ولعل القضية تصبح مثار تعجب لامثال الدكتور غني نجاد اذا ما
اطلعوا على ان فريقا في زمن الجاهلية قبل الاسلام‏كان يعمل
تماما كالبنوك المعاصرة اليوم، فقد كانوا يقترضون بالفائدة من
جهة فيما كانوا من جهة اخرى آيقرضون بفائدة اكبر، وقد
كان ذلك المصدر الوحيد لدخلهم، وينقل المفسرون ان هذه
الاية نزلت في بني عمرو بن‏عمير بن عوف الثقفي، ومسعود بن
عمرو بن عبد ياليل بن عمرو، وربيعة بن عمرو، وحبيب بن
عمير، وكلهم اخوة‏وهم الطالبون، والمطلوبون بنو المغيرة من
بني مخزوم، وكانوا يداينون بني المغيرة في الجاهلية بالربا،
وكان‏النبي(ص) صالح ثقيفا، فطلبوا رباهم الى بني المغيرة،
وكان مالا عظيما، فقال بنو المغيرة: واللّه لا نعط‏ي الربا
في‏الاسلام وقد وضعه اللّه ورسوله عن المسلمين، فعرفوا
شانهم معاذ بن جبل ويقال عتاب بن اسيد فكتب الى
رسول‏اللّه(ص): ان بني بن عمرو وعمير يطلبون رباهم عند
بني المغيرة، فانزل اللّه (يا ايها الذين آمنوا اتقوا اللّه وذروا ما بقي
من الرباان كنتم مؤمنين)، فكتب رسول اللّه(ص) الى معاذ بن
جبل: ان اعرض عليهم هذه الاية، فان فعلوا فلهم رؤوس
اموالهم، وان‏ابوا فاذنهم بحرب من اللّه ورسوله((175)).
وبناء عليه، يمكن استنتاج ان العرب التجار من قريش كانوا
يعتبرون اولا ان النقد يمثل راس مال نقدي ويمكن‏تحصيل
الربح عن طريق بيعه وشرائه والمضاربة والترابي به، ومن هنا
عبر القرآن عند تحريمه الربا عن المال‏المقرض براس المال:
(وان تبتم فلكم رؤوس اموالكم)((176)).
كما ان مقتضى تناسب العمل ووفق تصريح الكثير من
المؤرخين ثانيا كون اغلب القروض الربوية كان
بهدف‏تامين راس مال تجاري وبغية تحصيل المداخيل
واكتسابها، ومن هنا ينقل الطبري والنخعي ان اصحاب الثروة
في ايام‏الجاهلية كانوا يقرضون الافراد وذلك حتى يتمكن
المقرض عن طريق توظيف الاموال من تحصيل الربح
ومن‏ثم‏مضاعفة امواله وتكثيرها.
ام ا ثالثا فقد كانوا يعتبرون الربا ناتجا لراس المال وكانوا
ينظرون‏اليه كربح البيع والمضاربة، ومن هنا وعندما
جرى‏تحريم الربا سجلوا اعتراضهم بتشبيههم الربا بالبيع،
وجرى الحديث عن مقابل لتقديم راس‏المال.
ووفقا لما تقدم يمكن استنتاج ان راس المال لاسيما منه
النقدي كان ذا دور مؤثر في الانشطة الاقتصادية(التجارية)
قبل الاسلام، وقد كانت له قيمة انطلاقا من النقص الحاصل
فيه، وكان الربا تعبيرا آخر عن هذه القيمة، اماميزان الربا فكان
مرهونا بشكل تام لربح راس المال في النطاق التجاري، ذلك
انه لم يكن هناك تاجر حاضر للتعهدبدفع مقدار ازيد من الربح
المتوقع، وهذا الامر ليس سوى ذاك الاتحاد الماهوي الموجود
ما بين الربا والفائدة.
دور النقد وراس المال بعد الاسلام:
خلافا لتصور جماعة ترى ان الطريق الوحيد لتحويل رؤوس
الاموال النقدية الى استثمارات انما هو نظام الفائدة،وان‏تحريم
الربا ومن ثم تطبيقه على الفائدة البنكية يؤدي الى ركود
رؤوس الاموال النقدية... خلافا لهؤلاء فان طرقاكثيرة كانت
موجودة بعد الاسلام وبعد تحريمه الربا وتامين رؤوس الاموال
عن طريق الانشطة الاقتصادية الناشئة من‏الاستقراض الربوي،
وذلك من امثال المشاركة والمضاربة والمزارعة والمساقاة،
وكانت تمثل تشكيلا لراس المال‏وتركيبا ملفقا ما بينه وبين
العمل، واصبحت هناك نتيجة ذلك سيطرة لادارة جديدة
تتحكم بوضع القيم وتنظيم‏سوق راس المال.
ان اولئك الذين يلقون بابصارهم الى الاسلام عن بعد يرونه
صغيرا، لكنهم اذا ما ازالوا الحجب والاستار من الطريق‏ومن ثم
اقتربوا من الاسلام اكثر فانهم سيجدون حينئذ جواهر ثمينة
وقيمة، واذا ما كان علماء الاقتصاد بعد قرون من‏البحث
والتفكير قد ركزوا نظراتهم على اهمية راس المال ووسائل
تطويره، فان الامام الصادق(ع) وقبل الف وعدة مئات‏من
السنين كان يرى ان قوام الاسلام والمسلمين انما يكون في
الادارة الصحيحة للاموال ووضعها في يد اشخاص‏اخصائيين،
ولعل افضل طريقة لبيان عرض واضح عن موقعية النقد وراس
المال بعد الاسلام ونحو تعاط وتفهم الناس‏لهذين الامرين
وللعلاقة بينهما، كما والعلاقة بين الربا والربح هو نقل عدة
احاديث في هذا الخصوص هي:
1 عن الصادق(ع): «ان بقاء المسلمين وبقاء الاسلام ان تصير
الاموال‏عند من يعرف فيها الحق، ويضع المعروف، وان‏من فناء
الاسلام والمسلمين ان تصير الاموال في ايدي من لا يعرف
فيها الحق ولا يصنع فيها المعروف‏»((177)).
2 وعنه(ع): «ما يخلف الرجل بعده شيئا اشد عليه من المال
الصامت، قال: قلت له: كيف يصنع به؟ قال: يجعله في‏الحائط
والبستان والدار»((178)).
3 وعن ابن العذافر قال: اعط‏ى ابو عبد اللّه ابي الفا وسبعمئة
دينار فقال له: اتجر بها لي، ثم قال: اما انه ليس لي‏رغبة في
ربحها، وان كان الربح مرغوبا فيه، ولكنني احببت ان يراني اللّه
عزوجل متعرضا لفوائده، قال: فربحت له فيه(منها) مئة دينار
ثم لقيته فقلت له: قد ربحت لك فيه مئة دينار، قال: ففرح ابو
عبد اللّه بذلك فرحا شديدا، ثم قال: اثبتها«لي‏» في راس
مالي...»((179)).
4 وعن علي بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى بن جعفر(ع)
قال: «سالته عن رجل اعط‏ى رجلا مئة درهم يعمل بهاعلى ان
يعطيه خمسة دراهم او اقل او اكثر، هل يحل ذلك؟ قال: هذا
الربا محضا»((180)).
5 وعن اسحاق بن عمار عن ابي الحسن(ع) قال: «سالته عن
الرجل يكون له على رجل مال قرضا، فيعطيه الشي‏ء من‏ربحه
مخافة ان يقطع ذلك عنه فياخذ ماله، من غير ان يكون شرط
عليه، قال: لا باس بذلك ما لم يكن‏شرطا»((181)).
والروايات في هذا المجال كثيرة جدا، وقد اكتفينا بنقل خبر
واحد من كل طائفة منها، وهذه النصوص تدل بوضوح‏على ان
النقد وراس المال كان لهما بعد الاسلام دور هام واساسي في
الانشطة الاقتصادية، كما لم يكن يخفى على‏احد انتاجه
الربحي، وبالرغم من ان الناس كانت على علم بان صاحب‏النقد
يقدم باقراضه للغير فرصة للمقترض منه‏وانه كان يمكنه لولا
القرض الاستفادة منها بالربح وتحقيق الدخل والفائدة، لكنهم
في الوقت نفسه كانوا يعتبرون آوتحت ظلال التعاليم القرآنية
ان وضع العلاقة ما بين صاحب النقد والمستثمر على اساس
الربا ممنوع وحرام لمافيه من الظلم.
هدف الاسلام من تحريم الربا:
من المناسب بداية هنا توضيح احد الاشتباهات التي وقع
فيها بعض المحققين في الاقتصاد الاسلامي مما اثاراحاسيس
البعض.
لقد حاول بعض المحققين وبهدف تبرير قضية تحريم الربا
عرض نظرية تقوم على التفكيك الماهوي ما بين النقدوراس
المال، اي انه اخرج النقد عن دائرة راس المال ومنحه ماهية
منفصلة ومستقلة، ومن ثم اعتبره محتاطا راس‏مال بالقوة،
ويقول هؤلاء ان الاسلام يوافق على دور راس المال في
النشاطات الاقتصادية، ويعترف بمساهمته في‏الربح، اما النقد
فحيث لا يملك دورا في عملية الانتاج فان تخصيصه بناتج يعد
ربا محرما، ولم يوافق البعض على هذاالمقدار فانكر ايضا اي
امتياز للحالتين في الاقتصاد الاسلامي.
لكن هذه النظرية تعاني من عدة اشكاليات هي:
اولا: ان هذا التفكيك مخالف للتعبير القرآني وللسنة والفقه
والاقتصاد وعرف السوق والمحاسبات، ذلك ان النقد الذي‏يقع
في اطار تحصيل الدخل هو «راس المال‏» وفقا لكافة هذه
الاطلاقات، ولذلك فان راس المال المتداول والذي يحفظ
آنوعا على صورة نقد في الصندوق او الحساب البنكي يعد
جزءا من راس مال المؤسسات والمراكز المالية.
ثانيا: على فرض اننا وافقنا على هذه المقولة، وهي ان النقد
ليس عاملا من عوامل الانتاج (ليس له دور مباشر في‏عملية
الانتاج) وبناء عليه فليس لنا الحق في وضع اسم راس المال
عليه ولو بعنوان راس مال نقدي، بيد انه لايمكن‏انكار قابلية
النقد لاسيما في المجتمعات الحديثة المعاصرة قابلية عالية
للتبدل الى راس مال مادي وعيني،فالمؤسسة او المركز
التجاري الذي يملك نقدا في الحساب البنكي اعم من كون
هذا النقد منه او استقرضه من غيره‏يمكنه في اسرع وقت
وبامضاء شيك واحد تامين افضل راس مال مادي للانتاج،
وبالتالي رفع ارباحه ومداخيله، اذن‏فنحن نعط‏ي بتحويلنا
المال الى القابض حتى ولو بشكل غير مباشر فرصة استثمارية،
انتاجية، ربحية.وهذا الامر لافرق بينه وبين العطاء المباشر
لراس المال في الاقتصاد الواقعي.
وفي الحقيقة، ان سؤالنا الذي نوجهه الى القائلين بنظرية
التفكيك هذه هو: هل ان هذا المقدار من المائز ما بين
التقديم‏المباشر وغير المباشر لراس المال يفرض علينا القول
بان المقرض المباشر يملك سهما من الربح، اما المقرض
غيرالمباشر لراس المال (مالك النقد) فليس له اي سهم، ولابد
له من اخذ اصل ماله فقط؟
وهذا المطلب الذي يبدو غير منطقي اطلاقا دفع افرادا من
امثال الدكتور غني نجاد الى التامل حتى يثبتوا وباي
طريق‏ممكن ومتوفر ان النقد اليوم مغاير له بالامس، فالنقد
اليوم على هذه الشاكلة اما بالامس فقد كان على وضعية‏اخرى.
ثالثا: ان هذا التفكيك مخالف للفقه الاسلامي، فمنذ بداية
الاسلام وحتى اليوم لم يقل اي فقيه لا من الشيعة ولا من‏السنة
بوجود فرق ما بين النقد وغيره، وكما هو الحال في حرمة اعطاء
النقد واخذه اذا كان مع زيادة حيث انه ربا،كذلك الحال في
اعطاء اي مال غير نقدي، فاذا اقرض شخص ما طنا من القمح
لمزارع من المزارعين وقام المزارع‏باستهلاكه او ببذره في
الارض فان اخذ اي نوع من الزيادة على المقدار الاصلي يعد ربا
محرما، وكذلك اذا اقرض‏عشر جرارات زراعية (الامر الذي يعد
كونه من راس المال امرا مسلما) لمركز زراعي وكان يريد بعد
مدة اخذ احدعشر جرارا زراعيا او عشرة جرارات زراعية
مرفقة بمقدار من النقد فان ذلك‏ هو الاخر ربا وحرام، وبناء
عليه فمن‏وجهة نظر الفقه الاسلامي لا فرق ابدا بين ان يقرض
المقرض نقدا او سلعة استهلاكية او سلعة يمكن جعلها
راس‏مال... فان اخذ الزيادة في الصور كلها يعد من الربا ويكون
محرما حينئذ.
وما تقدم لا يسقط فقط نظرية التفكيك ما بين النقد وراس
المال عن الاعتبار، بل يدلل ايضا على ان نظرية «راس
مالية‏النقد» التي طرحها الدكتور غني نجاد لا تحل المشكلة
هي الاخرى، ذلك انه حتى لو افترضنا الموافقة على كافة
مقولاته‏وهي ان النقد في المجتمعات التقليدية وحتى‏في صدر
الاسلام كان يمثل مجرد وسيلة لتبادل السلع
والخدمات‏الاستهلاكية ولم يكن له اي دور في عمليات الانتاج
والاستثمار وان الربا كان امرا متغيرا يجري تعيينه عن طريق
ميول‏اصحاب الثروات، اما اليوم فقد اصبح النقد راس مال
نقدي يمكنه وبسرعة التحول الى راس مال عيني كما يحوز
على‏دور اساسي في عمليات الانتاج، اما الفائدة فقد اصبحت
ناتجا داخليا حاكيا عن محصول داخلي لراس المال... اذا
وافقناعلى هذا كله فلا فائدة ايضا منه، ذلك ان الربا المحرم في
الاسلام لا يختص بالنقد بل يشمل اضافة الى ذلك آرؤوس
الاموال العينية ايضا فضلا عن رؤوس الاموال النقدية.
وفي الحقيقة، فان التوجه والتمركز الاساسي للاسلام في
مسالة الربا يستقر على موضوع نوع التعاقد، ولا علاقة له‏بماهية
وجنس موضوع التعاقد، وهذه هي النقطة التي بقيت خافية
على القائلين بنظرية التفكيك وكذلك على امثال‏الدكتور غني
نجاد، فوفقا للفقه الاسلامي اذا وضع شخص ما نقدا او راس مال
او اي مال آخر تحت تصرف شخص‏ثان نتيجة عقد قرض،
وشرط عليه مع ذلك الزيادة كان ذلك ربا محرما، سواء كان
استقرض ذلك المال للاستهلاك اوللاستثمار، وسواء كان له
دور في الانتاج او لا، لكن ايا من هذه الاموال لو وضع تحت
تصرف آخر على اساس عقدشركة او مضاربة او مزارعة او
مساقاة او... وحصل نتيجة النشاط الاقتصادي ربح ما فان
صاحب النقد وراس المال‏سيحصل على مقدار من هذا الربح
كما سيحصل على ذلك مسؤول العمل، وبعبارة اخرى اعتبر
الاسلام وضع قيمة‏راس المال (اعم من كونه نقديا او غيره)
على اساس نظام الفائدة (القرض مع الفائدة) ظالما مقترحا
بدلا عنه طريقة‏واسلوبا آخرين.
المنهج الاسلامي في تنظيم سوق راس المال:
ونذكر بداية توضيحا حول ظلم نظام الفائدة، ومن ثم نبين
الطريقة المتبعة اسلاميا لتنظيم سوق راس المال، واذاصرفنا
النظر ايضا عن الكينزيين والكينزيين الجدد والذين يعتبرون
قيمة الفائدة بالنسبة الى ناتج راس المال حصيلة‏خارجية ناشئة
عن العرض والطلب في السوق، فان النموذج الذي يراه
الكلاسيكيون الجدد سواء في جانب العرض اوفي جانب الطلب
ثمة عوامل غير نقص راس المال والناتج النهائي له تترك آثارا
على قيمة الفائدة فيه، فمن ناحية الطلب‏يؤثر طلب القروض
والاعتبارات المصرفية وكذلك قروض الدولة الهادفة الى سد
العجز في الميزانية تاثيرا بالغا في‏ارتفاع سعر الفائدة (بالرغم من
انه ليس لها اي تاثير في الانتاج وفي ناتج راس المال)، وكذلك
الحال من ناحية العرض اذلا يخفى على احد ما لنقصان او زيادة
حجم النقد على اثر السياسات النقدية من تاثير على قيمة
الفائدة.
وحتى لو غضضنا الطرف عن كافة هذه النظريات وعدنا بانفسنا
الى عصر الكلاسيكيين لا سيما افكار جان باتيسته(1767 م)،
وقلنا معه ومع الدكتور نجاد ان قيمة النقد تتعين مستقلة عن
الارادة الفردية والحكومية، وتخضع لميكانيزماالسوق ولتاثير
النقص الحاصل في رؤوس الاموال من جهة والناتج النهائي
لراس المال من جهة اخرى... اذا قلنا ذلك‏فان نظام الفائدة
سيبقى ظالما فيما يخص تقييم النقد وراس المال، ذلك انه
حتى على اجمل وافضل الفروض تكون قيمة‏فائدة السوق
حاكية عن متوسط الناتج النهائي لراس المال في الاقتصاد كله،
فعندما استقرض صاحب العمل الاقتصادي‏على اساس هذه
القيمة للفائدة لتامين راس ماله فانه تعهد بدفع اصل القرض
وقيمة الفائدة المعينة، والحال ان هناك‏احتمالا من جهة في
نقصان ناتج راس المال في الاقتصاد كله مدة السنين الاتية، او
انه لن يتمكن من الحصول على ربح‏معادل لمقدار متوسط ناتج
راس المال، او انه ونظرا للمخاطرات المختلفة والتي تقع في
طريق الانتاج والبيع وليست‏قابلة للتنبؤ لن يقدر على
تحصيل ربح اصلا، وهكذا الحال من ناحية ثانية ثمة احتمال في
ان يحصل ربح اكبر بدرجات‏من متوسط الناتج النهائي لراس
المال في كل الاقتصاد، وكلما كانت مدة النشاط المعينة
للوصول الى الربح اطول كلماكانت درجة الخطورة اكبر،
وانطلاقا من ذلك يصبح تامين راس المال وفقا لنظام الفائدة
نوعا من المقامرة.
ان المراكز الاقتصادية التي تقدم في ظروف اقتصادية جيدة او
في ظروف التضخم على الاستقراض تحت تاثير الجوالعام تقوم
باستثمار الاموال بفائدة عالية، وبعد دخول الاقتصاد في مرحلة
الركود سيجدون انفسهم فرادى‏لامعين لهم،فمن جهة
ملزمون بدفع الفائدة دون ربط بالناتج الواقعي لراس المال في
الظروف الحالية، ومن جهة اخرى يفكرون في‏العثور على سوق
لبيع بضائعهم وسلعهم المودعة وهو ما يجعلهم مضطرين
للافلاس، ليعودوا الى نفس المؤسسات التي‏تضع في يدها قرار
الاقراض والاعتبار حتى يستقرضوا منها مجددا، وفي نهاية
المطاف يدخل الاقتصاد باجمعه مرحلة‏من الازمة المالية.
من جهة اخرى، عندما تضع البنوك في مرحلة الركود المصادر
المالية للمودعين كقروض واعتبارات طويلة الامد في‏ايدي
قوى المال وبفوائد منخفضة فانها بعد مضي مرحلة الركود هذه
ستحس بانها باعت‏ما عندها بثمن بخس، وهونموذج آخر لما
مارس نظام الفائدة فيه الظلم ايضا، وهو نفس تلك الاشارة
التي ذكرها الفخر الرازي قبل‏مئات‏السنين((182)).
ان الاسلام وبتحريمه نظام الفائدة يقدم منهجا جديدا في وضع
قيم راس المال، بحيث يكون دخله ليس متناسبا مع‏الدور
المبدع له في الكل الاقتصادي فحسب، بل انه متناسق ايضا مع
العمل الذي يكون لراس المال دورا فيه، بمعنى‏ان اصحاب
المال والعمل الاقتصادي بالرغم من ان استثمارهم قائم على
اساس معيار الربح المتوقع لكنهم يتعهدون‏بتقسيم الربح
والخسارة الحاصلين نتيجة عملهم ونشاطهم . وهذه الطريقة
من التوزيع الحاصل ما بين العامل والمالك‏علاوة على تقسيمها
الدخل ما بين هذين العنصرين الرئيسيين في الانتاج بشكل
يتناسب والاداء والدور الفاعل لكل‏منهما في النشاط
الاقتصادي، تمنح حركة وضع القيم لراس المال وتبعا له
الانتاج والعمل والتنمية الاقتصادية نمواونضجا ثابتين
وملحوظين ايضا، وذلك نتيجة الترافق الحاصل ما بين مالك
راس المال ومسؤول العمل.
نعم، ان مفاسد نظام الفائدة غير منحصرة بهذا المقدار
المتقدم، ولا مزايا نظام المشاركة الاسلامي محدودة
بمااسلفناه مما طرحناه بصورة مدعى. ان بحث واجراء المقايسة
ما بين هذين النظامين يحتاج لمجال اوسع الامر الذي‏انجزناه
في مكان آخر((183)).
نحو اعادة ترتيب للمصادر النصوصية
الفقه نموذجا
الشيخ حيدر حب اللّه
تلعب المصادر النصوصية الدينية لاى دين دورا بارزا ومهما في
تحديد بنية ذلك الدين ومنظومته المعرفية
والاخلاقية‏والحقوقية و... ويقف الباحث الديني امام النص
منتظرا ان يملي عليه ما يجب ان يعرف او يفعل، فللنص كلمة
قاطعة‏في كثير او اكثر الحالات، وسواء كان الباحث نصيا من
حيث المبدا او عقلانيا كذلك فلا يمكنه ان
يتجاوزكثيراالنص‏ودوره الهامين، او ان يتغاضى عنه، سواء في
ذلك افتراض سلطوية للقارئ على النص في مرحلة الفهم
اوالعكس.
غير ان هذه الموقعية التي يتمتع بها النص في الديانات
المختلفة قد بدا يفتقدها بعد عصر النهضة، نتيجة
النزعة‏العقلانية التي طرحتها الحداثة التي اجتاحت قسما كبيرا
من العالم، فاستبدلت المعرفة النصوصية وغيرها
بالعقل،وضعف بالتالي موقع النص من بين الوسائل المعرفية
الاخرى.
اما على المستوى الاسلامي فقد تعرضت السنة النبوية الشريفة
او السنة بشكل عام بما يشمل الماثور عن الائمة(ع)لدى
الشيعة والصحابة لدى السنة كمصدر نصوصي هام واساسي
لاهتزازات في القرن الاخير بعد سلسلة‏تحولات‏معرفية وفكرية
في العالم الاسلامي، وقد فقدت لدى البعض الكثير من مواقعها
ورونقها وفعاليتها، ويعزى‏السبب في ذلك الى كلا عنصري
الاثبات التاريخي والمحتوى المضموني، حتى وصل الحال الى
ان بعض الباحثين‏والمفكرين صار لا يرتضي البحث العلمي
الديني اذا كان مرفقا بنص سيما لو كان روائيا، وصار البحث
الديني السليم‏يعني الاقتصار على المعادلات العقلية او بعض
النصوص القرآنية.
وبعيدا عن تقييم هذه الملاحظات والقراءات فمما لا ينبغي
الشك فيه ظاهرا هو ان الاخطاء المنهجية السابقة يجب ان
لاتؤدي الى التنازل عن مادة تاريخية ضخمة وبهذه البساطة
والسهولة، قد اختلف مع الاخرين في حجم تاثيرها وقد
اتفق‏لكن مبدا فاعليتها بقراءة او باخرى بمنهج او بخر يجب ان
لا يتم التنازل عنه، وهذا الوجوب ليس قيمة اخلاقية اوحقوقية
بقدر ما هو قيمة معرفية لهذا التراث وواقعية علمية يشغرها.
لقد بذلت جهود كثيرة وكبيرة واخص بها الجهود المنهجية
لتفادي واحتواء مثل هذه الاهتزازات والصدمات، وسواءوفقت
بشكل كامل او لم توفق فقد اخرت او حدت من عملية الاجهاز
على هذا التراث الديني.
ان الفشل في وضع منهج سليم للاستفادة من السنة ليس
حتى الان مبررا للتنازل عنها وطرحها جانبا، واذا اردناان
نكون حياديين فلا يسعنا سوى لوم الامة التي ترمي بتراث
ضخم وهائل كهذا التراث بحجة انها لم تستفد منه‏بطريقتها
المالوفة، بل نطالبها ببذل المزيد من الجهود للحيلولة دون
فقدانه وحتى النفس الاخير.
ولا نعني بالحفاظ هنا، الاحتفاظ بالسنة على نفس الطريقة
المرعية الاجراء فعلا، بل المقصود هو الاحتفاظ بهاكمادة‏مؤثرة
- سواء بهذا المنهج او بذاك - ومساعدة في التوصل الى المزيد
من المعارف والمعلومات المفيدة‏والمنتجة والعملية.
وما تسعى له هذه المقالة وتهدف اليه هو محاولة بسيطة
لصيغة ما يمكنها ان تجعلنا نطل على هذه المادة‏اطلالة‏تفسح
المجال لاستفادة اكبر منها ولو على بعض القراءات والمناهج
المعرفية، فهي مجرد اقتراح اولي جدا قابل‏للمناقشة والاثراء،
واسهام رافد للمزيد من المعرفة بمصادرنا الدينية، مع
الاعتراف بان اقتراحا من هذا القبيل لا تكفي‏فيه وريقات كهذه.
خصيصة النصوص الدينية:
تمتاز النصوص الدينية عادة بانها نصوص غير علمية بالمعنى
المتداول اي انها غير منتظمة على نسق‏علمي‏تخصصي، فليس
القرآن الكريم كتابا فقهيا رتبت فيه الموضوعات الفقهية على
نسق معين او كتابا عقائديا نظمت فيه الاصول‏الاعتقادية
بتراتبية متقنة، والحال اوضح في السنة الشريفة عموما، ولهذا
الامر اسبابه ومبرراته الدينية والتاريخية التي‏لا علاقة لها
ببحثنا هنا على اهميتها، وما يهمنا هنا هو ان هذا واقع موجود
لا مجال للفرار منه، وعلى القارئ الديني ان‏يعرف ويوازن
المفارقة الحاصلة بين النسق الزمني للنص والانسجة العلمية
والمعرفية المتناغمة فيه، وهي بحق مفارقة‏صعبة الموازنة،
لان السير في اطار النسق الزمني من دون ملاحظة العلاقات
المعرفية الموجودة بين النصوص غيرالمتزامنة يفقد الباحث
الكثير من اجزاء الصورة وقد يؤدي في النهاية الى نوع‏من
الافراغ والالغاء العملي لها، والعكس هوالصحيح فالنظر الى
النصوص المرتبة ترتيبا علميا مع لحاظ نسبتها الى بعضها
البعض من دون الاخذ بعين الاعتبارالانساق الزمنية والابعاد
التاريخية لها كما هو حاصل لدى البعض يفصلها عن اطرها
المنصهرة فيها والمتولدة‏منها.
ولا علاقة فعلا لبحثنا هنا بقواعد واسس عملية ملاحظة
العنصر الزمني او تاريخية النص مع الاعتقاد بان هذاالموضوع
ما زال بحاجة ماسة الى قوننة وضبط، نظرا لما يمكن ان نسميه
بحالة عدم الانتظام في استخدامه في‏كثير من الحالات سيما
في الفترة الاخيرة، انما نبحث في الشق الثاني، اي في
الترابطات الموجودة بين النصوص‏وكيفية توظيف نقاط الالتقاء
هذه في التوصل الى قدر اكبر من الاستفادة من النص مما هو
حاصل فعلا.
لقد بذل العلماء والمحدثون المسلمون جهودا جبارة في سبيل
توفير عنصر الترابط هذا امام المجتهدين والباحثين،فسعى
المتقدمون منهم الى تصنيف الكتب الحديثية الصغيرة
كالاصول الاربعمئة المعروفة بين الامامية وتجميع
مايمكنهم من نصوص تلتقي تحت عنوان معين، فامنوا بذلك
بداية طيبة لعمليات فرز موضوعي لما وصلهم من
النصوص‏القرآنية والروائية، ثم اعقب ذلك ظهور كبار
المحدثين كالكليني (م 329ه) والطوسي (م 460ه)
والصدوق (م 381ه)عند الشيعة، والبخاري (م 256ه) ومسلم
(م 261ه) وابن حنبل (م 241ه) عند اهل السنة..
وعقيب ظهور الاتجاه الاخباري عند الشيعة على يد محمد
امين الاسترآبادي (م 1036ه) اعيد احياء الحضور الروائي‏في
الساحة، فنظمت اكبر الموسوعات الحديثية على الاطلاق حتى
الان على يد محمد بن الحسن الحر العاملي (م‏1104ه) في
كتبه «الوسائل‏» و«الفصول المهمة‏» و«اثبات الهداة‏» و...
والمحدث النوري (م 1320ه) في «مستدرك الوسائل‏»والشيخ
محمد باقر المجلسي (م 1110ه) في «بحار الانوار» والفيض
الكاشاني (م 1091ه) في «الوافي‏» و «الصافي‏»، وهكذاغيرهم من
كبار العلماء. وما تزال هذه الموسوعات ذات حضور اساسي
وفعال كمادة وحيدة‏تقريبالرجوع الباحث الى‏النص.
ولا نريد ان ندخل في تقييم لكل واحدة من هذه الموسوعات
بالرغم من الاعتقاد بضرورة ان يكون هناك‏وبصورة‏دائمة
عمليات نقد بناء او تقييم شامل لها وقد كتبت ولوحظت في
هذا المجال العديد من الملاحظات سيماتلك التي دفعت
بالسيد محمد حسين البروجردي(رحمه اللّه) (م 1380ه) الى
تاليف موسوعته «جامع احاديث الشيعة‏» آوانما المستهدف هنا
هو قراءة هذه الموسوعات بمجملها او المادة النصوصية الحالية
قراءة ايبستمولوجية معرفية‏ومناهجية، اي محاولة اقتحام
النظام المنهجي وكذلك البنية المعرفية والمنطقية التي
قامت على اساسهما كل هذه‏الموسوعات، واجراء مقايسة بينها
وبين الواقع العلمي الفعلي الذي يتطلب حاجات يفترض ان
تسعى المادة ضمن‏وضعية ما الى تامين جزء منها.
وقبل الشروع في ذكر نقاط الاقتراح الاولي المقدم، لا باس
بالتعرض الى ضرورة انجاز موسوعات نصوصية غيرفقهية،
وكذلك الى تاثير التطور الموسوعي وعلاقته الجدلية مع ما
يسمى اليوم بفقه النظريات.
المجاميع النصوصية غير الفقهية:
بالرغم من ان هذه المقالة اخذت علم الفقه نموذجا اساسيا لها
الا انه من الجدير الاشارة الى ضرورة وضع‏تصنيف‏موسوعي
نصوصي للعلوم الاخرى كعلم العقيدة والفلسفة، وكذلك علم
الاصول، وعلم الاخلاق وغيرها.. وفي‏هذا الاطار يمكن ذكر
ثلاث حالات توجد حاجة لوضع مرجع نصوصي منظم فيها هي:
الحالة الاولى: علم الاصول الذي لم توضع حتى الان اى
مرجعية نصوصية متكاملة فيه - بحسب الظاهر - في
حين‏يمكن ادراج النصوص القرآنية وغيرها التي ادرجت في
الابحاث الاصولية، وهي نصوص تقع- حاليا - في اغلبها
ضمن‏موسوعات الحديث الفقهية كالوسائل والمستدرك،
وكنموذج هناك النصوص الواردة في باب التعارض من اخبار
الطرح‏او الاخبار العلاجية، وايضا نصوص الاستصحاب المدرجة
حاليا في كتاب الطهارة والصلاة والصوم و... ، والنصوص‏الكثيرة
الواردة في القياس والظن والاستحسان والراي، وكذلك
نصوص لزوم الاخذ والرجوع الى الكتاب والسنة المدرجة‏حاليا
في قسم كبير منها في كتاب القضاء من «الوسائل‏»..، ونصوص
البراءة والاحتياط الكثيرة، وكذلك نصوص‏حجية خبر الواحد او
اخبار «من بلغه‏» الواردة في قاعدة التسامح في ادلة السنن
والمتفرقة في ابواب الحديث سيمامقدمات العبادات من
«الوسائل‏»، والنصوص التي تشير الى حجية الاجماع او الشهرة،
والنصوص المتعلقة بحجية الظهورسيما الظهور القرآني والتي
منها نصوص تمسك الائمة(ع) بالقرآن الكريم وفق بعض
الاستدلالات الاصولية، وكذلك‏النصوص الناهية عن تفسير
القرآن بالراي او غيره مما اعتمده الاخباريون في مبانيهم هنا،
بل من الضروي ايضا في علم‏الاصول ادراج جملة مفيدة من
النصوص التي تكون ظهورات قانونية اصطلاحية قد لا تكون
متطابقة مع المعنى العرفي‏الاولي، وهي ظهورات قائمة على
استقراء النصوص ومعرفة مدى وجود نمط خاص‏من الدلالات
والاستعمالات في لسان‏المشرع الديني، وكنماذج مفرداتية
يلاحظ النصوص التي ورد فيها الفاظ يصلح، لا يصلح، لا باس،
الفاظ البغض والكراهة‏والمحبة، ونصوص النسبة لذات
النبي(ص) والامام(ع) من قبيل حرمت او منعت او نهى عنه
النبي، مقابل النسبة للّه تعالى‏كحرم اللّه او هذا مما نهى اللّه
تعالى عنه وغيرها، وايضا يمكن في علم الاصول ادراج النصوص
المتصلة بمسالة العلم‏الاجمالي كرواية الغنم والمخلوط من
المذكى وغيره وغيرها...
ووضع مرجع نصوصي لعلم الاصول او لعلم الفلسفة والكلام
على غرار ما فعله فيه (اي علم الكلام) المحدثون‏المتقدمون
كالصدوق وغيره في «التوحيد» و«كمال الدين وتمام النعمة‏»
و«الغيبة‏» و«اصول الكافي‏» وغيرها او للعلوم‏الاخرى يمكنه ان
يعكس العمادة الدينية للافكار لا اقل الكثير منها الاصولية
وغيرها، ويحول دون اعتبارها ذات‏منهج احادي عقلي او غيره.
الحالة الثانية: علم الرجال وما يتعلق بتقييم الاسانيد، ذلك ان
الدراسات الرجالية فيما يتعلق بتقييم الرواة اعتمدت‏بالدرجة
الاولى على التوثيقات الصادرة عن الرجاليين القدماء او
المتاخرين - على بعض المباني - لكنها لم تستخدم‏طريقة فرز
النصوص التي رواها الراوي المعين لتجري دراسة فيها،
ولتعرف مدى وجود مميزات في رواية هذاالشخص يمكنها ان
تحصل تصورا ما او انطباعا ما عنه كما حاوله السيد عبد
الحسين شرف الدين (م 1957م)ومحمود ابو رية في دراستهما
المتعلقة بالراوية ابي هريرة، ومن الطبيعي ان هذه الطريقة في
الحكم على الراوي‏ليست سهلة او سريعة النتائج، لانها تحتاج
الى استبعاد بعض الاحتمالات او الى تاكيد صدور هذه
النصوص عنه وغيرذلك من الشروط، لكن تجميع النصوص
التي رواها الرواة الكبار وقراءتها - مع الاخذ بعين الاعتبار
توجهاتهم الفكرية‏والعقائدية - يمكنه ان يرفدنا بمجموعة جيدة
من المعلومات، وهو امر لا يتسنى لنا الا اذا امنا المادة كلها امام
الباحث‏والمحقق الرجالي او التاريخي.
وتتسع هذه الطريقة في العمل الى انشاء مجاميع تختص بما
رواه الرواة الغلاة مثلا او الرواة الذين كانت لهم نزعات‏باطنية او
الذين كانوا من اهل السنة او الواقفية او غيرهم، والقيام
بدراسات تتعلق بالفوارق المحتملة بين هذه‏المجاميع، وهو امر
يمكنه ان يرشدنا الى العديد من النتائج التي قد تدفعنا الى
الاخذ بهذه الرواية او تركها، على غرارالطريقة التي استخدمها
السيد محمد باقر الصدر رحمه اللّه (م 1400ه) في رده
الروايات التي وردت في النهي عن‏تفسير القرآن الكريم
وتمسك بها الاخباريون لرفع حجية ظواهر الكتاب العزيز،
فانه(قدس سره) اثار ملاحظة على هذه‏الروايات من خلال ان
جميع رواتها هم من اصحاب النزعات الباطنية، وانه لا يوجد
من بين رواة هذه النصوص اي من‏اصحاب الائمة الكبار كزرارة
ومحمد بن مسلم((184))، وهذا معناه انه قرا هذه النصوص
قراءة مختلفة عن القراءة‏الكلاسيكية في تقييم النص حاليا.
الحالة الثالثة: ما يتعلق بالعلوم القرآنية، فالنصوص الواردة في
هذا الصدد من القرآن الكريم والسنة الشريفة كثيرة‏كما هو
معروف، وهي بحاجة الى جمع وتنظيم منطقيين، من قبيل
نصوص الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه،والباطن
والظاهر، والعام والخاص، والحد والمطلع، وجمع القرآن
بمعاني الجمع المتعددة، والقراءات القرآنية، ونزول‏القرآن على
سبعة احرف، والنصوص المتصلة بموضوع تحريف القرآن
بمعاني التحريف المتعددة، ونصوص التاويل‏والتفسير،
والنصوص المتعلقة بمناهج واساليب التفسير القرآني، وموضوع
التفسير بالراي وغيره، والنصوص المتصلة‏بتحديد من هو
المخاطب في القرآن الكريم، وكذلك النصوص المرتبطة
بحجية ظواهر القرآن الكريم، ونصوص فضل‏القرآن وسوره،
وآثاره وبركاته، ونصوص قراءته وتلاوته وآدابها، والنصوص
المرتبطة باحترام المصحف الشريف من‏حمله وتعليقه وبيعه
و... الى غير ذلك من النصوص الكثيرة التي يحتاجها الباحثون
القرآنيون.
المادة وفقه النظرية:
يعد فقه النظرية او الفتاوى الكلية اطروحة حديثة الظهور
نسبيا في الوسط الفقهي، ويرجع التنظير فيها
الى‏اشخاص‏ابرزهم الشهيد محمد باقرالصدر(قدس سره)،
ويتمحور هذا الفقه كما يتبين حول قراءة كلية مشرفة
على‏مجموعة كبيرة من النصوص وبالتالي الاحكام والفتاوى
التي تلتقي في نقطة ومحور حياتي شامل كالمحور
الاقتصادي‏او السياسي او الاجتماعي او ما هو اوسع او اضيق.
وليس الحديث هنا حول فقه النظرية الا ان التنظير له لا يعني
ان الفقهاء السابقين لم يستخدموه او يمارسوه بشكل اوبخر،
وعلى اية حال وما يهمنا هنا هو ان فقه النظرية هذا الذي يعد
اليوم من اكثر ابواب الفقه فقرا وحاجة لا يمكن ان‏يتم من دون
مجموعة عناصر، ابرزها التخصص في الباحث
والاحاطة((185)).
وعنصر الاحاطة والاشراف على الفقه ومنابعه هو من الاهمية
بمكان نظرا للتشابك الكبير والمعقد الذي ينفذ في الفقه‏كله
ابوابا ومسائل، فمن الصعب ان تبحث في مسالة فقهية دون ان
تتعثر بمسائل اخرى كان من المفترض التوصل‏الى نتيجة
بشانها لما يمده ذلك من معطيات تساهم في صياغة افضل
للمسالة مورد البحث.
ويعكس التداخل الفقهي تداخلا آخر في النصوص التي ارتكزت
عليها الدراسات الفقهية، وهذا يعني ان طبيعة البحث‏الفقهي
سيما حينما يكون الحديث عن فقه النظرية وامثاله والذي
نلاحظه هنا بشكل اساسي تستدعي احاطة‏كبيرة‏وربما كاملة
بالمصادر النصوصية القرآنية والروائية، وحيث ان هذه الاحاطة
صعبة او قلما تتوفر لباحث سيمافي زمن المزيد من
التخصصات حتى الفقهية التي تعيق توفر عنصر الاحاطة
الشاملة فمن الضروري السعي لتامين‏مادة قادرة على توفير
حجم مهم من التجمعات التي قد تقف بديلا اضطراريا عن
عنصر الاحاطة هذا، وهو ما تفعله‏الموسوعات الحديثية الحالية
بدرجة معينة كما سنرى. ويؤكد ذلك ملاحظة نسق الاستدلال
الفقهي لدى الفقهاء الذين‏سبقوا ظهور الموسوعات الحديثية
الاربع الاولى - اي «التهذيب‏» و «الاستبصار» و «الكافي‏» و «من
لا يحضره الفقيه‏»، وان‏كان استدلالهم قليلا بل ونادرا
بالمقايسة مع الفترة اللاحقة - بل ومدى استخدام الفقهاء
للنصوص فيما بعد ظهور«وسائل الشيعة‏» و «مستدرك
الوسائل‏»، فان درجة حضور النص كما وكيفا صارت اكبر، وصار
لدى الفقهاء اشراف‏اوسع على المصادر النصوصية المتوفرة،
وهو امر لعبت الموسوعات الحديثية اثرا هاما فيه.
ووفقا لما تقدم تبرز اهمية اعداد مادة نصوصية مكافئة
ومتكافئة مع التطور الذي وصلته الدراسات الفقهية
المعاصرة،وهو ما سنحاول تقديم اقتراح بشانه يتلخص في
ضرورة الاعتراف بعدم كفاءة الموسوعات النصوصية المعتمدة
لتامين‏مادة مناسبة للبحث الفقهي والقانوني المعاصر، وبالتالي
الحاجة الى صنع البديل لها يمكنه ان يسد الخلا الناجم
عن‏التنامي الاحادي الجانب للفقه على حساب تنامي مفترض
في المادة نفسها.
وهذه الحاجة الى صنع البديل ليست مختصة وفق هذا الاقتراح
بهذه المرحلة الزمنية، بل طبيعة هذا الاقتراح - اذا
تمت‏الموافقة عليه - تستدعي ان يصار الى التفكير بتبديل
المجاميع النصوصية وتطويرها كما وكيفا - بالمعنى الاتي -
كلماصارت هناك طفرة بين نسق ونظم هذه المجاميع وبين
العلوم المرتبطة بها كعلم الفقه، وربما يكون ذلك كل قرن
من‏الزمن وربما اكثر او اقل تبعا لحدة التغيرات الحاصلة. اما
الابقاء على كتاب نصوصي واحد ليكون مرجعا لكل
الاعصاروالازمان فليس امرا وافيا بالمتطلبات العلمية وغيرها.
كما ان الاقتراح المقدم هنا لا يعني انه لم يكن هناك في الفترة
الاخيرة جهود مميزة وسعي حثيث لصنع شي‏ء من هذاالقبيل،
بل على العكس من ذلك هناك جملة من النشاطات حققت
شوطا جيدا في هذا المجال، لكن الصيغة النهائية التي‏تقدم
كتابا بديلا عن «الوسائل‏» و «المستدرك‏» اللذين يعبران عن
قناعة راسخة لدى كل من الحر العاملي والمحدث‏النوري
(قدهما) بضرورة تطوير وتعديل النظم الموجود في الكتب
الحديثية التي سبقتهما كالكتب الاربعة هذه الصيغة‏لم تتوفر
حتى اليوم بالرغم من صدور كتب من قبيل «ميزان الحكمة‏» و
«الحياة‏» وبعض الكتب المتفرقة بحسب‏الموضوعات، والتي
شكلت بمجموعها جهدا جزئيا وغير مستوعب بالدرجة الاولى.
الصياغة الاولية المقترحة للموسوعات النصوصية:
تعتمد المراجع والمصادر الموسوعية الحديثية على اسلوب
ونمط مالوف، وهو ان يعمد واضع الموسوعة الى علم الفقه‏
مثلا ويحدد موضوعاته بدقة ثم يستخرج منها مجموعة من
العناوين تناسب بطبيعتها وصياغتها المستوى العلمي‏الموجود
في الفقه، وبعد ذلك يعمد الى وضع هذا العنوان على راس
الصفحة ويفتش له عما يرتبط به مباشرة‏اوبصورة غير مباشرة
من النصوص القرآنية والروائية ويجمعها تحت هذا العنوان،
فيوفر بذلك مادة محددة‏لاولئك الذين‏يريدون البحث في هذا
الموضوع، فالمادة سوف تصبح بذلك متوفرة وحاضرة امامهم،
وعليهم ان يعودوا الى المرجع‏الحديثي ويذهبوا الى ذاك
العنوان ليصلوا الى المادة المطلوبة التي سيقومون بقراءتها
وتحليلها ومن ثم ليخرجوا بنتائج‏معينة من كل ذلك.
في هذا المسار هناك نقاط مفصلية وهامة ابرزها:
1 عنصر الترابط بين المادة والعلم المتعلق بها، وهذا العنصر
بالشكل الذي عرضناه يدلل على تناسب طردي بين‏العلم
والمادة بما هي مادة للمرجع والموسوعة فكلما تنامى هذا
العلم وطرات عليه تحولات وظهرت فيه عناوين‏جديدة كلما
برزت متطلبات جديدة يجب ان تفي بها المادة، وعناوين
حديثة صارت هناك ضرورة للبحث عن مادة‏نصوصية مرتبطة
بها بشكل او بخر، ولعله يعثر او لا يعثر على شي‏ء فهذا امر آخر.
اذا العنصر الاول هو تاثير النمو العلمي للفقه في اعادة صياغة
المادة كيفا وزيادتها كما ولو من خلال تكرارالنصوص احيانا
كما سياتي، وكمثال على ذلك ظهرت اليوم مسائل ترتبط
بموضوع التشريح، واستدل الفقهاءالمعاصرون((186)) ببعض
الروايات الدالة على حرمة الميت او بما دل على حرمة المثلة
ولو بالكلب العقور او... وهذايعني توفر عنوان جديد قدمه لنا
الفقه ووجدنا ولو من خلال الاستعانة بالجهد الفقهي الحاصل
حتى الان ما يرتبط‏به من نصوص سواء قبلنا الدلالة او
رفضناها لاننا حياديين كما سنذكر ، وهكذا مسالة توسعة
عنوان العيوب‏الموجبة لثبوت حق الفسخ في النكاح الى ما
يشمل عناوين جديدة او امراض جديدة كالايدز، فانه يمكن
الاستفادة من‏نصوص الحصر الواردة في بيان عيوب الفسخ
والنافية صراحة لعيوب اخرى كالعمى و... كما فعله بعض
الفقهاءالمعاصرين((187))، وهكذا ايضا مسالة التوسعة في
الاصناف الزكوية التي تعورف جعلها في التسع والتي يمكن
الرجوع‏فيها الى نصوص الحصر من جهة، ونصوص كفاية الفقير
الواردة في تعليل الزكاة وغيرها من جهة‏اخرى((188))،وغيرها
من النصوص التي تعرض لها الفقهاء المتاخرون في بحثهم لهذا
الموضوع، الى غير ذلك من نماذج كثيرة‏لمسائل فقهية ليس
لها في الموسوعات الحالية عنوان خاص او مشير الى المسالة
الحديثة الظهور كالتلقيح الصناعي‏والاستنساخ وقضايا العدة
لامثال من لا رحم لها واوراق اليانصيب والتضخم السكاني
والاستهلال بواسطة الالات الحديثة‏وتولي المراة السلطة
السياسية وبعض مسائل الستر والنظر المرتبطة بالصور
الفوتوغرافية والتصوير التلفزيوني ونحوذلك و...
وهذه العلاقة بين الفقه والمادة ليست علاقة احادية الجانب
وانما هي علاقة جدلية، لكننا ركزنا على احد جوانبها
لكونه‏مورد الحاجة هنا، وعليه فملاحقة الدراسات الفقهية
الاخيرة على مستوى المسلمين كافة يمكنه ان يقدم لنا العديد
من‏النماذج ويرفدنا بجملة لا باس بها من العناوين والنصوص.
2 عنصر العنوان، وهذا العنصر يمكن قراءته من زوايا ثلاث:
الزاوية الاولى: وهي زاوية ذات طابع سلبي لكن لا مفر منها
كليا، فالعنوان الذي يوضع للمادة المرتبطة
بموضوع‏معين‏يترك في اللاوعي لدى المراجع اثقالا ما، ويحول
دون قراءته للنص قراءة مجردة غير محملة بسوابق تفسيرية له،
وفي‏الحقيقة فهذه مشكلة تواجه الباحث ايضا، لانه غالبا ما
يتواجه اوليا مع الموقف الفقهائي من الموضوع ثم يحلله
ويفنده‏على اقصى تقدير وبعد ذلك يخرج بنتيجة ما، وهذا
معناه ان الذهن بمروره بالمواقف المتعددة قد حمل معه
بدرجة اوباخرى بقايا منها حتى لو لم يوافق عليها كمركب في
النهاية، وهذه الدرجة قد تكون عبارة عن وضع حدود واطر
غيرقادر على تجاوزها في لاوعيه حتى لو تجاوز الاراء منطوقا،
وهذه المسالة يمكن تبسيطها من خلال الفارق الحاصل
بين‏موقف الفقيه المتمرس الواثق الذي يجد القدرة في تجاوز
هذه الاراء في اجتهاده احيانا، والطالب المبتدئ الذي يتراءى
له‏انه لا مجال للتفلت من كل الدائرة التي تدور حولها الاراء
حتى اذا ما راى فقيها يبرز نكتة‏للخروج انبهر به وانجذب‏له.
هذا كله في حين ان قراءة النص مجردة عن اي سوابق قد
يفسح للذهن مجالا اكبر لاستنتاجات غير مثقلة، تعزز
من‏قيمتها العلمية تلك العفوية التي تختزنها احيانا نظرا لعرفية
الفهم.
لكن هذه المشكلة لا يجد كاتب هذه السطور طريقا لتجاوزها
كليا دون التورط بمشكلات اعمق واعقد، ولابد من‏التفكير في
حل لها اذا كان يعالجها من بدايات المشروع التعليمي
للباحث والعالم الديني، وهو موضوع يرتبط‏بحيادية او تلقينية
التربية الدينية بمعانيها المختلفة ليس هنا مجاله.
بيد ان عدم توفر حل جذري لهذه المشكلة لا يحول دون الحد
من تداعياتها، وهذا الحد في مسالتنا يتمثل في‏حيادية
الواضع نفسه وبالتالي حيادية العنوان، فمع ان كتاب «التهذيب‏»
و «الاستبصار» وكذلك «الكافي‏» يستخدم‏عنواناحياديا غالبا،
وكذلك كتاب «من لا يحضره الفقيه‏» احيانا، الا ان صاحب
«وسائل الشيعة‏» يعنون كل باب‏غالبابمايراه هو حكما في ذلك
الباب من وجوب وحرمة وصحة وبطلان وشرطية و... حتى
قيل ان عناوين الوسائل يمكن‏اعتبارها فتاوى للحر العاملي...
وهو بذلك كالمحدث النوري في «المستدرك‏» يستبق على
القارئ للمادة ويفرض عليه‏الى حد ما استصحاب مفاهيم معه
حمله اياها ذلك العنوان.
اذا فهناك فرق بين ان نضع عنوانا يمنح النتيجة قبل الشروع
في القراءة كان نقول مثلا «باب وجوب قضاء المسافر اذاحضر ما
فاته من الصوم الواجب وعدم وجوب قضائه تمام الصلاة‏» او
«باب ان الاخوة لا يحجبون الام الا مع وجودالاب‏»، وبين ان
نضع عنوانا لموضوع البحث لا لحكمه ونتيجته، كان نقول «باب
في حكم قضاء المسافر الصوم وتمام‏الصلاة اذا حضر» او ما شابه
ذلك.
والى جانب حيادية العنوان من الضروري عدم التدخل في
التعليق بما يتضمن موقفا او رؤية من المادة المعروضة‏خلافا
لما يفعله صاحب الوسائل مثلا، حيث انه عندما يذكر الروايات
المعارضة لموقفه المبرز في العنوان يعلق عليهابحملها على
التقية او اي شي‏ء آخر، وهذه هي طريقة الشيخ الطوسي في
كتبه الحديثية خلافا للشيخ الكليني الذي لايتدخل فيما
يذكره من روايات لسبب او لاخر ليس محل بحثنا، فالحيادية
الى اقصى الحدود قد تعد وسيلة لتفادي بعض‏الاثار السلبية في
هذا المجال.
الزاوية الثانية: وهي تتعلق بالعلاقة بين العنوان والمادة
المدرجة تحته، وهو امر يتاثر بدرجة او باخرى بالوضعية‏التي
وصلها العلم المتعلق بتلك المادة كالفقه مثلا، فرب رواية او
آية كان لها دلالة على فكرة معينة في حقبة‏زمنية‏سابقة ، لكن
اختلال هذه الدلالة قد انكشف فيما بعد للجميع بشكل واضح
جدا، بحيث ان الموقف حتى الاحتمالي‏كان هو عدم قبول
واحتمال هذه الدلالة، فتدوين المتقدمين لهذه الاية او الرواية
كان امرا مبررا، اما اليوم فان الامرمختلف. وهذا بنفسه يمثل
تدخلا من الواضع لا مفر منه عمليا، الا ان ذلك لا يعني ان
النصوص التي يراد وضعها لابدان تكون ذات دلالة نصية او
ظهورية في الفكرة، وانما تكفي الدلالة ولو الاحتمالية شريطة
ان يكون احتمالا علميابمستوى ذاك العلم لا منطقيا يجامع ما
قيمته الواحد من المليون.
وهكذا الامر على الخط المقابل، هناك نصوص قرآنية وحديثية
وظفها الفقهاء المتاخرون والمعاصرون في تاييد اوردحكم
تكليفي او وضعي متعلق بعنوان ما، ولم تكن هذه النصوص
مورد التفات المتقدمين فيما يتعلق بالعنوان‏نفسه، وهذا يعني
اضافة نص جديد الى المجموع بهذا المعنى للاضافة.
الزاوية الثالثة: وهي الزاوية المتصلة بالعنصر الصياغي للعنوان
نفسه من حيث الحداثة والتقليد، فان الباحث وفق‏النسق
الصياغي للعناوين المطروحة للابواب المختلفة في المصادر
الحديثية يحتاج الى القيام بطفرة او قفزة ذاتية من‏النص الى
الاستفادة منه في مجال الافكار المعاصرة التي اتخذت لنفسها
نمطا صياغيا مختلفا تمام الاختلاف عن‏الصياغة المعروضة في
الكتب النصوصية، لان العناوين المعروضة لا تحاكي ولا
تتماهى مع الافكار والاحداث الفكرية‏والحياتية المعاصرة في
كثير من الاحيان، مما يضطر الباحث الى تكلف القيام بعملية
التجسير هذه بين النص والظاهرة‏الحديثة الظهور، وهو امر قد
يوحي احيانا بشي‏ء من عملية التطويع للنص نظرا لتلازم
تصوره مع الشكل القديم‏للامور.
ولتبيين الفكرة يمكن عرض مجموعة من الامثلة من دون ان
يعني ذلك الالتزام بمضمون هذه الامثلة جميعا، لانهاتحتاج
الى نقاش معمق ليس هنا مجاله، بل الكاتب لا يوافق على بعض
هذه الامثلة وانما نعرضها لمجرد التوضيح،وهي:
المثال الاول: استبدال تعبير كتب الحدود والقصاص والديات
بكتابي القوانين الجزائية والجنائية.
المثال الثاني: استبدال كتب المزارعة والمساقاة وبيع الثمار
ونحوها بعنوان الفقه الزراعي او الاستثمار الزراعي.
المثال الثالث: استبدال عناوين بعض الابواب التي ورد فيها
تعبير «ملك الامام‏» بعبارة الملكية العامة او ملكية الدولة،كما
فعله بعض الفقهاء المتاخرين والمعاصرين.
المثال الرابع: استبدال تعبير «احكام العشرة‏» بعنوان «الفقه
الاجتماعي‏».
المثال الخامس: استبدال عنوان الخروج قبل قيام القائم (عج)
بعنوان المعارضة المسلحة للنظام الحاكم.
المثال السادس: استبدال عنوان عمل الصور والتماثيل
ونحوهما بعنوان فقه الفنون او النحت والرسم، او ما شابه‏ذلك.
المثال السابع: استبدال عنوان السبق والرماية بعنوان
المباريات الرياضية وغير الرياضية، الى غير ذلك من
الامثلة‏الكثيرة جدا.
الا ان المشكلة الحساسة التي تظهر لدى القيام بمثل هذه
الخطوة - اعني القيام بعملية استبدال العناوين وتحويلها
الى‏عناوين ذات صياغة جديدة - هي التورط بالخروج عن
الاصطلاح الذي وضعته الشريعة لامر معين، والمحافظة
على‏شي‏ء من هذا القبيل قد تكون له مبرراته نظرا لكون
انحفاظ المصطلح يساعد على تاصيل الافكار في كثير
من‏الاحيان، ومن هنا لا بد ان يكون هناك تفكير هادئ لوضع
حل متوازن لهذا الامر يفي بالمعاصرة والمواكبة
من‏جهة‏وبالاصالة من جهة اخرى.
3 عنصر المادة نفسه من حيث كمه وكيفه، وهو عنصر له
مظاهر كثيرة
اهمها: