النقطة المهمة الاخرى التي غفل عنها كينز وانصار الغاء فائدة
راس المال في محاكمتهم القيمية والاخلاقية هي انه اذاكان
آكلوا الربا فيما قبل مرحلة الراسمالية والذين هم عمدة من
اصحاب الثروة وكانزي النقد يمارسون الظلم‏باقراضهم
الافراد المعدومين والذين يعيشون في ضائقة اقتصادية، وذلك
عندما يطالبونهم بالقيم العالية للربا... ففي‏الانظمة الاقتصادية
الحديثة انعكس الامر تماما فاصبح القابضون لفائدة راس المال
من اصحاب رؤوس الاموال‏الصغيرة والمتوسطة لا من مالكي
رؤوس الاموال الكبيرة والضخمة «غير النشطين‏»، وكما يكتب
احد كبار علماءالاقتصاد المعاصرين قائلا: «في زمن اثينا
صولون زمن قوانين الارض القديمة عند الروم والقرون
الوسط‏ى كان‏المقرضون عموما من اصحاب الثروات فيما
المقترضون من المعدومين والفقراء، اما (اليوم) في عصر
السندات‏والبنوك الرهنية وبنوك الادخار وصناديق ضمان
الحياة ومؤسسات الضمان الاجتماعي فان المقرضين يشكلون
في‏الغالب اكثرية افراد الشعب ذوي الدخل المتوسط، فيما
اصحاب الثروات وبصفتهم المالكين لاسهم الشركات
والمصانع‏والمزارع والاملاك السكنية هم في الاغلب مقترضون
لا مقرضون‏»((142)).
النتيجة:
مع الالتفات الى المباحث التي طرحت في هذه المقالة يمكن
الخروج بهذه النتيجة وفق الملاحظات التالية: وهي ان
هناك‏تفاوتا ماهويا بين الربا والفائدة، ولا يمكن التعامل معهما
على اساس واحد واعتبارهما امرا واحدا وبالتالي اصدار
حكم‏واحد عليهما معا:
1 «الربا» ك «ناتج ثابت او معين من قبل‏» يمكن تصوره فقط
في ظل النظام الاقتصادي المعيشي الراكد حيث تكون‏القيم
النسبية حتى في الفترات الطويلة غير خاضعة لتغيرات
الارتفاع والانخفاض المهمة، اما فائدة راس المال في‏الانظمة
الاقتصادية الحديثة فهي غير مشمولة للتعريف المتقدم للربا،
نظرا للتغيرات الدائمة والمتواصلة للقيم‏النسبية.
2 تعود ظاهرة الربا الى مرحلة ما قبل الراسمالية، ولا تقبل
المقايسة‏مع الفائدة ذات الدور والتاثير الاقتصادي الهام‏في
الانظمة الاقتصادية الحديثة.
3 من الناحية التاريخية فائدة راس المال ذات منشا مغاير
تماما لمنشا الربا بحيث يلاحظ ان ظهورها في الحقيقة‏كان
مضادا لاحتكار الربا وسلطته.
4 لقد وقع الربا وبسبب دوره الاجتماعي التخريبي محلا
للنقد والذم العقلائيين من قبل المفكرين السابقين
فيماحظيت الفائدة على راس المال وبسبب تاثيرها
الاقتصادي المنتج والهام في توجيه رؤوس الاموال ناحية
عمليات‏الاستثمار بتبريرات اخلاقية وعقلانية.
بحوث علمية في تنقيح موضوعات الاحكام
ما وراء الفقه: ربوية الفائدة البنكية
نقد مقالة
«الربا والفائدة البنكية‏»
السيد عباس موسويان
ترجمة: حيدر حب اللّه
في العالم المعاصر، ضاعفت عوامل من قبيل تطور وسائل
الانتاج، وتخصصية الانشطة الاقتصادية، وتعاظم حجم‏المراكز
الانتاجية والتجارية من الحاجة الى رؤوس الاموال المادية
والنقدية، فيما وضعت فكرة تحريم الربا وتطبيقهاعلى الفائدة
البنكية الاستفادة من رؤوس الاموال الشعبية وتبديلها الى
استثمارات منتجة وفقا لمناهج العمل الاقتصادي‏السائدة في
الاقتصاد الراسمالي امام اشكالية اساسية، وقد ادى هذا الامر
الى بروز ثلاثة انماط من التفكير في الوسط‏الاسلامي ازاء هذا
الموضوع، تبنى كل واحد منها فريقا خاصا.
الفريق الاول: وهو الفريق الذي اتجه لابتداع طرق جديدة بغية
حل مشكلة راس المال، وذلك نتيجة قبوله بممنوعية
الرباوتطبيق مفهومه على النظام الراسمالي لا سيما الفائدة
البنكية، وقد شكل التوجه لسوق الاسهم، والتاكيد على
الشركات‏الاستثمارية، وتقديم انموذج للبنك اللاربوي، ونشر
سندات المساهمة الاستثمارية وتوسعة نطاق المؤسسات
الانتاجية‏والتجارية... مظاهر عينية لهذا النمط من التفكير.
الفريق الثاني: وهو الفريق الذي راى مع القبول بربوية الفائدة
البنكية امكانية العثور على طريق لحل القضية‏انطلاقا من
عنصر الضرورة والحاجة (كما جرى تسميتها فترة معينة)
والمصلحة (كما اطلق عليها اخيرا) مع التمسك‏بقواعد
«الاضطرار» و «حاجة المسلمين‏» و «المصلحة الراجحة‏»
الفقهية، والنموذج العيني لهذا النوع من التفكير ما نشاهده‏في
بعض البلدان الاسلامية والعربية.
اما الفريق الثالث: فينحو بالمسالة ناحية تشخيص الموضوع،
وقد سعى انصاره من خلال تقديم بيانات مختلفة لاثبات‏الفارق
ما بين الربا والفائدة البنكية، من قبيل الفارق ما بين الفائدة
المجعولة على تمديد مهلة القرض وتلك الابتدائية‏على
القروض، الفائدة الفاحشة والفائدة العادلة، الفائدة على القروض
الاستهلاكية والقروض الاستثمارية، الفائدة‏الواقعية والفائدة
المسماة، الفائدة الثابتة والفائدة المتغيرة، الفائدة على القروض
الخاصة والفائدة على القروض‏الحكومية، الفائدة على القروض
العادية والفائدة على القروض البنكية، والدخل القطعي وغير
القطعي... كل ذلك يدلل‏على مباني النظريات التي طرحت من
جانب هذا الفريق.
وقد انضم منذ مدة جناب الدكتور موسى غني نجاد، احد
اساتذة الاقتصاد، الى الفريق الثالث وذلك بكتابته عدة
مقالات‏والقائه مجموعة من المحاضرات، وقد ركز اهتمامه
على شرح الفارق ما بين الربا والفائدة البنكية، وقد كانت
مقالته‏المنشورة «الربا والفائدة البنكية‏» آخر اعماله على هذا
الصعيد.
وقد ركز الدكتور نجاد في هذه المقالة، كما في مقالاته
ومحاضراته السابقة((143))، على نظريتين منسجمتين
نسبيا،كما اشار الى موارد اخرى للفرق بينهما عندما كانت
تقتضي المناسبة ذلك.
وقد اعتقد في النظرية الاولى والتي يعبر عنها احيانا ب
«الاطروحة الاساسية‏»((144)) واخرى ب «النظرية
المؤكدعليها»((145))، ان الربا عبارة عن الدخل القطعي
المعين من قبل فيما الفائدة تمثل دخلا متغيرا غير قطعي.
اما النظرية الثانية فراى فيها ان «الربا... ناتج خارجي للنقد
الذي‏يمثل الواسطة في المبادلات، اما الفائدة فناتج داخلي
له‏بما هو راس مال نقدي‏».
وسوف نطرح ابتداء في هذه المقالة التي تمثل في الحقيقة نقدا
لكلتا النظريتين((146)) خلاصة للنظرية نفسها، ومن‏ثم‏نوضح
ذلك بالاستعانة بكلمات وعبارات الدكتور نجاد نفسه، ام ا
المرحلة الثالثة فنعمد الى استخراج المحاور الاساسية‏للنظرية،
فيما نقيم هذه المحاور في المرحلة الرابعة والاخيرة.
نظرية «قطعية الربا وعدم قطعية الفائدة البنكية‏»:
خلاصة النظرية:
يتحقق الربا اولا الذي يمثل ناتجا ثابتا معينا من قبل فيما لو
كان معدل التضخم ولمدة طويلة عبارة عن الصفر.ولم تخضع
القيم النسبية حتى في المدة الطويلة لتحولات انخفاض
وارتفاع ثانيا، وهذان الامران غير متصورين الا في‏الاقتصاديات
المعيشية القديمة، وبناء عليه فالفائدة في الانظمة الاقتصادية
الجديدة التي تعبر اي الفائدة عن ظاهرة‏غير قطعية بل
متغيرة بسبب التضخم والتغيرات الدائمة للقيم النسبية.. هذه
الفائدة لن تكون ربا حينئذ.
توضيح النظرية:
«وفي الواقع فما جرى منعه في الاسلام انما هو الناتج الثابت او
المعين سلفا في المعاملات المالية، لا قيمة الناتج غيرالمحددة
والمشخصة والتي تطرح في الارباح... لكننا اذا لاحظنا استحالة
الناتج الثابت والمعين سلفا لراس المال‏ نظراوعملا في نظام
اقتصادي مبتن على سوق المنافسة فسوف نجد انفسنا
متورطين في خطا كبير في الفهم فرض عليناتوحيد موقفنا
ازاء الربا والفائدة.
يمكن في النظام الاقتصادي الجديد التمييز بين نوعين من
قيمة الفائدة هما قيمة الفائدة الواقعية والثاني قيمة
الفائدة‏المسماة، فقيمة الفائدة الواقعية من الناحية النظرية
تبين من جهة الميل النهائي للادخار ومن جهة اخرى الناتج
النهائي‏لراس المال، اي ان قيمة الفائدة في اقتصاد السوق ذات
وضعية معينة ترجع الى ان الحجم النهائي للامساك
عن‏الاستهلاك الميل النهائي للادخار مساو للنفع النهائي
الناشئ عن الاستثمار، فقيمة الفائدة كباقي القيم في
النظام‏السوقي ليست قابلة للتنبؤ سلفا باي وجه من الوجوه،
وهي تتغير تبعا للعوامل المؤثرة في السوق والتي لا
يمكن‏تعيينها من قبل، اما قيمة الفائدة المسماة [النقدية] فهي
متغيرة تتعين كنقد مسمى من خلال ميزان العرض
والطلب...ولاجل المزيد من ايضاح المطلب يمكن القول بان
القيمة الواقعية للفائدة عبارة تقريبا عن القيمة النقدية
المسماة لهابعد تعديلها بمعدل التضخم، وبالرغم من ان اداء
فائدة الودائع في اقتصاد السوق يتم التعهد به ضمن قيمة
معينة، لكن‏مع الاخذ بعين الاعتبار عدم التعين المسبق
لمعدل التضخم فان تعيين ميزان الفائدة الواقعية من قبل يعد
امرا غيرممكن من الناحية العملية، وعليه ف (الناتج الثابت او
المعين من قبل) [الربا] يمكن تصوره فقط في المجتمعات
ذات‏الاقتصاد المعيشي التقليدي، ذلك ان التغييرات في القيم
النسبية وكذلك في مستوى القيم حتى في مدة طويلة امر
لاوجود له اساسا في هذه المجتمعات، وذلك بسبب وقوع
العلاقات التبادلية النقدية على هامش الانشطة
الانتاجية‏الرئيسية وبط‏ء التحرك الاجتماعي والاقتصادي،
وكذلك البط‏ء الشديد جدا في التحولات الفنية والتكنولوجية،
وفي هذه‏الظروف فقط يتحد كل من الناتج المسمى والواقعي
للنقد، ويتخذ تعريف الربا لنفسه معنى، اما في النظام
الاقتصادي‏المبني على السوق والذي تكون فيه القيم نسبية
فان الميل النهائي للادخار والناتج النهائي لراس المال يقعان
دائماعرضة للتغيرات، وذلك بسبب تبدل ميول وطبائع
المستهلكين والحركة الشديدة لعوامل الانتاج والتحولات
الفنية‏والتكنولوجية السريعة، وهو ما يؤدي الى عدم امكانية
تحقق معاملة مالية ذات ناتج ثابت او معين من قبل... ان
المودع‏الذي يقبض الفائدة المسماة المعينة من قبل في ظل
ظروف يكون التضخم فيها عموما اكبر من معدل الفائدة
يتورط‏في الضرر قطعا، ذلك ان قيمة الفائدة الواقعية ستكون
سلبية، ومن البديهي انه في ظل الظروف التي يمكن ان
يكون‏فيها معدل قيمة الفائدة الواقعية سلبيا فان المودع يساهم
حينئذ في الربح والخسارة، لكن عدم قطعية الدخل
المسمى‏المعين من قبل ليس منحصرا بمثل هذه الشروط
الخاصة اي تضخم الاقتصاد، اذ القيم النسبية في الاقتصاد
المبني‏على السوق هي وكما تمت الاشارة اليه من قبل في
حال تغير دائم، وحيث ان جهة وابعاد هذه التغيرات ليست‏قابلة
للتنبؤ بها من قبل، فمن هنا تكون القدرة الشرائية للنقد
بالنسبة للانواع المختلفة للبضائع والسلع في معرض‏التغيير
دائما، ونفس هذا التغيير الذي لا قابلية فيه للتنبؤ بالقدرة
الشرائية يرفع اية امكانية لاي نوع من القطعية في‏الدخل
المسمى المعين من قبل‏»((147)).
وقد ذكر الدكتور نجاد مواصلا بيانه للنظرية مثالا((148))
حين قال: «والنتيجة التي يمكن الحصول عليها من هذاالمثال
الفرضي هي انه في الظروف التي تكون القيم النسبية فيها في
حال تغيير اي في الاقتصادات المتحركة المبنية‏على السوق
فان القدرة الشرائية للنقد حتى في زمان بلوغ المستوى
المتوسط للقيم درجة الصفر تتغير بالنسبة لكل‏مستهلك
لوحده قياسا للسلع المتنوعة، وفي الزمان الذي تتغير فيه
القدرة الشرائية للنقد لن يعود بالامكان الحديث عن(الناتج
الثابت او المعين من قبل) [الربا]، فالربا يصبح ذا معنى في ظل
الظروف التي علاوة على ثبات المعدل العام‏للقيم فيها لابد ان
تكون القيم النسبية هي الاخرى فيها غير متغيرة، اي فقط في
الاقتصاد المعيشي‏الراكد»((149)).
المحاور الرئيسية في النظرية:
تبتني هذه النظرية على محاور ثلاثة اساسية، يمكن تلخيصها
على الشكل التالي:
1 تعريف الربا ب «الناتج الثابت المعين من قبل‏»، وتفسيره ايضا
ب «الدخل القطعي الواقعي المحدد سلفا».
2 يمكن تحقق الناتج الثابت المعين سلفا فيما لو:
اولا كان التضخم ولمدة طويلة بمعدل الصفر.
ثانيا عدم تعرض القيم النسبية حتى لمدد طويلة لتغيرات
انخفاض وارتفاع، والا فاننا سنواجه فقط دخلا مسمى‏تم‏تعيينه
سلفا.
3 تبقى القيم النسبية ثابتة ولمدد طويلة في المجتمعات
المعيشية القديمة فقط، وذلك بسبب عدم تطو ر
التكنولوجياوعدم تبدل السلائق والطبائع، كما وعدم وجود
تضخم وهو ما يؤمن ارضية تحقق الربا، اما في الاقتصاديات
الجديدة‏فان تحقق الربا غير ممكن، وذلك بسبب التضخم
والتغيرات الدائمة في القيم النسبية اثر التطور التكنولوجي
وتبدل‏السلائق والطبائع.
تقييم النظرية:
وقبل البحث في المحاور الاساسية للنظرية، وقبل الحكم فيما
يخص صحتها او عدم صحتها لابد من ايضاح ان هدفناهو معرفة
الربا من وجهة نظر الاسلام، ووفقا لذلك فان اسهل المناهج
واكثرها طمانينة لتقييم النظرية المتقدمة آنفا هوالتوجه ناحية
تاريخ صدر الاسلام بدلا من مراجعة آراء وافكار امثال ارسطو
وآخرين، والتعرض للجو الحاكم على مكة‏والمدينة، كما والنظر
في النصوص الدينية المتبقية والمحفوظة من تلك الحقبة
الزمنية وذاك المكان الخاص، لنرى ما هوذاك الشي‏ء الذي
منعه الاسلام باسم الربا؟ ونهى عنه بشدة بالغة وجعل مرتكبيه
في صف المحاربين للّه ورسوله(ص)،وهل تنطبق تلك الظاهرة
على الفائدة البنكية في الاقتصاد الحديث او لا؟
تعريف الربا في الاسلام:
خلافا لتصور الدكتور موسى غني نجاد فان الربا في الاسلام لا
ينحصر بالدخل القطعي الواقعي المعين من قبل، كل‏ما في
الامر ان هذا نوع من انواع الربا، اما التعريف الدقيق للربا
والمعتمد على الايات والروايات القادمة فهو عبارة عن‏اشتراط
شي‏ء زائد على اصل المال الذي تم اقراضه، اي لو فرض ان
المقرض شرط شيئا (اي شي‏ء له قيمة مالية)زائدا على ارجاع
اصل المال الذي اقرضه فانه يكون مرتكبا للربا، سواء كان ذلك
الشي‏ء دخلا قطعيا او غيرقطعي.
ولاجل توضيح هذا الامر ادعو القارئ للالتفات للنصوص
التالية:
1 يقول اللّه تعالى في كتابه الكريم: (وان تبتم فلكم رؤوس
اموالكم)((150))، ففي هذه الاية جعل سبحانه شرط التوبة
من‏الربا الاكتفاء باصل المال الذي جرى اقراضه.
2 صحيحة محمد بن قيس عن الامام الباقر(ع): «من اقرض
رجلا ورقا فلا يشترط الا مثلها»((151)).
3 وفي رواية اخرى مشابهة للمتقدمة عن الامام علي(ع) جاء:
«من اقرض قرضا ورقا لا يشترط الا ردمثلها»((152)).
4 وجاء في رواية معتبرة عن الامام الصادق(ع) في تعريف الربا
المحرم: «واما الربا الحرام فهو الرجل يقرض قرضاويشترط ان
يرد اكثر مما اخذه فهذا هو الحرام‏»((153)).
5 والاوضح من الجميع تلك الرواية المنقولة عن الامام
موسى بن جعفر(ع) والدالة على ربوية اخذ الدخل
المتغيرصوريا ايضا، وهي رواية اسحاق بن عمار عن الامام(ع)
قال: سالته عن الرجل يكون له مع رجل مال قرضا
فيعطيه‏الشي‏ء من ربحه مخافة ان يقطع ذلك عنه، فياخذ ماله
من غير ان يكون شرط عليه؟ قال: «لا باس بذلك ما لم
يكن‏شرطا»
((154)). فطبقا لهذه الرواية يقوم المقترض باعطاء
مقدار من الربح والذي هو متغير عادة للمقرض،
والامام‏يجيب بانه اذا لم يكن هناك اشتراط فلا اشكال، ووفقا
لمفهوم الشرط تدل هذه الرواية على ان الدفع لو كان
على‏اساس الشرط والتعهد لكان ربا حينئذ.
وبناء عليه، فملاك ومعيار الربا في الاسلام اخذ اي نوع من
الزيادة على اصل القرض، اعم من ان يكون ميزان ومقدارالزائد
قطعيا وثابتا او متغيرا غير قطعي، فاذا الربا المحرم في الاسلام
يشمل المداخيل القطعية للمجتمعات التقليدية،وكذلك
المداخيل المتغيرة للمجتمعات الحديثة والمتقدمة، لكن
وكما سياتي لا نوافق على قطعية مداخيل
المجتمعات‏التقليدية، وعلى فرض وجود هذا الفرق ما بين
المجتمعات التقليدية والحديثة فان تعريف الربا في الاسلام
عام وشامل‏لكلا النوعين من الدخل.
تصحيح استنتاج خاطئ:
ان السبب الاساسي في اشتباه الدكتور غني نجاد في اختياره
هذا التعريف للربا وطرحه لهذه النظرية، هو الاستنتاج‏والفهم
الخاطئ الذي خرج به الدكتور من كلمات اشخاص من قبيل
محسن خان ومير آخور((155))، فلم يقصد هؤلاء من‏«الدخل
القطعي المعين سلفا» الدخل الواقعي الثابت المعين من قبل،
بل ان كلامهم غير ناظر اساسا لموضوع الدخل‏الواقعي او
المسمى، وانما المقصود هو انه عندما يؤمن المالك راس مال
نقدي لمؤسسة تجارية فانه يمكنه قبض سهمه‏من الناتج على
شكلين:
الاول: ان يتوافق مالك راس المال مع مدير العمل الاقتصادي
على تقسيم الربح الحاصل بين الطرفين بعد تمام
العملية‏الاقتصادية او في نهاية كل مرحلة مالية متناسبة
والنشاط الواقعي للمسؤول عن العمل، وهذا هو نظام المشاركة
الذي‏اعترف به الاسلام.
الثاني: ان يعين المالك قبل الشروع في العمل وبقطع النظر
عن الاداء الواقعي للمؤسسة او المركز التجاري دخلا
معيناومشخصا يضعه في عهدة المسؤول عن العمل، وهذا هو
الربا الذي منعه الاسلام.
وخلاصة مقصود امثال الدكتور مير آخور من عبارة «الدخل
الثابت المعين من قبل‏» هو التعيين والتثبيت الحاصلين
قبل‏الشروع في العمل، لا الدخل القطعي الواقعي المعين الذي
استنتجه الدكتور غني نجاد.
تحليل القيم والمداخيل في صدر الاسلام:
يبدو ان الدكتور غني نجاد قد اسقط في تحليله الاقتصادي
بعض العوامل المؤثرة في تغيير القيم النسبية، والمستوى‏العام
للقيم (التضخم)، والحال ان هذه العوامل ذات دور هام سيما
في المجتمعات التقليدية في تغيير المستوى العام‏للقيم
وخصوصا القيم النسبية، فان عوامل من قبيل الجفاف، الحروب
الطويلة الامد، الحوادث الطبيعية كالسيول‏والزلازل، مختلف
انواع الامراض العامة، الافات الزراعية والحيوانية، عدم امن
طرق التجارة، وعشرات العوامل الطبيعية‏وغير الطبيعية
الاخرى كلها عوامل كان بمقدورها التاثير في القيم النسبية،
وفي حالة الاستمرار التاثير حتى في المعدل‏العام للقيم.
وبالرغم من ان الكثير من هذه العوامل اصبح اليوم بفضل العلم
والمعرفة قابلا للتنبؤ به ومن ثم الحيلولة دونه بيدان‏امكانية
مواجهته في الماضي لم تكن موجودة، وفي النهاية فان هذا
النوع من العوامل كان له دور هام في الوضعية‏الاقتصادية
للمجتمعات، وفي استقرار وعدم استقرار القيم.
وحتى لو غضضنا الطرف عن عمومية ما اشرنا اليه، فان الحالة
الاقتصادية لشبه الجزيرة العربية لا سيما مكة‏والمدينة تضع
البناء النظري للتحليلات الاقتصادية الاجتماعية التي طرحها
الدكتور غني نجاد موضع الشك‏والتساؤل، فمدينة مكة كانت
على مر التاريخ ارضا خالية من الماء والعلف تفتقد اية ارضية
مساعدة للنشاط‏الاقتصادي المحلي، ولهذا السبب كان العمل
الاساسي للناس فيها هو التجارة، فتجار قريش كانوا يتوجهون
ناحية الى‏اليمن في فصل الشتاء مجهزين برؤوس اموالهم،
وكانوا يقومون عن طريق ذلك بشراء ما يحتاجون اليه في
عيشهم،وكذلك الامتعة والسلع القابلة للبيع للروم في بلاد
الشام، فيشترونها لهم ليبيعوهم اياها عند سفرهم‏الى الشام في
فصل الصيف، وهكذا العكس ففي طريق العودة كانوا يشترون
بضائع لبيعها في اليمن، ووفقا لذلك‏كانوا يلعبون دور الوسيط
التجاري بين بلدين كبيرين هما ايران والامبراطورية الرومانية
عن طريق اسفارهم التجارية‏في الشتاء والصيف، وحسب التعبير
القرآني (رحلة الشتاء والصيف)((156)) التي كانوا يقومون بها
بين الشام واليمن،وتبعا لذلك فان البضائع التي كانت تعرض
في اسواق مكة كانت في الغالب من محصولات بلدان الهند،
واليمن،وايران، وروما والتي كانت تصل الى شبه الجزيرة
العربية عن طريق التجارة كما هو الحال اليوم ايضا، ومن
الواضح‏كم يمكن لقيم مثل هذه البضائع ان تحظ‏ى بالثبات
وتقدر عليه.
ونحن من جهتنا لا نكتفي خلافا للنهج المعرفي للدكتور
غني نجاد بالتحليل النظري فحسب، بل ندلل عن
طريق‏مراجعة روايات وتاريخ صدر الاسلام على مقدار التغير
والتبدل في المعدل العام للقيم وكذلك في القيم النسبية،
بحيث‏كان الناس احيانا ياتون الى رسول اللّه(ص) يشكونه‏غلاء
السلع والبضائع، او عدم ثباتها ارتفاعا وانخفاضا،
مطالبينه‏بتثبيت الاسعار.
ونذكر هنا عرضا لنماذج بعضا من الموارد التي تبلغ المئات
من الروايات والمستندات التاريخية الواردة في هذاالاطار.
1 ينقل انس بن مالك الرواية التالية: «غلا السعر على عهد
رسول اللّه(ص) فقالوا: يا رسول اللّه سعر لنا، فقال: ان اللّههو
المسعر...»((157)).
ويفهم من مطالعة الروايات الواردة حول زمان رسول اللّه(ص)
ان منهجه كان قائما على نسبة تغييرات القيم المربوطة‏بالعلل
الطبيعية الى اللّه تعالى، وانه كان في مثل هذه الحالات يتجنب
الاقدام على تحديد الاسعار كائنا ما كان، اما لوحصل ذلك اثر
الربح المفرط واعمال من قبيل الاحتكار، وتلقي الركبان فانه
كان يقوم بخطوات لازمة تهيئ الارضية‏لانخفاض القيم.
2 «قيل للنبي(ص) : لو اسعرت لنا سعرا، فان الاسعار تزيد
وتنقص؟ فقال(ص): ما كنت لالقى اللّه ببدعة لم يحدث
فيهاالي شيئا، فدعوا عباد اللّه ياكل بعضهم من
بعض...»((158)).
ولم يكن ارتفاع القيم من مختصات زمن الرسول(ص)، فبعده
ايضا كانت الاسعار ترتفع وبسرعة اكبر، والامر الملفت‏الذي
تصرح به الروايات ومن بينها الروايات الاتية الذكر هو ان
ارتفاع حجم النقد في المجتمع كان يشكل واحدا من‏العوامل
الهامة التي كانت تلعب دورا في ارتفاع القيم آنذاك.
3 وينقل عمرو بن شعيب فيقول: «قضى ابو بكر على اهل
القرى حين كثر المال وغلت الابل اقام مئة من الابل‏بستمئة
دينار الى ثمان مئة دينار»((159)).
4 وعن ابي داود انه قال: ان دية القتل كانت 800 دينار او
8000درهم، وعندما صارت الخلافة لعمر بن الخطاب‏خطب
قائلا: ان قيمة الابل قد ارتفعت، ووضع بعد ذلك لصاحب
الدينار 1000 دينار دية، ولاصحاب الدرهم
12000درهما((160)).
والذي يستنتج من هذا النقل ان قيمة الابل قد ارتفعت في مدة
قصيرة (سنتين وبضعة اشهر كحد اكثر) خمسة‏وعشرين في
المئة بالقياس الى‏النقد الذهبي، وخمسين في المئة قياسا الى
النقد الفضي، وقد كان هذاالارتفاع ملموساالى درجة تاثيره في
المحاكم القضائية، وفي تعيين دية القتل ايضا.
5 وعن ابن سعدي: «كثر المال في زمن عثمان حتى بيعت
جارية بوزنها، وفرس بمئة الف درهم، ونخلة
بالف‏درهم‏»((161)).
ومن البديهي عدم قصد الرواة في هذه الروايات ارتفاع قيم
الابل، والاحصنة، والجواري وشجر النخيل فحسب، بل‏ان‏كافة
القيم كانت قد تعر ضت للارتفاع نتيجة الارتفاع التدريجي
لحجم النقد على اثر الفتوحات، والغنائم والضرائب‏الشرعية،
وليست الموارد السالفة الذكر سوى امثلة، والشاهد الواضح على
هذا الرواية التالية:
6 عن موسى بن طلحة: «رايت عثمان بن عفان والمؤذن
يؤذن، وهو يحدث الناس يسالهم ويستخبرهم عن
الاسعاروالاخبار»((162)).
وقد استمرت الحال على هذه الشاكلة بعد الخلفاء، وفي زمن
الامام الصادق(ع)، ولعل جاذبية خاصة تثير الدكتور
نجادوزملاءه الفكريين اذا ما عرفوا ان هناك رواية عن الامام
الصادق(ع) تشير الى الاثار الاجتماعية للتزايد
والارتفاع‏المتواصل للقيم (التضخم)، وهذه الرواية هي:
7 عن الصادق(ع): «غلاء السعر يسي‏ء الخلق ويذهب بالامانة
ويضجر المرء المسلم‏»((163)).
ومن الواضح ان مقصود الامام(ع) هو الغلاء المتواصل لعموم
القيم (التضخم)، ذلك ان الغلاء المؤقت او غلاء بعض‏السلع لا
يترك هذه الاثار السيئة الطويلة الامد.
وهنا ادعو جناب الدكتور غني نجاد وبقية المحققين الباحثين
في هذا المضمار لمطالعة الكتاب الذي نشر اخيراكتحقيق
يخص النظام النقدي في صدر الاسلام((164))، فقد تم في هذا
التحقيق اثبات ان النظام النقدي الحاكم على‏الجزيرة العربية
في صدر الاسلام كان نظاما ثنائي النقد، اي نقدي الذهب
والفضة اللذين كانا رائجين ضمن علاقة‏غير محددة فيما
بينهما وكانا شائعين على صورة سكتي الدينار والدرهم، وقد
اكد هذا التحقيق بصورة مدللة على‏ان‏العلاقة ما بين الدرهم
والدينار كانت خاضعة لتغييرات تبدا من عشرة دراهم لكل
دينار الى خمس وثلاثين درهماللدينار الواحد، وقد كانت هذه
التغيرات واضحة وجلية الى درجة ان الشعب ومسؤولي الدولة
كان يرتبون آثارا عليها،كما كانوا يسالون الائمة(ع) فيما يتعلق
باحكام هذه الظاهرة.
وننقل كنموذج رواية هنا من الضروري الالتفات اليها:
8 عن ابراهيم بن عبد الحميد عن العبد الصالح (الامام
الكاظم(ع)) قال: «سالته عن الرجل يكون له عند الرجل
الدنانيراو خليط له ياخذ مكانها ورقا في حوائجه، وهي يوم
قبضها سبعة وسبعة ونصف بدينار، وقد يطلبها الصيرفي
وليس‏الورق حاضرا، فيبتاعها له الصيرفي بهذا السعر سبعة
وسبعة ونصف، ثم يجي‏ء يحاسبه وقد ارتفع سعر الدينار،فصار
باثني عشر كل دينار، هل يصلح ذلك له، وانما هي له بالسعر
الاول يوم قبض منه الدراهم فلا يضره كيف كان‏السعر؟ قال:
يحسبها بالسعر الاول فلا باس به‏»((165)).
وهذه الرواية تدل بوضوح على ان العلقة القيمية بين
الدرهم والدينار قد بلغت في مدة قصيرة الاثني عشر بعد
ان‏كانت سبعة دراهم قبال كل دينار، اي ان قيمة النقد الفضي
قد انخفضت الى ما يقرب النصف قبال النقد الذهبي.
ومن الواضح لاساتذة امثال الدكتور غني نجاد ان النقد الذي
تضعف قيمته قبال النقد الاخر في الانظمة الثنائية النقدتحدث
بالنسبة اليه تغييرات قيمية قبال السلع والخدمات وتضعف
قدرته الشرائية، اي اننا لو فرضنا ان قيمة النقدالقوي ثابتة
بالنسبة للسلع والخدمات فان قيمة النقد الضعيف تضعف ازاء
هذه السلع وهذه الخدمات، وبعبارة اخرى‏ستتضاعف وبصورة
متواصلة قيم السلع والخدمات بالنسبة الى ذلك النقد ، وهذا ما
يسمى في الكتب الاقتصادية‏المعاصرة بالتضخم او ارتفاع
المعدل والمستوى العام للقيم.
استنتاج:
ونتيجة ما تقدم، ان الاقتصاد في صدر الاسلام لم تكن القيم
النسبية فيه في حال تحول وتغيير فحسب بل حتى‏المعدل
العام للقيم كان هو الاخر متحولا ومتغيرا، ومن هذه الناحية
ليس ثمة فرق ما بين المجتمعات الحديثة‏المتقدمة وتلك
التقليدية القديمة، لا اقل ان الامر ليس كذلك فيما يتعلق
بالجزيرة العربية، واقصى ما يمكن وضعه من‏تفاوت هو ان ذلك
الزمان كان يحتوي مجموعة من العوامل التي كانت تؤدي الى
تغير القيم النسبية وحدوث التضخم،ام ا اليوم فقد تبدلت
العوامل واصبحت هناك عوامل اخرى، لكن اساس القضية كان
موجودا في كلا المجتمعين،وبناءعليه فكما هو الحال في
المجتمعات الحديثة المتقدمة لو اقترض شخص وسمى طبقا
للتعاهد مقدارا اضافيا على‏راس المال فلا مجال للحديث فيه
عن دخل قطعي واقعي معين من قبل، كذلك الحال في
المجتمعات التقليدية نظرالوجود نفس السبب الا وهو تغير
القيم النسبية ووجود التضخم، لاسيما منها تلك المجتمعات
التي خضعت لنظام نقدي‏ثنائي تحكم العلاقة بين النقدين فيه
حالة من التغير والتبدل.
وعليه، فما جرى تحريمه في صدر الاسلام بعنوان «الربا» ليس
سوى الدخل المسمى المتفق عليه بين الطرفين، اي‏نفس
الظاهرة المعاصرة التي تسمى في النظام الراسمالي السائد
بالفائدة البنكية.
نظرية عائد النقد كواسطة وحاصله كراسمال:
خلاصة النظرية:
اعتمدت النشاطات الاقتصادية في المجتمعات التقليدية
القديمة على الطاقة البشرية، فلم يكن لراس المال دور مهم
في‏الانتاج، فيما النقد مجرد واسطة في المبادلة ما بين السلع
والخدمات، ولذلك كانت المدخرات النقدية الموجودة
بيدمجموعة قليلة من الافراد تقرض بقيمة مرتفعة بغية سد
الاحتياجات الاستهلاكية، وهذا هو عين الربا الذي جرى
منعه‏في الاسلام، لكن وبمرور الزمن وتوسع وتخصص الانشطة
الاقتصادية اصبح لعنصر راس المال دور مهم، واتخذ
النقدلنفسه حاجة جديدة، فلم يعد النقد في النظام الجديد
مجرد واسطة في التبادل، بل اكتسب دورا اكثر
اهمية‏كمدخرات لراس المال يعتمد عليها، وتعهدت قيمة
الفائدة بلعب دور تنظيمي ما بين المدخرات والاستثمارات،
وبناءعليه تحولت الفائدة في النظام الجديد الى حق ناشى من
مشاركة راس المال في رفع الطاقة الانتاجية في‏المجتمع.
توضيح النظرية:
«... وبناء عليه فالطلب بهدف الحصول على راس المال
وبطريق اولى السوق الراسمالي في اقتصاد معيشي مغلق‏امر
لا وجود له من الناحية العملية، من قبيل اقتصاد المجتمعات
القروية والعشائرية ذات الاكتفاء الذاتي والذي يقوم‏فيها
المنتجون بالاضافة الى انتاج السلع الاستهلاكية المحتاج
اليها من قبلهم بانتاج الوسائل الابتدائية للانتاج، ففي‏مثل
هذه المجتمعات التي يقف فيها المحصول الانتاجي في
مستوى متدن جدا تكون امكانية ادخار الاموال ضئيلة جداايضا،
وفي النهاية فان امكان تشكيل راس مال سيكون امرا محدودا
بدرجة عالية جدا، وبالرغم من وجود علاقات‏نقدية واقتصادية
بدرجات مختلفة في المجتمعات التي سبقت مرحلة
الراسمالية بيد ان هذه العلاقات تقع في الغالب‏على هامش
النشاطات الانتاجية الاساسية، ومن هنا فان النقد المدخر
الناشئ عن التجارة في مثل هذه المجتمعات مع‏الاخذ بعين
الاعتبار الدور المهم له في الانظمة الاقتصادية الجديدة ليس
شبيها بادخار المال في المجتمعات المتمدنة،فاصحاب الاموال
المدخرة في المجتمعات المذكورة [القديمة] يتمتعون
بموقعية حصرية بل يمكن القول استثنائية،ومن هذه الجهة
كان بامكانهم المطالبة بسعر مرتفع جدا من الربا قبال القروض
التي يقدمونها، ومع امكانية اعتبارهذه الاسعار المرتفعة للربا
علامة على نقص المختزنات النقدية لكن لا يمكن اخذ ذلك
كمؤشر على الناتج النهائي‏المرتفع لراس المال، ذلك انه وكما
اشير من قبل لم يكن للطلب وسوق راس المال بالمفهوم
الاقتصادي اي وجوداصلا.
وبعبارة اخرى: ان هذا المسار العملي الاقتصادي والاجتماعي
الهام الذي يملكه راس المال في الانظمة الاقتصادية‏الحديثة
لم تكن تملكه عمليات ادخار الاموال في العالم القديم من
الناحية العملية... لقد كان الدور الرئيس للنقد في‏المرحلة
القديمة قائما على كونه واسطة في التبادل بحيث فصل
مفكرون من امثال ارسطو النقد عن مقولة الثروة...وتبعا لهذا
الحكم فيما يخص دور النقد يحكم ارسطو بان مضاعفة راس
المال في حالة الاقراض [الربا] يمثل امراغير طبيعي وغير
عادل... لكنه وبمرور الايام وتوسع العلاقات الاقتصادية للسوق
وتقسيم العمل والتخصصية قدرالامكان في الانتاج وظهور
النظام الاعتباري والبنكي الجديد اصبح للذخائر دور هام على
الصعيد الاقتصادي كراس‏للمال، فتوسعة نظم السوق اوجبت
نفوذ العلاقات النقدية في كل زوايا الحياة الاقتصادية، ففي
النظام الاقتصادي الجديدلم يعد النقد مجرد وسيلة للتبادل
بل اكتسب دورا مهما واساسيا آخر ايضا وهو كونه ذخيرة لراس
المال ومقياساايضا، وفي هذا النظام تتبدل المدخرات بسهولة
في اطار رفع الحاصل الانتاجي عن طريق النقد الى راس مال،
فرؤوس‏الاموال الصغيرة والمتوسطة تظهر في ظل توسع نظم
السوق وارتفاع المحصول الانتاجي، وهو ما لم يكن قابلا
للتصورمن قبل، وهذه المدخرات التي تتضاعف يوميا تؤمن‏
عن طريق مؤسسات الايداع والبنوك الجديدة امكانات
الاستثمارالكبيرة في المجتمع، ودور تنظيم العلاقة بين
المدخرات والاستثمارات في اقتصاد السوق الواسع يقع على
عاتق قيمة‏فائدة راس المال [الفائدة البنكية]، فالفائدة البنكية
ظاهرة جديدة متمايزة تمايزا كاملا عن الربا، وخلافا
للتصورالسائد ليس للاول منهما اساس في الثاني كما انه ليس
نتيجة تحولية له... فقيمة الفائدة الواقعية المستقلة عن
الارادة‏الفردية وحتى عن الدولة تتعين من خلال ميكانيزما
السوق، وهي في الحقيقة تحكي عن قلة الخزينة من جهة
والناتج‏النهائي لراس المال من جهة اخرى، فالدور الاساسي
للفائدة في النظام البنكي عبارة عن توجيه المدخرات لا
سيمامنها المتوسطة والصغيرة نحو الاستثمار، فالشخص
الذي يدخر امواله بامساكه عن الاستهلاك الاني يؤمن
امكانية‏تشكيل راس مال واستثمار، وهو ما يعني ارتفاع معدلات
الانتاج في المستقبل، اي ان الامساك عن الاستهلاك
الاني‏يوجب زيادة المحصولات الانتاجية في المستقبل،
والشخص المدخر وبسبب حرمانه نفسه عن الاستهلاك فترة
زمنية‏معينة وتحمله ما بين الانتاج والاستهلاك يقبض قسما
من المحصول الاضافي للانتاج في المستقبل على صورة
الفائدة،وفي هذا الاطار تصبح الفائدة حقا ناشئا عن المشاركة
في رفع القدرة الانتاجية، ومن البديهي عدم امكانية تصور مثل
هذاالنظام اطلاقا في اقتصاد تقليدي معيشي لا يعرف غير
رؤوس الاموال الصغيرة والمتوسطة، بل ان الانتاج فيه
ليس‏مبنيا اساسا على الاستثمار، وبناء عليه فمجرد الشبه
الظاهري الموجود لا يخولنا التوحيد بين الفائدة البنكية
التي‏لاامكانية لتحققها في المجتمعات التقليدية المعيشية
وبين الربا في تلك المجتمعات‏»((166)).
المحاور الرئيسية للنظرية:
تبتني النظرية اعلاه على مجموعة من المقدمات توجز فيما
يلي:
1 ليس لراس المال في المجتمعات التقليدية المعيشية دور
مهم في الانتاج، اما النقد فقد كان يستخدم كوسيلة مبادلة‏بين
السلع والخدمات‏ليس الا.
2 لم يعتن في هذه المجتمعات بالمدخرات النقدية نظرا
لانخفاض مستوى الانتاج والدخل، ونتيجة عدم الحاجة
الى‏راس المال لم تكن هناك عمليات اقتراض للنقد بغية القيام
باستثمارات، وبالتالي فلم يكن هناك وجود للسوق‏الراسمالي.
3 تنحصر المدخرات النقدية في هذه المجتمعات بيد عدة
قليلة من الافراد كانت تقرضها وباسعار مرتفعة لاهداف لاتمت
للاستثمار بصلة، وهذه القيم المرتفعة وان كانت ترشد الى
وجود النقص في المدخرات النقدية، لكنها غير قادرة‏على فعل
ذلك ابدا ازاء الناتج النهائي لراس المال.
4 لراس المال دور انتاجي فاعل في المجتمعات الحديثة
المتقدمة، ولم يعد النقد فيها مجرد وسيلة تبادلية، وانما
حازعلى دور هام آخر يتعلق بادخار راس المال.
5 تلعب الفائدة البنكية دور المنظم للعلاقة ما بين المدخرات
النقدية والاستثمارات، وتتعين وفقا لميكانيزما السوق‏بعيدا عن
الارادات الفردية وحتى الحكومية، وتعبر في الحقيقة عن
نقص المدخرات النقدية من جهة والناتج النهائي‏لراس المال
من جهة اخرى.
6 في المجتمعات المعاصرة، يساهم اصحاب رؤوس الاموال
نتيجة امساكهم عن الاستهلاك الفعلي في
مضاعفة‏المحصول الانتاجي في المستقبل، وتنشا الفائدة
البنكية نتيجة ذلك كحق قبال المساهمة في رفع مستوى
الانتاج،ومن هنا لا يمكن المساواة ما بين ربا المجتمعات
التقليدية الذي يعبر عن نوع من الارباح التي يحققها النقد
كواسطة‏مبادلة بين السلع والخدمات وبين فائدة النظام
الراسمالي المعاصر الناشئة من حاصل راس المال في
عملية‏الانتاج.
تقييم النظرية:
الجدير ذكره بداية ان هذه النظرية كسابقتها قد اعتمدت
اجراء مقايسة ما بين الاقتصاد الجديد والاقتصادات‏المعيشية
التقليدية، ومن الطبيعي هنا ظهور تساؤل في الذهن وهو: الى
اي حد لابد لنا ان نرجع الى الوراء في هذه‏المقايسة؟ بمعنى
باي اقتصاد نقايس الاقتصاد المعاصر والراسمالي من حيث
الزمان والمكان؟ هل يمكن بمقايسة‏الاقتصاد المتطور للبلدان
المتقدمة مع اقتصاد الفين واربعمئة سنة سابقة لدى اليونان
القديمة اي تلك الفترة التي‏ابدى ارسطو فيها وجهة نظره
حول الربا الحكم فيما يتعلق باقتصاد الجزيرة العربية في
القرن السابع الميلادي (قرن‏ظهور الاسلام)، ومن ثم تحديد
المقصود اسلاميا من الربا؟ وعن اي نوع من عوائد النقد منع
الاسلام بتحريمه‏الربا؟
وكما تقدم في النظرية السابقة، فان هدفنا دراسة الربا الذي
كان شائعا في صدر الاسلام، والذي منع المولى سبحانه‏عنه
بنفسه في آيات تحريم الربا، وبناء عليه فمن اللازم لدى بيان او
تقييم النظريات المتعلقة بالمفاهيم الدينية دراسة‏الظروف
التي كانت حاكمة على ذلك الزمان والمكان، والذي يبدو ان
الدكتور غني نجاد ابدى مقدارا من الافراط في‏البحث
التاريخي، وقام بالرجوع الى الوراء مرحلة كاملة، وكمثال على
ذلك على الصعيد الزراعي في تلك المرحلة‏القديمة التي عاد
اليها الدكتور غني نجاد هو انه لم تكن هناك حاجة الى شراء او
استيجار الارض نظرا لكثرة‏الاراضي، وهكذا فقد كان المطر
غزيرا الى درجة عدم وجود حاجة الى حفر الابار والعيون
والقنوات، فكل مزارع يملك‏مقدارا لازما من البذور، ولم تكن
المرحلة قد وصلت الى الاستفادة من المحراث وادوات الحراثة،
وبناء عليه فان راس‏المال الارض، الماء، البذر، البقر وادوات
الحراثة لم يكن ذا دور هام في الانتاج، كما لم يكن مطروحا
موضوع‏النقص فيه حتى تكون هناك مبادلات بواسطة النقد،
وفي النهاية تشكل سوق لراس المال، او ان يعمد المزارع
الى‏الاقتراض لتهيئة ذلك حتى يتخذ النقد علاوة على
خصوصية الواسطة في التبادل دورا اساسيا في تشكيل
راس‏المال.
الاوضاع الاقتصادية في الجزيرة العربية صدر الاسلام:
لا نقصد من صدر الاسلام هنا خصوص السنوات الاولى من
البعثة او عصر النبوة، وانما تلك المرحلة الزمنية التي‏بدات منذ
ما يسبق البعثة بسنوات وامتدت حتى عصر حضور الائمة
المعصومين(ع) والتي تشمل حوالي ثلاثة قرون،اي تلك
المرحلة التي نزلت فيها الايات القرآنية وصدرت فيها الروايات
عن المعصومين(ع)، وكما تقدم، فمن الشروط‏اللازمة للوصول
الى فهم صحيح لمعاني المفردات المستعملة في الايات
والروايات، الاطلاع على الاوضاع الاقتصادية‏والعلاقات المالية
التي كانت موجودة في ذلك الزمان بين الناس.
لقد انهارت تجارة الشرق والغرب قبل الاسلام والتي كانت تتم
عمليا عبر تجار الامبراطوريتين الرومانية والفارسية‏عن
طريق البحر، وذلك نتيجة الحروب الطويلة الامد التي كانت
تقع بين هاتين الدولتين العظميين، اما الجزيرة العربية‏فلم
تحظ بالاهتمام او التسابق بين الدولتين العظميين آنذاك
نتيجة الاوضاع المائية والطقس الحار، والطبيعة
الصحراوية‏فيها، اما سكانها وخصوصا اهل مكة فلم يتمكنوا
من القيام بنشاط زراعي نتيجة المناخ غير الملائم، وانما
اتجهوابدلا عن ذلك الى التجارة، ان العزة والاحترام اللذين
كان يحوزهما المكيون امام الاقوام والقبائل الاخرى،
والنشاطات‏الواسعة لزعماء قريش في عقد الاتفاقات التجارية
مع دول ايران وروما والحبشة والحيرة كل ذلك جعل تجارتهم
ذات‏طابع دولي، فقد كانوا بارسالهم القوافل التجارية الكبيرة
يشترون بضائع الشرق من مرافئ اليمن وعمان ومن
مدينة‏الحيرة ليقوموا ببيعها في بلاد الشام والحبشة، وفي
طريق العودة كانوا يهيئون البضائع من الغرب ويحملونها الى
بلادالجنوب.
وقد حازت التجارة لدى المكيين اهمية فائقة الى درجة ان
بعض المؤرخين كان يرى التجارة السبب الرئيسي
لحرب‏المشركين في مكة مع النبي(ص) بعد الهجرة الى
المدينة، فالمسلمون المهاجرون الذين صودرت اموالهم من
قبل‏مشركي مكة قاموا بحملة على القوافل التجارية لقريش
هددت امنها بالخطر، وطبقا لنقل المؤرخين فقد كان صفوان
بن‏امية يحث زعماء قريش على قتال النبي(ص) قائلا: «ان
محمدا واصحابه قد عوروا علينا متجرنا، فما ندري كيف
نصنع‏باصحابه وهم لا يبرحون الساحل، واهل الساحل قد
وادعوه ودخل عامتهم معه، فما ندري اين نسكن، وان اقمنا
في‏دارنا هذه اكلنا رؤوس اموالنا فلم يكن لها من بقاء، وانما
حياتنا بمكة على التجارة الى الشام في الصيف والى الحبشة‏في
الشتاء»((167)).
بل لقد بلغت سعة تجارة قريش حدا كانت تبلغ فيه القافلة
حمل الف بعير، وعلى سبيل المثال جاء في التاريخ
ان‏قافلة‏ذهبت الى الشام بقيادة ابي سفيان، وقد كانت على
مقربة من شن حملة عليها من قبل المسلمين في معركة
بدر،وكانت مكونة من حمل الف بعير من البضائع التي قيمتها
خمسون الف دينار حوالي مليار تومان ايراني
بالقيمة‏المعاصرة ، وقد شارك في هذه القافلة كافة ابناء مكة،
وكتب المؤرخون انه لم يبق رجل او امراة لم يستثمر في
هذه‏القافلة لا اقل بدينار واحد((168)).
وعقب هجرة المسلمين الى المدينة عمل عدة من المهاجرين
في مزارع وبساتين الانصار فيما قضى قسم كبير منهم‏حياته
في الفقر والحاجة، ذلك ان هؤلاء المهاجرين كانوا بالاساس
تجارا تركوا رؤوس اموالهم في مكة بعد خروجهم‏منها، ورويدا
رويدا اخذت اوضاع المسلمين المالية بالتحسن ولا سيما بعد
الحرب مع مشركي مكة والحصول على‏غنائم كثيرة، وقد اقام
النبي(ص) للمسلمين سوقا، وشكل قوافل لتجارتهم الى بلاد
الشام والعراق كي يعملوا في‏التجارة((169)).
وبالرغم من ان تجارة قريش سقطت عن موقعيتها عقيب فتح
مكة الا ان تجارة العرب اخذت بالتوسع الى حد غيرعادي، الى
درجة ان بعضهم قل حضوره بين يدي الرسول(ص) بسبب
مشاغل التجارة، وللمثال، ينقل عمر ويقول:«اخفي علي [هذا]
من امر رسول اللّه(ص)؟! الهاني الصفق بالاسواق‏»((170)).
دور راس المال في الانشطة الاقتصادية صدر الاسلام:
لو قبلنا فرضا بتحليل الدكتور غني نجاد فيما يتعلق
بالمجتمعات التقليدية القروية وعدم وجود دور لراس
المال‏فيها على صعيد النشاط الزراعي والحيواني، لكن من
الواضح ان المحور الاساسي في النشاطات التجارية لاسيما
الدولية‏منها كان راس المال، وبهذا اللحاظ لعب راس المال
دورا اوليا ورئيسا في النشاطات الاقتصادية لاهل مكة،
فبعض‏تجار قريش كان يمارس التجارة بنفسه وبراس ماله فيما
كان البعض الاخر يحصل على المال عن طريق المضاربة
اوالقرض الربوي، والبعض من الاثرياء من امثال ابي سفيان
وعثمان بن عفان كان علاوة على التجارة المباشرة آيشارك
براس ماله مع القوافل الاخرى عن طريق الربا، وقسم آخر كان
يسعى لتوزيع راس ماله بغية توزيع الخطرواحتمال الخسارة،
وكنموذج على هؤلاء العباس عم النبي(ص)، فعلاوة على
امتلاكه متجرا في مدينة مكة كان يشارك‏بنفسه في القوافل
التجارية، والى جانب ذلك كله كان يضع قسما من امواله تحت
تصرف التجار عن طريق الربا، وقسماآخر منها يودعه مضاربة
عند تجار آخرين، وكان يضع عليهم الشروط وياخذ منهم
التعهدات والمواثيق بحيث لوتجاوزوا الشروط المذكورة
فسيتحملون حينئذ الخسارات المحتملة((171)).
دور النقد في الانشطة الاقتصادية صدر الاسلام:
كما تقدم، شكلت التجارة العمل الاساسي لاهل مكة، وقد كانت
رؤوس الاموال التجارية تؤمن عن طريق اشكال‏ثلاثة:
ا اما ان يكون التاجر نفسه من الاثرياء، ويقوم بوضع راس ماله
الخاص معرض الشراء والبيع.
ب او ان يقوم بالمضاربة من خلال اخذ مبلغ من الدراهم
كراس مال من صاحب النقد ويتفق معه على تقسيم
الربح‏الحاصل من التجارة في نهاية المدة وفقا للنسبة المتفق
عليها في العقد.
ج اما الشكل الثالث فكان هو الربا، ويقوم فيه مالك النقد
باقراض راس المال اللازم قبال تعهد المقترض (التاجر)بان
يعيد علاوة على راس المال فائدة المبلغ المقرض في
الوقت المحدد. وهذه الطريقة في تامين راس المال كانت‏شائعة
بين العرب الى حد ان الاسلام حينما حرم الربا اعترض عليه
اصحاب رؤوس الاموال وتجار قريش متعجبين‏قائلين: (انما
البيع مثل الربا)((172))، فلماذا احل اللّه الاول وحرم الثاني؟
فكما يجوز شراء بضاعة ما بعشرة دراهم ومن‏ثم بيعها باثني
عشر درهما والحصول على الربح نتيجة ذلك، لابد ان يكون
اقراض عشرة دراهم واخذها اثني عشروالربح وفقا لذلك هو
الاخر جائزا.
ربما يكون من المثير لاصحاب هذه النظرية معرفة ان تجار
مكة كانوا يرون الربا اجرة لراس المال وقبال الفرصة
التي‏اضاعوها فيه، ويبين الفخر الرازي احد كبار المفسرين
الذين كانوا يعيشون قبل مئات السنين من انعقاد نطفة
النظام‏الراسمالي الغربي اعتراض قريش على تحريم الربا
فيقول: «فان قيل: لم لا يجوز ان يكون لبقاء راس المال في يده
مدة‏مديدة عوضا عن الدرهم الزائد، وذلك لان راس المال لو
بقي في يده هذه المدة لكان يمكن المالك ان يتجر فيه
ويستفيدبسبب تلك التجارة ربحا، فلما تركه في يد المديون
وانتفع به المديون لم يبعد ان يدفع الى رب المال ذلك الدرهم
الزائدعوضا عن انتفاعه بماله‏»((173)).
والاكثر لطافة هو ان الفخر الرازي يجيب نفسه عن هذا
الاستدلال بجواب استبعد ان تكون لعشاق النظام
الراسمالي‏قدرة تحليله، وفقط يمكن ادراك هذا المطلب
لاساتذة امثال مين اسكي، ومارتن وايتزمن، وليندل برغر،
وكاري كن،وغولمب ومينجو، ويمكن لهؤلاء فهم هذه الحقيقة
فقط بعد عجز نظام الفائدة عن تحليل الديون وعجز الدائنين
عن‏تسديدها، وفي نهاية المطاف سراية المشكلة الى
المؤسسات النقدية، وافلاس البنوك الربوية، وكذلك بعد
اجتماع‏الفدرالية الاميركية للبحث عن بديل لنظام
الفائدة((174)).