومن هنا فقد كان لمقامه ومنزلته الرفيعة شانا بين الاصحاب لا
يخفى على احد منهم، فقد اطراه كل من معاصريه‏الفقيهين
الجليلين عبد الرحمان بن الحجاج وحماد بن عثمان مثنيين
على مقامه وعلو درجته، حيث شهدا له بالفقاهة‏والفضل
قائلين: «ما كان احد من الشيعة افقه من محمد بن
مسلم‏»((345))، بل هي شهادة بالاعلمية والتقدم على
كل‏معاصريه بحسب ما يراه هذان العلمان ممن عاصروه
واطلعوا على فضله ونشاطه الفقهي والعلمي.
وقد كان عبد الرحمان من شيوخ اصحاب ابي عبد اللّه(ع)
وخاصته وبطانته وثقاته الفقهاء الصالحين كما تصفه
عبارة‏الشيخ المفيد(رحمه اللّه)((346)) وكان من وكلائه(ع)
واستاذا لصفوان وهو الذي يخاطبه الامام الصادق(ع) قائلا: «يا
عبدالرحمان كلم اهل المدينة، فاني احب ان يرى في رجال
الشيعة مثلك‏»((347)). كما ان حماد بن عثمان كان مثله في
العلم‏والفضل، فقد عده النجاشي في اصحاب الاجماع من
الفقهاء، وهما معا من اصحاب الكتب.. وعليه فلا غرو ان
تكون‏لهذه الشهادات في حق محمد بن مسلم قيمتها ووزنها،
سيما مع صدور بعضها من معاصرين له، مما لا يمكن‏صدورها
لصرف التبجيل والاطراء!
هذه هي مكانته لدى الوسط العلمي الشيعي، واما الاوساط
العلمية لدى باقي المسلمين، فقد كان يتمتع فيها ايضابنفس
النظرة من الاحترام والتقدير عند فقهائهم وقضاتهم، حيث
كانوا يرجعون الناس اليه في بعض الموارد التي‏تشكل عليهم،
كما في قصة ابي حنيفة معه، او برجوعهم انفسهم اليه كما
حصل مع ابن ابي ليلى وشريك، وكانا من‏القضاة، وفيما يلي
بعض تلك الشواهد المعبرة عما ذكرنا:
1 عن محمد بن مسلم قال: اني لنائم ذات ليلة على السطح
اذ طرق الباب طارق فقلت: من هذا؟ فقال: شريك رحمك‏اللّه،
فاشرفت فاذا امراة فقالت: لي بنت عروس ضربها الطلق، فما
زالت تطلق حتى ماتت والولد يتحرك في بطنهاويذهب ويجي‏ء
فما اصنع؟ فقلت: يا امة اللّه سئل محمد بن علي بن الحسين
الباقر(ع) عن مثل ذلك فقال: يشق بطن‏الميت ويستخرج
الولد، يا امة اللّه افعلي مثل ذلك، انا يا امة اللّه رجل في ستر، من
وجهك الي؟!
قال: قالت لي: رحمك اللّه جئت الى ابي حنيفة صاحب الراي
فقال:ما عندي في هذا شي‏ء، ولكن عليك بمحمد بن
مسلم‏الثقفي فانه يخبر، فما افتاك به من شي‏ء فعودي الي
فاعلمينيه، فقلت لها: امضي بسلام. فلما كان الغد خرجت
الى‏المسجد وابو حنيفة يسال عنها اصحابه فتنحنحت فقال:
اللهم غفرا دعنا نعيش((348)).
وفي الرواية اشارات ودلالات:
ا انطوت على اعتراف صريح من قبل شخصية معروفة مثل
ابي حنيفة بالمكانة العلمية لمحمد بن مسلم.
ب ان الارجاع اليه في الفتوى والتعبير عنه بانه يخبر دون
باقي اصحاب الائمة(ع) يعبر عن نظرة خاصة تجاهه‏وكانه هو
الممثل للفقه الامامي ولسانه في الكوفة.
ج لقد اظهر ابو حنيفة حرصا في الاطلاع على جوابه وفتواه
مما يعكس اهتمامه وتقديره لشخصه.
2 روى الكشي عن الفضل بن شاذان قال: حدثنا ابي عن غير
واحد من اصحابنا عن محمد بن حكيم وصاحب له‏كان درس
اسمه في كتاب ابي قالا: راينا شريكا واقفا في حائط من
حيطان فلان، قد كان درس اسمه ايضا في‏الكتاب.
قال احدنا لصاحبه: هل لك في خلوة من شريك؟ فاتيناه
فسلمنا عليه، فرد علينا السلام، فقلنا: يا ابا عبد اللّه
مسالة،فقال: في اي شي‏ء؟ فقلنا: في الصلاة، فقال: سلوا عما بدا
لكم، فقلنا: لا نريد ان تقول قال فلان وقال فلان، انما نريدان
تسنده الى النبي(ص)، فقال: اليس في الصلاة؟ فقلنا: بلى،
فقال: سلوا عما بدا لكم.
فقلنا: في كم يجب التقصير، قال: كان ابن مسعود يقول: لا
يغرنكم سوادنا هذا وكان يقول فلان. قال: قلت: انا
استثنيناعليك الا تحدثنا الا عن نبي اللّه(ص)، قال: واللّه انه
لقبيح لشيخ يسال عن مسالة في الصلاة عن النبي(ص) لا
يكون عنده‏فيها شي‏ء، واقبح من ذلك ان اكذب على رسول
اللّه(ص)، قلنا فمسالة اخرى، فقال: اليس في الصلاة؟ قلنا: بلى،
قال:فسلوا عما بدا لكم.
قلنا: على من تجب الجمعة؟ قال: عادت المسالة
جذعة((349))، ما عندي في هذا عن رسول اللّه(ص) شي‏ء،
قال: فاردناالانصراف، قال: انكم لم تسالوا عن هذا الا وعندكم
منه علم، قال: قلت: نعم، اخبرنا محمد بن مسلم الثقفي عن
محمدبن علي عن ابيه عن جده عن النبي(ص)، فقال: الثقفي
الطويل اللحية؟ فقلنا: نعم.
قال: اما انه لقد كان مامونا على الحديث، ولكن كانوا يقولون انه
خشبي((350)) ثم قال: ماذا روى؟ قلنا: روى عن‏النبي(ص):
ان التقصير يجب في بريدين، واذا اجتمع خمسة احدهم الامام
فلهم ان يجمعوا((351)).
هذا مع كون شريكا يعد عندهم من اوعية العلم وقد اخذ عنه
اسحاق الازرق تسعة آلاف حديث((352)).
هذا، وقد كان لكل من الامامين الصادقين(ع) دور في تثبيت
موقعه العلمي والاجتماعي في مجتمعه بالكوفة، سيماعندما
يلحظون من البعض غمطا لحقه وتغافلا عن مرتبته وفضله،
فلذا نراهم يتدخلون لنصرته والدفاع عن شخصه‏وموقعه
العلمي بافضل اسلوب واقوى برهان حتى يرجع الحق الى اهله،
ويتراجع الخصم عن موقفه، فقد شهد محمدبن مسلم مرة عند
ابن ابي ليلى وهو من قضاة الكوفة فبلغ ذلك الامام
الصادق(ع)، فقال لابي كهمس احد اصحابه‏مستنكرا على ابن
ابي ليلى ذلك: يشهد محمد بن مسلم الثقفي القصير عند ابن
ابي ليلى فيرد شهادته؟ فقلت: نعم،فقال: اذا صرت الى الكوفة
فاتيت ابن ابي ليلى فقل له: اسالك عن ثلاث مسائل لا تفتيني
فيها بالقياس ولا تقول قال‏اصحابنا. ثم سله عن الرجل يشك
في الركعتين الاوليين من الفريضة، وعن الرجل يصيب جسده
او ثيابه البول كيف‏يغسله؟ وعن الرجل يرمي الجمار بسبع
حصيات فتسقط منه واحدة كيف يصنع؟
فاذا لم يكن عنده فيها شي‏ء فقل له: يقول لك جعفر بن محمد:
ما حملك على ان رددت شهادة رجل اعرف باحكام اللّهمنك
واعلم بسيرة رسول اللّه(ص) منك؟
قال ابو كهمس: فلما قدمت اتيت ابن ابي ليلى قبل ان اصير
الى منزلي، فقلت له: اسالك عن ثلاث مسائل لا تفتيني
فيهابالقياس ولا تقول قال اصحابنا، قال: هات، قال: قلت: ما
تقول في رجل شك في الركعتين الاوليين من الفريضة؟
فاطرق‏ثم رفع راسه فقال: قال اصحابنا، فقلت: هذا شرط‏ي
عليك ان لا تقول قال اصحابنا، فقال: ما عندي فيها شي‏ء.
فقلت له: ما تقول في الرجل يصيب جسده او ثيابه البول كيف
يغسله؟ فاطرق ثم رفع راسه فقال: قال اصحابنا، فقلت‏له: هذا
شرط‏ي عليك، فقال: ما عندي فيها شي‏ء.
فقلت: رجل رمى الجمار بسبع حصيات فسقطت منه حصاة
كيف يصنع فيها؟ فطاطا راسه ثم رفعه، فقال: قال‏اصحابنا،
فقلت: اصلحك اللّه هذا شرط‏ي عليك، فقال: ليس عندي فيها
شي‏ء.
فقلت: يقول لك جعفر بن محمد: ما حملك ان رددت شهادة
رجل اعرف منك باحكام اللّه واعرف بسنة رسول
اللّه(ص)منك؟ فقال لي: ومن هو؟ فقلت: محمد بن مسلم
الطائفي القصير. قال: فقال: واللّه ان جعفر بن محمد قال لك
هذا؟ قال:فقلت: واللّه انه قال لي جعفر هذا، فارسل الى محمد
بن مسلم فدعاه فشهد عنده بتلك الشهادة
فاجازشهادته((353)).
لقد دلت هذه القضية مضافا الى تحمس الامام(ع) ودفاعه
عن موقع محمد بن مسلم حيث افحم شريك باسالته
واعياه‏عن الجواب على شهادة عظيمة في حق ابن مسلم
وعلمه بالكتاب والسنة.
واما دوره في علم الفقه وحركته، فقد اعربت عنه المكانة
العظيمة التي قد تحدثنا عن شطر منها، اذ لم يمكن لتكون‏هذه
المكانة من قبل الائمة والفقهاء من العامة والخاصة لولا تميز
دوره. ويمكن تحديد دوره في:
1 وجوده وموقعه العلمي في الكوفة الذي كان يمثل
مرجعية واسعة لارباب الفقه والحديث باعتباره احد ابرزفقهاء
الشيعة آنذاك، ممن له دور النيابة والتمثيل عن الائمة(ع).
2 اثراء الفقه بعدد ضخم من الحديث والرواية مما قد لم يتفق
لمثله من اصحاب الائمة، حيث ان له ما يزيد على (46الف)
حديث ومسالة في الفقه، مما يعني استيعابه لجميع الابواب
الفقهية بكل فروعاتها وتشقيقاتها الجزئية. وهذه ثروة‏روائية
ضخمة جدا لا على صعيد الفترة السابقة فحسب، بل حتى في
وقتنا الحاضر ايضا، وفقدان الكثير من تلك‏النصوص وعدم بقاء
الا النزر الضئيل منها وهو ما يقرب من الالفي رواية ومع
ذلك نجد استيعاب رواياته لجميع‏الابواب الفقهية، فلا يكاد
الباحث ان يراجع لكل باب فقهي الا ويجد فيه عدة روايات في
فرع فقهي واحد عنه.
واليك احصائية بالروايات الواردة عنه في جميع الابواب
الفقهية:
1 كتاب الطهارة. وفيه (204 رواية).
2 كتاب الصلاة. وفيه (296 رواية).
3 كتاب الزكاة، وفيه (52 رواية).
4 كتاب الزكاة. وفيه (160 رواية).
5 كتاب الجهاد، وفيه (37 رواية).
6 كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه (9 روايات).
7 كتاب التجارة، وفيه (63 رواية).
8 كتاب الرهن، وفيه (6 روايات).
9 كتاب الصلح، وفيه (روايتان).
10 كتاب المضاربة، وفيه (روايتان).
11 كتاب المزارعة والمساقاة، وفيه (3 روايات).
12 كتاب العارية وفيه (رواية واحدة).
13 كتاب الاجارة وفيه (9 روايات).
14 الوقوف والصدقات وفيه (5 روايات).
15 كتاب السكنى والحبس وفيه (رواية واحدة).
16 كتاب الهبات (3 روايات).
17 كتاب الوصايا (18 رواية).
18 كتاب النكاح (146 رواية).
19 كتاب الطلاق، وفيه (57 رواية).
20 كتاب الخلع والمباراة، وفيه (10 روايات).
21 كتاب الظهار، وفيه (4 روايات).
22 كتاب الايلاء والكفارات، وفيه (6 روايات).
23 كتاب اللعان، وفيه (22 رواية).
24 كتاب التدبير والمكاتبة والاستيلاد، وفيه (9 روايات).
25 كتاب الاقرار، وفيه (رواية واحدة).
26 كتاب الايمان، وفيه (16 رواية).
27 كتاب النذر والعهد، وفيه (روايتان).
28 كتاب الصيد والذباحة، وفيه (24 رواية).
29 كتاب الاطعمة والاشربة، وفيه (41 رواية).
30 كتاب الغصب، وفيه (رواية واحدة).
31 كتاب الشفعة، وفيه (رواية واحدة).
32 كتاب احياء الموات، وفيه (4 روايات).
33 كتاب اللقطة، وفيه (4 روايات).
34 كتاب الفرائض والمواريث، وفيه (45 رواية).
35 كتاب القضاء، وفيه (17 رواية).
36 كتاب الشهادات، وفيه (22 رواية).
37 كتاب الحدود والتعزيرات، وفيه (42 رواية).
38 كتاب القصاص، وفيه (11 رواية).
39 كتاب الديات، وفيه (5 روايات)((354)).
وقد تضمنت رواياته قواعد فقهية هامة كقاعدة الاستصحاب
والفراغ، نعم ثمة روايات رواها قد يبدو انها شاذة‏ومنكرة. مثل ما
رواه العلاء بن رزين في كتابه عنه انه سال الامام الباقر(ع) عن
صوم شعبان فقال: حسن. قال: قلت:افصامه رسول اللّه(ص)؟
قال: لا، قال: قلت: افتصومه انت؟ قال: لا. قلت: افصامه احد من
آبائك؟ قال: لا((355)). فانه‏مخالف لما ورد من الاخبار
المؤكدة لاستحباب صيامه وانه قد صامه رسول اللّه(ص).
ويمكن ان يكون ذلك للرد به على ما زعمه ابو الخطاب من
وجوب صيامه، لكثرة ما ورد في استحباب صيامه، ولذاترك
بعض الائمة صيامه مظهرين للناس بذلك عدم وجوبه في
مقابل بدعة ابي الخطاب((356)).
لمحات عامة عن فقهه:
ومن هنا فلابد من تسليط الضوء على بعض المرتكزات
والتصورات الكلية، لرسم صورة عامة الملامح عن البعدالفقهي
عند هذا الفقيه. وذلك عبر الاشارة للنقاط التالية:
اولا اجتهاده وممارسته الاستنباطية:
لا يشك احد في ان كثيرا من اصحاب الائمة(ع) سيما
المبرزين منهم لم تتلخص وظيفتهم في نقل الاخبار
والاثارفحسب، وان كانت تلك مسؤولية بمكانة من الخطورة
والاهمية، بل ان ثمة مسؤولية علمية اكبر قد انيطت بهم،
وهي‏عبارة عن عملية الاجتهاد والاستنباط، وقد كان
الائمة(ع) يولون اهمية خاصة لهذا الجانب باعتباره الضمان
الوحيدلديمومة حركة الفقه ونموها في المنظور القريب
والبعيد، ولذا تصدوا للقيام باعداد اصحابهم وتدريبهم على
مبادئ‏الاستنباط لاتقانها اولا واعمالها بالافادة منها فيما لو
اعوزهم النص وقصروا عن الوصول الى المعصوم(ع)،
وقدرسموا(ع) خطوطا عريضة ومحاور رئيسة مثلت دورهم في
ترشيد حركة الاجتهاد وتنمية الخبرة لدى اصحابهم
وذلك‏عبر:
1 بيان القواعد العامة.
2 تقنين عملية الاستنباط وضبط ادلتها.
3 تبني المنهج التطبيقي للممارسة الاجتهادية.
4 تحصين حركة الفقه من الاخطار والمزالق المحدقة بها
على ارض الواقع.
5 رفد الساحة العلمية بالعطاء العلمي بمختلف اشكاله.
وقد اثمر هذا المنهج العلمي الذي ارسى اسه الائمة
الطاهرين(ع) في تلك المدرسة العملاقة التي احتضنت اولئك
الصفوة‏من الفقهاء الذين ساروا طبقا للمنهج المرسوم ولم
يعدلوا عنه قيد انملة.. ومن اولئك الصفوة بل هو صفوة
الصفوة‏فقيهنا المترجم ابو جعفر.
وفيما يلي نضع بين يدي القارئ بعض اللمسات والمؤشرات في
المجال المذكور. فنشير اولا الى العوامل التي كان لهادخل في
تكوين اجتهاده، ثم نشير ثانيا الى بعض النماذج التطبيقية من
ممارساته الاجتهادية:
(1) ملازمته للامامين الصادقين(ع):
لقد استمرت صلته بهما(ع) عدة عقود من الزمن كان ملازما
فيها او مترددا عليهما(ع) قاصدا لهما من الكوفة، وقداشارت
بعض النصوص الى اقامته في بعض اسفاره في المدينة اربع
سنوات متتابعة، ملازما فيها للامام الباقر(ع)يساله، ثم كان
يدخل على ولده الصادق(ع) يساله((357)). تلك المدة قد
اهلته للاخذ بقسط وافر من العلم ووفرت له‏فرصة تحمل كم
هائل من الاخبار والروايات.
(2) رعاية الائمة(ع) لشخصه:
ان لتعاهد الائمة(ع) لامره ورعايتهم العلمية والعاطفية
والتربوية اثرا بالغا في اعداده العلمي. وقد مر بنا قصة مرضه‏عند
ما قدم المدينة حيث بعث له الامام بالشراب الذي كان يعالج به
خاصة اهل بيته وكان ممزوجا بتربة قبور آبائه(ع)مما يعكس
فرط عنايتهم به من الناحية العاطفية.
وهكذا كان محطا لاهتمامهم وتعاهدهم لامر تربيته واعداده
روحيا، فنجد الامام الباقر(ع) يخاطبه ذات مرة وهو يعظه:يا
محمد بن مسلم لا يغرنك الناس من نفسك، فان الامر يصل
اليك دونهم، ولا تقطعن النهار عند كذا وكذا، فان معك‏من
يحصي عليك، ولا تستصغرن حسنة تعملها فانك تراها حيث
تسرك، ولا تستصغرن سيئة تعمل، فانك تراها حيث‏تسوؤك،
واحسن فاني لم ار شيئا قط اشد طلبا ولا اسرع دركا من حسنة
محدثة لذنب قديم((358)).
والاهم من ذلك هو رعايته العلمية بتفقيهه في الدين وكان
لذلك صور وحالات:
1 المبادرة الى تحديثه وتعليمه من دون ابتداء في المسالة،
وكان هذا في موارد عديدة:
منها: ما رواه هو قال: دخلت على ابي جعفر(ع) ذات يوم وهو
ياكل متكئا، قال (ابن مسلم): وقد كان يبلغنا ان ذلك‏يكره،
فجعلت انظر اليه، فدعاني الى طعامه، فلما فرغ قال: يا محمد
لعلك ترى ان رسول اللّه(ص) ما راته عين وهو ياكل‏متكئا منذ
ان بعثه اللّه الى ان قبضه، ثم قال: رد على نفسه فقال: لا واللّه،
ما راته عين ياكل وهو متكئ منذ ان بعثه اللّهالى ان
قبضه...((359)).
وقال في حديث آخر: رايت ابا جعفر(ع) جائيا من الحمام وبينه
وبين‏داره قذر، قال: لولا بيني وبين داري ما غسلت‏رجلي ولا
نحيت ماء الحمام((360)).
وفي حديث آخر قال: دخلت انا وابو جعفر(ع) المسجد الحرام،
فاذا طاووس اليماني يقول لاصحابه: تدرون متى قتل‏نصف
الناس؟ فسمعه ابو جعفر(ع) يقول: نصف الناس قال: انما هو
ربع الناس، انما هو آدم وحواء وقابيل وهابيل،قال: صدقت يابن
رسول اللّه، قال: اتدري ما صنع بالقاتل؟ قال: لا. قال محمد بن
مسلم، قلت في نفسي هذه واللّهمسالة. قال: فغدوت اليه في
منزله، فلبس ثيابه واسرج له. قال: فبداني بالحديث قبل ان
اساله فقال: يا محمد بن مسلم:ان بالهند او بتلقاء الهند رجل
يلبس المسوح مغلولة يده الى عنقه... قلت ومن ذا جعلني اللّه
فداك؟ قال: ذاك‏قابيل((361)).
وفي حديث آخر قال: دخلت على ابي جعفر(ع) وانا اريد ان
اساله عن القائم من آل محمد(ص) فقال لي مبتدئا: يا
محمدبن مسلم ان في القائم من آل محمد شبها في خمسة
من الرسل... الخ.
2 تدريبه على الاستدلال وكيفية الاستنباط، فقد سال الامام
الصادق(ع) عن اكل بعض حيوانات البحر مثل
الجري‏والمارماهي والزمير وما له قشر من السمك فقال له(ع):
يا محمد اقرا هذه الاية التي في الانعام: (قل لا اجد فيما
اوحي‏الي‏محرما على طاعم يطعمه)((362)) قال فقراتها حتى
فرغت منها فقال: انما الحرام ما حرم اللّه ورسوله في كتابه،
ولكنهم قدكانوا يعافون اشياء فنحن نعافها((363)).
فان الامام(ع) لم يجب على سؤاله مباشرة، وانما اراد الفات
نظره الى ماخذ الحكم وانه موجود في القرآن.
وفي نص آخر عنه عن ابي جعفر(ع) انه: نهى رسول اللّه(ص)
عن اكل لحوم الحمر،... وليست الحمير بحرام. يقول‏محمد بن
مسلم: ثم قرا هذه الاية: (قل لا اجد فيما اوحي الي محرما على
طاعم يطعمه)((364)) نلاحظ ايضا تركيز الامام‏واهتمامه
بالاستناد للقرآن والاستدلال به.
3 اطلاعه على كتبهم الخاصة التي كانوا يطلعون عليها
الخواص من اصحابهم، ككتاب علي(ع).
قال محمد بن مسلم: اقراني ابو جعفر(ع) شيئا من
كتاب‏علي(ع)، فاذا فيه: انهاكم عن الجري والزمير
والمارماهي‏والطافي والطحال((365)).
وقال ايضا: اقراني ابو جعفر(ع) صحيفة كتاب الفرائض التي
هي‏املاء رسول اللّه(ص) وخط علي(ع) بيده فاذا فيها:ان‏السهام
لا تعول((366)).
وقال ايضا: نشر ابو عبد اللّه(ع) صحيفة، فاول ما تلقاني فيها:
ابن اخ وجد، المال بينهما نصفان، فقلت: جعلت فداك:ان
القضاة عندنا لا يقضون لابن الاخ مع الجد بشي‏ء، فقال: ان هذا
الكتاب خط علي(ع) واملاء رسول اللّه(ص)((367)).
4 حثهم(ع) له على طلب العلم وعدم التفريط بذلك، قال:
قال لي ابو عبد اللّه(ع): اغد عالما او متعلما او احب اهل العلم‏ولا
تكن رابعا فتهلك ببغضهم((368)).
وقول ابي جعفر(ع): ان الذي يعلم العلم منكم له اجر مثل اجر
المتعلم وله الفضل عليه، فتعلموا العلم من حملة العلم‏وعلموه
اخوانكم كما علمكموه العلماء((369)).
(3) كثرة مراجعاته واسئلته منهم(ع):
لقد اعتمد محمد بن مسلم السؤال طريقا ومنهجا لتنمية
قابلياته العلمية وتطويرها، وكان لهذا الامر اثره في
اثراءمعلوماته وتعميقها، وكانه استوحى هذا المنهج من تعليم
الامام الصادق(ع) لحمران بن اعين حيث ساله وكان
محمدحاضرا فقال له: انما يهلك الناس لانهم لا
يسالون((370)). وقول ابيه(ع): هل يسال الناس عن شي‏ء
افضل من الحلال‏والحرام؟((371)).
ان الملاحظ المتتبع للروايات الواصلة عنه يلمس في كثير منها
انه السباق لفتح باب البحث العلمي وهذا ما وصف به‏نفسه
حيث يقول: ما شجر في رايي شي‏ء قط الا سالت عنه ابا
جعفر(ع) حتى سالته عن ثلاثين الف حديث (او مسالة)وسالت
ابا عبد اللّه عن ستة عشر الف حديث، ويمكن ان تكون لهذه
الحالة او الظاهرة احد سببين او كلاهما:
ا سعة اطلاعه بما يمنحه القدرة على التامل في المسائل
والوجوه فيها او افتراضها وتشقيقها.
ب ان تكون اسئلته مستمدة من واقعه في الكوفة فهي
انعكاس لما يرد عليه من الاسئلة والمراجعات باعتباره
فقيهايرجع اليه في الفتيا والحديث.
والسبب الاول هو الارجح والاكثر واقعية بمعنى ان موارده قد
تكون هي الاكثر والاغلب.
واما نوعية الاسئلة التي كان يوجهها اليهم(ع) فهي في مختلف
المجالات والابعاد كالكلام والفقه والتفسير. وقد كانت‏اسئلته
في الفقه شاملة لكافة ابوابه سيما المهمة منها.
ومما تجدر الاشارة اليه انه كان كثير العناية بالايات القرآنية
متحريا السؤال عنها سواء كانت في الفقه او الاعتقادات،وهذا امر
مشهود وملحوظ لمن يراجع الروايات الواردة عنه مما يجعل
ذلك امرا جديرا بالملاحظة والاهتمام ونقطة‏امتياز في منهجه
العلمي، وقد بلغت اسئلته عن الايات المتعلقة بالاحكام (58)
سؤالا تفسيريا، كما بلغت اسئلته المتعلقة‏بغير ذلك من
الاعتقادات وغيرها (59) سؤالا.
وعلى اي حال فقد كان الائمة(ع) يرعون اسئلته اهتماما خاصا
وذلك لصدورها من مثله. فقد سال الامام الباقر(ع) ذات‏مرة
عن ركود الشمس فقال: جعلت فداك اخبرني بركود الشمس.
فقال: يا محمد (او ويحك يا محمد) ما اصغر جثتك‏واعضل
مسالتك اي اصعبها واعقدها قال محمد ابن مسلم: ثم
سكت عني ثلاثة ايام ثم قال لي في اليوم الرابع: انك‏لاهل
للجواب ثم اخذ الامام(ع) بالجواب((372)).
وقد كان لبعض اسئلته قيمة واثرا كبيرا، حيث بين له الامام(ع)
في الجواب قواعد فقهية عامة تصلح للاستنباط منهافي موارد
عديدة، كقاعدة الفراغ مثلا.
قال: قلت لابي عبد اللّه(ع): رجل يشك في الوضوء بعد ما فرغ
من الصلاة. قال: يمضي على صلاته ولايعيد((373)).
كما تميزت بعض اسئلته بالدقة والتركيز، فقد ساله(ع) تارة عن
كيفية علومهم(ع) فقال: سالته عن ميراث العلم ما بلغ،اجوامع
من العلم ام يفسر كل شي‏ء من هذه الامور التي يتكلم فيها
الناس من الطلاق والفرائض؟ فقال: ان عليا(ع) كتب‏العلم كله
القضاء والفرائض، فلو ظهر امرنا لم يكن شي‏ء الا وفيه سنة
نمضيها((374)).
وقد اراد بهذا السؤال كما فسر ان ما بلغكم من ميراث العلم
اجوامع؟ اي ضوابط كلية يستنبط منها خصوصيات‏الاحكام، او
ورد في كل من تلك الخصوصيات نص مخصوص؟((375)).
واما مؤلفاته في الفقه، فالمعروف انه الف كتاب الاربعمئة
مسالة في الحلال والحرام. ولم نعثر على من ينقل من
كتابه‏ممن روى عنه. واحتمل البعض ان يكون المراد بهذا
الكتاب هو ما رواه عن الامام الصادق عن ابيه عن جده عن
آبائه‏عن امير المؤمنين(ع) انه علم اصحابه في مجلس واحد
اربعمئة باب مما يصلح للمؤمن في دينه ودنياه((376)).
الاانه‏مختلف عنه عنوانا وموضوعا.
ثانيا نماذج من اجتهاده:
قد لا نمتلك الكثير من الشواهد والنماذج على ما يعزز هذه
الدعوى ويكشف عن ابعاد هذا الجانب بصورة جلية، الاان‏هناك
بعض النصوص التي يمكن ان نستوحي من خلال مضمونها
الخاص معنى ابعد واعمق، علما بان عملية‏الاجتهاد التي
نتحدث عنها في ذلك الوقت كانت تتحدد في اطر محدودة
ومستوى اولي لعملية الاستنباط. وفيما يلي‏بعض الشواهد
المؤكدة للجانب المذكور:
(1) عن الحسين بن محمد عن السياري قال: سال ابن ابي
ليلى (وهو من قضاة الجمهور في وقته) محمد بن مسلم‏فقال
له: اي شي‏ء تروون عن ابي جعفر في المراة لا يكون على ركبها
شعرا يكون ذلك عيبا؟ فقال له محمد بن مسلم:اما هذا نصا فلا
اعرفه، ولكن حدثني ابو جعفر عن ابيه عن آبائه(ع) عن
النبي(ص) انه قال: كل ما كان في اصل الخلقة‏فزاد او نقص فهو
عيب، فقال له ابن ابي ليلى: حسبك ثم رجع((377)).
نلاحظ في هذه الممارسة الاستنباطية ان محمد بن مسلم
كان يواجه فقدان النص في مورد السؤال المذكور الا انانجده
يلتجئ وهو لا يزال في دائرة النص حيث لم يتخطها الى
قياس او راي الى تطبيق قاعدة عامة تحدد مفهوم‏العيب
كموضوع لحكم المسالة.
ومما قد يلحظ ايضا في دقة جوابه وفطنته انه لم يسند الحديث
لخصوصية في المورد الى الامام الباقر(ع) فقط‏وانما اسنده
الى النبي(ص) لتكون الحجة ادل عند السائل، علما بانه لم
يطلب منه ذلك، ومن هنا نجد سرعة تصديق‏واقتناع ابن ابي
ليلى بجوابه بلا اي تردد حيث قال له: حسبك!.
(2) زرارة ومحمد بن مسلم انهما قالا: قلنا لابي جعفر(ع): ما
تقول في الصلاة في السفر كيف هي وكم هي؟ فقال:ان اللّه
عزوجل يقول: (واذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان
تقصروا من الصلاة)((378)) فصار التقصير في السفر
واجباكوجوب التمام في الحضر، قالا: قلنا له: انما قال اللّه
عزوجل: (ليس عليكم جناح) ولم يقل: افعلوا، فكيف اوجب
ذلك؟فقال(ع): اوليس قد قال اللّه عزوجل في الصفا والمروة:
(فمن حج البيت او اعتمر فلا جناح عليه ان يطوف
بهما)((379)) الا ترون‏ان‏الطواف بهما واجب مفروض؟ لان اللّه
عزوجل ذكره في كتابه وصنعه نبيه(ص)، وكذلك التقصير في
السفر شي‏ءصنعه النبي(ص) وذكره اللّه تعالى في كتابه،
الحديث((380)).
فلاحظ في هذا النص ايضا انه لم يكتف كفقيه بجواب الامام(ع)
بشكل تعبدي وان كان شانه كراو يجزيه نقل الخبرخاصة
وانما اراد الوصول للنكتة في استظهار الوجوب من الاية في
جواب الامام(ع) مع ان الاية الكريمة لم تصرح‏بالوجوب كما انه
ليس الظاهر منها ذلك ايضا.
2 البعد الروائي:
للرواية والحديث دور بارز واساس في مجمل النشاط العلمي
الذي اضطلع به محمد بن مسلم، فقد سجل رقما قياسيافي
عدد الاخبار التي رواها، حيث صرح(رحمه اللّه) بانه سمع من
الامام ابي جعفر(ع) (ثلاثين الف) حديث كما انه سمع‏من ابي
عبد اللّه(ع) (ستة عشر الف) حديث((381)). اي انه روى ثلاثة
اضعاف كتاب الكافي الذي تجاوزت عدد احاديثه‏الخمسة عشر
الف حديث وهو كم هائل جدا يكشف عن باع طويل وقابلية
واسعة في هذا المجال.
ومن هنا فقد المح ائمة اهل البيت(ع) الى دوره العظيم في
هذا الخصوص واثنوا على جهوده التي كان لها الاثر الكبيرفي
احياء الدين وتحصين الشريعة ومحق البدع وحفظ السنة. بيد
انه لم يصل الينا من رواياته سوى (2276) رواية‏وهو عدد ضئيل
جدا جدا، ومن هنا يمكن ان يقاس عليه مجمل ما فقدناه من
تراث اهل البيت(ع)، فاذا كان هذا هو شان‏راو واحد كمحمد بن
مسلم الذي من المفترض ان تتوفر الدواعي لنقل روايته
لمعاصرته فترة انتعشت فيها حركة‏العلم وخرجت تلك البرهة
من حالة الكبت التي كان يعيشها ائمة اهل البيت(ع) وعدم
انتشار حديثهم، وايضا لكونه وجهاعلميا ومورد وثوق العامة
والخاصة مما تتوفر البواعث لنقل روايته فما هو الشان في
عشرات الرواة الاخرين من‏امثاله؟!
واما مصدر روايته فقد اختص بالامامين الباقرين(ع) وادرك
من امامة الامام الكاظم(ع) سنتين لان وفاته كانت سنة(150
ه) ووفاة الامام الصادق كانت سنة (148 ه) والذي يظهر انه
لم يرو عنه في حدود ما وصل بايدينا من‏رواياته، كما انه لم يشر
هو الى ذلك في حديثه الذي نقلناه عنه حيث اكتفى بعدد
رواياته عن الامام الباقر والصادق(ع)حسب، ولكنه معدود في
اصحابه(ع) كما ذكره الشيخ في رجاله((382)).