الصفحة التالية

الصفحة السابقة

وثانيا: ان النقول التي وردت فيها جملة (فيعلمونها الناس من بعدي) ظاهرها الفقيه؛ لانه هو الذي يمارس ‏التعليم، لا الراوي الذي وظيفته نقل الرواية فقط، اما الروايات الخالية من هذه الجملة فانا نحتمل ان هذه الجملة‏سقطت من قلم النساخ؛ اذ سقوط بعض فقرات الرواية يقع في نقل الروايات، بخلاف الزيادة فيها فانه‏ نادر((115)).

الاشكال الرابع: ان الخلفاء المقصودين في الرواية هم اهل بيت النبوة علي وبنوه(ع)؛ وذلك لقرينتين:

القرينة الاولى: ان النبي قد نص على الائمة وانهم خلفاء بعده، فلا محالة هم الذين قصدهم النبي(ص) في هذه‏الرواية.
الثانية: ان الذين يعرفون احاديث النبي(ص) الواقعية وسنته الصحيحة انما هم عترته الطاهرة، اما غيرهم فهم‏لايعلمون حديثه وسنته(ص) على وجه الجزم.
والجواب: لا موجب لتخصيص الخلفاء باهل البيت(ع)؛ اذ النبي(ص) يشرع لجميع الازمنة لا لعصر الائمة من‏اهل البيت(ع) فقط، وعليه لامانع من كون الخلفاء في عصر الائمة(ع) هم اهل البيت(ع)، وفي زمان الغيبة هم‏الفقهاء، وان كانت ولاية الامام اعظم من ولاية الفقيه، الا انهما يشتركان في اصل الولاية على الوقائع الراجعة ‏للعباد والبلاد.

الاشكال الخامس: «ان دلالة الرواية تثبت خلافة الرواة، وهذا مجزوم العدم، وحمله على الائمة(ع) تخصيص‏ مستهجن، فلا محالة تكون الرواية مجملة، فتسقط عن الحجية‏»((116)).

والجواب عليه: انه تقدم منا استظهار ان المراد بالرواة هم الفقهاء بقرينة ما ورد في ذيل نفس الرواية في بعض ‏النسخ، وان الولاية منصب خطير لا يجعل للراوي بما هو راو.

* الدليل السابع:
ما رواه في الكافي عن علي عن ابيه عن النوفلي عن السكوني عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «قال ‏رسول اللّه(ص) الفقهاء امناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا قيل يارسول اللّه وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتباع ‏السلطان، فاذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم‏»((117)). وتقريب الاستدلال بهذه الرواية على ولاية الفقيه ان يقال:ان الامين هو الحافظ، فالفقيه حافظ في جميع الامور المرتبطة بالرسول، وحيث لم يقيد الامانة بشي‏ء اذ لم يقل ‏امناء الرسل في تبليغ الاحكام او امناء الرسل في شؤون العقيدة، فلا محالة ينعقد اطلاق يشمل جميع مقامات ‏النبي(ص) ومناصبه، فيكون الفقيه والياعلى الناس وحافظا لشؤون الناس كما كان كذلك.

واورد على هذا التقريب عدة اشكالات:

الاشكال الاول: ما قيل من ان مفاد الحديث هو ثبوت الامانة للفقيه لا اكثر من ذلك، وليس الحديث ناظرا الى مايؤتمن عليه، فلا يمكن اثبات دخول الولاية في موارد امانة الفقيه عن الرسل((118)).
ويرد عليه: ان اثبات الامانة للفقيه في الحديث استطراق الى اثبات ان اعمال الرسل(ع) انما يقوم بها الفقهاء، لانهم امناء لهم، ومن تلك الاعمال رعاية شؤون الناس وتبليغ الاحكام والولاية على الناس.

الاشكال الثاني: ما افاده المحقق الايرواني(قدس سره) بقوله:
«الامانة تكون في الودائع، والوديعة المستودعة عند العلماء هي الاحكام، فتختص الرواية بمقام الفتوى دون اعطاء سائر مناصب الرسل ووظائفهم، فان لفظ الامناء اجنبي عن مقام اعطاء المناصب‏»((119)).

والجواب: اذا كان لفظ الامانة يختص بالوديعة فلماذا جاز ان تكون هذه الوديعة هي الفتوى دون الولاية مع ان‏كلا الامرين من وظائف النبي(ص) ومن ودائعه التي تركها؟ الاشكال الثالث: «ما قيل من ان العرف بتناسب الحكم والموضوع يفهم من قوله(ص): «ان العلماء امناء الرسل‏» كونهم امناء في ابلاغ الاحكام وحفظها. وان شئت فقل: ان اعطاء المنصب للعلماء يناسب التعبير بالخليفة كما ان‏كونه امينا يناسب كونه مبينا للاحكام، والذي يؤيد ذلك ما ذكر في ذيل الرواية حيث قيل: يارسول اللّه ومادخولهم في الدنيا؟ قال:

اتباعهم السلطان، وجه التاييد انه يفهم من الرواية ان الفقيه مادام لم يتبع السلطان، فان هذاالمنصب ثابت له، ومن الظاهر ان المراد من الامانة لو كانت الحكومة، فلا يتصور له حكومة في الخارج مع وجود السلطان، واما بيان الاحكام فامر ممكن مع وجود السلطان‏»((120)).

وفي كلامه موقعان للنظر:

اما اولا: فان ما ذكر من ان لفظ الامانة يناسب تبليغ الاحكام ومبينا لها لم نعرف له وجها؛ اذ كما يطلق الامين‏على خليفة رسول اللّه(ص) في تبليغ الاحكام، ولهذا ورد في زيارة الامام «السلام عليك يا امين اللّه على خلقه‏» يطلق على سائر موارد الائتمان، وحينئذ فمقتضى عدم ذكر متعلق الامانة ثبوتها في مطلق مقامات النبي(ع)، ومع‏بيان امانة خاصة فلا محالة ينعقد معنى الامانة وفق ذلك البيان.

واما ثانيا: فان ماذكر من قرينة على اختصاص الامانة ببيان الاحكام من ان الرواية فرضت وجود السلطان، ولامعنى لثبوت الولاية للفقيه مع وجود السلطان.

فيه: ان عدم اتباع السلطان يشمل جميع مساحات النشاطات والاعمال الفردية، فالفقيه الذي لا يتبع السلطان في‏فتاويه وفي احكامه المرتبطة بالناس عبارة اخرى عن ثبوت الولاية له، ووجود السلطان لا يضر بثبوت تلك الولاية‏للفقيه، كما لم يضر ثبوت الولاية للائمة(ع) وجود السلاطين الطغاة على امتداد عصورهم.

نعم قد يقال: ان المقصود لو كان هو ثبوت الولاية للفقيه المناظرة للسلطان الذي يرجع اليه الناس في امورهم،فان هذا المعنى لا يتم مع الذيل المذكور الذي افترض وجود سلطان ظالم في الحكم ودخالة عدم اتباع الفقيه له‏في ثبوت الامانة؛ اذ هذا الفرض يشكل قرينة على عدم جعل الولاية الفعلية المناظرة لولاية السلطان للفقيه،فينبغي حمل الامانة على التبليغ وبيان الاحكام.

* الدليل الثامن:
ما رواه في التهذيب باسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن احمد ابن محمد عن الحسين بن‏سعيد عن ابي الجهم عن ابي خديجة قال: بعثني ابو عبد اللّه(ع) الى اصحابنا فقال: قل لهم: «اياكم اذا وقعت بينكم‏خصومة او تداري في شي‏ء من الاخذ والعطاء ان تحاكموا الى احد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلا قدعرف حلالنا وحرامنا فاني قد جعلته عليكم قاضيا، واياكم ان يخاصم بعضكم بعضا الى السلطان الجائر»((121)). ويمكن تقريب الاستدلال بهذه الرواية باحد الوجوه التالية:

الوجه الاول: ان نظر الامام(ع) الى جعل اصل الولاية لمن عرف حلال وحرام اهل البيت(ع) وسلب الولاية عن‏المقابل، وهذا وجه متين تعضده الرواية السابقة عن عمر بن حنظلة. والقرينة على ذلك ذكر السلطان الجائر، فانه ‏الذي يقابل السلطان العادل وان لم يبسط نفوذه.

الوجه الثاني: ان الامام(ع) في مقام جعل الولاية للفقيه المقابلة لولاية السلطان الجائر بقرينة تحريم الرجوع اليه‏ بعنوانه، وليس بعنوان قاضي الجور، والولاية للسلطان الجائر ولاية عامة وان كان يمارسها ظلما وعدوانا، فتكون‏ الولاية للفقيه ولاية عامة ايضا.

الا ان الاشكال في هذا الوجه هو ان الرجوع الى السلطان الظالم في الرواية لم يؤخذ مطلقا كما في مقبولة عمربن حنظلة، انما اخذ عند التخاصم، فلا محالة يراد به الرجوع الى السلطان لحسم مسائل النزاع الواقعة بين ‏المتخاصمين، وهذه الولاية ثابتة للفقيه بلا اشكال.

الوجه الثالث: ما اشار اليه الامام الخميني(قدس سره) من انه لا يبعد ان يكون القضاء اعم من القضاء المربوط ‏بالقاضي ومن القضاء المربوط بالسلطان، قال تعالى: «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى اللّه ورسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من‏امرهم‏»((122)).

بل رواية ابي خديجة شاهد على ذلك((123)) الا انه لا يخلو من تامل؛ اذ القضاء وان كان (لغة) مطلق التقديروالامر، الاان كثرة استعمال لفظ (القاضي) في خصوص الشخص الذي يفصل في المنازعات المربوطة بالقضاء لاالمربوطة بالسلطان، وكذلك كثرة اطلاق لفظ القضاء في لسان الروايات والمتشرعة على خصوص المعنى الاخص، اوجب انصرافافي لفظ القضاء والقاضي الى المعنى الاخص، فحمله على المعنى الاعم بحاجة الى قرينة. ولكن قد يقال بوجود هذه القرينة، وهي العدول عن ذكر القضاة الى السلطان الجائر، بل يبدو منه(قدس سره) ان القرينة على‏ذلك تكرر التحذير، فتحذيره الاول يرتبط بالقضاة، ومعناه عدم الرجوع اليهم في منازعات باب القضاء.

وتحذيره ‏الثاني يرتبط بالسلطان الجائر، ومعناه عدم الرجوع اليه في ما يرتبط بالسلطان، وهي المنازعات التي يراد من السلطان ‏رفع التعدي والتجاوز فيها، لا فصل الخصومة.

* الدليل التاسع:
 ما رواه صاحب الكافي عن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن علي بن اسباط عن عمه‏يعقوب بن سالم عن داوود بن فرقد قال: قال ابو عبد اللّه(ع): «ان ابي كان يقول: ان اللّه عز وجل لا يقبض العلم ‏بعد ما يهبطه، ولكن يموت العالم فيذهب بما يعلم فتليهم الجفاة فيضلون ويضلون، ولا خير في شي‏ء ليس له‏ اصل‏»((124)).

وتقريب الاستدلال بهذه الرواية ان يقال: ان الامام الباقر(ع) فرض تولي الظلمة الجفاة للحكم بعد موت الفقيه،وهذا يعني ان الفقيه حال حياته له الولاية على الامة وله ان يمارسها شرعا ، فلا يستطيع الظالم شرعا تولي امورالناس.

ولكن قد يقال بان ذلك لا يدل على ثبوت الولاية للفقيه، ان ما يدل على ان الفقيه يرشد الامة ويعلمها طريق‏ الهداية، فلا يضلها الوالي الظالم؛ لان الفقيه يهذب الامة ويعلمها ويرشدها، فاذا مات ارتفع امام السلطان الظالم ‏هذا المانع ويستولي على مقادير الامة ويسوقها نحو الضلال. وقد يقال ايضا انه: في اصل ارتباطها بالظلمة من‏ الحكام تامل. ومجرد قوله(ع) فتليهم الجفاة لا يدل على ذلك؛ اذ قد يراد بهم من لا علم لهم ممن جفا اهل ‏البيت(ع)، ولم يكن لعلمه اصل واساس في قبال اهل البيت(ع) الذين استمدوا علمهم من رسول اللّه(ص)، بملاحظة قوله(ع): «ولا خير في شي‏ء ليس له اصل‏».

* الدليل العاشر:
 ما رواه صاحب الكافي عن محمد بن يحيى عن احمد ابن محمد عن ابن محبوب عن علي بن‏حمزة قال:

سمعت ابا الحسن موسى ابن جعفر(ع) يقول: «اذا مات المؤمن بكت عليه ملائكة السماء وبقاع الارض‏التي كان يعبد اللّه عليها، وابواب السماء التي كان يصعد فيها باعماله، وثلم في الاسلام ثلمة لا يسدها شي‏ء؛ لان‏المؤمنين الفقهاء حصون الاسلام كحصن سور المدينة لها»((125)).

وتقريب الاستدلال بهذه الرواية على ولاية الفقيه ان يقال: ان قوله(ع): «لان المؤمنين الفقهاء حصون الاسلام‏» شبه‏فيه الفقيه بالحصن للمدينة والحصن للمدينة يحفظها من هجوم الاعداء، وحفظ الاسلام يكون بتطبيقه وبسط الحق‏بين الناس، واستيفاء الحقوق؛ اذ مع فقدان ذلك سوف تتيه الناس. وتضيع الامة، وذلك معناه ثبوت الولاية للفقيه؛اذ ليس الولاية الاذلك.

وقد يقال في قبال هذا الاستظهار ان: لفظ حصون الاسلام كناية عن ان بهم يتم الحفاظ عليه من الاعداء ومايلحق به الضرر كما في حصن المدينة، وهذا حاصل بمحض وجودهم ومجاهداتهم العلمية والتبليغية، ولا يتوقف‏على ولايتهم العامة وحكومتهم، بل ان الرواية لما كانت في مقام الاخبار، فانما تخبر عن انهم حصون الاسلام من‏هذه الجهة، والا فكونهم حصون الاسلام بولايتهم وحكومتهم خلاف الواقع؛ اذ لا نجد لهم هذه الصفة على مرالعصور الا فيما ندر، فكيف يخبر(ع) عن شي‏ء لا اثر له.

* الدليل الحادي عشر:
ما رواه الصدوق(قدس سره) عن ابيه عن سعد بن عبد اللّه عن القاسم بن محمد الاصفهاني ‏عن سليمان بن داود المنقري عن جعفر بن غياث قال: سالت ابا عبد اللّه(ع) : من يقيم الحدود السلطان اوالقاضي؟ فقال: «اقامة الحدود الى من اليه الحكم‏»((126)).

وتقريب الاستدلال بهذه الرواية ان يقال: ان الامام(ع) جمع بين اقامة الحدود والولاية، وحصرهما بشخص واحد، فالذي يقيم الحدود هو الولي، وحيث ثبت ان اقامة الحدود انما هي للفقيه، فلا محالة يكون حاكما بنص هذه‏ الرواية؛ اذ الذي يقيم الحدود هو الحاكم، والفقيه يقيم الحدود فهو الحاكم، اذ لو قلنا بثبوت اقامة الحدود للفقيه ‏دون اقامة الحكم لزم الفصل بين المنصبين المنفي في الرواية. وتدل الرواية بمفهومها على عدم ولاية الفاسق بنفس ‏التقريب السابق، اي حيث دل النص والاجماع على حرمة الرجوع الى السلطان الجائر وخاصة في المنازعات‏والحدود دل ذلك على عدم ولايته ايضا؛ اذ الشخص الذي لا يجوز له اقامة الحدود لا يكون له الحكم.

وقد اشكل على هذه الرواية بان ما قاله(ع) هو الى من اليه الحكم، وهذه كلمة مجملة، فكما يمكن ان يراد من‏الحكم فيها الولاية، فكذلك يمكن ان يراد منه الحكم القضائي بتقريب انه يوجد امران في موارد الحدود: الاول: الحكم الصادر باقامة الحد، وهذا مربوط بالقاضي. والثاني: تنفيذ الحكم واقامة الحد، وهذا قابل لان يتصدى له‏القاضي والحاكم ايضا، لذلك سال السائل عمن له التصدي في ذلك وجواب الامام(ع) يحمل ايضا، ولعله تقية من ‏السلطان، هذا لو لم نقل بظهوره في القاضي، لانه المرجع في احكام الحدود.

والجواب: لا اجمال في لفظ الحاكم في ضوء ما تقدم من رواية عمر بن حنظلة، فانه اما يدل على معنى الولي ‏والسلطان واما الاعم منه ومن القاضي.

فالرواية تامة الدلالة على ولاية الفقيه، ولو مع ضميمة الروايات التي دلت على جعل ولاية اقامة الحدود للفقيه.. نعم لو حملت الرواية على التقية وان الامام(ع) اراد نفسه، فالذي يقيم الحدود هو الامام(ع) لانه اليه الحكم،ولكنه(ع) عبر بذلك تقية، فحينئذ قد تشكل دلالة هذه الرواية لان ثبوت الحكم واجراء الحدود للامام(ع) شي‏ء مسلم عندنا، انما الكلام في ثبوت ذلك للفقيه.

هذا تمام الكلام في الروايات التي استدل بها على ثبوت الولاية للفقيه، فهي وان كان في بعضها ضعف في‏دلالتها، ولكن دلالة بعضها الاخر على ثبوت الولاية للفقيه نظير مقبولة عمر حنظلة والتوقيع الوارد عن اسحاق بن‏يعقوب وافية بالمطلوب.

القسم الثاني - الادلة العقلية:

* الدليل الاول:
وهو يتالف من مقدمتين:
المقدمة الاولى: ان احكام اللّه لازمة الاجراء في حياة الفرد والمجتمع، ولا يجوز تعطيل شي‏ء منها؛ اذ الاسلام‏لكل عصر ولكل مجتمع، وليس مختصا بالمجتمع الذي عاصر الرسول(ص) والائمة الاطهار(ع).

المقدمة الثانية: ان الحكومة مقدمة لازمة لاقامة احكام اللّه، ومقدمة الواجب واجبة ايضا كما يذكر في علم‏الاصول. فتثبت الولاية للفقيه.

ولكن هذا الاستدلال لا يخلو من ضعف؛ اذ يرد على المقدمة الثانية:
اولا: قد تمنع مقدمية الحكومة لاقامة احكام اللّه؛ اذ لا ملازمة تكوينية بين الحكومة وبين اقامة احكام اللّه.
الا ان هذا الاشكال غير وارد؛ اذ ليس المراد بالمقدمية العلية لاقامة احكام اللّه ليقال بعدم التلازم بينهما خارجا، بل المقصود انها تتيح تطبيق احكام اللّه لو اراد الحاكم ذلك اي ان اختيار الحاكم واعتماد الحكومة وسيلة لاقامة‏احكام اللّه كاف في اسباغ وصف المقدمية عليها، ولاحاجة الى ثبوت وصف المقدمية خارجا كمقدمية السفرللحج.

ثانيا: لا دليل على وجوب مقدمة الواجب الا دعوى الملازمة بين وجوب الشي‏ء ووجوب مقدمته، وقد يقال‏ب عدم ثبوت هذه الملازمة بينهما.
ولكن يرد على هذه المناقشة ان مجرد عدم الملازمة لا ينفي الحكم العقلي بالوجوب الذي هو المطلوب؛ لان‏ الكلام في حكم العقل لا الشرع. نعم لو كان الكلام في اثبات الولاية بدليل شرعي مستكشف بدليل عقلي لتمت ‏المناقشة، لكن الامر لم يكن كذلك.

ثالثا: لو سلم ثبوت الوجوب الشرعي للمقدمة وقلنا بوجوب جميع المقدمات لا المقدمات الموصلة فقط فان هذاالوجوب الغيري انما يسري الى المقدمات المباحة اصالة، او على اقل تقدير المقدمة المنحصرة كما اذا كان‏وجوب ذي المقدمة اهم من حرمة المقدمة. اما لو قلنا بان الوجوب لا يسري الى المقدمة التي لا يعلم باباحتها وفائدة ذلك صرف المكلف الى المقدمات المباحة فانه يرد اشكال وهو احتمال حرمة التصدي للولاية؛ اذ لايعلم بثبوت الولاية الا فيما علم ارادة الشارع تحققه ولو من غير الفقيه، او علم بنحو الجزم ارادته من الفقيه ‏كالقضاء، اما سائر انحاء الولاية فهي غير معلومة الاباحة فلا يسري اليها الوجوب من ذي المقدمة، ثم على تقديرتمامية المقدمتين، فان النتيجة هي وجوب اقامة الحكومة، وهي لا تلازم ثبوت الولاية للفقيه، فقد تجب الحكومة ‏ولكن من دون ولاية للفقيه كما قيل بذلك.

* الدليل الثاني:
ما ذكره الاصفهاني(قدس سره) في حاشيته على المكاسب بالقول: «وربما يستدل لعموم ولاية‏الفقيه بوجه عقلي ومحصله: ان ما ثبت للامام(ع) من حيث رئاسته الكبرى، وهي الامور التي يرجع فيها المرؤوسون‏ من كل ملة ونحلة الى رئيسهم اتقانا للنظام فهي ثابته للفقيه؛ اذ فرض هذا الموضوع فرض نصب الرئيس لئلا يلزم‏ الخلف من ايكال امره الى آحاد الناس، فيدور الامر في الرئيس المنصوب بين ان يكون هو الفقيه او شخص خاص‏ آخر، والاخير باطل قطعا، فتعين الاول‏»((127)).

ويمكن توضيح هذا الاستدلال بالقول: ان هناك امورا عامة يرجع الناس فيها الى الامام او الحاكم، بلا فرق بين‏زمان وآخر، فلا بد من الرئيس لتولي هذه الشؤون؛ لان توليها من قبل الافراد اما على خلاف السيرة القطعية اوعلى خلاف المصلحة، وفي زمان الغيبة اما ان ترجع هذه الامور العامة الى الفقيه او غيره، والثاني باطل، فيتعين ‏الاول.

وهذا الدليل يرد عليه:

اولا: ان ثبوت الولاية للامام في الامور التي يرجع المرؤوس الى رئيسه انما هي ثابتة بوصفه اماما قد نصبه اللّهورسوله مرجعا للعباد وامينا في البلاد، وليس الرجوع اليه كسائر رجوع المرؤوسين الى رئيسهم؛ اذ ما لم يكن ‏الجعل منتهيا الى اللّه، فهو طاغوت يعبد من دون اللّه، ومالم يكن الرجوع الى الرئيس باذن اللّه او اذن وليه فهورجوع باطل.
فالرجوع للامام في امور العباد بوصفه اماما وليس بوصفه رئيسا كسائر الرؤوساء، والمفروض انه لا دليل على ‏الرجوع الى الفقيه؛ اذ لا نص خاصا عليه حسب الفرض، وبعبارة اخرى: ان هذا القياس قياس مع الفارق؛ اذالامام قد نص عليه وهو معصوم، والفقيه ليس كذلك.

وثانيا: لو اردنا ان نتشبث بهذا الدليل لكان مقتضاه نفي ولاية نفس الائمة المعصومين؛ اذ الناس لم ترجع اليهم‏في حياتهم لادارة شؤونهم السياسية والعامة من تحريك الجيوش وبسط النفوذ واصلاح الارض وتعمير البلاد.. مع‏ان هذا نقطع ببطلانه..
اذ للامام الولاية حتى لو قضى عمره في قعر السجون كما هو الحال بالنسبة للامام ‏الكاظم(ع).

وثالثا: بل لو تمسكنا بهذا الدليل لاجزنا ولاية اي انسان يتصدى لامور العباد لان مبرر ثبوت الولاية هو رجوع‏المرؤوسين في امورهم العامة الى الرئيس، والمفروض ان هذا الشخص يتصدى فعلا لادارة البلاد.. حتى لو كان‏هذا الشخص غير فقيه؛ اذ الناس ترجع للمتصدي للامور سواء كان فقيها او لم يكن فقيها، والمفروض ان ثبوت‏الولاية يستند على مجرد رجوع المرؤوسين الى الرئيس، وهو حاصل في غير الفقيه.. وهذا باطل جزما.

* الدليل الثالث:
ما ذكره في مصباح الفقاهة بالقول: «ان الولاية في الامور العامة بحسب الكبرى ثابتة عند العامة ‏بالسيرة القطعية، وان اشتبهوا في صغرى ذلك وتطبيقها على غير صغرياتها، الا ان ذلك لا يضر بقطعية الكبرى‏ الثابتة بالسيرة. اما الصغرى فهي ثابتة بالعلم الوجداني؛ اذ بعد ثبوت الكبرى فالامر يدور بين تصدي غير الفقيه‏على التصرف في الامور العامة، وبين تصدي الفقيه فيكون مقدما على غيره، وبالجملة نثبت الكبرى بالسيرة القطعية ‏والصغرى بالعلم الوجداني‏»((128)).

ويرد عليه: انا نسال عن هذه السيرة القطعية التي نثبت بها الولاية؟ فان كانت هي السيرة التي عاصرت الائمة‏المعصومين(ع)، والتي بسكوتهم عنها نستكشف حجيتها فان هذه قدرها المتيقن هو ثبوت الولاية للامام من اهل ‏البيت(ع) وليس ثبوت الولاية لشخص مجمل او لشخص مجهول او لشخص معلوم الفسق ليقال بثبوت اصل ‏الكبرى في هذا الدليل، وان كانت هي السيرة العامة في عصر الغيبة فانا لا نحرز هذا الامضاء لاحتمال كون الولاية ‏خاصة بالامام(ع)، ولا نحرز ذلك القدر المتيقن مع هذا الاحتمال ليقال بثبوتها للفقيه في زمان الغيبة.

والجواب: ان الامام(ع) انما يلحظ الزمان بامتداده الطويل وحاجة الشيعة والامة الاسلامية الى وال، ولاينظر الى‏زمانه او زمان سائر الائمة فقط، فيكون في الدليل قدر متيقن وهو الفقيه. وسوف ياتي ذكر هذا الوجه بشكل اكثرتفصيلا عند ذكر دليل سيرة المتشرعة، فانتظر.

* الدليل الرابع:
وهو يتالف من مقدمتين:
المقدمة الاولى: ان المسلمين مكلفون بتشكيل الحكومة بنحو الوجوب النفسي؛ وذلك لان الحكومة من ابرزمظاهر قوة المسلمين ووحدتهم، وقد امر اللّه باعداد القوة بقوله: «واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدواللّه وعدوكم وآخرين من دونهم‏»((129)). ولا اشكال في ان الحكومة من مصاديق القوة التي امر اللّه باعدادها، بخلاف‏التشرذم والتنازع والتفكك الذي نهى اللّه تعالى عنه بقوله: «ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم‏»((130)).

المقدمة الثانية: وحينئذ يدور امر ادارة الحكومة بين الفقيه وغيره، والثاني معلوم البطلان فيتعين الاول.
ويرد عليه: ان المقدمة الثانية لا تخلو من نقاش اذا فرضنا عدم دليل على تقدم الفقيه على غيره من عدول ‏المؤمنين في تولي امر الحكومة.

* الدليل الخامس:
وهو يتالف من مقدمتين ايضا:
المقدمة الاولى: ان العقل حاكم بضرورة الحكومة الاسلامية؛ اذ «ان الاحكام الالهية سواء الاحكام المربوطة ‏بالماليات، او السياسيات، او الحقوق لم تنسخ، بل باقية الى يوم القيامة، ونفس بقاء تلك الاحكام يقضي بضرورة‏ حكومة وولاية تضمن حفظ سيادة القانون الالهي وتتكفل لاجرائه، ولا يمكن اجراء احكام اللّه الا بها، لئلا يلزم ‏الهرج المرج، مع ان حفظ النظام من الواجبات الاكيدة، واختلال امور المسلمين من الامور المبغوضة، ولا يقوم بهذاولا يسد هذا الا بوال وحكومة. مضافا الى ان حفظ ثغور المسلمين عن التهاجم وبلادهم عن غلبة المعتدين ‏واجب عقلا وشرعا، ولا يمكن ذلك الابتشكيل الحكومة، وكل ذلك من اوضح ما يحتاج اليه المسلمون، ولا يعقل ‏ترك ذلك من الحكيم الصانع، فما هو دليل الامامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الامر عجل اللّه تعالى فرجه الشريف سيما مع هذه السنين المتمادية، ولعلها تطول والعياذ باللّه الى آلاف من السنين، والعلم عنده‏تعالى. فهل يعقل من حكمة الباري الحكيم اهمال الملة الاسلامية وعدم تعيين تكليف لهم؟ او رضي الحكيم‏ بالهرج والمرج واختلال النظام؟! ولم يات بشرع قاطع للعذر لئلا تكون للناس عليه حجة؟((131)).
ثم يتابع الامام الخميني(قدس سره) بالقول: «فان لزوم الحكومة لبسط العدالة والتعليم والتربية وحفظ النظم ورفع‏الظلم وسد الثغور والمنع عن تجاوز الاجانب من اوضح احكام العقول من غير فرق بين عصر وعصر او مصر ومصر»((132)).

المقدمة الثانية: «ان الحكومة الاسلامية لما كانت حكومة قانونية بل حكومة القانون الالهي فقط - وانما جعلت‏ لاجل اجراء القانون وبسط العدالة الالهية بين الناس - لابد في الوالي من صفتين هما اساس الحكومة القانونية،ولا يعقل تحققها الا بهما:

احداهما العلم بالقانون وثانيتهما العدالة، ومسالة الكفاية داخلة في العلم بنطاقه الاوسع،ولا شبهة في لزومها في الحاكم ايضا، وان شئت قلت: هذا شرط ثالث من اسس الشروط. فان الجاهل والظالم‏ والفاسق لا يعقل ان يجعلهما اللّه تعالى اولياء على المسلمين وحكاما على مقدراتهم وعلى اموالهم ونفوسهم مع ‏شدة اهتمام الشارع الاقدس بذلك، ولا يعقل تحقق اجراء القانون بما هو حقه الا بيد الوالي العالم ‏العادل‏»((133)).

فالعالم والعادل اي الفقيه هو القدر المتيقن الذي له الولاية بعد الفراغ من لزومها شرعا وعقلا وذاتا وطريقا (اي‏مقدمة) بخلاف غيره، فتثبت للفقيه الولاية دون غيره. وهذا الدليل امتن الادلة، الا ان صيغته المطروحة صيغة‏عامة يمكن اختصارها بصيغة من الصيغ التالية:

الصيغة الاولى: ان اقامة الحكومة الاسلامية من باب المقدمات الوجودية للواجبات المعلومة في الشريعة ‏الاسلامية نظير السفر للحج، فان وجوب السفر امر مفروغ منه بوصفه مقدمة وجودية للحج، وكتهيئة السلاح‏للجهاد فانه مقدمة وجودية للجهاد تجب بوجوبه.. وكذلك الحال في الحكومة، فانها مقدمة وجودية للكثير من ‏الواجبات في الشريعة الاسلامية كاقامة الحدود وحفظ النظام وامن البلاد ودفع العدو، فان جميع هذه الامور واجبة ‏شرعا وحيث ان هذه الامور لايمكن القيام بها بصورة فردية، بل لا بد من الحكومة، فتكون الحكومة مقدمة وجودية ‏فتجب اقامتها، ويكون على راسها العارف بتلك الواجبات.

الصيغة الثانية: لو لم تجب الحكومة الاسلامية لزم لغوية الكثير من الخطابات الشرعية نظير الامر باقامة الحدود«والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة‏»((134)) وغيرها من خطابات لزوم اقامة الحدود ونظير الامر باعداد القوة ‏لارهاب عدو اللّه: «واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل‏»((135)).
ونظير الامر بالمعروف والنهي عن المنكر كما في قوله تعالى: «ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن‏المنكر واولئك هم المفلحون‏»((136)) بناءا على ان المراد بالامة هنا هي الدولة كما هو احد تفسيرات الاية، وما شاكل ذلك‏من الخطابات التي لوحظ فيها الجماعة او حيثية عامة؛ اذ مع عدم اقامة الحكومة فانه لا يمكن اجراء حدود اللّه كما اراد، كما لا يمكن عمليا اعداد القوة اللازمة لارهاب العدو. ولذلك نجد بعد سقوط الدولة الاسلامية توقف‏ العمل بكثير من الاحكام الالهية، وسبب ذلك يرجع الى ان اجراء تلك الاعمال منوط بهيئة عامة تتولى متابعة تلك‏ الاحكام وتنفيذها على الساحة الاجتماعية.

الصيغة الثالثة: اذا لم تجب اقامة الحكومة يلزم تخلف الغرض من كثير من مقاصد الاسلام والشريعة الالهية، فمن‏مقاصد الشريعة ازالة الفحشاء والمنكر وتطهير النفوس وتربية العقول على الايمان باللّه وعلى الافكار الشامخة..وهذا الوجه يختلف عن الوجه الذي قبله؛ اذ ذلك كان مرتبطا بالخطابات الشرعية ولازما بلزوم امتثالها، وهناالحكومة لازمة لاجراء الاهداف والمقاصد التي يسعى الشارع لتحقيقها نظير نشر التعليم والتزكية والهداية وحفظ‏الاسرة والمجتمع واقامته على اساس متين.. ومن الواضح ان بعض هذه الامور - اذا لم نقل كلها - لا يمكن تحقيقه‏ من دون وجود حاكم اسلامي يخطط لانجاز تلك الاهداف، ويصرف عليها الاموال الطائلة. يقول الفيض الكاشاني: «فوجوب الجهاد، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى والافتاء، والحكم بين الناس‏بالحق، واقامة الحدود والتعزيرات، وسائر السياسات الدينية، من ضرورات الدين، وهو القطب الاعظم في الدين،والمهم الذي ابتعث اللّه له النبيين، ولو تركت لعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفتنة، وفشت الضلالة،وشاعت الجهالة، وخربت البلاد، وهلك العباد، نعوذ باللّه من ذلك‏»((137)).

وقد اشكل على المقدمة الثانية: ب‏: «ان الاخذ بما هو المتيقن انما يتصور عندما يتردد الامر بين دائرة واسعة ‏ودائرة اخرى ضيقة تقع ضمن الدائرة الواسعة، فيقال ان الدائرة الضيقة متيقنة على اي حال. اما اذا تردد الحال‏بين فروض متباينة مختلفة عن بعضها، فلا معنى لافتراض قدر متيقن فيه.

وموردنا من هذا القبيل، فاننا كما نحتمل‏ان تكون الولاية العامة بيد الفقيه، نحتمل ايضا ان تكون - في كثير من المجالات - بيد الاكثرية مثلا مع اشتراط‏اشراف الفقيه على الجوانب الفقهية للقوانين لضمان انسجامها مع الشريعة الاسلامية، وهو امر غير الولاية العامة ‏للفقيه.

وكذلك نلاحظ وجود مجالات حياتية عديدة لها خبراؤها الاخصائيون، وكما نحتمل ان تكون الولاية العامة‏ للفقهاء مع اعتمادهم على هؤلاء الخبراء في مل‏ء فراغ هذه المجالات، نحتمل ان تكون الولاية بيد الخبراء على‏ ان يراجعوا الفقهاء بقدرما يتصل بالفقه. ومن الواضح ان النتائج العملية قد تختلف باختلاف كون الراي النهائي‏ الحاسم لهذا او لذاك((138)).

الجواب: الا ان هذا الاشكال غير وارد على الصيغ الثلاث؛ وذلك لان الخبرة التي يحتاجها الفرد المسلم للولاية‏ على امته تستلزم وعيا رساليا وتهذيبا روحيا وذكاءا خارقا وحرصا على الامة، وهذه كما تجتمع في الفقيه قد تجتمع في غير الفقيه ايضا، ولكن الفقيه يتميز على الاخرين بوعيه في الشريعة، ومعرفته باحكام اللّه، فحينئذ تكون ‏الولاية مرددة بين دائرتين احدهما اضيق من الاخرى، فلا محالة يتعين الاخذ بالقدر المتيقن، وهو الفقيه دون‏سواه.

اما ما قيل من وجود مجالات حياتية عديدة لها خبراؤها الاخصائيون، فيكون الخبير والفقيه في عرض واحد، اي‏ضمن فرضين متباينين لا فرضين احدهما اوسع من الاخر ففيه:

ان المعرفة التخصصية غير دخيلة في الولاية على الامور؛ اذ الولي يحدد ويتخذ قرارات مركزية وعامة، ولايريدان يقدم بحثا حول طرق مكافحة الملاريا، اوميزات الطاقة الكهربائية المستخرجة من الشمس، نعم قد تفيده هذه ‏المعلومات في تشكيل قراره الا انه لا ضرورة ان يكون هو عالما بها، بل يكفي ان يستعين بالعارفين فيها، وفي‏موارد محدودة ليستطيع ان يتخذ القرار العام الذي يراه صالحا لتنمية ثروة المجتمع، وتطوير قدراته الاقتصادية اوالصناعية.

كما ان الولاية العامة تحتاج الى اطلاع واسع في مفاهيم الدين وتفاصيل الشريعة؛ لان المفروض ان الولي حاكم‏ باسم الاسلام وعلى اساس الاسلام. ومن الواضح ان حركة المجتمع، وما تعج به من تناقضات وعلاقات مؤثرة في‏نفس الانسان تحتاج الى علم واسع في علوم القرآن، وفلسفة الوجود، وقوانين الشريعة وهذه - او المهم منها - موجودة في الفقيه وغير موجودة في غيره حسب الفرض، والقرار الذي يتخذه القائد انما يتصل وتؤخذ حيثياته‏ من القوانين الاسلامية والروح الاسلامية الحاكمة في سن الاحكام، وليست من معرفة شروط تفاعلات كيمياوية ‏معقدة لتغيير عنصر الى آخر.

وينبغي - وقبل تناول دليل الحسبة على ولاية الفقيه - الاشارة الى الفوارق الاساسية بين دعوى ضرورة الولاية‏ التي يعتمدها الدليل الخامس، وبين دعوى الحسبة التي يعتمدها الدليل السادس وهي كما يلي:

الفرق الاول: ان دليل ضرورة الولاية ناظر الى الاسلام بوصفه عقيدة الهية ونظاما سياسيا واجتماعيا واقتصاديا يجب تحكيمه في حياة المجتمع الذي يؤدي الى ضرورة هيئة حاكمة وولي عام يباشر الولاية ويسهر على ذلك‏ التحكيم، بينما دليل الحسبة ناظر الى مجموعة افعال خارجية نقطع بعدم رضى الشارع باهمالها نظير حفظ مال‏الغائب والولاية على اليتيم، وغسل الميت والدفاع عن المجتمع وتعليم الناس وما شاكل من اعمال لامناص من‏وقوعها خارجا.

الفرق الثاني: ان نطاق عمل دليل الضرورة اوسع من نطاق عمل دليل الحسبة؛ لان الاول يتناول جميع الاعمال ‏الدخيلة في ادارة المجتمع نظير توظيف الرساميل في بعض البلدان البعيدة مثلا، او الالزام بجدول صحي وتعليمي‏خاص داخل المجتمع، فان كل ذلك يتناوله دليل الضرورة، اما دليل الحسبة فهو لا يتناول الا الاعمال الفردية، اوالاجتماعية التي يجب وقوعها، والا ادى تركها الى فوضى في الاوضاع العامة للمجتمع.

الفرق الثالث: ان دليل الضرورة يقتضي وجود حاكم اسلامي يباشر اعمال الولاية وتجب طاعته امتثالا لقوله تعالى: «اطيعوا اللّه واطيعوا الرسول واولي الامر منكم‏»((139)).
اما دليل الحسبة، فهو لا يقتضي وجود حاكم ولا يقتضي وجوب طاعته، بل لو لم يكن الشخص الواحد وافيابالغرض فانه يتوجه على الاخرين تكليف مستقل بوجوب المشاركة.

الفرق الرابع: ان دليل ضرورة الولاية يقتضي ولاية الفقيه؛ وذلك لان دليل الولاية ناظر الى ضرورة تطبيق احكام ‏الاسلام على المجتمع، ومن الواضح ان القدر المتيقن من الولاية هو ولاية الشخص الفقيه العارف بتلك الاحكام؛اذ من غير المعقول ان يكون سبب الولاية ارادة تطبيق احكام الاسلام ولكن في مقام الولاية ينصب شخص لايعرف الا النزر اليسير من الفقه الاسلامي، اذ ولاية هذا الشخص لا تنسجم مع اصل الدليل، اما دليل الحسبة فهولا يقتضي ولاية الفقيه، بل يكفي اي مسلم عادل يملك القدرة على تولي العمل والقيام به.

الفرق الخامس: ان كل عمل تراه الحكومة لازما ومن شان الحكومة القيام به يكون التصدي له مشروعا، وان كان‏تركه لا يؤدي الى الفوضى في اوضاع المجتمع، اما دليل الحسبة فلا يشمل العمل مالم يبلغ مرتبة بحيث يؤدي‏تركه الى فوضى والى سخط الشارع وعدم رضائه عن ذلك الترك.

الفرق السادس: في الموارد التي نشك في دخولها تحت دليل الولاية او عدم دخولها فان نظر الحاكم او تصويب‏ هيئة الحكومة على لزوم فعل معين ينقح موردا لاطلاق ادلة الولاية العامة؛ وذلك لان نظر هيئة الحكومة ونظرالوالي يحقق موضوع دليل وجوب الولاية العامة؛ هذا بناء على قابلية دليل الولاية للاطلاق. ولو قيل بان هذا الدليل عقلي وليس دليلا لفظيا لكي يتمسك باطلاقه.

نقول: ان الموضوعات التي نجزم بدخولها تحت الولاية نظير اعداد جيش للدفاع عن المسلمين ونظير فتح المراكزالصحية انما هو على اساس نظر الهيئة الحاكمة وتشخيصها لضرورة تلك الاعمال ومن شان الحكومة القيام بها،فتكون الموارد الجديدة داخلة تحت الولاية حسب مقتضى هذا النظر تحت ولاية الحاكم.

اما دليل الحسبة فانه لابد من القطع بان المورد مما لا يرضى الشارع بتركه، فاذا شككنا في مورد في رضى‏الشارع بتركه وعدمه؟ فالاصل عدم الولاية. وهذه نتيجة مهمة تترتب على دليل ضرورة الولاية، ولاتترتب على‏دليل الحسبة.

* الدليل السادس:
وهو يقوم على اساس الحسبة، وهذا الوجه مركب من مقدمتين:
احداهما - احراز عدم رضى الشارع بفوات المصالح واضمحلال الاحكام التي تبطل وتضمحل بفقدان السلطة‏ والحكومة الاسلامية، او قل: عدم رضاه بترك حكم البلاد وادارة امور المسلمين بيد الكفار او الفسقة والفجرة رغم‏فرض امكان الاستيلاء عليها من قبل المؤمنين الذين لا يسرهم الا اعلاء كلمة اللّه، ولا يحكمون - لو حكموا - الابما انزل اللّه.
وهذه المقدمة ضرورية واضحة لاينبغي لاحد التشكيك فيها فقهيا.

والثانية - تعين الفقيه لهذه المهمة لاحد سببين: اما لورود الدليل على اشتراط الفقاهة في قائد الامة الاسلامية، واما لانه القدر المتيقن في الامور الحسبية ولا بد من الاقتصار عليه في مقام الخروج عن اصالة عدم ‏الولاية((140)).

اما الشق الثاني من المقدمة الاولى فيرد عليه:

انه لا يمكن تطبيق دليل الحسبة على عنوان الحكومة؛ اذ لا يقطع فعلا بعدم رضا الشارع بتركها لتدخل في باب‏الحسبة، فلو امكن القيام بالاعمال المطلوبة والتي يقوم بها المجتمع لا تكون حاجة الى الحكومة ونطبق دليل‏الحسبة على تلك الافعال مباشرة، وانما صارت الحكومة مطلوبة لانها واسطة للقيام بتلك الاعمال، نعم الشق الاول‏من المقدمة الاولى، وهو احراز عدم رضى الشارع بفوات المصالح واضمحلال الاحكام التي تبطل بفقدان السلطة‏الاسلامية صحيح، ويمكن تطبيق دليل الحسبة عليه.

اما المقدمة الثانية فقد ذكر صاحب كتاب (ولاية الامر في عصر الغيبة) روايات عديدة للاستدلال عليها نظير«اللهم ارحم خلفائي‏»، ونظير قول الامام علي(ع): «ايها الناس ان احق الناس بهذا الامر اقواهم عليه واعلمهم بامراللّه فيه‏»((141))، ونظير ما ورد عن الامام الرضا(ع) انه قال: «فكيف لهم باختيار الامام، والامام عالم لا يجهل وراع‏ لاينكل معدن القدس والطهارة والنسك‏»((142)).

ثم اشكل عليها قائلا: بعد الاعتراف بعدم دلالة هذه الروايات على مبدا ولاية الفقيه العامة، فهي انما تدل على‏ان الفقهاء هم منار الطريق في فهم الشريعة، وهم مشعل الهداية والنور، وهذا كما ينسجم مع افتراض اعطاءالسلطة والحكم بيد احدهم في فرض بلوغ الامة مستوى استلام زمام الحكم كذلك ينسجم مع افتراضها في يدانسان عادل امين غير فقيه متقيد بالرجوع فيما يكون للتخصص الفقهي دخل فيه الى الفقيه‏»((143)).

اقول: هذا الاشكال غير وارد؛ وذلك:
اولا: ان ولاية الامور ليست مسؤولية سهلة بحيث يستطيع كل انسان مسلم عادل ان يمارسها؛ اذ القيادة الاسلامية‏بحاجة الى علم وفن سياسي وذوق اجتماعي واخلاق فذة لكي يباشر صاحبها ولاية الامور، اترى هل يمكن‏ ارجاع المريض الى دكتور بيطري، او ارجاع نصب محطة كهربائية الى قاضي او نزاع في مال الى مهندس ‏ميكانيكي؟! كذلك قيادة المجتمع، والناس بحاجة الى صفات ومؤهلات، ولا يكفي كون الشخص مسلما وعادلا في قيادة المجتمع ما لم تتوفر فيه مؤهلات وكفاءات عالية.

وثانيا: اننا نرى ان عملية اتخاذ القرار عملية معقدة اذا كان يراد به قرارا يتمتع بوصف اسلامي ويراعي مصالح‏ الناس، وينطبق مع القيم والمقاييس الاسلامية، وتامين ذلك بحاجة الى معرفة عميقة بالفقه الاسلامي وعلوم القرآن ‏وسيرة النبي(ص) والائمة الاطهار(ع)؛ اذ المطلوب - حسب الفرض - اتخاذ قرار يعالج مشكلة اقتصادية معينة‏كارتفاع الاسعار او يعالج مشكلة اجتماعية خاصة كزيادة النسل في اطار الاسلام وقيمه وقوانينه العامة في هاتين ‏المسالتين، وفي مجمل قضايا الاقتصاد والاجتماع من زاوية الاسلام. وليس المطلوب معالجة هاتين المشكلتين ‏بصورة ناجحة ولو كان على حساب ظلم الاخرين، او تناسي مبادئ وقيم اسلامية اساسية.

القسم الثالث - السيرة:

الف) السيرة العقلائية:
ويمكن التمسك لاثبات الولاية للفقيه في الامور العامة بالسيرة العقلائية وبسيرة المتشرعة‏على توضيح سنشير اليه بعد قليل ضمن التقريبات التالية:

التقريب الاول: التمسك بالسيرة العقلائية لاثبات ولاية الفقيه؛ وتقريب ذلك في مقدمات:

المقدمة الاولى: ان داب العقلاء في المجتمع الانساني منذ فجر وجود التجمع الانسان والى هذا اليوم على تسليم‏ ولاية الامور لشخص معين حيث يقوم بحفظ الامن، واعداد القوة للدفاع عن البلاد وتصريف امور البلد.
المقدمة الثانية: حيث ان هذه السيرة عقلائية بل وضرورية، فلا محالة لو كان قد ردع عنها الامام(ع) لوصل ذلك، وحيث لم يصل الينا شى‏ء من الردع نثبت اصل ثبوت الولاية لشخص.
المقدمة الثالثة: ان ولاية الامور الثابتة لشخص كما تبين في المقدمة الثانية، يدور امرها بين ثلاثة اشخاص: شخص‏ فاسق، او شخص مؤمن غير فقيه، او شخص فقيه. ومن الواضح بطلان الاول وكذلك بطلان الثاني ايضا؛ اذ لانحتمل ان الشارع يرجح غير الفقيه على الفقيه في الولاية على الامور، فيتعين الاحتمال الثالث.

ولكن يرد على المقدمة الثالثة: انه بناء على تساوي الفقيه وغير الفقيه من المؤمنين العدول في الخبرة والدراية ‏في ادارة امور البلاد وفي تصريف شؤون الناس، فلا موجب لترجيح الفقيه على غيره من العدول، بل مع ثبوت‏ خبرة العدل في ادارة الجيش مثلا فلابد من تقديمه على الفقيه.

«فالامور التي يرجع فيها الى الفقيه ليست دائما امورا سياسية تحتاج الى الرئيس كبيع مال اليتيم وحفظ مال‏ا لغائب ونحوه لوضوح قيام العدل مقام الفقيه عند تعذره مع عدم لزوم المحذور، بل ربما يكون ولاية الفقيه في‏بعض هذه الامور مترتبة على ولاية غيره كولايته على الصغير المترتبة على ولاية الاب والجد ونحوها، مضافا الى‏ان بعض تلك الامور التي لابد منها من الرئيس فايكال امرها اليه من حيث نظره مكمل لنقص غيره، ومثل هذاالامر يتوقف على نظر من كان له بصيرة تامة فوق انظار العامة، والفقيه بما هو فقيه اهل النظر في مرحلة الاستنباط‏دون الامور المتعلقة بتنظيم البلاد وحفظ الثغور وتدبير شؤون الدفاع والجهاد وامثال ذلك، فلا معنى لايكال هذه ‏الامور الى الفقيه بما هو فقيه وانما فوض امرها الى الامام(ع)؛ لانه اعلم الناس بجميع السياسات والاحكام، فلايقاس بغيره ممن ليس كذلك. فالانصاف ان هذا الوجه ايضا غير تام في اثبات هذا المرام‏»((144)).

ولكن يرد على تقديم غير الفقيه على الفقيه او التساوي بينهما في الولاية: ان الولاية في امور الجيش مثلا ليست‏منوطة بمعرفة فنون القتال ونظريات التدريب العسكري فقط، بل يتدخل فيها معرفة اهداف القتال وموازنة الارباح‏ العسكرية بالارباح المبدئية في حالتي الاستمرار والتوقف في الحرب، وهذه امور لا يعرفها الا الفقيه، فلا محالة ‏يكون هو الولي فيها؛ لان خبرته في القضايا الاساسية للجيش، بينما الخبير خبرته انما هي في الامور الفنية، ولامحالة ان الولاية لصاحب الخبرة بالامور الاساسية مقدمة على الولاية لصاحب الخبرة الفنية اذا لم يقترن معهامعرفة بالاهداف العليا والسعي نحو تطبيقها.

ب) التمسك بسيرة المتشرعة:
وهو يعتمد على اثبات سيرة متشرعية ولو عند العامة، فنقول: ان الولاية في الامورالعامة بحسب الكبرى ثابتة عند العامة بالسيرة القطعية وان اشتبهوا في صغرى ذلك وتطبيقها على غير صغرياتها، الاان ذلك لا يضر بقطعية الكبرى الثابتة بالسيرة.

واما الصغرى فهي ثابته بالعلم الوجداني؛ اذ بعد ثبوت الكبرى، فالامر يدور بين تصدي غير الفقيه على‏التصرف في الامور العامة وبين تصدي او اختيار الفقيه في ذلك، فيكون مقدما على غيره. وبالجملة نثبت الكبرى ‏بالسيرة القطعية والصغرى بالعلم الوجداني((145)).

وقد اورد على الكبرى وهي ثبوت الولاية في الامور العامة للرئيس بانا نحتمل ان ذلك من خلط العامة كما خلطوا في الصغرى ايضا((146)).

وفيه: ان انعقاد السيرة على شي‏ء وثبوت حجيتها باحدى طرق الاثبات كاف في دفع احتمال الخلط؛ اذالمفروض عدم الشك في انعقاد السيرة على ذلك الشي‏ء - اي على ثبوت الولاية في الامور العامة لشخص -ويمكن اثبات حجية هذه السيرة بما يلي:

اولا: عدم وصول ردع الينا عن هذه السيرة؛ اذ لو كانت سيرة لا يرضى بها الامام(ع) لردع عنها كما ردع عن ‏صغراها، اي عدم رضاه عن تولي غيره الحكم، بل ان عدم الردع هنا اقوى دلالة على حجية هذه السيرة عنها في ‏موارد اخرى؛ لان هذه السيرة مما تبانى العقلاء عليها فضلا عن اهل الاسلام، فلو كانت سيرة غير مرضية عندالامام لتظافر الردع عنها والقدح فيها، كما تظاهر الردع عن سيرة اهل السنة القائمة على العمل بالقياس ‏والراي.

ثانيا: حيث ان مسالة الولاية من المسائل التي ابتلي بها الشيعة، بل الامة الاسلامية برمتها، فلا محالة يكون‏ الشيعة قد سالوا الامام عنها.. والامام(ع) قد اجاب عنها، ولكن هذه الروايات ضاعت من ايدي رواة‏ الحديث.

يقول السيد البروجردي: «انه لما كانت هذه الامور والحوائج الاجتماعية مما يبتلى بها الجميع مدة عمرهم غالبا، ولم يكن الشيعة في عصر الائمة متمكنين في الرجوع اليهم(ع) في جميع الحالات، كما يشهد بذلك - مضافا الى ‏تفرقهم في البلدان - عدم كون الائمة مبسوط‏ي اليد بحيث يرجع اليهم في كل وقت، لاي حجة اتفقت، فلا محالة‏ يحصل لنا القطع بان امثال:

زرارة ومحمد بن مسلم وغيرهما من خواص الائمة سالوهم عمن يرجع اليه في مثل‏تلك الامور العامة البلوى، التي لا يرضى الشارع باهمالها، بل نصبوا لها من يرجع اليه شيعتهم اذا لم يتمكنوا منهم(ع)، ولا سيما مع علمهم(ع) بعدم تمكن اغلب الشيعة من الرجوع اليهم، بل عدم تمكن الجميع في عصرغيبتهم التي كانوا يخبرون عنها غالبا، ويهيئون شيعتهم لها.

وهل لاحد ان يحتمل انهم(ع) نهوا شيعتهم عن الرجوع الى الطواغيت وقضاة الجور، ومع ذلك اهملوا لهم هذه ‏الامور، ولم يعينوا من يرجع اليه الشيعة في فصل الخصومات، والتصرف في اموال الغيب والقصر والدفاع عن ‏حوزة الاسلام ونحو ذلك من الامور المهمة التي لا يرضى الشارع باهمالها؟ وكيف كان.. فنحن نقطع بان صحابة الائمة(ع) سالوهم عمن يرجع اليه الشيعة في تلك الامور مع عدم التمكن ‏منهم(ع) وان الائمة(ع) ايضا اجابوهم بذلك، ونصبوا للشيعة مع عدم التمكن منهم(ع) اشخاصا يتمكنون منهم اذا احتاجوا. غاية الامر سقوط تلك الاسئلة والاجوبة من الجوامع التي بايدينا، ولم يصل الينا الا ما رواه عمر بن‏حنظلة وابو خديجة.

واذا ثبت بهذا البيان النصب من قبلهم(ع) وانهم لم يهملوا هذه الامور المهمة، التي لا يرضى الشارع باهمالها - ولاسيما مع احاطتهم بحوائج شيعتهم في عصر الغيبة - فلا محالة يتعين الفقيه لذلك؛ اذ لم يقل احد بنصب‏غيره، فالامر يدور بين عدم النصب، وبين نصب الفقيه العادل.

واذا ثبت بطلان الاول بما ذكرنا صار نصب الفقيه مقطوعا به، وتصير مقبولة ابن حنظلة من شواهد ذلك، وان‏شئت ترتيب ذلك على النظم القياسي فصورته هكذا: اما انه لم ينصب الائمة(ع) احدا لهذه الامور العامة البلوى، واما ان نصبوا الفقيه لها.لكن الاول باطل، فثبت الثاني.

فهذا قياس استثنائي مؤلف من قضية منفصلة حقيقية وحملية دلت على رفع المقدم، فينتج وضع التالي.. وهوالمطلوب‏»((147)).