والقول: بان كون الاحكام الوضعية اعتبارية لوحظ فيها اتخاذها
موضوعا لاجراء الاحكام التكليفية عليها لا يعني عدم‏حكايتها
عن حقيقة خارجية تكون هي الباعثة على الجعل، كالحكم
بالنجاسة الكاشف عن حقيقة خارجية للشي‏ءالنجس يترتب
بسببها المنع من الاكل والصلاة والوضوء في مورده، فيكون
الملحوظ من قبل الشارع هو تلك الحقيقة‏الخارجية ذات الاثر
الشرعي في الاحكام التكليفية المرتبطة بتلك الحقيقة، فليكن
هذا فرقا بين الاحكام التكليفية‏والوضعية.
غير تام، لان مجرد الامكان لا يقتضي الوقوع فضلا عن الالتزام
بوقوعه في كل حكم وضعي. وحينئذ فينبغي الاقتصارعلى
القدر المتيقن ثبوته من جعل الاحكام الوضعية، وهو ان الشارع
لاحظ في تشريعها الجنبة التكليفية لاحكام‏المكلفين فشرع
على اساسها الحكم الوضعي، فالقذارة الشرعية التي اعتبرها
الشارع انما تثبت في خصوص المكلفين‏بالاحكام التكليفية
المرتبطة بها دون ما زاد على ذلك، لان المتيقن هو ملاحظة
الشارع للنجاسة بهذا المقدار، واما ما زادعلى ذلك فنحن فيه
بحاجة الى الدليل ولم يثبت.
نعم، لو حصل لنا العلم بملاكات جعل الشارع امكن لنا القول
بان الحكم الفلاني لوحظت فيه حقيقة اخرى تتعدى مايرتبط
بالمكلفين، لكن الطريق الى العلم بملاكات جعل الشارع من
غير ما صرح به نفسه معدوم.
ومن هنا كان من المحتمل جدا ان يكون جعل الحجية لادلة
الاثبات ملحوظا فيه من يقوم بتطبيقه في مرحلة
المجعول‏والفعلية، فيكون حجة في حقه وحده فيما يختص به،
وفي حق الغير وحده فيما يختص به ايضا، وفي حقه وحق
الغيرفيما يشتركان فيه، لعدم معقولية ان يجعل الشارع حكما
بحق من لااختصاص به.
نعم، بناء على قانونية الخطاب وعدم انحلال الحكم بالطبيعة
الى احكام بعدد خصوصيات الافراد لا يتاتى مثل هذاالاشكال.
وما قد يقال: من ان الاشكال قابل للدفع بالتمسك باطلاق
دليل الحكم الوضعي لاثبات كون الحكم الوضعي صادقا
حتى‏في مورد غير المختص بتطبيقه، فيكون الحكم بنجاسة
حكما مطلقا ثابتا في حق المكلفين وغيرهم حتى
الحيوانات‏والجمادات.
مدفوع: بان الاطلاق فرع ثبوت مقدمات الحكمة التي منها
كون المتكلم في مقام البيان في رتبة سابقة، ولم يثبت
كون‏المتكلم في مقام البيان كذلك بل الثابت انه في مقام بيان
حكم المكلف وحده دون غيره، ومثله يقال في حجية
ادلة‏اثبات الموضوعات القضائية.
لكن هذا الاشكال لا محصل له، لامكان ان يفرض كون البينة
حجة عند من احرز استجماعها للشرائط ولو لم يكن‏مجتهدا.
وبذلك يرتفع هذا الاشكال.
ومع ذلك فقد يتوجه الى المسالة نفس الاشكال من وجه آخر،
وهو ان حجية ادلة الاثبات ليست ذاتية كما في حجية‏القطع
والقطعي وانما هي حجية تعبدية، والحجية التعبدية يقتصر
فيها مع الشك على القدر المتيقن.
واطلاقات ادلة حجية البينة والاقرار وغيرهما من ادلة الاثبات
بل سائر ادلة الاحكام المتعلقة بالقضاء وان كانت‏مطلقة،
فتجري بحق المحرز لموضوعاتها مجتهدا كان ام مقلدا، قاضيا
ام غيره، لكن حصر الشارع مجال الخصومات‏بالقاضي المنصوب
من قبل المعصوم(ع) او نائبه يوجب تقييدادلة حجية البينة
وغيرها المطلقة بخصوص ما لم يمكن‏من هذا القبيل، واما
الباقي وهو مورد النزاع والخصومة فيبقى البت فيه موكولا
الى القاضي وحده، فلا تكون البينة‏حجة في حق غيره وان
ثبتت له عدالتها واستجماعها لشرائط البينة.
وبعبارة اخرى: ان الشارع انما جعل الحجية لادلة اثبات
الموضوعات بداعي تحصيل ملاكات الاحكام الواقعية
الاهم‏بنظره، وتجويزه فوات بعضها الاخر بما اذا كان المباشر
لعملية تطبيق هذه الادلة الاهل في تطبيقها فانه الذي
يرضى‏بتطبيقه. هذا من جهة.
وحصر بادلة اختصاص الحكومة والقضاء بالعالم بالقضاء، والنبي
والوصي او من ينوب عنهما بالنصب من قبلهما من‏جهة اخرى،
الاهلية بالفقيه الجامع للشرائط، الدال بالمفهوم على عدم
اهلية غيره لاجراء وتطبيق هذه الادلة في باب‏القضاء.
فيكون حاصل كلتا الجهتين اختصاص حجية البينة بالفقيه
الجامع للشرائط، بل خصوص المنصوب بالفعل في
منصب‏القضاء، وفي حق غيره ليست بحجة.
ومن هنا فلو قامت عند المدعى عليه البينة بان ما عنده ملك
لزيد، لم يجب عليه تسليمه اليه، وان احرز استجماعهاالشرائط
المطلوبة للحكم بموجبها، كما لا يجوز له شرعا وصف شخص
بالسرقة او بالاختلاس مع قيام البينة المثبتة‏لذلك عنده، ما لم
يحكم القاضي بثبوته عنده كما شهدت بذلك البينة. مع انها لو
كانت حجة عليه لجاز الوصف بمجردقيامها ولزمه تسليم ما
عنده وحرم عليه التاخير لحين قضاء القاضي بذلك.
وثانيا ان الرواية ضعيفة السند بالارسال.
وثالثا انها لم تثبت الفرق بين البينة والاقرار، فان ادلة البينة
مطلقة ايضا.
لكن الانصاف ان ادلة البينة غير مطلقة كما سياتي اثباته عند
بحث البينة.
الدليل الثاني: السيرة:
فانها قائمة على التفريق بين البينة والاقرار بالاستناد الى
اقرارات المتهم، سواء اتصل بها حكم الحاكم ام لا دون‏البينة،
فلا يستند فيها الى شهادة الشهود قبل حكم الحاكم وقضائه
بموجبها.
لكن في انعقاد السيرة المتشرعية غير الناشئة من فتاوى
الفقهاء، والعقلائية بالسعة التي يقطع معها اتصالها
بزمان‏المعصوم، وفي خصوص ما لم يتصل به حكم الحاكم من
الاقرار والبينة، ولم يقبل المدعى عليه الالزام المتوجه اليه
من‏غير الحاكم بعد الاقرار والبينة خفاء، وانعقادها في غير هذه
الشروط لا فائدة منه لانه خروج عن مقتضى‏الفرض.
الدليل الثالث: الاجماع:
اذ ظاهر بعض ما تقدم من كلام بعض الفقهاء كالشهيد الاول
في قواعده، والمحقق الاردبيلي في مجمعه، ان ذلك راي‏من
تقدم عليهم من الفقهاء من غير خلاف، والا لذكر او ما ينوه عنه
خصوصا مع تعبير المحقق الاردبيلي بلفظ‏«عندهم‏»((119)).
لكن يمكن المناقشة في الاجماع المذكور:
اولا بان الاجماع المحصل لم يثبت، لعدم تعرض الفقهاء
للمسالة قبل العلامة والشهيد الاول حسب تتبعنا
لتاريخها،والمنقول ليس بحجة عند المعاصرين على ما هو
المقرر اصوليا.
ثانيا وعلى فرض ثبوت الاجماع جدلا، فتحتمل فيه
المدركية لما تقدم من الادلة وما سياتي، والاجماع المدركي
ليس‏بحجة عند المعاصرين على ما هو المقرر في بحوثهم
الاصولية ايضا.
هذا ما حضرنا من الادلة في مقام الاثبات.
المقام الثاني الادلة في مرحلة الثبوت:
ابرز الفقهاء وبعض القانونيين عددا من الادلة في مقام الثبوت
نذكرها فيما يلي:
الدليل الاول: ارتفاع الخصومة في الاقرار دون البينة:
فان المقر اذا اقر بما يدعيه عليه المدعي من الحق ارتفعت
بذلك الخصومة التي هي موضوع حكم الحاكم، ومعه فلامجال
حينئذ الى حكم الحاكم اصلا في الدعوى لارتفاع موضوعه،
وان كان ربما احتيج اليه في ترتيب لوازمه من‏وجوب خروج
المدعى عليه (المقر) مما عليه للمدعي من الحق، بخلاف
البينة فانها وان قامت على ثبوت الحق في ذمة‏المدعى عليه
لكن الخصومة لا تنقطع بذلك، لامكان رد المدعى عليه ما
قامت عليه البينة، فيحتاج اثبات الحق الى حكم‏الحاكم لقطع
الخصومة.
وقد صرح بهذا المعنى بعض ذوي الدراسات القانونية كما
تقدم، وكذلك صرح به بعض الفقهاء((120)).
لكن يرد على هذا الدليل:
ان الاجماع قد قام على جواز الحكم للحاكم حتى مع الاقرار،
فالقول بعدم المجال له معه غير صحيح.
وقد صرح بذلك غير واحد من الفقهاء، قال في الجواهر:
«ودعوى الفرق بانه لا مجال لحكم الحاكم مع الاقرار اذ
لاخصومة حينئذ كي يحكم بقطعها بخلاف البينة، يدفعها
اتفاقهم ظاهرا على صحة حكم الحاكم به في‏المقام‏»((121)).
وانما تنتفي الفائدة في حكم الحاكم من جهة اصل ثبوت الحق
قضائيا لاقرار المقر به على فرض كفاية الاقراربمجرده في
الثبوت دون سائر الاثار المترتبة على ذلك، من انفاذ الحاكم
الاخر للحكم، وثبوت الفسق المقتضي لعدم‏الائتمام بالمقر ان
كان اقراره بمعصية توجب سقوط عدالته، وجواز اسناد ارتكابه
الفعل اليه.. الى غير ذلك من‏الاثار.
ولذلك قال الشهيد في غاية المراد: «والفائدة في حكم الحاكم
هنا انفاذ حاكم آخر اياه‏»((122)). ومثله قال
في‏المسالك((123)).
الدليل الثاني: ان الاقرار انما لا يحتاج الى حكم القاضي لانه
تصرف في النفس بالشهادة عليها بما يضرها، والانسان‏يلي امر
نفسه بنفسه ضرا او نفعا من دون توقف على حكم القاضي.
واما البينة فهي الشهادة على الغير، والشاهد لا يلي امر غيره،
فلذا احتاج انفاذها الى من له الولاية على الغيركالحاكم، فمن
هنا كانت حجية البينة منوطة باجتهاد القاضي.
وقد استدل بهذا الدليل جملة من فقهاء اهل السنة واصحاب
الدراسات القانونية((124)).
لكن هذا الدليل غير تام ايضا، وذلك:
اولا لما تقدم منا من الاشكال بان الاقرار ليس تصرفا قانونيا،
والا لزم ان يعتبر في صدوره القصد، مع انه لايعتبر فيه جزما،
لكفاية ما صدر منه على سبيل الجد وبنحو الحكاية وان لم يكن
ملتفتا الى صفته وآثاره.
وثانيا ان الحاجة الى الولاية انما تثبت في تصرف الانسان
فيما هو عائد الى الغير من حق او مال او نفس، واماتصرفه فيما
هو عائد اليه كجواز اسناد الفعل المشهود به الى الغير في
اخبار الغير به، او حرمة الاقتداء في الصلاة‏بالمشهود عليه بما
يوجب الفسق، بل وجوب تسليمه ما تحت يده لو شهد بانه له،
وغير ذلك فهو مما لا حاجة معه‏الى ولاية القاضي، لكفاية
الولاية على النفس ان كان المراد الولاية في حكم التنفيذ.
واما لو كان المراد الحكم بالثبوت الموجب لتحقق عناوين
موضوعات الاحكام المتقدم ذكرها لاثبات الحكم لها
والعمل‏بمقتضاها فلا يحتاج الى حكم الحاكم الا على القول
بعدم الاطلاق في حجية البينة اطلاقا شاملا للعامي، واما
عليه‏فيكفي التمسك باطلاق حجية البينة له، ويكون خارجا
من باب الحكم الشرعي سواء حكم بذلك الحاكم ام لا.
الدليل الثالث:
قد ثبت في مقالة سابقة ان الاقرار اصل عملي، لانه انما يثبت ما
يكون ضرريا على المقر من اللوازم والاثار على‏فرض المقر به
حقيقة واقعة، واما البينة فالثابت انها امارة جعل الشارع لها
الحجية، ومن هنا كانت جميع اللوازم‏والاثار الشرعية والعقلية
والعادية تترتب عليها وتفرض ثابتة بمجرد ثبوتها كما لو كان
المشهود به بالبينة حقيقة‏واقعة((125)).
وقد ثبت في محله من الاصول ان الفرق بين الامارة والاصل:
ان الامارة انما جعلت لها الحجية بملاك كاشفيتها عن‏الواقع،
فتمام الملاك فيها هو ذاك، واما الاصل فالحجية جعلت له اما
بملاك نوع الحكم المشكوك محضا او هو مع‏الكاشفية عن
الواقع.
وحينئذ فمقتضى كون الاقرار اصلا عمليا عدم دخل القاضي
في تقدير قوة حجيته اما لعدم ارتباط حجيته بكاشفيته‏اصلا
بناء على كونه اصلا عمليا محضا، او لارتباطها بها في الجملة
بناءعلى كونه اصلا عمليا محرزا على تسمية‏السيد الشهيد
محمد باقر الصدر(رضى اللّه عنه) له كما هو الصحيح، وهو ما
يكفي فيه درجة من الكاشفية معتد بها بين‏العقلاء تحصل
بمجرد كون الاقرار امرا ضرريا على النفس، لعدم معقولية
الحاق العاقل الضرر بنفسه عادة ما لم يكن‏ذلك افصاحا عن
واقع الامر تحت وخز الضمير والاسترسال في البيان من دون
حاجة الى تقدير القاضي، لتمكن كل‏انسان عرفي من احرازها.
نعم، قد تتخلف هذه الدرجة من الكاشفية في موارد نادرة جدا
كاقرار الام بقتل من اتهم ولدها بقتله رزوحا تحت وط‏ءعاطفة
الامومة، او ما شابه ذلك، لكنه مما لا يلتفت اليه لندرته، مع
تجويز فوات مثل ذلك من قبل الشارع بمقتضى‏ظاهرية الحكم
بحجية الاقرار كدليل اثبات للموضوعات، مضافا الى انه قابل
للدرك والفهم من قبل العرف ايضا الا ماشذ.
وهذا بخلاف البينة التي جعل تمام الملاك في حجيتها هو
مقدار كاشفيتها عن الواقع مما هو منوط براي‏القاضي.
فثبت ما ذكره الشهيدان الاول والثاني (رحمهما اللّه) من ان
اعتبار البينة منوط بنظر القاضي واجتهاده، دون الاقرارالذي
يمكن لكل احد اجراؤه من دون حاجة لراي القاضي، لسهولة
احراز ملاك الحجية فيه، بل لا حاجة الى‏التخصص، لاحرازه في
الاعم الاغلب. ولعله لذلك قال الاردبيلي في ميل الشهيد
الثاني(رحمه اللّه) الى جواز حكم الحاكم‏بالحق مع اقرار
المدعى عليه به بدون مساءلة المدعي: «لعله نظر الى ان الحكم
بعد ظهور الحق حق الحاكم، فيحكم،طلب ام لا، بخلاف
السؤال فانه بعدما ثبت شي‏ء، فنظر الى ان الكلام في الاقرار
والحق يثبت بمجرده ولا يحتاج الى‏حكمه، فلكل احد ان يحكم
بثبوت الحق في ذمته بناء على اقراره بغير اذن صاحب الحق،
فكذا الحاكم بالطريق‏الاولى.
وفيه تامل، اذ الحكم بالثبوت مشكل، ولهذا لم يقدر احد ان
يشهد بثبوته في ذمته، بل باقراره، فليس الحكم
الاللحاكم،لاجتهاده ان اقرار العقلاء على انفسهم جائز ونحوه،
وللاجماع.
فحينئذ تجويز الحكم واخذ الحق عنه لكل احد بغير رضا للمقر
له محل التامل.
وظاهرهم يدل على الجواز، وذلك غير بعيد، كان قبول الاقرار
على نفس المقر والالزام صار ضروريا لا يحتاج الى‏الاستدلال
والاجتهاد، فتامل‏»((126)).
لكن ياتي عليه ما تقدم من ان ذلك يتم لو ثبت التقييد في
دليل حجية البينة بكون احراز هذه الدرجة من الكاشفية
عن‏الواقع منوطا بنظر القاضي دون غيره، وان حصل له الاحراز
المذكور فان ثبت فهو والا فيكفي التمسك باطلاق دليل‏حجية
البينة لاثبات موضوعات الاحكام الشرعية بها من كل احد احرز
استجماعها للشرائط المطلوبة للحكم‏بموجبها.
والظاهر ان لا ادلة مطلقة على حجية البينة، واما الادلة الواردة
في الموارد الخاصة فهي غير مقيدة رغم كثرتها حتى‏في باب
الدعاوى والخصومات بكونها حجة عند القاضي، وكل ما
يستفاد منها تعليق ثبوت موضوعات الاحكام على‏شهادة البينة،
مما قد يشكل بحساب الاحتمالات دليلا على عدم دخل عنوان
القاضي فيها.
نعم، الادلة الدالة على اختصاص الحكومة بالمجتهد قد تصلح
مقيدا لادلة حجية ادلة الاثبات مطلقا.
الدليل الرابع:
ان الاقرار لما كان على خلاف المصلحة فانه يوجب القطع
بصدق المقر فيه، وحجية القطع ذاتية لا يحتاج معها الى‏حكم
الحاكم، بخلاف البينة فانها لاتوجب الا الظن الذي لا اعتبار له
ما لم يثبت له الاعتبار من الشارع ولو بحكم الحاكم‏المنصوب
من قبله، فلذلك تكون حجية الاقرار غير موقوفة على حكم
الحاكم، دون البينة حيث تكون موقوفة عليه. والى‏هذا الدليل
اشار بعض فقهاء اهل السنة((217)).
وقد يناقش هذا الدليل: بانه غير تام ايضا، لان الاقرار مهما بلغت
درجة كاشفيته عن الواقع لا يكون مفيدا لليقين‏غالبا، لبقاء
احتمال الكذب والاشتباه صادقا في حقه.
وهو ما يمكن الجواب عنه: بانه وان لم يبلغ درجة اليقين
العقلي لتطرق الاحتمال المذكور اليه، لكن مثل هذا
الاحتمال‏غير معتد به عند العرف، فيبقى الباقي خارجا عن
عنوان الظن داخلا تحت مسمى العلم عرفا، الكافي لترتيب
الاثارالشرعية عليه عند من يحصل له من دون ان يكون
مشمولا للنهي عن اتباع الظن وقفو ما ليس للانسان به علم.
وقداشرنا الى ذلك في مقالة سابقة((218)).
خلاصة البحث:
وقد ظهر لك انه وان لم يقم دليل على وجود فرق بين البينة
والاقرار بحسب ادلة الحجية اثباتا، لكن الدليل على الفرق‏بين
البينة والاقرار بما يحتاج معه الثاني الى اتصال بحكم الحاكم
دون الاول مما لا يعدم، لكون الاقرار يوجب العلم‏العرفي
المجوز لترتيب الاثار غالبا.
وبذلك يتفق الفقه مع القانون فيما ذهب اليه من حاجة البينة
في ثبوت الحجية لها الى اتصال بحكم الحاكم.
بحوث علمية في تنقيح موضوعات الاحكام
ما وراء الفقه الربا والفائدة البنكية
د. موسى غني نجاد
ترجمة: حيدر حب اللّه
من اللازم بيان بعض التوضيحات حول المقالة والغرض من
نشرها:1 انه لا شك في حرمة الربا وان ذلك من الاحكام
البديهية‏والمسلمة في الشريعة.. حيث وقف القرآن الكريم موقفا
صلبا امام ظاهرة الربا وعد آكل الربا انسانا مخبولا غير سوي..
قال‏تعالى: (الذين ياكلون الربا لايقومون الا كما يقوم الذي
يتخبطه الشيطان من المس).. وهذه المقالة التي بين يديك
غير ناظرة الى دراسة الحكم‏الشرعي.. بل موضوع الحكم ومتى
يصدق الربا ومتى لا يصدق.. فحاول الباحث تحليل الموضوع
من ناحية علمية تخصصية‏صرفة..
2 ان تنقيح الموضوعات قد يكون في بعض الاحيان خارجا
عن مسؤولية الفقيه ولا يعد من وظيفته.. لكن في احيان
اخرى‏يتصدى الفقيه لتحديد الموضوع الذي يصب عليه فتواه..
فهو الذي يحدد مدى ارتباط هذا الامر بعملية استنباط الحكم
الشرعي‏او عدم ارتباطه.. وعليه فليس من الصحيح لغير
المجتهد ان يجعل امثال هذه الدراسات التي تدور حول تنقيح
الموضوعات‏صغرى في الاستدلال لتحديد الموقف الشرعي
بمعزل عن الفقيه..
3 ان المناظرة العلمية والحوار اصل ورثناه عن سلفنا الصالح
ومنهج تعلمناه من القرآن الكريم.. فليس من الضرورة ان
نتفق‏مع الكاتب في طريقته في التحليل او في النتائج التي
توصل اليها.. بل قد تصدى بعض الباحثين الاخرين الى رد هذه
المقالة وماتنطوي عليه من آراء.. كما انه في الوقت نفسه حاول
الكاتب الدفاع مرة اخرى عن وجة نظره هذه وناقش الرد
الموجه اليه..وربما يصل المجلة ردود اخرى مؤيدة او رافضة..
وسنسعى لنشر ذلك تباعا ان شاء اللّه.. فان ذلك مما يساهم في
تكامل الاراءوتنضيج النظريات..(التحرير)
ربما يمكن ايجاز اسباب ذم الربا في الثقافات والاديان الماضية
على الشكل التالي:
ا عنصرا السهولة والراحة المختزنين في الربا، اي الدخل
القطعي المعين من قبل الحاصل دون ممارسة اي جهداو
خطر.
ب الاثار الاجتماعية المخربة، اي الظلم الوارد على المقترض.
وفي النهاية عدم امكان تقديم تبرير عقلاني لظاهرة الربا، اي
الجواب عن السؤال القائل كيف يمكن للمال كوسيلة‏مبادلة
ان يتكاثر ويتزايد بمجرد مرور الزمان؟
لقد قدم ارسطو باجابته عن السؤال الاخير الاساس العقلي
المحكم لكافة النظريات المعارضة للربا والتي ظهرت
في‏القرون اللاحقة.
والسؤال الاساسي هنا هو هل ان مثل هذا المفهوم عن الربا في
الحقبات التاريخية الماضية يمكن تعميمه لظاهرة‏الفائدة
البنكية في العالم المعاصر والتي نشات من توسع المؤسسات
الحديثة المسماة بالبنوك؟ وباختصار هل‏ان‏الفائدة البنكية هي
نفس الربا بمفهومه القديم؟
ان جوابنا عن هذا التساؤل بالنفي (وهو ما سوف تسعى هذه
المقالة‏لتبيينه) وبالرغم من ان النقطة الاساسية التي‏تؤكد
عليها هذه المقالة في تمييزها بين الربا والفائدة البنكية تكمن
في قطعية وعدم قطعية دخل الفائدة البنكية المحددة‏سلفا الا
انه سوف تجري الاشارة وفق الضرورة لوجوه اخرى للتمايز
بين هذين المفهومين، اي الربا والفائدة.
ان افتراض التساوي بين الربا والفائدة البنكية افتراض ناشئ
عن الاشتباه في تقييم المفاهيم او اصطلاحا عن‏الخلط
المعرفي الايبستمولوجي بينها. لقد ظهرت الفائدة البنكية او
فائدة راس المال على اثر توسع علاقات اقتصادسوق المنافسة
ونضج ونمو النظام الاعتباري الجديد، وفي الواقع فهي مؤشر
على نقص وقلة راس المال في اقتصادهذا السوق، اما الربا فهو
ظاهرة مرتبطة بالاقتصاد المعيشي الراكد والذي يكون فيه
النقد ذادور ثانوي وضعيف جدافي الحياة الاقتصادية لعموم
الافراد، فيما يتمتع مالكو النقود [المقرضون الربويون] بموقعية
حصرية ومتميزة جدا،والربا زاد او نقص يمثل قيمة معينة
يرجع تحديدها غالبا الى اصحاب الخزائن النقدية.
ولاجل اتضاح البحث نشرع بداية بتعريف راس المال حتى
يتبين وبصراحة التمايز الموجود بين فائدة راس المال‏والربا
الذي يحكي عن ظاهرة مرتبطة بالانظمة الاقتصادية ما قبل
الراسمالية.
من الناحية الاقتصادية، يعد راس المال الذي يؤول في اسسه
الى عمليات الاكتناز والادخار وسيلة لرفع مستوى‏الطاقة
الانتاجية، ان ادخار الاموال، اي الامساك عن الاستهلاك الاني،
يمكن ان يشكل اساسا لتبلور راس المال، اماالاستهلاك الذي
يعبر عن الهدف النهائي للانتاج فهو عبارة عن قضاء الحاجات او
الرغبات البشرية، ومن الواضح انه لايصح من التعاريف‏المتقدمة
استنباط ان راس المال هو فقط مجرد وسيلة لرفع قدرة
الانتاج‏او ان اي نوع من انواع‏الامساك عن الاستهلاك [الادخار]
سوف يؤدي الى تشكل راس المال اضطرارا وتلقائيا، بل
الصحيح هو ان الادخاريمكن ان يتحول الى راس مال في حالة
ما اذا كانت وجهته تعبر عن مسار في‏اطار النشاطات الانتاجية،
كما هو الحال‏في الكنوز المدفونة في التراب، اذ لا يمكن
اعتبارها راس مال، فالمدخرات التي يهدف من اقراضها
الاستهلاك صرفا آليست مشمولة لتعريف راس المال
بمفهومه الاقتصادي((129))،فراس المال وفق التعريف الذي
بين له ياخذ معناه‏الكامل في ظل النظام الاقتصادي المبني
على الانتاج غير المباشر، اي الانتاج بواسطة وسائل الانتاج.
وبعبارة اخرى: كلما كان تقسيم العمل اكثر تطورا وكان الانتاج
اكثر تخصصية كانت الحاجة الى ادوات الانتاج الطلب‏بهدف
راس المال اكبر، وبناء عليه فالطلب بهدف الحصول على
راس المال وبطريق اولى السوق الراسمالي في‏اقتصاد
معيشي مغلق امر لا وجود له من الناحية العملية، من قبيل
اقتصاد المجتمعات القروية والعشائرية ذات الاكتفاءالذاتي
والذي يقوم فيها المنتجون بالاضافة الى انتاج السلع
الاستهلاكية المحتاج اليها من قبلهم بانتاج الوسائل‏الابتدائية
للانتاج، ففي مثل هذه المجتمعات التي يقف فيها المحصول
الانتاجي في مستوى متدن جدا تكون امكانية‏ادخار الاموال
ضئيلة جدا ايضا، وفي النهاية فان امكان تشكيل راس مال
سيكون امرا محدودا بدرجة عالية جدا،وبالرغم من وجود
علاقات نقدية واقتصادية بدرجات مختلفة في المجتمعات
التي سبقت مرحلة الراسمالية بيد ان‏هذه العلاقات تقع في
الغالب على هامش النشاطات الانتاجية الاساسية، ومن هنا فان
النقد المدخر الناشئ عن التجارة‏في مثل هذه المجتمعات
مع الاخذ بعين الاعتبار الدور المهم له في الانظمة الاقتصادية
الجديدة ليس شبيها بادخارالمال في المجتمعات المتمدنة،
فاصحاب الاموال المدخرة في المجتمعات المذكورة [القديمة]
يتمتعون بموقعية حصرية‏بل يمكن القول استثنائية، ومن هذه
الجهة كان بامكانهم المطالبة بسعر مرتفع جدا من الربا قبال
القروض التي‏يقدمونها، ومع امكانية اعتبار هذه الاسعار
المرتفعة للربا علامة على نقص المختزنات النقدية لكن لا
يمكن اخذ ذلك‏كمؤشر على الناتج النهائي المرتفع لراس
المال، ذلك انه وكما اشير من قبل لم يكن للطلب وسوق
راس المال‏بالمفهوم الاقتصادي اي وجود اصلا.
وبعبارة اخرى: ان هذا المسار العملي الاقتصادي والاجتماعي
الهام الذي يملكه راس المال في الانظمة الاقتصادية‏الحديثة
لم تكن تملكه عمليات ادخار الاموال في العالم القديم من
الناحية العملية، ولعل السبب في انتقاد فلاسفة العالم‏القديم
الربا وذمهم له كان مختزنا في هذه النقطة، اي انه لم يكن ثمة
تفسير وتبرير عقلاني من الناحية السياسية‏والاجتماعية
والاقتصادية لعملية الربا عندهم فيما النتائج الضارة له
المتبلورة على شكل الظلم الذي يمارس على‏المقترضين
كانت واضحة امامهم.
لقد كان الدور الرئيس للنقد في المرحلة القديمة قائما على
كونه واسطة في التبادل بحيث فصل مفكرون من امثال‏ارسطو
النقد عن مقولة الثروة، فالنقد من وجهة نظر ارسطو منحصر
بكونه وسيلة تبادل ولا شي‏ء آخر، ومن هنارفض ارسطو اعتباره
نوعا من الثروة.
يقول ارسطو ان النقد وسيلة يهدف منها تسهيل المبادلات،
وبناء عليه «ستكون تسمية المعدن الذي لا تغني كثرته‏من
جوع ثروة مجرد كلام فارغ لا فائدة منه‏»((130))، وتبعا لهذا
الحكم فيما يخص دور النقد يحكم ارسطوبان‏مضاعفة راس
المال في حالة الاقراض [الربا] يمثل امرا غير طبيعي وغير
عادل، ومنشا هذا الحكم فيما يتعلق‏بالنقد هو ان النقد لم يكن
لديه في العصور الماضية هذا الدور الذي يلعبه راس المال في
الاقتصاد الحديث، اي كونه‏وسيلة‏لرفع المحصول الانتاجي عن
طريق الانتاج بالواسطة «الراسمال الفني‏»، او ان هذا الدور
بالنسبة اليه كان نادرا،ووفقا لذلك يلاحظ ان‏ذم الربا من جانب
ارسطو كان بالكامل نتاج امر عقلي، وهو ما جعل‏الفكر
الارسط‏ي فيمايخص الربا قادرا على الاستمرار والحاكمية
لقرون متمادية.
لكنه وبمرور الايام وتوسع العلاقات الاقتصادية للسوق وتقسيم
العمل والتخصصية قدر الامكان في الانتاج وظهورالنظام
الاعتباري والبنكي الجديد اصبح للذخائر دور هام على الصعيد
الاقتصادي كراس للمال، فتوسعة نظم السوق‏اوجبت نفوذ
العلاقات النقدية في كل زوايا الحياة الاقتصادية، ففي النظام
الاقتصادي الجديد لم يعد النقد مجرد وسيلة‏للتبادل بل
اكتسب دورا مهما واساسيا آخر ايضا وهو كونه ذخيرة لراس
المال ومقياسا ايضا، وفي هذا النظام تتبدل‏المدخرات بسهولة
في اطار رفع الحاصل الانتاجي عن طريق النقد الى راس مال،
فرؤوس الاموال الصغيرة والمتوسطة‏تظهر في ظل توسع نظم
السوق وارتفاع المحصول الانتاجي، وهو ما لم يكن قابلا للتصور
من قبل، وهذه المدخرات‏التي تتضاعف يوميا تؤمن عن
طريق مؤسسات الايداع والبنوك الجديدة امكانات الاستثمار
الكبيرة في المجتمع،ودور تنظيم العلاقة بين المدخرات
والاستثمارات في اقتصاد السوق الواسع يقع على عاتق قيمة
فائدة راس المال[الفائدة البنكية]، فالفائدة البنكية ظاهرة
جديدة متمايزة تمايزا كاملا عن الربا، وخلافا للتصور السائد
ليس للاول‏منهما اساس في الثاني كما انه ليس نتيجة تحولية
له، فالجذر اللغوي لمصطلح البنك في اللغات الاوروبية هو
كلمةح‏ذچچ التي تدل على طاولة الصرافين في الاسواق العادية
في القرون الوسط‏ى، وبسبب الكثرة الهائلة للنقود المحلية‏في
تلك القرون كان للصرافين نشاط هام في الاسواق تسهيلا
لانجاز المعاملات.
يقول المؤرخ الاقتصادي «كي فوكن‏»: لقد ثبت وفقا
للتحقيقات الاكثر جدة انه لم يكن لاكلي الربا خلال فترة
القرون‏الوسط‏ى في اوروبا اي دور في ايجاد النظام الاعتباري
ولا البنك نفسه، فقد كان اقراضهم اي المرابين
لغايات‏تجارية امرا نادرا، فيما شكل التجار عناصر الاعتبار
التجاري.
ويكتب المؤرخ نفسه فيما يخص ظهور البنك ايضا فيقول: «لم
يظهر البنك نتاجا لاكل الربا وانما حصيلة لعمل‏الصرافة،
فالصرافون الذين كانوا يشكلون عدة اشخاص في كل مدينة
ژح‏ذچچ في كانوا يضعون طاولاتهم التي اشتقت منهاكلمة
الاسواق، وقد كانت الصرافة اليدوية نشاط هذه الفئة، فالعملات
المتداولة وبسبب ضربها ولمددزمنية طويلة من قبل الجهات
النقدية المعنية والمتعددة كانت تملك قيما متفاوتة تفاوتا
كبيرا فيما بينها بحيث لم‏يكن يمكن لاي سوق فعال ان
يستغني عن الخدمات الصيرفية، وعقب ذلك وبسرعة دخل
الصرافون الذين وضعوالانفسهم تسمية اصحاب البنوك لاول
مرة العمليات الصيرفية الاكثر تعقيدا اي القبول بالايداعات
وانتقال الاعتبارات(الذهب مثلا) وهو ما حصل في المراكز
الكبرى لا سيما ايطاليا»((131)).
لقد وجد البنك الحديث نتيجة لتوسع النشاطات المصرفية
لتشمل الاقراض وقبول الايداعات وانتقالها من جهة،ورغبة‏من
الدولة القومية (ژذرخژچت -حژچژث ) في تنظيم العلاقات

النقدية والمالية وضبط هذا النوع من الانشطة من جهة‏اخرى.
ان نضج الانظمة والبرامج الاعتبارية والبنكية الجديدة تبلور لا
في اطار القروض الربوية وانما بالضبط ضد مصالح‏الربويين
انفسهم، فماركس يؤكد في الجزء الثالث من كتاب راس المال
وفي فصل معنون ب «راس المال الربوي ما قبل‏الراسمالية‏»
على ان الانظمة الاعتبارية الجديدة [البنوك] كانت رد فعل
على عمليات الاقراض الربوية او اكل الربا، انه‏يقول بان البنوك
وبقيامها بعرض ذخائرها النقدية غير المستفاد منها [رؤوس
الاموال الصغيرة والكبيرة] في السوق‏تكسر احتكار راس المال
الربوي، كما وبقيامها من جهة اخرى باستحداث النقد
الاعتباري تحد من احتكار الفلزات‏المعدنية للنقد كشكل وحيد
من اشكاله((132))، ويؤكد «مكاولي‏» المؤرخ الانجليزي الكبير
في كتابه المعروف «تاريخ‏انجلترا» على ان تشكيل النظام
البنكي وطرح ايجاد «البنك الانجليزي‏» في اواخر القرن السابع
عشر اثار صرخات الغضب‏والرفض من جانب بائعي الذهب
والمقرضين الربويين [آكلي الربا]((133))، وحسب اعتقاده فان
انصار النظام الاعتباري‏والبنكي الجديد كانوا يرون آكلي الربا
بلاء على الامة ذلك ان ضررهم على عموم المجتمع اكبر من
ضرر الجيوش‏المهاجمة والمحتل الاجنبي((134)).
الفائدة البنكية او فائدة راس المال في الاقتصاد الجديد ليست
ظاهرة نقدية جديدة فحسب، بل انها ظاهرة متغيرة‏ومرتبطة
بقلة راس المال [المدخر]، لقد لعب «كينز» في المرحلة
المعاصرة دورا كبيرا في طرح شبهة ان الفائدة اشبه‏بمتغير
نقدي صرف، بحيث انه مع ازدياد حجمها يمكن خفض القيمة
السوقية للفائدة الى درجة وصولها في النهاية‏الى الصفر، وسوف
نرى فيما بعد ان شبهة «كينز» هذه قد شملت البعض من
المحققين الاسلاميين المتاخرين ودفعتهم‏الى تقييمات غير
صحيحة، ففي اقتصاد واسع للسوق تتكفل قيمة الفائدة بدور
اساسي ومفصلي في ربط وتنظيم‏العلاقة بين المدخرات
والاستثمار، فقيمة الفائدة الواقعية المستقلة عن الارادة
الفردية وحتى عن الدولة تتعين من خلال‏ميكانيزما السوق،
وهي في الحقيقة تحكي عن قلة الخزينة من جهة والناتج
النهائي لراس المال من جهة اخرى، فالدورالاساسي للفائدة في
النظام البنكي عبارة عن توجيه المدخرات لا سيما منها
المتوسطة والصغيرة نحو الاستثمار،فالشخص الذي يدخر
امواله بامساكه عن الاستهلاك الاني يؤمن امكانية تشكيل راس
مال واستثمار، وهو ما يعني‏ارتفاع معدلات الانتاج في
المستقبل، اي ان الامساك عن الاستهلاك الاني يوجب زيادة
المحصولات الانتاجية في‏المستقبل، والشخص المدخر
وبسبب حرمانه نفسه عن الاستهلاك فترة زمنية معينة
وتحمله ما بين الانتاج‏والاستهلاك يقبض قسما من
المحصول الاضافي للانتاج في المستقبل على صورة الفائدة،
وفي هذا الاطار تصبح‏الفائدة حقا ناشئا عن المشاركة في رفع
القدرة الانتاجية، ومن البديهي عدم امكانية تصور مثل هذا
النظام اطلاقا في‏اقتصاد تقليدي معيشي لا يعرف غير رؤوس
الاموال الصغيرة والمتوسطة، بل ان الانتاج فيه ليس مبنيا
اساسا على‏الاستثمار، وبناء عليه فمجرد الشبه الظاهري
الموجود لا يخولنا التوحيد بين الفائدة البنكية التي لاامكانية
لتحققها في‏المجتمعات التقليدية المعيشية وبين الربا في تلك
المجتمعات.
ان سوق الربا والفائدة مساقا واحدا مع الاخذ بعين الاعتبار
تحريم الشريعة الاسلامية للربا بشكل صريح كان‏باعثا رئيسيا
على ايجاد بنك خال من الربا، وقد ركز منظروا هذا النظام
البنكي على خصوصية معينة في الربا وهي انه‏دخل ثابت معين
من قبل، واعتبروا ان فلسفة ممنوعية الربا تكمن في هذه
الخصلة بالذات، «وفي الواقع فما جرى منعه‏في الاسلام انما هو
الناتج الثابت او المعين سلفا في المعاملات المالية، لا قيمة
الناتج غير المحددة والمشخصة والتي‏تطرح في
الارباح‏»((135))، ومن هنا فالنظام البنكي اللاربوي او «النظام
البنكي الاسلامي في ابسط اشكاله يمكن ان‏يبنى على
المشاركة لا على الفائدة‏»((136)).
لكننا اذا لاحظنا استحالة الناتج الثابت والمعين سلفا لراس
المال نظرا وعملا في نظام اقتصادي مبتن على
سوق‏المنافسة فسوف نجد انفسنا متورطين في خطا كبير في
الفهم فرض علينا توحيد موقفنا ازاء الربا والفائدة.
يمكن في النظام الاقتصادي الجديد التمييز بين نوعين من
قيمة الفائدة هما قيمة الفائدة الواقعية والثاني قيمة
الفائدة‏المسماة((137))، فقيمة الفائدة الواقعية من الناحية
النظرية تبين من جهة الميل النهائي للادخار ومن جهة اخرى
الناتج‏النهائي لراس المال، اي ان قيمة الفائدة في اقتصاد
السوق ذات وضعية معينة ترجع الى ان الحجم النهائي
للامساك‏عن الاستهلاك الميل النهائي للادخار مساوي
للنفع النهائي الناشئ عن الاستثمار، فقيمة الفائدة كباقي
القيم في‏النظام السوقي ليست قابلة للتنبؤ سلفا باي وجه من
الوجوه وهي تتغير تبعا للعوامل المؤثرة في السوق والتي
لايمكن تعيينها من قبل، اما قيمة الفائدة المسماة [النقدية]
فهي متغيرة تتعين كنقد مسمى من خلال ميزان
العرض‏والطلب، فمع عرض النقد المسمى من قبل السلطات
النقدية البنك المركزي او الدولة تصبح القيمة قابلة
للضبط‏والتحكم، لكن الاقبال على النقد على اي تقدير متاثر
بالمتغيرات الاقتصادية الواقعية من قبيل ميزان ناتج
الاستثمارات،وليس قابلا للضبط والتحكم من جانب اي
مرجعية سلطوية، وبناء عليه لا يمكن في النظام الاقتصادي
المبني على‏السوق تعيين حتى قيمة الفائدة المسماة قبل مدة
طويلة، وهذا الكلام لا يناقض الحقيقة القائلة بان السلطات
النقدية‏والحكومية وبسياسات النقد والمال يمكنها في مدة
قصيرة تخفيض قيمة الفائدة في السوق او رفعها، لكن على
اية‏حال فان هذه المتغيرات الواقعية الاقتصادية تقوم في نهاية
المطاف وعن طريق ميكانيزما السوق بتصحيح الانحرافات‏عن
القيمة الواقعية.
ولاجل المزيد من اتضاح المطلب يمكن القول بان القيمة
الواقعية للفائدة عبارة تقريبا عن القيمة النقدية المسماة
لهابعد تعديلها بمعدل التضخم، وبالرغم من ان اداء فائدة
الودائع في اقتصاد السوق يتم التعهد به ضمن قيمة معينة،
لكن‏مع الاخذ بعين الاعتبار عدم التعين المسبق لمعدل
التضخم فان تعيين ميزان الفائدة الواقعية من قبل يعد امرا
غيرممكن من الناحية العملية، وعليه ف «الناتج الثابت او
المعين من قبل‏» [الربا] يمكن تصوره فقط في المجتمعات
ذات‏الاقتصاد المعيشي التقليدي، ذلك ان التغييرات في القيم
النسبية وكذلك في مستوى القيم حتى في مدة طويلة امر
لاوجود له اساسا في هذه المجتمعات، وذلك بسبب وقوع
العلاقات التبادلية النقدية على هامش الانشطة
الانتاجية‏الرئيسية وبط‏ء التحرك الاجتماعي والاقتصادي،
وكذلك البط‏ء الشديد جدا في التحولات الفنية والتكنولوجية،
وفي هذه‏الظروف فقط يتحد كل من الناتج المسمى والواقعي
للنقد، ويتخذ تعريف الربا لنفسه معنى، اما في النظام
الاقتصادي‏المبني على السوق والذي تكون فيه القيم نسبية
فان الميل النهائي للادخار والناتج النهائي لراس المال يقعان
دائماعرضة للتغيرات وذلك بسبب تبدل ميول وطبائع
المستهلكين والحركة الشديدة لعوامل الانتاج والتحولات
الفنية‏والتكنولوجية السريعة، وهو ما يؤدي الى عدم امكانية
تحقق معاملة مالية ذات ناتج ثابت او معين من قبل، ان
القيم‏وكافة المتغيرات الاقتصادية في الانظمة الاقتصادية
الجديدة تمثل حصيلة نشاط قوى السوق في مرحلة اسبق،
وبناءعليه‏فحتى لو بلغ معدل التضخم الصفر فليس ثمة ضمانة
تحدد كيف ان المتغيرات الاقتصادية ومن بينها قيمة
الفائدة‏الواقعية يمكن ان تكون معلومة للمستقبل، صحيح انه
مع معدل صفر للتضخم تثبت القدرة الشرائية للنقد
بصورة‏وسطية، بيد انها ومع الاخذ بعين الاعتبار نسبية القيم
وكذلك الاسباب التي اشرنا اليها آنفا في حال تغير لا
محالة،والقدرة الشرائية للنقد تخضع هي الاخرى للتغير عمليا
في كل سلعة سلعة، وذلك كله فيما «الناتج الثابت او
المعين‏سلفا» يستلزم بقاء ثبات القدرة الشرائية للنقد.
وكما لاحظنا ففي الظروف الاقتصادية المعيشية الراكدة يمكن
تصور بقاء ثبات القدرة الشرائية للنقد، اما في
الظروف‏الاقتصادية المتحركة والجديدة فمثل هذا التصور غير
صحيح، ووفقا لذلك يمكن القول بان اولئك الذين يضعون
الرباوالفائدة البنكية في مستوى بعضهما البعض يقعون في
خطا معرفي ايبستمولوجي فاحش، اي ان المفهوم
القابل‏للتصور في ظل ظروف وشروط معينة خاصة يجري
تعميمه لوضعية مغايرة بالكامل لا تختزن هذا المفهوم ابدا.
لقد عمد انصار البنك اللاربوي وعلى اثر توحيدهم الربا
والفائدة الى تاسيس البنك المبني على المشاركة، وهوالبنك
الذي يكون ناتج راس المال فيه (الربح) غير معين من قبل،
وذلك مكان النظام المبني على الفائدة والذي تكون‏فيه الفائدة
(الربا) محددة سلفا، لكننا اذا ركزنا على ان الايداع المبني على
الفائدة هو من الاساس نشاط مضمونه في‏الحقيقة المشاركة
في الربح والضرر فاننا نصل الى هذه النتيجة، وهي ان السعي
لايجاد بنك‏لا ربوي او بنك مبني‏على المشاركة انما هو ناشئ
من اشتباه معرفي فيما يخص نوعية النشاط في اقتصاد السوق.
ان التفاوت الموجود ما بين الايداع مع الفائدة والمشاركة مع
الربح [الاستثمار] انما هو في ميزان الخطر الاحتمالي لافي
وجوده او فقدانه، فالمودع حيث يرفض المخاطرة لا يريد
المشاركة في الاستثمار وهو بقبضه الفائدة المسماة‏المعينة
والتي لا يعلم بقيمتها الواقعية ابدا ينقص من ميزان ارتفاع
وانخفاض الربح والخسارة المتوجهين اليه قياساللاستثمار
المباشر [المشاركة]، ان الايداع والاستثمار اللذين يتضمنان
من هذه الناحية خطرا احتماليا كما يعبركلاهما عن مشاركة
في الربح او الخسارة غير المعلومين من قبل لا يختلفان عن
بعضهما من حيث الماهية، ان‏المودع‏الذي يقبض الفائدة المسم
اة المعينة من قبل في ظل ظروف يكون التضخم فيها عموما
اكبر من معدل الفائدة يتورط في‏الضرر قطعا، ذلك ان قيمة
الفائدة الواقعية ستكون سلبية، ومن البديهي انه في ظل
الظروف التي يمكن ان يكون فيهامعدل قيمة الفائدة الواقعية
سلبيا فان المودع يساهم حينئذ في الربح والخسارة، لكن عدم
قطعية الدخل المسمى المعين‏من قبل ليس منحصرا بمثل
هذه الشروط الخاصة اي تضخم الاقتصاد، اذ القيم النسبية في
الاقتصاد المبني على‏السوق هي وكما تمت الاشارة اليه من
قبل في حال تغيردائم، وحيث ان جهة وابعاد هذه التغيرات
ليست قابلة‏للتنبؤ بها من قبل فمن هنا تكون القدرة الشرائية
للنقد بالنسبة للانواع المختلفة للبضائع والسلع في معرض
التغييردائما، ونفس هذا التغيير الذي لا قابلية فيه للتنبؤ
بالقدرة الشرائية يرفع اية امكانية لاي نوع من القطعية في
الدخل‏المسمى المعين من قبل، ولعل طرح مثال عددي
مبسط يمكنه ان يوضح هذه الفكرة:
بهدف تبسيط فهم المطلب نفرض ان في المجتمع سلعتين
فقط هما «ا» و «ب‏» وبمقدار متساوي وان قيمة كل‏واحدة‏منهما
هي عشرة ريالات في البيع والشراء، كما اننا نتصور شخصا
يعط‏ي قرضا بمئة ريال بمعدل ثمانية في‏المئة في السنة
الواحدة وفي نهاية السنة يقبض مائة وثمانية ريالات بعنوان
الاصل والفرع، ونفترض ايضا ان قيمة‏السلعة «ا» قد انخفضت
خلال سنة كاملة عشرين في المئة فيما السلعة «ب‏» زادت
قيمتها عشرين في المئة بحيث صارت‏قيمة السلعة «ا» في
نهاية السنة ثمانية ريالات اما السلعة «ب‏» فاصبحت قيمتها
اثني عشر ريالا، فهنا من الواضح عدم‏حصول تغيير لدينا في
نهاية السنة على الصعيد العام في القيم، وذلك لان العشرين
بالمائة من الزيادة في قيمة احدى‏السلع والعشرين بالمئة من
النقيصة في قيمة السلعة الاخرى تجبر احداهما الاخرى نظرا
لتساويهما من حيث المعدل‏العام.
وبعبارة اخرى: في نهاية السنة يصل متوسط معدل التضخم في
القيم الى الصفر، بيد ان القيم النسبية مع ذلك آتتسم
بالتغير، فاذا كانت رغبة الشخص المقرض وعادته في استهلاك
السلعة «ب‏» فان القدرة الشرائية لنقده ستزيدعما هو المقدار
المسمى في المائة ريال الى المائة والثمانية ريالات،بيد ان
الامر في الواقع على العكس بالنسبة اليه اي‏انه قد اصبح اقل،
ذلك انه في بداية السنة كان يمكنه بالمائة ريال شراء عشرة
اعداد من السلعة «ب‏» التي هي موردرغبته اما في نهايتها فقد
اصبح قادرا على شراء تسعة اعداد فقط من هذه السلعة بالمائة
والثمانية ريالات التي تمثل‏حصيلة راس ماله والزيادة، وهذا
معناه ليس فقط عدم حصول زيادة لديه على مستوى‏دخله
الواقعي وفقا للسلعة‏المرغوب بها عنده بل انه تعرض للخسارة
والنقص ايضا، والان لنفرض ان الشخص المقرض لم يطالب
بالفائدة، لكن‏ذوقه وعادته كانا بحيث لم يكن يرغب سوى
بالسلعة «ا» فهنا يلاحظ بان المقدار المسمى لنقده لم يتغير في
سنة‏واحدة بل اصبحت قدرته الشرائية اكبر، اي انه اذا كان
يقدر في بداية السنة على شراء عشرة اعداد من السلعة «ا»
فقط‏بواسطة المائة ريال التي كان يملكها، فقد صار يمكنه
بنفس المائة ريال هذه ان يشتري 5/12 من تلك
السلعة،والنتيجة التي يمكن الحصول عليها من هذا المثال
الفرضي هي انه في الظروف التي تكون القيم النسبية فيها في
حال‏تغيير اي في الاقتصادات المتحركة المبنية على السوق
فان القدرة الشرائية للنقد حتى في زمان بلوغ
المستوى‏المتوسط للقيم درجة الصفر تتغير بالنسبة لكل
مستهلك لوحده قياسا للسلع المتنوعة، وفي الزمان الذي
تتغير فيه‏القدرة الشرائية للنقد لن يعود بالامكان الحديث عن
«الناتج الثابت او المعين من قبل‏» [الربا]، فالربا يصبح ذا معنى
في‏ظل الظروف التي علاوة على ثبات‏المعدل العام للقيم فيها
لابد ان تكون القيم النسبية هي الاخرى فيها غير متغيرة،
اي‏فقط في الاقتصاد المعيشي الراكد.
لعل «كينز» من الاشخاص المعدودين من بين علماء الاقتصاد
المعاصرين المعروفين الذين كانوا يرون قيمة الفائدة آكما عند
المفكرين القدماء امرا متغيرا نقديا صرفا لا راس ماليا، ومن
هذه الجهة انتقد علماء الاقتصاد الكلاسيكيين‏الجدد، ويصرح
«كينز» بفهمه لقيمة الفائدة على انها قيمة النقد او بتعبيره
«موجد التعادل ما بين عرض وطلب
القروض‏النقدية‏»((138))،انه وعلى خلاف علماء الاقتصاد
الكلاسيكيين الجدد لا يوضح قيمة الفائدة بالناتج النهائي
لراس المال‏وانما بالعكس تماما يرى بان الناتج النهائي‏لراس
المال ومستوى الاستثمار هو التابع للقيمة، وبهذا اللحاظ فان
افضل‏سياسة اقتصادية من وجهة نظره عبارة عن «تخفيض
قيمة الفائدة الى معدل الناتج النهائي لراس المال، بحيث
تكون‏مضاعفة الاستثمارات مفضية لتامين كامل لفرص
العمل((139))، ان خفض قيمة الفائدة عن طريق زيادة
عرض‏النقديفرض وفق عقيدة كينز توسعة الاستثمارات، وفي
النتيجة زيادة ادوات‏راس المال، وهو ما يمثل من وجهة
نظره‏اقتراحا عمليا يهدف الى رفع نقص راس المال، وفي
النتيجة تعلق الجائزة [الفائدة] بالملاك غير النشطين((140)).
ان نظرية الفائدة الكينزية متورطة بتناقض واضح قمنا ببحثه
في مكان آخر، لكننا نجمل القول هنا بان قيمة الفائدة آمن
وجهة نظر كينز تؤخذ دفعة واحدة كمتغير نقدي صرف
بحيث يمكن للقوى النقدية وبزيادة عرض النقدتخفيضها الى
حد الصفر، ومرة اخرى يلاحظ ان «كينز» يرى ان جزاء المالك
غير النشط والفعال يعني الفائدة آناشئ من نقص راس المال،
وهو يعتقد بانه بمضاعفة ادوات الانتاج عن طريق تخفيض
قيمة الفائدة يمكن التخلص من‏قلة راس المال وفي النهاية
قيمة الفائدة نفسها.
وبعيدا عما تقدم من الدور الباطل في نظرية كينز والذي على
اساسه لابد من تخفيض قيمة الفائدة بهدف تخفيض‏قيمتها،
يثار تساؤل منطقي هنا وهو اذا كانت قيمة الفائدة ظاهرة نقدية
محضة فما هي الحاجة لمضاعفة وسائل راس‏المال بغية
ازالتها؟ وهو ما يجرنا في النهاية الى تساؤل اكثر جوهرية وهو
الى اي حد يمكن ان يكون وضع نهاية‏لنقص راس المال امرا
علميا وحتى معقولا؟
قلة من علماء الاقتصاد اليوم ياخذون برؤى كينز هذه بشكل
جاد، بيد ان بعض المناصرين للبنك اللاربوي
الاسلامي‏وباحالتهم مع الاسف الى شهرة وعظمة كينز
يقدمون وجهات نظره فيما يخص مسالة الفائدة وراس المال
على انهاآخر المنجزات العلمية، ويستندون اليها تبعا لذلك،
ومن هنا فهم يعدون النظام الاقتصادي وراس المال غير
الربوي من‏الامور الممكنة بل والمطلوبة((141)).
ان وضع نهاية لنقص راس المال وحذف فائدته بتبع ذلك ليس
الا توهما، ذلك ان راس المال هو وسيلة لانتاج السلع‏والبضائع
والخدمات التي تشكل الحاجات والرغبات المتنوعة غير
النهائية للبشر دافعا لها، ان نهاية النقص في راس‏المال يمكن
ان تتصور ضمن ظروف تكون فيها النسبة السكانية للبشر ثابتة
ورغباتهم محدودة، كما ان اشكال وطرق‏الانتاج لديهم لابد ان
تكون غير متحولة وتطوراتهم الفنية والتكنولوجية متوقفة
وراكدة، ومن البديهي ان تحقق مثل هذه‏الظروف ليس ممكنا
كما انه ليس مطلوبا.