الصفحة السابقة

الصفحة التالية

وثالثا: ان استظهار ارادة اثبات الولاية التكوينية للامام(ع) بعيد عن سلوك اهل البيت(ع) في عدم مخاطبة الناس‏بالمفاهيم الدقيقة والمعاني الشامخة، ومنها (فكرة الولاية التكوينية) فانه وان وردت اخبار كثيرة عنهم بثبوتها لهم(ع)الاان تلك الاخبار نقلت من قبل رواة محددين، ورواية (مجاري الامور بيد العلماء) فقرة من خطبة طويلة، فمن ‏المستبعد انه(ع) يريد من الولاية ذلك المعنى الدقيق، وهو ولاية الامام على التكوينيات الذي لا يستوعبه الا صفوة ‏الشيعة.

ورابعا: توجد عدة قرائن على ان المراد بالولاية في الرواية الولاية الظاهرية، لا الولاية التكوينية، وهي:

1. ان اثبات الولاية للعلماء باللّه ورد في مقابل غصب الولاية من قبل الظلمة وولاة الجور والخارجين على الامام‏العادل، نظير قوله(ع): «ولكنكم مكنتم الظلمة من منزلتكم واستسلمتم امور اللّه في ايديهم يعملون بالشبهات ‏ويسيرون في الشهوات‏»، ويقول(ع) في وصف ولاة الجور: «فالارض لهم شاغرة وايديهم فيها مبسوطة والناس لهم‏ خول لا يدفعون يد لامس، فمن بين جبار عنيد وذي سطوة على الضعفة شديد، مطاع لا يعرف المبدئ ‏المعيد»((57)). فالمراد بالولاية التي غصبها هؤلاء الظلمة هي الولاية الظاهرية، وانه(ع) اراد اثباتها لهم اهل البيت(ع)ونفيها عن ولاة الجور الخارجين على سلطان اهل البيت(ع) المبتزين حقهم.

2. قال(ع): «مجاري الامور والاحكام على ايدي العلماء بللّه الامناء على حلاله وحرامه، فانتم المسلوبون تلك ‏المنزلة، وما سلبتم ذلك الا بتفرقكم عن الحق، واختلافكم في السنة بعد البينة الواضحة ولو صبرتم على الاذى ‏وتحملتم المؤونة في ذات اللّه كانت امور اللّه عليكم ترد وعنكم تصدر واليكم ترجع‏»((58)).

والظاهر من هذه الفقرة ان الامام(ع) علل سلب الولاية بالتفرق والضعف حيث اطمع ذلك فيهم عدوهم، وسلبهم‏ت ولي الامور ومرجعيتها اليهم، ومن الواضح ان هذه الولاية ظاهرية مربوطة بطاعة الناس للامام وقوتهم في تمسكهم ‏بالامام(ع)، اما الولاية التكوينية فهي ليست منوطة بطاعة الناس، فالامام(ع) له الولاية التكوينية((59)) حتى لو لم‏يطعه احد وحتى لو تفرق جميع الناس عنه.

الاشكال الثاني: ما ورد عن بعض الفقهاء من ان معنى «مجاري الامور والاحكام بيد العلماء» هو لزوم اظهار الحق‏و الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ليقوم الامام(ع) بوظيفته الالهية((60)).

وفيه: ان الرواية لا تساعد على هذا المعنى؛ اذ الامام(ع) في مقام بيان ان الامور تجري على يد العلماء باللّه، لاولاة الجور الفسقة، وجريان الامور بيد الفقهاء والعلماء وتوليهم لامور المجتمع يمنع تصدي ولاة الجور، وهذامعناه ثبوت الولاية لهم كما هو واضح.

الاشكال الثالث: ما ورد عن بعض من الفرق بين جملة «مجاري الامور بيد العلماء» الواردة في الرواية وبين جملة ‏«الامور بيد العلماء» او قوله «مجاري الامور بيد العلماء» فان الجملتين الاخيرتين تثبتان الولاية للفقيه، بخلاف ‏الاولى فانها مختصة بالائمة(ع) بتقريب حاصله: «ان مجاري جمع مجرى اسم مكان لا مصدر ميمي، يعني محال‏جريان الامور والاحكام، والمراد فيها المصالح والمفاسد والمدارك الناشئة والجارية منها الاحكام جريان الماء من‏المنبع، ومن المعلوم انها بيدهم(ع)((61)).

وفيه:

اولا: لا فرق بين قوله(ع) «مجاري الامور بيد العلماء» وبين القول:«مجاري الامور يد العلماء» اذ على التعبير الثاني‏لا بد من تقدير محذوف؛ اذ لا معنى لاسناد نفس الامور الى يد العلماء، فلا بد من تقدير حكمها او الشان اللازم‏فيها، فتكون الجملة الثانية بقوة الجملة الاولى.

وثانيا: ان الرواية اجنبية عن مسالة الملاكات والمصالح التكوينية التي تكون اساس الاحكام الشرعي، بل هي‏ناظرة الى عدالة وعلم الشخص الذي تجري على يديه الامور وهو الفقيه، حيث يستطيع بمقتضى علمه ان‏يشخص القرار الصحيح في امور الحكومة والناس، وبمقتضى عدالته التحرز من اسر الاهواء والشهوات، في مقابل‏الفاسق الذي ينقاد لهواه، والجاهل الذي يفتي الناس بغير علم ولاهدى، ولا كتاب منير.

الاشكال الرابع: ما ورد عن الميرزا النائيني(قدس سره) قال:

«ان مثل قوله(ع): «مجاري الامور بيد العلماء الامناء للّهفي حلاله وحرامه‏»؛ لقرينة ذيله، لا يدل على ازيد من اثبات منصب التبليغ لهم في بيان الاحكام من الحلال‏والحرام‏»((62)).

وفيه:

اولا: ان الذيل وهو «الامين في الحلال والحرام‏»، لايدل على ثبوت منصب التبليغ للفقيه؛ اذ الامين في اللغة هوالحافظ والحارس((63)) والموثوق به((64)) فيكون الفقيه مجعولا من قبل الامام(ع) في منصب الحافظ والحارس، فلواراد احد الرجوع الى آخر لمعرفة احكام اللّه عليه ان يرجع الى الفقيه لانه امين على احكام اللّه، وهذا لا يستبطن‏معنى التبليغ الذي يعني الابتداء في التعليم كما هو كذلك في تبليغ الانبياء(ع).

وثانيا: ان الاعتراض المذكور يكون وجيها لوكان الوارد هو «العلماء امناء اللّه في حلاله وحرامه‏» حيث يقال بان‏المراد اثبات منصب التبليغ للفقيه، الا ان صدر الجملة هو «مجاري الامور والاحكام على يد العلماء» وهذا يعني‏ان جملة (على يد العلماء باللّه الامناء) يراد بها الاخبار عن محل جريان الامور، والاحكام فلا بد من ضم كلتاالجملتين في استظهار المعنى، لا الفراغ من ثبوت معنى في صدر الجملة وجعل جملة «الامناء على حلاله‏» قرينة‏ على ثبوت ذلك المعنى.

* الدليل الثالث: وهي رواية الكافي عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن محمد بن عيسى عن صفوان‏عن داود بن الحصين عن عمر بن حنظلة قال: «سالت ابا عبد اللّه(ع) عن رجلين من اصحابنا يكون بينهما منازعة‏في دين او ميراث فتحاكما الى السلطان او الى القضاة، ايحل ذلك؟ فقال(ع): من تحاكم الى الطاغوت فحكم له‏فان ما ياخذه سحتاوان كان حقه ثابتا ؛ لانه اخذه بحكم الطاغوت وقد امر ان يكفر به، قال تعالى:

«يريدون ان‏يتحاكموا الى الطاغوت وقد امروا ان يكفروا به‏»((65)).

قلت: كيف يصنعان قال: انظروا الى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنافارضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما، فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما بحكم اللّه قد استخف‏وعلينا رد، والراد علينا كالراد على اللّه وهو على حد الشرك باللّه»((66)).

والاستدلال بهذه الرواية جاء بعدة تقريبات نذكرها فيما يلي تباعا:

التقريب الاول: ما ذكره الشيخ الانصاري(قدس سره) في مقام الاستدلال على ثبوت الولاية بهذه الرواية حيث‏كتب: ان ما يدل على ولايته «يستفاد من جعله حاكما كما في مقبولة عمر بن حنظلة الظاهر في كونه كسائر الحكام‏المنصوبين في زمان النبي(ص) والصحابة في الزام الناس بارجاع الامور المذكورة اليه والانتهاء فيها الى نظره، بل ‏المتبادر عرفا من نصب السلطان حاكما وجوب الرجوع في الامور العامة المطلوبة للسلطان اليه‏»((67)).

ونظير هذا التقريب ما ذكره الاصفهاني حيث كتب: «ان المراد بالحاكم ما هو المتعارف من نصب السلطان للحكام‏الذين يتصدون الامور العامة المتعلقة بالرعية‏»((68)). فظهور لفظ الحاكم في معنى الولاية من باب دلالة مقام‏الامام(ع) في جعل الحاكمية لشخص، اذ ان منصب الامام قرينة على ان المراد من جعل الامام لشخص حاكما جعله نائبا عنه في وظائفه في موارد عدم امكان الامام من مباشرة القضايا والحوادث بنفسه لبعد او لمانع سياسي‏كما لو عين سلطان فعلي شخصا حاكما على منطقة معينة، فانه يكون نائبا عنه في سلطانه في تلك المنطقة، ولايفهم منه اختصاص حاكميته بالقضاء «فالمراد بالحاكم ماهو المتعارف من نصب السلطان للحكام الذين يتصدون‏ الامور العامة المتعلقة بالرعية‏»((69)).

وقال النراقي في عوائده: «وان اردت توضيح ذلك، فانظر الى انه لو كان حاكم او سلطان في ناحية واراد المسافرة‏الى ناحية اخرى، وقال في حق شخص: الحاكم من جانبي، فهل يبقى لاحد شك في انه له فعل كل ما كان‏للسلطان في امور رعية تلك الناحية الا ما استثناه‏»((70)) فان هذا المقطع ظاهر منه ان ثبوت الولاية لشخص‏منصوب من قبل السلطان لازم لنفس تصدي السلطان ونصبه ذلك الشخص، لا بدلالة لفظ الحاكم على معنى‏الولاية اطلاقا او وضعا.

التقريب الثاني: ان الرواية تحتف بقرائن لفظية تجعل لفظ الحاكم ينصرف الى معنى ولاية الامر الاعم من معنى‏القضاء، وهذه القرائن هي:

الف) ان الاية التي اوردها الامام(ع) او التي اشار اليها في كلامه، ولم يذكرها نصا «مفادها اعم من التحاكم الى‏القضاة والى الولاة لو لم نقل بان الطاغوت عبارة عن خصوص السلاطين والامراء، ولان الطغيان والمبالغة فيه‏مناسب لهم لا للقضاة، ولو اطلق على القضاة يكون لضرب من التاويل او بتبع السلاطين الذين هم الاصل في‏الطغيان ويظهر من المقبولة التعميم بالنسبة اليهما»((71)).

ب) ان قول السائل (في دين او ميراث) ينطوي على نوعين من النزاعات احدهما: التنازع في اصل دعوى‏ الدين، او دعوى انه وارث، وهذا النوع من التنازع مرجعه القاضي.

والثاني: نزاع في استيفاء الدين من الغريم بعداعتراف الاخير به، او نزاع في مماطلة الوارث في دفع استحقاق ‏الوارث الاخر من تركة المتوفى، وهذا النزاع يرجع في حسمه الى الحاكم، والمستفاد من الرواية هو السؤال عن ‏المرجع في مطلق المنازعات لا خصوص النزاعات من النوع الاول، اللهم الا ان يقال ان هذا النزاع ايضا مرجعه‏الى القاضي.

ج) ان لفظ «عليكم‏» في قوله(ع): «فاني قد جعلته عليكم حاكما» ظاهر في ارادة معنى الولاية العامة من لفظ الحاكم‏لامعنى الولاية في القضاء في النزاعات، اذ لو كان المراد بالحاكم هو القاضي في الخصومات لكان ينبغي ان يقول:«فاني قد جعلته بينكم حاكما» لان الحكم بمعنى القضاء يكون بين المتنازعين لا على المتنازعين.

التقريب الثالث: ان السائل يسال عن المرجع الذي يرجع اليه بعد ان حكم الامام(ع) بحرمة الرجوع الى السلطان‏او القاضي، وذكر الدين او الميراث انما هو من باب المثال، وحيث ان السؤال عن مطلق المرجع لاعن خصوص‏المرجع في حسم الخصومات القضائية ذكر السائل السلطان والقاضي، اذ لو كان السؤال عن المرجع في حسم‏قضايا الخصومات فقط لا معنى لذكر السلطان بل يكتفي السائل بذكر القاضي. صحيح ان السلطان قد يفصل بين‏الخصومات، الا ان العادة جارية بان القاضي هو الفاصل بين الخصومات الواقعة بين الناس.

وذات النكتة يمكن استفادتها من ذكر الدين والميراث، اذ ان هذا التردد شاهد على ان السائل لايسال عن قضاياخارجية واقعة يستفتي الامام فيها، وانما يسال عن قضايا كلية وذكر منها اثنين للمثال والامام(ع) جعل الفقيه ‏الشيعي مرجعامطلقا في جميع المنازعات التي تقع بين الشيعة، وهذا يعني ثبوت الولاية العامة للفقيه.

التقريب الرابع: ان لفظ الحاكم يدل على طبيعي الولاية، فيندرج تحتها ولاية فصل الخصومة وولاية شؤون الناس،وحيث لم يذكر الامام(ع) ولاية خاصة، فلا محالة يدل اللفظ على ثبوت مطلق الولاية للفقيه.

قال الميرزا النائيني: «فان الحكومة باطلاقها يشمل كلتا الوظيفتين، ولا ينافيه كون مورد الرواية مسالة القضاء، فان‏خصوصية المورد لا توجب تخصيص العموم في الجواب((72)). واورد على هذا التقريب عدة اشكالات:

الاشكال الاول: ما ذكره الميرزا النائيني نفسه بعد ان ذكر ذلك التقريب من ان مورد الرواية في خصوص القضاء،واجاب عليه بالقول: «ولا ينافيه كون مورد الرواية مسالة القضاء، فان خصوصية المورد لا توجب تخصيص العموم‏في الجواب‏». هذا اولا. وثانيا: بناء على القول بان لفظ الحاكم يدل على السلطان، ومن له تدبير شؤون الناس، فان‏الرواية لا تكون واردة في القضاء لا في سؤال السائل ولا في جواب الامام(ع)؛ اذ سؤال السائل كان حول جوازالرجوع الى السلطان او القاضي، ولم يقصر سؤاله على جواز الرجوع الى القاضي ليقال باختصاص الرواية بموردالقضاء، اما جواب الامام(ع) فهو خال عن لفظ القضاء، وانما الوارد فيه لفظ الحاكم، وهو اعم من القاضي، بل ان‏لفظ الحاكم كما يرى النائيني(قدس سره) يدل على معنى الولاية العامة. ولفظ القاضي في سؤال السائل وجواب‏الامام عليه لا يخصص الرواية في مورد القضاء؛ لان جواب الامام(ع) نصبا للفقيه في مقام الحاكم، وهذا العنوان‏اعم من عنوان القاضي.

الاشكال الثاني: ما اورده بعض الفقهاء قائلا: بانه لا يمكن التمسك باطلاق «حاكما»؛ وذلك لان «لفظ الحاكم وقع‏محمولا لا موضوعا، ولا يجري الاطلاق الموجب للسريان في المحمول‏»((73)).

وقد يقرب هذا الاشكال بدعوى وجدانية وبرهانية، اما دعوى الوجدان على عدم ارادة مطلق مراتب ومصاديق‏المحمول فانه اذا قال القائل: (النار حارة) فانه وجدانا لا يريد ثبوت مطلق الحرارة للنار من قبيل حرارة الشمس،وحرارة الاحتكاك وما شاكل، انما يريد ثبوت الحرارة النارية للنار.

واما البرهان فانه يقال : ان علة جريان الاطلاق في الموضوع انما هو اخذ الموضوع مقدر الوجود، وهذا التقديريفرض جميع الفرضيات الوجودية اللاحقة به على تقدير عدم التقييد، وعدم القدر المتقين. وتقدير اخذه محقق‏ الوجود ليس موجودا في المحمول؛ لان الحاكم يريد جعله وايجاده، واذا كان كذلك لاحاجة الى ثبوت مطلق‏المراتب والحالات للمحمول؛ لان اخراج الاعدام الى دائرة الوجود يحتاج الى لحاظ وحكم، وهو مفقود في ‏المحمول، والقدر الخارج عن دائرة العدم هو القدر المتيقن، او نوع من الجعل لامطلق الجعل، فيترتب ذلك القدرعلى الموضوع، وهذا بخلاف الموضوع فانه حيث اخذ مفروض الوجود فقد اخرج من العدم بجميع حالاته ‏فاثبات عدم فرض او حالة معينة من حالات الموضوع يحتاج الى دليل بعد ان قام الدليل على ثبوت تلك المراتب‏والحالات مفروضة الوجود.

ويرد على هذا الاشكال:

اولا: يرد على ذلك لازم باطل هو: لو اراد المتكلم حمل المحمول على اختلاف مراتب سعته المتصورة في عالم‏ المفهوم على الموضوع فانه يتعين عليه عدم الاكتفاء بطبيعي المحمول بل لابد من ان يضم الى ذلك المحمول‏تتمة لفظية اي لايكتفي بالقول «زيد كريم‏» اذا اراد حمل مطلق «الكرم له‏» بل لابد ان يقول: «زيد كريم نهاية الكرم‏» وهذا باطل جزما، فملزومه مثله.

ثانيا: ما اجاب عليه صاحب الاشكال نفسه حيث كتب: «وقد يجاب عنه بانه حينما لا يوجد قدر متيقن عندالتخاطب، ولا يعقل الاطلاق البدلي ويدور الامر بين الاطلاق الشمولي والاهمال وتكون القضية مبينة للحكم دون‏مجرد الاخبار يفهم العرف من ذلك الاطلاق‏»((74)).

ثالثا: لو سلمنا عدم جريان الاطلاق في المحمول لو خلي ونفسه، ولكن لو اقتضت مناسبة الحكم والموضوع‏ثبوت الاطلاق انعقد الاطلاق في المحمول ايضا، والمناسبة هنا هي حاجة الشيعة الى مرجع عام يرجعون اليه‏في امورهم؛ لعدم القدرة على الوصول الى الامام في جميع حاجاتهم لبعدهم او لاسباب سياسية او ضرورة‏الانفصال التام عن المرجع الحاكم المخالف لاهل البيت(ع) وعدم الرجوع اليه في شان من شؤون الشيعة.

رابعا: ان التمسك بالاطلاق لاثبات جميع مراتب الولاية للحاكم نظير التمسك باطلاق (حارة) في قولنا: (النارحارة) لاثبات اية مرتبة حرارية شك في ثبوتها، لا لاثبات جميع انواع الحرارات مثل حرارة الشمس وحرارة‏الخشب مثلا.

الاشكال الثالث: ما ذكره السيد الحكيم(قدس سره) بقوله:

«ودعوى ان اطلاق الحكم الذي جعل من وظائفه يقتضي‏ذلك فان قولنا: زيد له الحكم مثل قولنا: زيد له الامر ظاهر في نفوذ جميع تصرفاته التشريعية والتكوينية. مدفوعة ‏بان ذلك المعنى ياباه قوله(ع): فاذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه... الخ فانه ظاهر في الحكم المتعلق بفعل‏المكلف‏»((75)).

والجواب: ان حكم الفقيه في شان من شؤون الناس كعمارة مدرسة او شارع او تخريب ذلك بوصفه امرا نابعا من‏رؤى اهل البيت واقوالهم، وبوصفه صادرا من الفقيه العارف باحكام اهل البيت(ع) والذي يراعي قواعد اهل‏البيت(ع).. اقول: هذا الامر الصادر من الفقيه ايضا يصدق عليه انه حكم من حيث لزوم اجرائه، ولا اختصاص للفظ‏ الحكم بافعال المكلف حيث يقال للشخص المتولي للامور بانه حاكم ويقال للامر الصادر منه بانه حكم. ولعل السيدالحكيم(قدس سره) التفت الى هذه النكتة، لذلك قال في ذيل كلامه السابق: (فلاحظ) مشيرا الى ضعف ذلك ‏الاستدلال.

ثم لو قيل باختصاص الرواية بجعل الولاية في جعل الاحكام لافعال المكلفين، فتكون دليلا على حجية فتوى ‏المجتهد، الامر الذي يستظهر من عبارة صاحب هذا الاشكال: «فانه ظاهر في الحكم المتعلق بفعل المكلف‏» فان‏هذا يخالف الكثير من الفقهاء حتى اولئك الذين ينكرون دلالة الرواية على ولاية الفقيه؛ اذ انهم يجعلون الرواية‏دليلا على ولاية القضاء، وهي اجنبية عن بيان الاحكام للمكلفين، وانما هي ولاية في فصل الخصومات.

الاشكال الرابع: ما يستظهر من بعض الفقهاء من ان المنع عن انعقاد الاطلاق في الرواية لوجود قدر متيقن هوالنصب لخصوص القضاء، فقد كتب: «ان المتيقن من امثالهما - اي رواية عمر بن حنظلة ورواية ابي خديجة - بعد ملاحظة صدرها نصبه(ع) الفقيه لخصوص القضاء وقطع التخاصم‏»((76))، والمراد بالصدر الذي يكون قرينة‏على اختصاص الرواية بنصب الفقيه لمنصب القضاء سؤال السائل: «عن رجلين من اصحابنا يكون بينهما المنازعة‏» اذ مورد الرجوع في المنازعة هو القاضي لا الوالي.

وقد يكون قرينة على ذلك ايضا قول الامام(ع) «من تحاكم الى الطاغوت فحكم له فانما ياخذ سحتا» فان اخذالشي‏ء بحكم الحاكم انما يصدق في التنازع على الشي‏ء واخذ احدهما له بحكم القاضي، وهذا انما يصدق في‏باب القضاء؛ اذ في باب الولاية العامة لا يختص احدهما بالاخذ دون الاخر.

ويرد عليه:

اولا: لقد ورد في كلام السائل عبارة السلطان الى جانب القاضي، وهذا السياق قرينة على ان السؤال عن جوازالرجوع الى حكام وقضاة العامة لاخصوص القضاة منهم، وذكر المنازعة باعتبارها السبب الذي يسوق‏المتخاصمين الى التوجه الى السلطان، فذكرها بوصفها المصداق البارز من مصاديق الرجوع الى السلطان ‏والقضاة.

وثانيا: لو سلم ارادة السائل من الامام تعيين مرجعا في القضاء، فانه لا يخصص الجواب اذا كان جعلا عاما، اذ المورد لا يخصص الوارد.

التقريب الخامس: لو سلم ان الرواية دالة على جعل خصوص ولاية القضاء للفقيه لانها القدر المتيقن او لعدم‏جريان الاطلاق في المحمول - كما قيل - فانه مع ذلك يمكن التعميم الى مطلق الولاية للمناسبات المغروسة‏في الاذهان من الحاجة الى الرجوع الى الحاكم، وفساد مذهب السلطان والقاضي المنصوب من قبله المانع عن‏الرجوع اليه، والباعث على السؤال عن المرجع((77)).

والفارق بين هذا التقريب والتقريب الثالث: ان التقريب الثالث يرى ان المال والدين والسلطان والقاضي انماذكرت من باب المثال، والغرض الحقيقي هو السؤال عن المرجع في مطلق الامور بقرينة التردد في مورد الرجوع‏والتردد في الشخص المرجوع اليه، في حين ان التقريب الرابع بعد الاعتراف باختصاص دلالة الرواية على ولاية‏القضاء للفقيه يتشبث بالمناسبات المغروسة في الاذهان لاثبات العموم.

التقريب السادس: ما ذكره بعض الفقهاء من دعوى ظهور لفظ الحاكم لمعنى الولاية على الا مور، فيكون مترادفا مع‏لفظ الوالي والسلطان.

قال السيد البروجردي(قدس سره): «يظهر ان مراده(ع) بقوله في المقبولة (حاكما) هو الذي يرجع اليه في جميع ‏الامور العامة الاجتماعية التي لا تكون من وظائف الافراد ولايرضى الشارع ايضا باهمالها، ومنها القضاء وفصل ‏الخصومات، ولم يرد به خصوص القاضي‏»((78)).

وقال الشهيدي في شرحه على المكاسب: «ان جميع انحاء الولايات داخلة في مفهوم الحاكم والقاضي، فاعطاءمنصب القضاوة للفقيه في مورد فصل الخصومات يوجب اعطاء جميع انحاء الولاية‏»((79)).

والبرهان الوحيد الذي اقيم على صحة هذه الدعوى هو فهم العرف معنى الولي من لفظ الحاكم الا اذا كان سياق ‏الكلام يصرف معناه الى القاضي، وقد يدعى عكس ذلك اي ان لفظ الحاكم يساوق لفظ القاضي((80)). والظاهر ان ‏الدعوى الاولى اقرب بحسب فهمنا العرفي.

التقريب السابع: ان القضاة المنصوبين من قبل الخلفاء في العصر الاموي والعباسي كانوا يمارسون مثل هذه‏الاعمال، وكانت تخولهم السلطة الحاكمة المركزية في ذلك الوقت ممارسة هذه المهام، فكان القاضي قيما على‏اموال الايتام والقصر وكان يامر بتنفيذ العقوبات ومطاردة المجرمين، ويتولى الامور الحسبية.

وطبيعة المقابلة بين قضاة البلاط والقضاة المنصوبين من قبل اهل البيت(ع) من الفقهاء، والمنع عن مراجعة اولئك‏وارجاع الناس الى هؤلاء تقتضي ان القضاة المنصوبين من قبلهم(ع) - قضاء عاما، او خاصا - عليهم نفس‏ المسؤوليات التي كانت تناط بقضاء البلاط، وذلك حتى يتاتى لهؤلاء القضاة ان يسدوا الحاجات التي كان يسدها اؤلئك القضاة‏»((81)).

ويرد عليه:

اولا: ان ذلك لازمه تصويب نظر السلطان الجائر في تحديد مناصب القاضي وحدود ولايته، وهذا لا يمكن ‏المساعدة عليه.

نعم القدر المتيقن من اعمال القضاة وتوليتها له يكون داخلا في اطلاق جعل الامام ولاية القضاء للفقيه، وهي مسائل حسم الخصومات والولاية على الصغير والغائب وما شاكل ذلك، ولا يمكن التعدي الى دائرة‏اوسع من مراتب الولاية الثابتة للقاضي عن طريق السلطان الجائر، واثباتها للقاضي المجعول بحكم ‏الامام(ع).

وثانيا: ان المدلول المباشر لحكم الامام هو جعل اصل الولاية والحكومة للفقيه، فان كان لمنصب القضاء اطلاق‏ يسع تلك المراتب تثبت جميع تلك المراتب بجعل الامام، وان لم يكن له اطلاق فلا يمكن الاستعانة بالمصداق‏ الخارجي المعلوم بطلان مشروعيته لاثبات معناه في خطاب الامام وجعله الحكومة للفقيه.

وثالثا: لو دل هذا التقريب على الولاية فانها ولاية في دائرة امور الحسبة فقط، ولا تدل على ثبوت الولاية ‏المطلقة.

وبعد ان فرغنا من دلالة مقبولة عمر بن حنظلة على ولاية الفقيه بمعناها الواسع، لابد من استعراض اهم ‏المناقشات التي اثيرت حولها ومعالجتها:

المناقشة الاولى: وهي مناقشة ثبوتية مفادها عدم صحة جعل الحكومة للفقيه تصورا؛ وذلك «بتقريب انه لو وجدفي عصر واحد فقهاء كثيرون واجدون للشرائط فالمحتملات فيه خمسة:

الاول: ان يكون المنصوب من قبل الائمة(ع) جميعهم بنحو العموم الاستغراقي، فيكون لكل واحد منهم بانفراده ‏الولاية الفعلية، وحق اعمالها مستقلا.

الثاني: ان يكون المنصوب الجميع كذلك، ولكن لا يجوز اعمال الولاية الا لواحد منهم.

الثالث: ان يكون المنصوب واحدا منهم فقط.

الرابع: ان يكون المنصوب الجميع ولكن يقيد اعمال الولاية لكل واحد منهم بالاتفاق مع الاخرين.

الخامس: ان يكون المنصوب للولاية هو المجموع من حيث المجموع فيكون المجموع بمنزلة امام واحد، ويجب ‏اطباقهم في اعمال الولاية. ومل هذين الاحتمالين الى واحد كما لا يخفى‏»((82)).

«ويرد على الاحتمال الاول قبح هذا النصب على الشارع الحكيم.. للزوم الهرج والمرج.

ويرد على الاحتمال الثاني: اولا: انه كيف يعين من له حق التصدي فعلا؟ فان لم يكن طريق الى تعيينه صارالجعل لغوا وهو قبيح وان كان بانتخاب الامة او اهل الحل والعقد او خصوص الفقهاء لواحد منهم صار الانتخاب‏ معتبراومعيار لتعيين الوالي، فوجب اعماله وتعيين الوالي به... وثانيا: ان جعل الولاية حينئذ للباقين لغو قبيح.

ويرد على الاحتمال الثالث: انه كيف يعين من جعلت له الولاية الفعلية؟ فان لم يكن طريق الى التعيين صارالجعل لغواوهو قبيح، وان قيل بالانتخاب قلنا فيصير النصب لغوا والامامة انعقدت بالانتخاب لا به.

ويرد على الاحتمال الرابع وكذا الخامس: انه مخالف لسيرة العقلاء والمتشرعة، ومما لم يقل به احد.

والحاصل: ان نصب الائمة(ع) للفقهاء في عصر الغيبة بحيث تثبت الولاية الفعلية بمجرد النصب بمحتملاته ‏الخمسة قابل للخدشة ثبوتا»((83)).

ويرد عليه انه يمكن ان نختار الاحتمال الثبوتي الاول، ولايرد عليه شي‏ء مما ذكر؛ وذلك:

اولا: ان لزوم الهرج والمرج من جعل الحاكمية لجميع الفقهاء على نحو الاستغراق ليس لازما لنفس الجعل‏ وثبوت الولاية لجميع الفقهاء، انما يلزم ذلك من اعمال الفقهاء لولايتهم على وجه التصادم والتنافي بين آراءالفقهاء، فلا قبح في ذات الجعل، انما القبح ناشى‏ء من اعمال الولاية، وهو غير مربوط بمقام الجعل، فيكفي في‏تصحيح هذا الجعل وجود الثمرة له التي ذكرها نفس الامام(ع) من قبح مراجعة الطاغوت والقاضي المرتبط به.

وثانيا: لو سلم قبح ذلك الجعل بسبب الهرج والمرج الحاصل، الا ان هذا يوجب التصرف في دلالة المقبولة ‏بمقدار يدفع ذلك القبح، لا رفع اليد عن اصل دلالة المقبولة على جعل الحاكمية للفقيه.

اما اشكال كيفية تعيين ذلك الفقيه فجوابه بتراضي الناس واختيارهم بنحو يكون التراضي شرطا في اعمال الولاية‏لا في ثبوت اصل الولاية؛ ولذلك لا يكون التراضي والاختيار صحيحا لو وقع على غير الفقيه او يكون بتعيين من‏قبل الخبراء العارفين بالفقه واهله.

المناقشة الثانية: قد يقال: حتى لو سلم دلالة المقبولة على ولاية الفقيه، الا ان هذه الولاية محدودة بحياة الامام ‏الصادق(ع) فبموته(ع) يرتفع جعله الولاية للفقيه.

وفيه: ان «الاصحاب مطبقون على استمرار تلك التولية... فانها ليست كالتولية الخاصة بل حكم بمضمون ذلك،فاعلامه بكونه اهل الولاية على ذلك كاعلامه بكون العدل مقبول الشهادة وذي اليد مقبول الخبر وغير ذلك‏»((84)).

المناقشة الثالثة: ان جعل الولاية لكل فقيه معناه تعدد الولاة والحكام على الامة مما يوقع التنافي والتضاد في‏الاحكام حين اعمال هذه الولايات، فيستكشف من ذلك عدم ارادة جعل الولاية لهم، بل جعل خصوص ولاية ‏القضاء.

وفيه:

اولا: ان هذا الاشكال يرد لو قيل باختصاص المقبولة بمورد القضاء، وما يكون به العلاج هناك يرد بنفسه‏هنا.

وثانيا: يمكن علاج حالة التنافي هذه بتقديم حكم الفقيه الذي تصدى للحكم على غيره او باختيار من فيهم‏الكفاية لفقيه معين يتولى الامور العامة.

المناقشة الرابعة: ان الحكومة ومشتقاتها قد غلب استعمالها في الكتاب والسنة في خصوص القضاء كقوله تعالى:«واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل‏»((85)) وقوله: «وتدلوا بها الى الحكام لتاكلوا فريقا من اموال الناس بالاثم‏»((86)) وفي حديث ابي‏فضال((87)) نقلا عن خط ابي الحسن الثاني (ع) في تفسير الاية:«الحكام القضاة‏»((88)).

وفيه: اولا: ان كثرة الاستعمال في معنى لا يجعله معناه الحقيقي، نعم لو بلغ درجة من الكثرة بحيث يتبادر ذلك ‏المعنى عند العرف عند سماع اللفظ ينعقد له ذلك المعنى ايضا، الا ان كثرة استعمال الحكام في القاضي لم تبلغ‏هذه الدرجة.

وثانيا: ان دعوى كثرة استعمال لفظ الحاكم في القاضي مردودة؛ اذ استعمل اللفظ ايضا في معنى الولي، وليست ‏موارد استعماله في ذلك بقليلة.

وفيما يلي بعض موارد استعماله في القرآن الكريم:

1. «وما كان للّه فهو يصل الى شركائهم ساء ما يحكمون‏»((89)) فان حكمهم هنا قرار منهم بعدم اختصاص اللّه بشي‏ء، وهذا القرارليس حكما قضائيا لحسم تنازع بين الطرفين.

2. قال تعالى: «ايمسكه على هون ام يدسه في التراب الا ساء ما يحكمون‏»((90)). فان حكم الاب بقتل البنت قرار، وحكم بوصفه ‏ولي امر البنت، وليس حكما قضائيا واردا في باب التنازع.

3. قال تعالى: «فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت‏»((91)) فان الحكم الالهي الذي يجب الصبر عليه هو حكم بمعنى ‏التقدير والمشيئة الالهية؛ فان الحكم على يونس بالالقاء في البحر وابتلاءه ليس حكما قضائيا، بل هو قرار ومشيئة‏ الهية.

4. قوله تعالى: «فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما او كفورا»((92)) فبقرينة ذيل الاية: «ولا تطع منهم آثما او كفورا» يعرف ان المرادبالحكم حكم اللّه بلزوم تحمل اعباء الرسالة ، وعدم مداهنة الاعداء، وعدم الميل اليهم.. وليس معناه الصبر ازاءحكم قضائي.

وفي استعمالات العرب نجد ان لفظ الحاكم استعمل بمعنى الوالي والامير، فمثلا قال السيد الحميري في قصيدة‏ شعرية له:

ملكهم خمسون معدودة برغم الحاسد الراغم ليس علينا ما بقوا غيرهم في هذه الامة من حاكم((93)).

وخطب ابو طالب(ع) حين طلب يد خديجة(عليها السلام) للنبي(ص) قائلا: «الحمد لرب هذا البيت الذي جعلنامن زرع ابراهيم وذرية اسماعيل وانزلنا حرما آمنا وجعلنا الحكام على الناس‏»((94)).

وهكذا ورد في كلمات النبي(ص) وكلمات امير المؤمنين(ع) لفظ الحاكم بمعنى الولي، فلا يمكن القول ان لفظ ‏الحكومة قد غلب استعماله في معنى القاضي. نعم، قد يقال بغلبة الاستعمال في موارد النزاع الواقعة في باب‏ الحقوق او في باب الاختلاف والتشاجر في الراي او في الموقف، الا ان هذا لا يفيد اصل المناقشة برهانا على‏مدعاها.

المناقشة الخامسة: ما ذكره بعض من «ان الظاهر ان الامام الصادق(ع) لم يكن بصدد الثورة ضد السلطة الحاكمة‏في عصره لكي ينصب واليا في قبالها لعدم مساعدة الظروف على ذلك، بل كان بصدد رفع مشكلة الشيعة في‏عصره في باب المخاصمات، كيف؟ ولم يعهد تدخله بنفسه(ع) في المسائل الولائية المرتبطة بالولاة مع كونه حقاله عندنا، فكيف ينصب لذلك الفقهاء في عصره‏».

واجاب عليه بالقول: «اللهم الا ان يقال ان القضاء كامر ليس منحازا عن الولاية الكبرى، بل هو من شؤون الوالي،فالامام(ع) جعل الولاية الكبرى للفقيه لعصره ولما بعده، غاية الامر ان هذا الجعل بالنسبة الى عصره كان منشئاللاثر بالنسبة الى خصوص القضاء والامور الحسبية فقط، ولعله في الاعصار المتاخرة يفيد بالنسبة الى جميع الاثاركما نراه في عصرنا حيث تهيا الجو لاقامة دولة اسلامية في ايران‏»((95)).

وفيه: اما بالنسبة الى جوابه الذي ذكره على الاشكال ففيه: ان جعل الامام للحاكم ليس اثره الذي ترتب عليه‏ مجرد حسم الخصومات القضائية، بل كذلك حل شؤون الشيعة وتدبير شؤونهم حسب ارشادات، وتعاليم اهل‏البيت(ع).. ولا دليل على ان الفقيه كان يعالج قضايا القضاء فقط دون القضايا العامة المرتبطة بالشيعة ضمن‏الامكانات المتوفرة.

واذا بنينا على افتراضه من ان القضاء لا ينحاز عن الولاية الكبرى، فكيف فرض من جديد انحيازه في مقام ‏العمل والابتلاء مع ان الحاجة الى ادارة شؤون الشيعة ليست اقل حاجة واهمية من حل قضايا النزاع في باب‏القضاء، وكيف جعلت اجواء التقية ظهور الحديث في فعلية ولاية القضاء دون ولاية الامر مع انهما من باب‏واحد.

اما اصل الاشكال ففيه: ان جعل الولاية للفقيه ليس اقداما على الثورة، انما هو ممارسة الامام لوظائفه الشرعية ‏في حدود الامكان؛ اذ لو كان في صدد القيام بالثورة كان ينبغي اشهار السيف، انما جعل الولاية للفقيه لادارة‏شؤون الشيعة وابعادهم عن ولاة الطاغوت، كما ان ممارسة الفقيه لوظائفه ليس اقداما على الثورة، بل هو تحمل‏ المسؤولية الشرعية بحدود القدرة.

اما عدم تدخل الامام في المسائل الولائية، فانه(ع) لم يتدخل في تلك المسائل للتقية وشدة حصار الحكام ‏عليه، وذلك لا يستلزم عدم صحة جعل الولاية للفقيه، بل العكس هو الصحيح؛ اذ بعد ثبوت حق الامامة للامام،وعدم امكانه من ممارسة وظائفة الشرعية لا محالة يجعل الولاية لتلاميذ مدرسة اهل البيت(ع) لادارة شؤون‏ الشيعة.

المناقشة السادسة: دعوى ان الوالي مغاير للقاضي، اما الحاكم والقاضي فهما متحدان «من هنا قال(ع) في بعض‏الروايات جعلته عليكم قاضيا، ويدل على اتحادهما ذيل الرواية: فاني قد جعلته حاكما؛ اذ لو كان القاضي غيرالحاكم لم يقل اني قد جعلته حاكما، مع كون المذكور في صدر الرواية لفظ القاضي‏»((96)).

وفيه: ان دعوى الاتحاد تخالف المعروف عن اهل اللغة من ان الحاكم يطلق ويراد به المتصرف بشؤون البلادايضا.

فقد جاء في كتب اللغة: «حكم حكما وحكومة في البلاد: تولى ادارة شؤونها فهو حاكم جمع حكام. حكم: ولاه‏واقامه حاكما.

الحكم جمع احكام: تولي ادارة شؤون البلاد. الحكومة: ارباب السياسة والحكم، الهيئة الحاكمة ‏المؤلفة ممن يتولون ادارة شؤون البلاد»((97)). والحاكم: من نصب للحكم بين الناس((98)). والحكم بين الناس يصدق‏على باب التنازع وعلى باب ادراة شؤون البلاد والعباد.

«اما القاضي فهو: القاطع للامور المحكم لها، ومن يقضي بين الناس بحكم الشرع، ومن تعينه الدولة للنظر في ‏الخصومات والدعاوي واصدار الاحكام التي يراها طبقا للقانون. وقضي، قضيا، وقضاء، وقضية: حكم وفصل، ويقال‏قضى بين الخصمين، وقضى عليه، وقضى له، وقضى بكذا فهو قاض((99)).

وحتى لو سلم دعوى ان لفظ القضاء معناه مطلق الحكم والفصل لغة، الا انه لا شبهة في اطراد وغلبة استعماله ‏في معنى من يفصل بين المنازعات بين المتخاصمين، فلو قيل (زيد قاض) ينصرف الى هذا المعنى ولاينصرف‏الى معنى الولي والامير، وليس الحال كذلك في الحاكم، كما يشهد عليه العرف.

* الدليل الرابع: ما نقله العلامة الحلي في التحرير مرسلا عن رسول اللّه(ص): قال(ص): «علماء امتي كانبياء بني ‏اسرائيل‏»((100)). وتقريب الاستدلال بهذه الرواية ان يقال:

حيث حذف مورد التشبيه، فلا محالة يثبت اطلاق في‏تشبيه الفقيه في جميع منازل النبي من بني اسرائيل، كما لو قيل (زيد كالقمر) فانه يراد به تشبيه زيد في منازل‏القمر الكمالية كالاشراق ودائرية الوجه، وما شاكل ذلك. وفي مورد بحثنا ثبت لبعض انبياء بني اسرائيل كموسى‏وداوود وسليمان(عليهم السلام)، ولعله لغيرهم ايضا الولاية والحكومة على قومهم، فلا محالة ان يثبت هذا المقام‏ لفقهاء الاسلام.

واثيرت عدة اشكالات على دلالة هذه الرواية ينبغي الاشارة اليها:

الاشكال الاول: ما قيل من ان تنزيل علماء الامة منزلة انبياء بني اسرائيل يحمل على مجرد تبعية الناس للفقيه ‏كتبعية بني اسرائيل لنبيهم في التبليغ وايصال الرسالة، كما في زيد كالاسد؛ اذ هو كالاسد في شجاعته لا في‏جميع الجهات حتى في اكله الميتة مثلا((101)).

والجواب هو: ان مقتضى اطلاق التنزيل ثبوت كل ما للمنزل عليه للمنزل من كمالات، فيثبت للفقيه تمام درجات‏ ومقام انبياء بني اسرائيل والتي منها الحاكمية والولاية، وما شاكل ذلك من مقامات مربوطة بالرسالة، نعم الصفات ‏الشخصية والحالات الخاصة التي علم اختصاص النبي(ع) بها لا تثبت للفقيه.

وما قيل من ان تنزيل زيد منزلة الاسد في «زيد كالاسد» لا يثبت كل ما للاسد لزيد كاكل الميتة. يرد عليه: ان هذه ‏الصفات الخاصة بالاسد خارجة عن مصب التنزيل قطعا، انما الداخل جميع الصفات الكمالية للاسد، وهي ‏الشجاعة والاقدام، ولا تثبت الصفات السلبية؛ اذ ذلك خلاف الطبع، او خلاف مقام المدح في التنزيل.

الاشكال الثاني: «ان الكلام المزبور بيان فضيلة العلماء ومقامهم عند اللّه، لا تشريع الولاية الثابتة للانبياء للعلماء»((102)).

والجواب: لا موجب لحصر الرواية في هذا المعنى، بعد الفراغ عن ظهورها في جعل الولاية للفقيه كما هي ثابتة‏لانبياء بني اسرائيل(ع)، وخصوصا ان معنى ثبوت الولاية لهم يستبطن بيان فضلهم ومقامهم عند اللّه.

الاشكال الثالث: لو كان النبي(ص) في مقام اثبات منصب الولاية لهم لكان مناسبا ان يشبههم بنفسه الشريفة ‏ويقول العلماء بمنزلتي كما قال ذلك في حديث المنزلة بالنسبة الى امير المؤمنين علي بن ابي طالب(ع) حيث‏قال(ص) له: «انت منى بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي‏».

وفيه: ان منزلة النبي درجة عظيمة لا يبلغها الا من هو من نفس النبي كالامام علي(ع)، فلو قال: العلماء بمنزلتي ‏قد يفيد دلالة، وهي ان العلماء بمنزلة النبي(ص)، والنبي - على تقدير جعل الحكومة للفقية - لا يقصد جعل ‏العلماء بمنزلته الشاملة، انما يقصد اثبات مرتبة من الولاية المحدودة لهم، فجعلهم(ص) بمنزلة انبياء بني اسرائيل ‏يكشف المراد الاخير.

والصحيح ان يقال: ان الحديث محفوف بقرائن مقامية تجعله ظاهرا في بيان قربهم من اللّه. وهذه القرائن تمنع من‏ارداة ثبوت الولاية لهم كما هي ثابتة لانبياء بني اسرائيل. وان كان اللفظ يحتمل هذا المعنى، ومن هذه القرائن: ان ‏النبي(ص) في مقام المدح، وليس في مقام الجعل واثبات الولاية.

* الدليل الخامس: عن محمد بن يحيى عن احد بن محمد بن عيسى عن محمد بن خالد عن ابي البختري عن‏ابي عبد اللّه(ع) قال: «ان العلماء ورثة الانبياء، وذاك ان الانبياء لم يورثوا درهما او دينارا وانما ورثوا احاديث من‏احاديثهم فمن اخذ بشي‏ء منها اخذ بحظ وافر، فانظروا علمكم هذا عمن تاخذونه، فان فينا اهل البيت في كل‏خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتاويل الجاهلين‏»((103)).

ويمكن الاستدلال بهذه الرواية على ثبوت الولاية للفقيه بتقريبين:

التقريب الاول: ان الولاية على الناس، والاموال الثابتة للنبي تنتقل الى الفقيه بالوراثة كما ينتقل علمهم اليهم لانهم ‏- حسب مفاد الحديث - ورثتهم.

ويرد عليه:

اولا: ان الحديث صريح في ان المنتقل الى الفقهاء من الانبياء هو الحديث والروايات المرتبطة بالعقيدة والافعال، وليس مطلق ماثبت للنبي من صفات ومقامات واحوال.

وثانيا: ان الولاية ليست قابلة للتوريث كالمال والدار، بل تثبت للشخص بجعل اللّه او نبيه، فاذا ورد ان الفقيه‏وارث الانبياء لابد من حمله على معنى وراثة مقام تبليغ العلم والقرب من اللّه.

اما الاستشهاد بما ورد عن الامام علي(ع)((104)) انه قال: «ارى تراثي نهبا»((105))لاثبات صحة اطلاق الارث على‏الولاية فالجواب عنه: لا اشكال في صحة اطلاق الارث على حق ثبت في مرتبة سابقة للشخص، والمفروض ان‏الولاية ثابتة لعلي(ع) بحديث الغدير وحديث المنزلة وآية التصدق بالخاتم وما شاكل ذلك، فصح اطلاق الارث‏عليها بوصفها حقا ثبت للامام(ع)، وانه نهب بعد ثبوته له(ع).. بخلاف المقام فانه يراد التمسك باطلاق الارث للامورالمعنوية، فيراد اثبات حق الولاية للفقيه بنفس اطلاق لفظ الارث لاثبات شموله لحق لا يعلم بثبوته في المرتبة ‏السابقة.

التقريب الثاني: ان تعبير (ورثة الانبياء) لسان اراد به الامام الصادق(ع) جعل مقام النبي للفقيه في باب الولاية، فهووارث لها كما ان الوارث المادي يرث مال النبي(ص)، فالوارث المادي يختص بارث المال، والفقيه وارث جعلي ‏يرث مقامات النبي(ص) ومنها الولاية، واطلاق المقابلة بين ارث الدينار والدرهم الذي هو رمز للارث المادي وبين‏الارث المعنوي والذي ذكر له الامام مثالا له العلم والرواية، يفيد ذلك اي يفيد ان الفقيه يرث الميراث المعنوي‏دون المادي.

وفيه:

اولا: مع قول الامام الصادق(ع): ان العلماء انما ورثوا حديثا وعلما من النبي(ص) في ذات الرواية لا يمكن ‏التعدي الى غير هذا الارث، وعليه يكون المقصود ارجاع الناس الى الفقيه في تبليغ الاحكام ومعرفة اللّه والعقائد،لا اثبات الولاية له.

ثانيا: الظاهر من الحديث ان الامام(ع) يريد التعريض باولئك الذين يدعون العلم وهم يفترون الكذب على اللّهوانبيائه، وان العالم الحقيقي هو وارث النبي(ص) العارف باقواله وسنته حقيقة لا ادعاء، وهذا ينطبق على الامام‏من اهل البيت، ويؤيد هذا المعنى قول الامام في ذيل الرواية: «فانظروا علمكم هذا عمن تاخذونه، فان فينا اهل ‏البيت في كل خلف عدولاينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتاويل الجاهلين‏»((106)) فيكون المراد بالعلماء ائمة اهل البيت(ع) ولا يشمل غيرهم.

وما قيل((107)) بان قوله(ع) «فمن اخذ بشي‏ء منها فقد اخذ حظا وافرا» لاينطبق على الامام انما ينطبق على الفقيه، فلا محالة يكون المراد من العلماء الفقهاء ففيه: ان الاخذ ليس هو العالم بل الشخص الاخذ عن العالم، فحيث ان‏ الفقيه ورث النبي(ص) حديثه وسنته، فيكون الاخذ منه اخذا بالحظ الوافر... لا ان العالم قد اخذ بالحظ الاوفر؛ لانه ور ث حديث رسول اللّه(ص).

* الدليل السادس: ما اورده الفقيه عن رسول اللّه(ص) انه قال:

«اللهم ارحم خلفائي قيل: يارسول اللّه ومن خلفاؤك؟قال:

الذين ياتون من بعدي يروون حديثي وسنتي‏»((108)) وزاد في المجالس: «ثم يعلمونها»((109)) وفي صحيفة‏الرضا(ع) زيادة هي: «فيعلمونها الناس من بعدي‏»((110)). وتقريب الاستدلال بهذه الرواية ان يقال: ان لفظ الخليفة‏يطلق على الشخص الذي يستخلف آخرا مطلقا او في جهة خاصة. (فزيد خليفة محمد) مثلا، اي قائم مقامه وممثله‏في مناصبه القابلة للاستخلاف.

فاذا قال النبي(ص) رواة الحديث خلفائي يعني انه(ص) جعلهم في مقامه ومناصبه‏والتي منها ولايته على الناس والاموال.

فلفظ الخليفة يطلق على الشخص الذي يتولى شؤون الناس بجعل من المستخلف - بكسر الخاء - ولهذا وردعن الشيعة والسنة ان النبي(ص) قال اول البعثة لعشيرته مشيرا الى علي(ع): «ان هذا اخي ووصيي وخليفتي فيكم‏فاسمعوا له واطيعوا»((111)) وقد دل هذا الحديث على ان عليا(ع) الامام والخليفة بعد رسول اللّه(ص)، وكذلك هنانثبت الولاية للفقهاء لانهم خلفاء رسول اللّه، وبهذا اطلق لفظ (خليفة رسول اللّه) على المتولين من بعده، ومن ‏المعلوم ان اولئك الاشخاص كانوا يعتقدون ان لهم الولاية على الناس.. لانهم خلفاء رسول اللّه(ص).

وذكرت عدة اشكالات على التمسك بهذه الرواية لابد من الاشارة اليها:

الاشكال الاول: «ان قوله(ع): «فيعلمونها الناس من بعدي‏» له ظهور قوي في تقييد الخلافة، وان الغرض منها هوالخلافة عنه(ص) في التعليم والتبليغ، واحتفاف الرواية بما يصلح للقرينة على عدم ارادة ذلك المعنى مانع من‏انعقاد الاطلاق، فاثبات الخلافة عنه(ص) في الولاية والقضاء يحتاج الى دليل اقوى من ذلك، وعدم وجود الذيل‏في بعض النقول لا يوجب الحكم بالاطلاق فيه اذ الظاهر كون الجميع رواية واحدة ربما نقلت تامة وربما نقلت‏مقطعة، والتقطيع في نقل الاحاديث كان شائعا»((112)) وقال الايرواني: «الخلافة مقولة بالتشكيك، فالخليفة في‏جميع ما يرجع الى الشخص له مرتبة من الخلافة، والخليفة في بعض الجهات له مرتبة اخرى، والاضافة تفيدالعموم في حق كل من هو خليفة في جهة او في جهات، والذين ياتون بعده ويروون حديثه يشمل الائمة الذين‏هم خلفاؤه في كل الجهات، والعلماء والرواة الذين لا يعلم حد خلافتهم، فلعل خلافتهم نشر الاحكام وابلاغها كمايناسبه لفظ (يروون حديثي) او هو مع فصل الخصومات، ولا دلالة في هذه العبارة على تعيين مرتبة الخلافة. نعم،لو قال: (زيد خليفتي) واطلق اقتضى ذلك الخلافة العامة وفي كل الجهات‏».

والجواب((113)): ان هذا الاشكال، واعتبار الذيل قرينة على ان النبي(ص) اراد اثبات مجرد الاستخلاف في الرواية ‏للفقيه غير صحيح؛ وذلك لان الذيل ورد على سبيل التفسير والمعرف لشخص الخليفة، وليس فيه جعل الخلافة ‏للفقيه ليقال بان الظاهر فيه مجرد الاستخلاف في رواية الحديث.

ويشهد على ذلك عدة قرائن:

القرينة الاولى: ان الذيل ورد بعد سؤال السائلين عن رسول اللّه(ص) عن هوية هذا الخليفة، ولم يرد مباشرة في‏كلام النبي(ص) ليقال بانه في مقام جعل الخلافة للفقيه في خصوص رواية الحديث.

القرينة الثانية: ان الخلفاء المذكورين في كلام رسول اللّه(ص) اشخاص في غيب المجهول، وهم ياتون بعد وفاة‏رسول اللّه(ص)، فمن الطبيعي حينئذ السؤال عن المعرف لهذا الخليفة، وهل المناط في الاستخلاف مجرد تولي‏السلطة ليكون ذلك الشخص خليفة رسول اللّه(ص) ام هناك معرف آخر لشخص الخليفة؟ فرفع النبي(ص) هذاالغموض من خلال بيان ان خلفاءه الذين يحفظون سنته ويروون رواياته.

الاشكال الثاني: «ان اطلاق الخليفة وكذلك اطلاق قوله(ص):

«يروون حديثي‏» يقتضيان ان نقول: ان شؤون ‏النبي(ص) باجمعها من وجوب طاعته ونفوذ تصرفه في الامور العامة والشخصية والاموال والانفس ثابتة للراوي، وهذا مقطوع العدم‏»((114)).

وفيه: لا يوجد دليل على استحالة ثبوت الولاية للفقيه، فلو دل دليل على ثبوت تلك الولاية لشخص - كالفقيه - فلا محالة تثبت بمقتضى ذلك الدليل. نعم، الراوي بما هو راو لم تثبت له ولاية بالاجماع المركب، الا ان اصل ‏الدعوى ثبوت تلك الولاية للفقيه وليس للراوي، وهذا غير مقطوع العدم.

الاشكال الثالث: لقد ورد في ذيل الرواية قوله(ص) «يروون حديثي وسنتي‏» فالولاية ثابتة اذن للراوي بما هو كذلك، وهو اعم من الفقيه.

والجواب:

اولا: الظاهر ان المراد (بالراوي للحديث) في حديث النبي(ص) ليس مجرد النقل لالفاظ الحديث، بل المراد ذلك ‏النقل من الراوي الذي يفقه تلك الروايات ويستنبط منها احكام الشريعة ويعرف صحيحها من مدسوسها؛ اذ من ‏البعيد جدا ثبوت تلك المرتبة من الولاية للراوي لمجرد روايته الحديث.

الصفحة السابقة

الصفحة التالية