|
رئيس التحرير
التراث لمن؟
ان ارتباط كل مجتمع بتراثه من الامور الواضحة لدى العام
والخاص.. حيث ان الجميع يستشعرون الانتماء الى
تراثهم ويفخرون بالانتساب اليه.. كما ويرون صحة نسبة ذلك
التراث اليهم ولا يشكون في مشروعية ذلك الانتساب.. وهذا
امريستوقف الباحث حول التراث ويدعوه للسعي لكشف مبررات
العلاقة بين المجتمع وتراثه.. ففي اول وهلة قد يبدوان نسبة
التراث الى الجيل المعاصر من قبيل نسبة الشيء الى غير فاعله..
لان انجاز التراث قد تم على يد الاجيال
الماضية وتراكم خلال
عصور مختلفة.. واما الجيل الحالي فلا علاقة له بما فعل الاوائل
وينبغي ان ينسب اليه ما يحققه هو ليس الا.. ولا يصح بحال ان
ينسب اليه ما صنعه الاخرون في فترات تاريخية متمادية.. وقد
يدعم ذلك بقوله تعالى:«تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم
ما كسبتم ولا تسالون عما كانوا يعملون» وقوله: «وان ليس
للانسان الا ما سعىوانسعيه سوف يرى».. وبعد هذا كله كيف
نصحح النسبة هنا؟! فيا ترى هل حصل تجميد لقانون العلية
وانفصام الصلةبين العلة والمعلول؟! ام ان النسبة هنا ليست
نسبة حقيقية بل هي على سبيل المجاز الذي يكفي في تبريره
ادنىمناسبة.. وعليه فلا داعي ولا ضرورة لاقحام صناعة
البرهان في القضايا الادبية؟!
ان حل هذا اللغز يكمن في دركنا لحقيقة الكيان الاجتماعي
وتشريح الفعل الاجتماعي وتصوير كيفية صدور الفعل
عنفاعله.. فقد يقع خلط بين فعل الفرد وفعل المجتمع فيقاس
احدهما بالاخر.. في حين ان لكل منهما حيثياته الخاصة
بهوقوانينه التي تحكم حركته.. فان صدور الفعل من الفرد غالبا
ما يكون واضحا ولا تردد عادة في نسبته اليه سواء اكانذلك
الفعل الصادر فعلا اختياريا او غير اختياري وسواء اكان فعلا
ماديا او فكريا..
اجل تستثنى بعض الحالات التي لا تخلو من ابهام كما لو كان
الفعل مشتركا بين اكثر من واحد على نحو عرضي بحيثكل
فرد يؤدي قسطا من الفعل.. كاشتراك عدد من العمال في
صناعة جهاز معين.. وكذا الحال لو كان الاشتراك بنحوطولي
بحيث يكون احدهما سببا والاخر مباشرا.. وسيتضح سبب ذلك
الابهام لاحقا..
بيد اننا لا نرى مثل هذا الوضوح في كيفية صدور الفعل من
المجتمع وبالتالي في نسبته اليه.. فما هو الفرق بينالامرين؟
ان الفرق يعود الى طبيعة الفاعل فتارة يكون واحدا واخرى
يكون متعددا.. ففي مثل صراخ الانسان الجالس وحده لانكاد
نحس باية مشكلة في ادراك كيفية صدور الصراخ منه.. وايضا لا
يشك احد في نسبته اليه.. بخلاف سماع اصوات
الناس في سوق
مزدحم فان الضجيج المتعالي يتعذر تحديد مصدره بصورة
دقيقة.. لذا يعزى الى المجموع لا الىالجميع لعدم الدليل على
مساهمتهم كافة.. فقد يكون بعضهم ساكتا.. فهذه النسبة بالدقة
الفلسفية هي نسبة اجمالية..الاانها بالنظر العقلائي تعتبر
صحيحة وحقيقية وليست مجازية لكون الملحوظ هو
المجموع.. وهذا الامر بعينه يجري في
الفعل الاجتماعي.. فان
المركب الاجتماعي حاصل بسبب تعدد الافراد وتكثرهم.. بل ان
هذا التعدد بدرجة كبيرة ومنجهات مختلفة..
وهذا الكيان الاجتماعي تارة ينظر اليه بما هو كيان انساني
يحمل ثقافة خاصة ويمتد زمانا ومكانا وممارسة.. واخرىينظر
اليه بما هو مقطع محدد من ذلك الامتداد.. فالوجود الممتد
يكون بمثابة الجنس والمقدار المقتطع منه بمنزلة
النوع..
والوجود الممتد هو المعبر عنه ب(الامة) والوجود المقطعي هو
المعبر عنه ب(المجتمع).. فنحن اماممجتمعات اسلامية
متعددة تقطن مناطق متفاوتة جغرافيا.. وهناك مجتمعات
اسلامية انقرضت واندرست عبر مراحلتاريخية طويلة.. كما ان
كل مجتمع قد يتميز عمن سواه بنمط من العيش.. وعلى الرغم
من ذلك كله فهناك دائرة اوسعتنضوي تحتها كل تلك
الكيانات وتحتضن كل تلك الظهورات والتجليات الا وهي
دائرة الامة الاسلامية.. والذي يهمنا
فعلا هو البرهنة على صحة
اندماج الاجيال المتعددة وانصهارها في الكيان الاجتماعي
الاكبر وايضا مدى صحة امتدادهفي عمود الزمان..
فلو اخذنا مجتمعا ضمن حدود اقليمية معينة وفي مقطع
زماني معين لراينا انه كيان مركب يتشكل على الاقل من
ثلاثةاجيال: جيل ناشئ ينتظر مستقبله وجيل ناشط يحمل
عبء عصره وجيل مسن ادى دوره وينتظر الرحيل
ولنسمه[س].. ثم لو رجعنا الى الخلف خطوة واحدة لراينا
الجيلين المتوسط والاخير [: س] بالاضافة الى جيل آخر قد
مضىوقضى نحبه ولا وجود له فعلا.. ولو رجعنا خطوة ثانية
لراينا الجيل الاخير [: س] مضافا الى جيلين منصرمين.. ففي
هذه
المقاطع الزمانية الثلاثة يبرز الجيل الاخير [: س] كنقطة
مشتركة بينها لكن مع اختلاف في الرتبة.. ففي مقطع يحتل
الرتبةالاولى وفي ثان الثانية وفي ثالث الثالثة.. وهكذا كل جيل
يعاصر ثلاثة مقاطع زمانية ويقارن عدة اجيال.. اذا يوجدتداخل
وترابط واقعي بين الاجيال.. وهناك اتصال لا يمكن معه اعتبار
كون جيل معين هو وحده المكون للكيان
الاجتماعي.. بل ان
كل جيل يكون عادة ملحوقا بما بعد ومسبوقا بما قبل..
وعليه فان الفعل الصادر عن الكيان الاجتماعي لم يصدر عن
واحد بسيط.. بل يكون صادرا عن مركب متعدد العناصر..ولا
يشترط في صدور الفعل من المركب مساهمة كل الاجزاء
وبنحو واحد.. ولا يقدح في ذلك عدم مشاركة البعض اواختلاف
كيفية المشاركة نوعا واختلافها شدة وضعفا.. فحال المجتمع
في ذلك حال ضفيرة الشعر التي تتالف من عدةخصل متباينة
في الطول والضخامة تتداخل مع بعضها البعض تشكل
بمجموعها امتدادا واحدا كل نقطة فيه تمثل بدايةلعقدة من
الشعر ونهاية لاخرى ووسطا لثالثة..
وفيما يعود الى الكيان الاجتماعي فان الامتداد التاريخي
لمجموع الاجيال يعبر عنه بالامة التي تعد وجودا واحدا
رغمتعدد المجتمعات واختلاف الاجيال واليها تنسب جميع
الانجازات الفكرية والاعمال الثقافية التي تمت عبر
عصورعديدة.. فان مجتمعنا الحاضر ما هو الا حلقة في سلسلة
لوجود اكبر وهو الامة الاسلامية وانجازاتنا الفكرية ايضا
هيبدورها تعد رقما يضاف الى ما سبق من ارقام حاصل جمعها
هو الرصيد الضخم لما نمتلك من تراث..
والمتحصل ان التركيب في الكيان الاجتماعي يلحظ من
جهتين: التركيب الملحوظ ضمن مقطع زماني
محدود..
والتركيب الملحوظ ضمن عمود الزمان الممتد عبر
قرون.. فالاول هو التركيب الحاصل بين اجيال المجتمع الواحد
فيمقطع زماني واحد.. والثاني التركيب الحاصل بين الاجيال
في مقاطع زمانية اكبر والمسمى ب(الامة)..
ومن ذلك يتضح ان نسبة التراث الى الامة لا يتنافى مع قانون
العلية.. بل هو من باب نسبة الشيء الى فاعله.. كما ان ذلكلا
يتنافى مع ما ذكر من الايات التي سيقت بصدد بيان ثبوت
التكليف على كل انسان.. لكي لا يغفل عن وظيفته ولاينسى
مسؤوليته..
ثم ان كل ما يقطعه المجتمع المعاصر من اشواط وجميع ما
تضيفه الاجيال المتعاقبة الى التراث من انجازات لم يبدا منلا
شيء.. فان لتراث من قبلنا اثرا فيما ننجزه قطعا.. وهذا الاثر على
نحوين:
النحو الاول: الاثر الحضوري الذي يتركه كل جيل على الجيل
الذي يليه برتبة بحكم التعايش والتماس في شتى
ميادينالحياة وكثيرا ما يحصل هذا التاثر من دون التفات.. بل
يحصل بصورة عفوية..
النحو الثاني: الاثر المحيى والمستوحى من التراث.. فان التراث
يعد مادة ومنبعا فكريا صالحا لاستنباط كنوزه المكنونة
فيه..
وهذا ما يعبر عن فعل ارادي مقصود للافادة مما انجزه
السابقون..
وفي الجملة فان الانتاج الفكري والافراز الثقافي معلولان
لذلك الوجود الممتد عبر التاريخ.. وبما ان المجتمع عبارة
عنمقطع مقتطع من ذلك الوجود المتسلسل فتصح اضافة
ذلك التراث الينا.. فان التراث هو احد المقومات
للبناءالاجتماعي المعاصر ورسم معالم شخصيته وان اختلفت
درجة التاثر بالتراث من مجتمع لاخر..
ومن الحقائق التي لا مرية فيها ضخامة التراث الاسلامي الذي
من اللّه به علينا في مجالات مختلفة سيما المجال الفقهي..فانه
تراث لا يضاهى ويمتاز بالغزارة والعمق.. فكيف نقوم هذا
التراث؟ وكيف نفي لصانعيه؟ وما هي تصوراتنا حولطرق
الافادة من هذا التراث الذي صنع على عين اللّه بايدي الابرار
من السلف الصالح بما بذلوه من جهود جبارة وهممعالية
صورها بعضهم بقوله: بعزمة دونها العيوق منزلة وساعد ليس تثنيه الملمات «ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان» ولا حول ولا قوة الا باللّه. دور المحقق النراقي(قدس سره) في تطوير نظرية ولاية الفقيه الشيخ يعقوب علي البرجي
يعتبر المحقق النراقي من الفقهاء الذين ساهموا بشكل اساسي
في تطوير وتثبيت وتوضيح ولاية الفقيه والانتقال
بها الى
مرحلة جديدة. وقد تعرض لبحث هذه النظرية ودراستها في
كتابه القيم «عوائد الايام»، في العائدة الرابعةوالخمسين.
وفي هذا المقال سوف نسلط الضوء على ابداعاته في هذا
المجال من خلال المقارنة بين رايه وآراء من سبقهمن الفقهاء
في نظرية ولاية الفقيه، والابداعات التي يمكن الاشارة اليها
هي ما سنشير اليه في العناوين التالية:
طرحت مسالة ولاية الفقيه في فترة متقدمة من تاريخ
الفقه((1))، الا انها لم تاخذ موقعها الخاص في ترتيبابوابه،
حيث بحثها الفقهاء ضمن ابواب الفقه المختلفة بمناسبة
البحث عن بعض الاحكام التي يشترط فيها اذنالحاكم.
وكان اول من بحث المسالة وافردها تحت عنوان مستقل هو
المحقق النراقي(قدس سره)، الامر الذي لفت انظارمن تلاه
من الفقهاء الى البحث في المسالة والاهتمام بها، حتى شقت
طريقها الى كتب القواعد الفقهية، حيث
بحثها المير عبد الفتاح
المراغي في كتاب العناوين((2)) والسيد محمد آل بحر العلوم
في كتاب بلغة الفقيه((3))وغيرهم، حيث خصصوا - تبعا
للمحقق النراقي - عناوين وقواعد خاصة بذلك.
نعم جاء الشيخ الاعظم الانصاري(قدس سره) فبحث المسالة
وبين رايه فيها في بحوث المكاسب، وركز البحثفيها في كتاب
البيع، وتبعه المعلقون عليه فبحثوها في كتاب البيع ايضا.
لقد ذكر الفقهاء الاقدمون في مصنفاتهم صلاحيات واسعة
للفقيه((4))، بيد انه لم يفكك في كلماتهم بين ولايةالفقيه
بمعنى الزعامة والقيادة وبين ولاية الفقيه في الامور الحسبية،
او انها غير صريحة - في اقل التقادير - فيذلك، وان كان الظاهر
من عبارات الشيخ المفيد والمحقق الكركي والاردبيلي اثبات
الولاية في الامور الحسبية
بشكلها الواسع.
وقد نقل الشيخ المفيد(قدس سره) اشكالا عن بعض اهل السنة
يتهمون فيه الشيعة بتعطيل الشريعة في زمن
الغيبة، ثم
اجاب
عن ذلك ببيان فلسفة وجود الامام ووجه الحاجة اليه، وانها
عبارة عن حفظ الملة والشريعة اواقامة الحدود وتنفيذ
الاحكام والجهاد. ولا تضر غيبة الامام(ع) بشيء من ذلك، كما
ان نوابه والامراء عنه(ع)يقومون بوظائفه في غيبته.
ثم كتب يقول بعد بيان وظيفة الفقهاء في حفظ الشرع وبيان
احكامه واقامة الحدود وتنفيذ الاحكام:
«وكذلك اقامة الحدود وتنفيذ الاحكام. وقد يتولاها امراء الائمة
وعمالهم دونهم، كما كان يتولى ذلك امراءالانبياء وولاتهم ولا
يحوجونهم الى ذلك بانفسهم. وكذلك القول في الجهاد. الا
ترى انه يقوم به الولاة من قبل الانبياء والائمة دونهم،
ويستغنون بذلك عن توليهم بانفسهم»((5)).
ولا شك في ان مراده من الامراء وعمال الائمة(ع) في عصر
الغيبة الذين يتصدون لحفظ الدين والملة واقامة الحدود
وتنفيذ الاحكام والجهاد، هم الفقهاء. ويدل على هذا شواهد
كثيرة في كلامه(قدس سره)، فهو يصرح بان
الجاهل غير الفقيه
ليس له تولي ذلك والتصدي له. كما انه يصرح ايضا بقيام الفقيه
مع غيبة الامام(ع) بجميع مال لامام.
قال في كتاب الوصية: «واذا عدم السلطان العادل - فيما ذكرناه
من هذه الابواب - كان لفقهاء اهل الحق العدولمن ذوي الراي
والعقل والفضل ان يتولوا ما تولاه السلطان، فان لم يتمكنوا من
ذلك فلا تبعة عليهم فيه»((6)).
ثم صرح بعدم ثبوت الولاية للجاهل بالاحكام، فقال: «ومن لم
يصلح للولاية على الناس لجهل بالاحكام، اوعجز عن القيام بما
يسند اليه من امور الناس، فلا يحل له التعرض لذلك والتكلف
له، فان تكلفه فهو عاص غيرماذون له فيه من جهة صاحب
الامر الذي اليه الولايات، ومهما فعله في تلك الولاية فانه
ماخوذ به، محاسب
عليه، ومطالب فيه بما جناه»((7)).
وتكرر من المحقق الكركي النص على عموم الولاية، قال(قدس
سره): «اتفق اصحابنا - رضوان اللّه عليهم - علىانالفقيه العدل
الامامي الجامع لشرائط الفتوى، المعبر عنه بالمجتهد في
الاحكام الشرعية نائب من قبل ائمة الهدى -صلوات اللّه عليهم-
في حال الغيبة في جميع ما للنيابة فيه مدخل»((8)).
ثم قال: «والمقصود من هذا الحديث هنا: ان الفقيه... نائب عنهم
في جميع ما للنيابة فيه مدخل»((9)).
ثم اجاب في بحث صلاة الجمعة عما قد يتوهم من ان الفقيه
منصوب للحكم والافتاء، وصلاة الجمعة امر خارج عنها، بان:
«الفقيه منصوب من قبلهم(ع) حاكما في جميع الامور
الشرعية، كما علمته في المقدمة»((10)). وقد اعتبر المحقق الاردبيلي الفقيه في عصر الغيبة حاكما على الاطلاق((11))، ونائبا عن الامام(ع) في جميع اعماله((12)) وقائما مقامه((13))؛ فالفقيه خليفة الامام ونائبه، والواصل اليه في الزكوات كالواصل للامام(ع)((14)).
فهويرى بناء على ثبوت النيابة العامة ان جميع ما للامام(ع) من
صلاحيات هي للفقيه الا ما قام الدليل على خلافه، فللفقيه -
مثلا - جباية اموال الزكاة((15)) واخذ الخمس((16)) وصرفهما،
والامر بالمعروف والنهي عن المنكر((17))، والتصدي
للقضاء((18))، واقامة الحدود والتعزيرات((19))، وغير ذلك
مما هو ثابت للامام، وللفقيه التصدي في عصرالغيبة، قال -
شارحا قول العلامة في كتاب الجهاد: «ويجبر الامام المحجر
على العمارة او التخلية» -: «وجهه انه امرقابل للانتفاع، واليه
الاحتياج فتعطيله قبيح؛ فاما انه(ع) يجبره فلان الامر اليه وهو
الحاكم، واما غيره من الحكام والنواب فيمكن لهم ذلك
ايضا»((20)).
اما المحقق النراقي فهو اول فقيه فكك بين مفهوم ولاية الفقيه
بمعنى الزعامة والقيادة، وبين مفهوم ولاية الفقيه بمعنى كونها
من الامور الحسبية. وقد شرح ابعاد نظرية ولاية الفقيه وبين
حدودها على اساس امرين:
قال(قدس سره): «ان كلية ما للفقيه العادل توليه وله الولاية
فيه؛ امران:
احدهما: كل ما كان للنبي والامام - الذين هم سلاطين الانام
وحصون الاسلام - فيه الولاية وكان لهم، فللفقيه ايضا ذلك، الا
ما اخرجه الدليل من اجماع او نص او غيرها.
وثانيهما: ان كل فعل متعلق بامور العباد في دينهم او دنياهم
ولابد من الاتيان به ولا مفر منه اما عقلا او عادةمن جهة توقف
امور المعاد او المعاش لواحد او جماعة عليه، واناطة انتظام
امور الدين او الدنيا به؛ او شرعا منجهة ورود امر به او اجماع،
او نفي ضرر او اضرار، او عسر او حرج، او فساد على مسلم، او
دليل آخر، او ورودالاذن فيه من الشارع ولم يجعل وظيفته
لمعين واحد او جماعة ولا غير معين - اي واحد لا بعينه - بل
علم لابدية الاتيان به او الاذن فيه ولم يعلم المامور به ولا
الماذون فيه، فهو وظيفة الفقيه، وله التصرف فيه
والاتيانبه»((21)).
فقد ذهب(قدس سره) في الامر الاول الى اثبات جميع
الاختيارات والصلاحيات التي كانت للنبي(ص)
والامام المعصوم(ع) للفقيه، وبحث في الامر الثاني اختيارات
الفقيه على اساس الحسبة.
اعتبر المتقدمون على المحقق النراقي ولاية الفقيه امرا مسلما
وقطعيا، ومن هنا فانهم لم يخوضوا في الاستدلالعلى ذلك.
واول من استدل لذلك بنحو مختصر هو العلامة الحلي، فقد
كتب عن صلاحيات الفقهاء في اقامةالحدود:
«والاقرب عندي جواز ذلك للفقهاء. لنا: تعطيل الحدود يفضي
الى ارتكاب المحارم وانتشار المفاسد، وذلك امرمطلوب الترك
في نظر الشرع، وما رواه عمر بن حنظلة عن الصادق(ع)... وغير
ذلك من الاحاديث الدالة علىتسويغ الحكم للفقهاء، وهو عام
في اقامة الحدود وغيرها»((22)).
نلاحظ في هذا النص ان العلامة قد تمسك بالدليل العقلي
والنقلي على ولاية الفقيه في اقامة الحدود وغيرها،وقد اكد
ذلك في كتابيه القواعد والتبصرة ايضا((23)).
وممن تعرض لادلة ولاية الفقيه ايضا قبل المحقق النراقي
المحقق الكركي مستدلا على ذلك بالاجماع
والاخبار، قال(قدس سره): «اتفق اصحابنا - رضوان اللّه عليهم -
على ان الفقيه العدل الامامي الجامع لشرائط الفتوى، المعبر
عنه بالمجتهد في الاحكام الشرعية، نائب من قبل ائمة الهدى -
صلوات اللّه وسلامه عليهم - في حال الغيبة في جميع ما للنيابة
فيه مدخل»((24)). ثم اضاف ان العمدة في الاستدلال هو ما
رواه الشيخ في التهذيب عن عمر بن حنظلة عن الامام
الصادق(ع) قال فيها: «فاني قد جعلته عليكم حاكما»((25))،
ثم قال: وقد ورد بمضمونها روايات كثيرة((26)).
ولعل مراده الاخبار الاخرى التي تمسك بها الفقهاء بعد ذلك
لاثبات ولاية الفقيه.
وعلى كل حال فقد تمسك(قدس سره) بهذه المقبولة في
موارد متعددة في الفقه لاثبات النيابة العامة للفقهاء كمافي
صلاة الجمعة في حال الغيبة، حيث انتهى بعد نقل الاقوال في
ذلك الى جواز اقامتها لاستكمال شروطها بحضوره. ثمقال:
«لان هم(ع) قد نصبوا نائبا على وجه العموم؛ لقول الصادق(ع)
في مقبولة عمر بن حنظلة: «فانيقد جعلته عليكم
حاكما»»((27)).
وممن تعرض لولاية الفقيه ايضا قبل المحقق النراقي المحقق
الاردبيلي، وقد تمسك - اضافة الى الاخبار - بالدليل العقلي،
وسوف نتعرض له اولا ثم نتعرض للدليل النقلي.
«نعم ينبغي الاستفسار عن دليل كونه حاكما علىالاطلاق وعن
رجوع جميع ما يرجع اليه(ع) كما هو المقرر عندهم، فيمكن
ان يقال: دليله الاجماع، او لزوماختلال نظم النوع والحرج
والضيق المنفيين عقلا ونقلا، وبهذا اثبت البعض وجوب نصب
النبي او الامام(ع)،فتامل»((28)).
وذكر هذا الدليل ايضا في موضع آخر مؤيدا به الدليل النقلي
قائلا:
«ويؤيده انه لو لم يكن يلزم اختلال نظام العالم. وبه اثبت بعض
وجوب النبوة والامامة»((29)).
ان ما ذكره من الدليل العقلي الوارد في ذيل كلامه هو عبارة
عن «قاعدة اللطف» المتمسك بها في علم الكلاملاثبات ضرورة
النبوة والامامة، وهو يدل على ان المحقق الاردبيلي يرى ان
مسالة ولاية الفقيه في عداد باقيالمسائل الكلامية وانها
استمرار للامامة، والشاهد على ذلك انه قد افاد هذا الكلام في
شرح التجريد في ردالاشكال الوارد على قاعدة اللطف.
قال(قدس سره): «الثاني - قالوا: الامامة انما تجب لو انحصر
اللطف فيه، فلم لا يجوز ان يكون هناك لطف آخريقوم مقام
الامامة، فلا يتعين الامامة للطف، فلا يجب عليه التعيين.
والجواب: ان انحصار اللطف الذي ذكرناه فيهمعلوم للعقلاء؛
ولهذا يلتجئ العقلاء في كل زمان وكل صقع الى الرؤساء دفعا
للمفسدة الناشئة من الاختلاف»((30)).
وقد ذكر دليلا عقليا آخر في باب الولاية على المحجورين ومن
لا ولي له، قال فيه: «ولعل دليل ولاية الحاكمعلى من لا ولي
له، انه لابد من ولي، وليس احد احق منه ولا يساويه؛ للعلم
والتقوى، وفي غيرهمفقود...»((31)).
والملاحظ للعبارة السالفة يجد ان الاستدلال فيها قائم على
ركنين يمكن التوسع فيهما بما يثبت به ولاية الفقيهالمطلقة
لجميع شؤون المجتمع والامة:
1. ان ثمة امورا مهمة يجب التصدي لها ولا يجوز تركها
واهمالها.
2. ان الفقيه اولى في التصدي لذلك من غيره، وذلك لعلمه
وتقواه، فلا يمكن لغيره ممن لا يتصف بذلكالتصدي لمثل
هذه الامور.
ويظهر منه في باب الحدود الميل الى جواز اقامتها للفقيه
استنادا الى نفس المقبولة ايضا التي انجبر ضعفها سندابعمل
الاصحاب((33)).
كما انه يرى في كتاب القضاء جواز تولي الفقيه القضاء استنادا
الى المقبولة، مدعيا موافقة مضمونها للعقلوالقواعد الفقهية
مما يصلح لان يكون جابرا لضعفها السندي((34)).
وقد ذكر في موضع آخر تضعيف ثلاثة من رواتها، هم: داود بن
الحصين الذي صرح الشيخ بانه واقفي، ومحمدبن عيسى الذي
ضعفه الشيخ ايضا، وعمر بن حنظلة راوي الحديث حيث لم يرد
توثيق فيه، الا انه قال مع ذلكبان «هذه الرواية - مع عدم ظهور
صحة سندها -... مقبولة عندهم، ومضمونها معمول به»((35)).
والخلاصة: ان الرواية - فيما يراه المحقق الاردبيلي - معمول بها
ومقبولة لدى الاصحاب بالرغم من ضعفهاسندا، وقد اعتبرها
دليلا لمطلق الولاية، لا لخصوص ولاية القضاء.
الرواية الثانية التي تمسك بها ايضا قوله(ص): «العلماء ورثة
الانبياء». وقد استدل بها في كتاب الحجر لاثبات ولايةالفقيه
على اموال السفيه والمجنون وغيرهما((36)).
والذي يظهر انه يرى عدم انحصار الوراثة بتبليغ الاحكام، بل
يعم سائر الامور الاجتماعية الاخرى التي كانتعلى عاتق
الانبياء، وللفقهاء تحمل ذلك بعدهم باعتبارهم الورثة لهم.
والذي يضاعف من اهمية الاجماع الذي ادعاه المحقق
الاردبيلي هنا في مسالة ولاية الفقيه هو عدم اعتماده فيبحوثه
-بشكل عام - الاجماعات والمناقشة فيها، فيفتح الطريق بذلك
لطرح آراء جديدة واحتمالات مهمة في البحث؛ ولذا
فانلتمسكه بالاجماع هنا والتسليم به اهمية ودلالة خاص ة.
ان الشيء الجديد الذي اضافه المحقق النراقي في الاستدلال
لولاية الفقيه هو عبارة عن امرين:
الامر الاول: جمع كل ما يرتبط من الاخبار الدالة على ولاية
الفقيه وطرحها بشكل مفصل، وقد بلغ عدد الرواياتالتي
استدل بها في المقام الاول من بحثه (19) رواية، وتطرق في
المقام الثاني الى تقريب الاستدلال بها، الا انهاهمل البحث
السندي في آحادها مكتفيا في الاستدلال بها بدلالة المجموع
وانجبار ضعفها بعمل الاصحاب.
نعم، اهتم الفقهاء بعده كالمحقق المراغي والشيخ الانصاري
والسيد محمد آل بحر العلوم والاخوند الخراساني والمحقق
الاصفهاني وغيرهم بدراسة هذه الاخبار والتامل فيها من
جميع الجهات والابعاد.
الامر الثاني: التفكيك في الاستدلال بين ولاية الفقيه بمعنى
الزعامة كما ورد في الامر الاول وبين ولاية الفقيه بمعنى
الحسبة كما ورد في الامر الثاني.
ان من البديهيات التي يفهمها كل عامي وعالم ويحكم بها: انه
اذا قال نبي لاحد عند سفره او وفاته: فلان وارثي،ومثلي،
وبمنزلتي، وخليفتي، واميني، وحجتي، والحاكم من قبلي
عليكم، والمرجع لكم في جميع حوادثكم، وبيدهمجاري
اموركم واحكامكم، وهو الكافل لرعيتي، ان له كل ما كان لذلك
النبي في امور الرعية وما يتعلق بامته، معان اكثر النصوص
الواردة في حق الاوصياء المعصومين - المستدل بها في مقامات
اثبات الولاية والامامة المتضمنين لولاية جميع ما للنبي فيه
الولاية - ليس متضمنا لاكثر من ذلك((38)).
1. انه لا ينبغي الشك في ان ما لا يرضى الشارع بتركه لابد ان
ينصب الشارع الحكيم له من جهته من يتولاه،والمفروض انه
لم يقم الدليل على تعيين احد او جماعة غير الفقهاء، حيث دلت
الروايات السابقة على اناطةذلك بهم.
2. بعد تسليم الفرض السابق - وهو عدم رضا الشارع بترك هذه
الامور وانه لابد من وجود من يتولى ذلك -فان من يجب توليه
لا يخرج عن اربعة صور: اما هو جميع المسلمين، او العدول
منهم خاصة، او الثقات، اوالفقهاء، والاخير داخل في الثلاثة
الاول ولا عكس، فيكون ثبوت الولاية للفقهاء قطعيا ولغيرهم
مشكوكا، والاصليقتضي عدم ثبوت الولاية لهم. الشيخ نوري حاتم ادلة ولاية الفقيه
القسم الاول: الادلة النقلية. القسم الاول - الادلة النقلية:
وهي كثيرة نذكرها تباعا:
والاستدلال بهذا الحديث بلحاظ عدة فقرات منه، هي:
الفقرة الاولى: قوله(ع): «اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى
رواة حديثنا».
والاستدلال بها ضمن تقريبين:
التقريب الاول: ان يستفاد من لفظ الحوادث: الوقائع والامور
الخارجية، وقد الزم الامام الشيعة الرجوع فيها الىالراوي للنظر
فيها، اي ان هذه الفقرة غير ناظرة الى الحكم الشرعي، ولزوم
الرجوع في معرفته الى الرواي، بلمختصة في ارجاع الشيعة في
معالجة القضايا الخارجية من مسائل الاموال والامور العامة
المرتبطة بالمسلمين اوبالشيعة الى الراوي((42)) اي الفقيه.
ويشهد لهذا الاختصاص القرينتين التاليتين:
القرينة الاولى: السياق العام الذي وردت فيه فقرات الاستدلال،
حيث وردت في سياق عام عن قضايا خارجية،وامور عامة غير
مرتبطة بالحكم الشرعي نظير الموقف من المنكرين لغيبة
المهدي من اهل البيت، وظهور الفرج، واثبات قتل الامام
الحسين(ع) والتبشير لمل محمد بن علي بن مهزيار، وحال
محمد بن شاذان وابي الخطاب.. نعملقد وردت في بعض
الفقرات جمل تعرضت لاحكام شرعية، الا انها قليلة بالنسبة الى
مجموع القضايا والامورالعامة. وهذا السياق يكون شاهدا على ان
المراد من الحوادث هو تلك القضايا الخارجية والامور العامة
التي تقع فيالمجتمع.
القرينة الثانية: ان السؤال عن مرجع الفصل في الحوادث عن
الامام الذي غاب عن الساحة العامة اقرب منالسؤال عن
احكامها؛ اذ يمكن الوصول الى الاحكام من خلال المراسلات
مع الامام، اما الامور التي يجب الفصل فيها فانه لا بد من مرجع
مشخص خارجا يعالج شانها ويفصل فيها، فاقتضى السؤال عن
المرجع فيها فيحال الغيبة.
وهاتان القرينتان تساعدان على انعقاد ظهور معنى الامور من
لفظ (الحوادث) الوارد في فقرة الاستدلال.
التقريب الثاني: ان يقال: بانعقاد عموم للفظ (الحوادث) يشمل
الامور والاحكام على حد سواء، فالسائل يسال عنحكم المسائل
المستحدثة، والتي لم يعرف حكمها، كما يسال عن المرجع
فيها في ظرف غياب الامام (عج)، وبعبارة مختصرة: «ان عموم
الحوادث - لكونها جمعا محلى باللام - يقتضي ان يكون الفقيه
مرجعا في كل حادثة ترجع فيها الرعية الى رئيسهم سواء تعلق
بالسياسات او الشرعيات، دون خصوص الشبهات الحكمية،
والمسائل الشرعية بارادة الفروع المتجددة في الحوادث
الواقعية»((43)).
الفقرة الثانية: قوله(ع): «فانهم حجتي عليكم وانا حجة اللّه».
وتقريب الاستدلال بهذه الفقرة ان يقال: ان لفظ: «فانه محجتي
عليكم وانا حجة اللّه» ظاهر في ان الامام جعل الفقيه حجة من
قبله، والحجة في ذيل الجملة اي «انا حجة اللّه» شامل لمنصب
التشريع وولاية الامور من قبل اللّه، فلا محالة يكون صدر
الجملة: «فانهم حجتي عليكم» ظاهرا فيهذا المعنى ايضا،
وغاية الامر ان الامام منصوب من قبل اللّه فهو حجة اللّه ظاهرا،
اما الفقيه فهو منصوب من قبل الامام فهو حجة الامام على
الناس كما ان الامام حجة اللّه على الناس. ولا يحتمل ان يريد
الامام(ع) بلفظ (الحجة) في الشطر الاول معنى اخص من
معنى الحجة في الشطر الثاني منه.
وبعد وضوح الاستدلال بهذا التوقيع الشريف وردت عدة
اعتراضات عليه نذكر فيما يلي اهمها:
لكن يمكن ان يقال: ان التعبير ب«فارجعوا فيها» لا يمتنع حمله
على ارادة الرجوع في اتخاذ الشان اللازم بالحوادث؛ اذ ليس
المقصود هو ارجاع نفس الحادثة ليكون التعبير بارجاعها هو
الصحيح، انما المقصود اتخاذالقرار المناسب فيها، وهذا المعنى
يمكن استظهاره من جملة «فارجعوا فيها» اي في اتخاذ القرار
في الحادثة.
وان شئت فقل: ليس المراد ارجاع نفس الحادثة الى الفقيه؛ اذ
الحادثة الواقعة لا معنى لايكال نفسها الى الغير؛لانه تحصيل
الحاصل((45)). فلابد من ارتكاب تقدير، وهو اما الرجوع اليه
في حكم الحادثة، او الرجوع اليه فياتخاذ القرار المناسب فيها،
وتغيير التعبير ب«فارجعوها» لا يرفع الحاجة الى هذا التقدير.
ولكن يمكن ان يقال انه: لا اجمال في معنى الحوادث؛ اذ
باطلاق اللفظ نثبت ان معناه الاحوال المرتبطة بالحوادث من
اتخاذ القرار المناسب فيها ومن بيان حكمها الشرعي، وان منع
عن التمسك بالاطلاق، فبالامكان التمسك بالقرائن المتقدمة
لاثبات ان المراد هو السؤال عن الشخص الذي يحدد الشان
اللازم في الحوادث.
ويرد على هذا الاعتراض:
ثانيا: لو سلم خفاء السؤال، الا ان هذا لا يؤدي الى اجمال
الجواب؛ اذ المفروض ان جواب الامام واضحالمعنى الا انا نشك
في اجماله من جهة خفاء السؤال علينا، فلا محالة يتعين الاخذ
بظهور الجواب مالميسرالاجمال اليه.
وفيه: ان مفاد الحديث هو الرجوع الى الفقهاء لحل الحادثة
وفصل القضايا، وليس مفاده وجوب تمكين الفقهاء من الوسائل
وتقوية شوكتهم كما ان حل الحادثة لا يستلزم تحصيل شوكة
وايجاد دولة، انما يستدعي تراضيالشيعة او بعضهم بقرار وحكم
الفقيه في علوم اهل البيت(ع)، وهو حاصل بامر الامام(ع)
بوجوب الرجوع اليهم، وانه لا يكون الانسان مؤمنا دون الرجوع
الى الفقيه من اهل البيت(ع). بل ان نفوذ حكم الفقيه في
الحادثة لايحتاج الى شوكة وقوة كما هو الحال في الوالي التابع
للخليفة، فانه حيث ان حكمه ليس برضى الناس فانه يحتاج الى
شوكة لاجبار الناس على التسليم والانقياد لاحكامه، اما الفقيه
من اهل البيت(ع) فان حكمه برضى الشيعة وبامر الامام، فلا
حاجة الى شوكة اصلا. ولهذا نرى الفقيه في عصر ما قبل الثورة
الاسلامية في ايران ليس عنده شوكة ولكن حكمه نافذ وقراره
سار على الاشخاص الذين يرجعون اليه في حل الحادثة،
وكذلك الحال في دولاسلامية اخرى.
الاعتراض الخامس: «ان كلمة الرواة ظاهرة في الارجاع الى
الرواة بما هم رواة، وهذا يعني الارجاع اليهم في اخذالروايات
واخذ الفتاوى، وهو غير الولاية، او الارجاع اليهم في ذلك وفي
ملء منطقة الفراغ فيما يحتاج ملؤه الىتضلع روائي، وهذا غير
الولاية المطلقة»((49)).
ويمكن الجواب:
اولا: ان عنوان (رواة الحديث) يساوق عنوان الفقيه في عصر
الامامة والغيبة الكبرى القريبة من عصر الامامة؛ اذعلم الفقه
بعد لم يتميز في مسائله وقواعده عن الحديث والروايات، ولهذا
نجد ان الرسالة العملية للشيخ الصدوق الاب هي بحسب
الحقيقة نصوص روايات حذف الصدوق منها السند وابقى
المتن، فالفقيه هو الذي يروي احاديثالائمة لانه يعرفها، وقد
جاء عن ابي عبد اللّه(ع): «انتم افقه الناس اذا عرفتم معاني
كلامنا»((50)). وعلى هذاالاساس قد يقال: ان الارجاع الى
الراوي انما بوصفه فقيها عارفا بمجاري الامور، وحكيما في
اتخاذ الشان اللازمبحقها.
ثانيا: لو سلم بان الارجاع الى الراوي بوصفه راويا للحديث الا ان
هذا لا يدل على انه ارجاع لاخذ حكمالحادثة فقط؛ اذ مجرد
وصف الفقيه بانه من (رواة حديثنا) ليس قرينة على ان الارجاع
لاخذ حكم الحوادث، اذلعل الارجاع لمطلق الحالات، فترجيح
ظهور الارجاع لاخذ الحكم على الارجاع لمطلق الحالات
بلادليل.
الاعتراض السادس: ان مفاد الحجة صحة الاحتجاج بالشخص،
او بالشيء في مقام المؤاخذة على مخالفة ما قامتعليه الحجة،
فيناسب قيام الدليل على حكم شرعي سواء كان الحجة اخبار
الراوي، او راي المجتهد ونظره، وامامطلق النظر كنظر الفقيه
في بيع مال اليتيم فلا معنى لاتصافه بالحجة، فان البيع الواقع
عن مصلحة بنظره نافذ، لا انهحجة له او لغيره على احد((51)).
وكتب السيد الحكيم(قدس سره): التعبير بالحجة يناسب
التكليف جدا، اذ الحجة ما يكون قاطعا للعذر ومصحح اللعقاب،
وذلك انما يكون في التكليف فانه المستتبع له كما لا
يخفى((52)).
والجواب عليه: ان الحجية بمعنى صحة الاحتجاج بالشخص، او
بالحكم في مقام المؤاخذة على مخالفة ما قامتعليه الحجة
ينطبق على نظر الفقيه وقراره، فلو راى لزوم مقاطعة فئة من
الناس او دولة من الدول، فان رايه حجةبمعنى صحة مؤاخذة
التارك لراي هذا الفقيه بنفس الميزان الجاري في الاحكام
الشرعية، وعلى هذا الاساس فانالبيع الواقع عن نظر الفقيه
حجة اي انه نافذ، وليس هو شيء غير ثبوت النفوذ مع قطع
النظر عن دليل الولاية هذاحتى يسال بعد ذلك عن معنى
اتصاف البيع بالحجية بعد ثبوت النفوذ.
اما سند الرواية فان الاشكال في اسحاق بن يعقوب فانه لم يرد
له ذكر في كتب الرجال بل لم يرد عنه الا هذاالتوقيع. فالرواية
من ناحية السند لا يمكن الاعتماد عليها. نعم، قد يقال ان
الرواية هي عبارة عن كتاب من الامام الحجة بواسطة سفيره
الخاص محمد بن عثمان العمري، فلعل الكتاب وصل الى
محمد ابن يعقوب صاحب الكافي مما جعله يطمئن بالرجل،
وينقل ذلك التوقيع في كتابه مع عدم مشهورية اسحاق، هذا
مع ان شهرة الروايةوتداول الفقهاء لها مما يجعلنا نطمئن
بصحتها، وهذا المقدار كاف في ثبوت حجية الرواية.
وتقريب الاستدلال بهذه الرواية ان يقال: ان جريان الامور بيد
العلماء بمعنى جعل حسم الامور للعالم وارجاعها اليه ووقوعها
تحت نظره، وهذا هو معنى الولاية. ولايرد الاشكال بان الامور
هي الاحكام بقرينة العلماء الذين همعلماء بدين اللّه واحكامه،
لان لفظ الاحكام وردت بعد لفظ الامور، فلا محالة يراد بالامور
معنى مغايرا للاحكام،بل حتى لو لم ترد كلمة الاحكام في
الجملة فان الاحكام لا يطلق عليها الامور، فلا يرد توهم
الاختصاصبالاحكام، كما هو حاصل في التوقيع الوارد عن
صاحب العصر(عج).
ولقد وصف بعض الفقهاء هذه الرواية بقوله: «ان هذه الرواية تامة
من جهة الدلالة»((54)) دون ان يذكر استدلاله،وذلك لوضوح
دلالتها على المقصود بادنى تامل.
الاشكالات الدلالية: ورغم وضوح دلالة الرواية المذكورة على
ثبوت الولاية للفقيه، الا انه وردت عدة اشكالات لابد من بيانها:
الاشكال الاول: ما ذكره المحقق الاصفهاني(قدس سره)
بالقول: ان «سياقها يدل على انها في خصوص الائمة،والظاهر
انها كذلك فان المذكور فيها هم العلماء باللّه لا العلماء باحكام
اللّه، ولعل المراد انهم بسبب وساطتهمللفيوضات التكوينية
والتشريعية تكون مجاري الامور كلها حقيقة بيدهم لاجعلا،
فهي دليل الولاية الباطنية لهمكولايته تعالى لا الولاية
الظاهرية التي هي من المناصب المجعولة»((55)). فالرواية
اذن مختصة بالعلماء باللّه وهم الائمة، وليس الفقهاء، لان هؤلاء
علماء باحكام اللّه، والرواية دليل على الولاية التكوينية للائمة،
وليست دليلا علىالولاية الظاهرية.
وفيه:
اولا: ليس المراد بالعلم باللّه في الرواية هو ذلك المعنى
الفلسفي، والعرفاني الدقيق((56)) الذي يختص بالائمة(ع)،بل
المراد به العلم البرهاني باللّه وصفاته، وهذا متحقق في الفقهاء،
وهم يعرفون احكام اللّه وتشريعاته استنباطا منكتاب اللّه، وسنة
نبيه واهل بيته(ع). وثانيا: ان التعبير ب(مجاري الامور) ظاهر في الاشياء المرتبطة بالناس كاجراء الحدود وتقسيم الاموال وحفظالامن والدفاع وما شاكل، لا الاشياء المرتبطة بالتكوينيات كطلوع الشمس وحركة الرياح والماء والمطر والارضوما شاكل ذلك، وان كانت السلطة على هذه الاشياء ثابتة للامام من اهل البيت(ع)، بناء على ثبوت الولاية التكوينية لهم(ع). |