الصفحة التالية

الصفحة السابقة

ثم خلص بعد ذلك الى القول بان: «من الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك، بل كانه ما ذاق من طعم الفقه‏شيئا، ولا فهم من لحن قولهم ورموزهم امرا، ولا تامل المراد من قولهم: «اني جعلته عليكم حاكما وقاضيا وحجة‏ وخليفة‏» - الى ان قال: - وبالجملة فالمسالة من الواضحات التي لا تحتاج الى ادلة‏»((190)).

وقد ادعى المحقق النراقي الاجماع صريحا على ثبوت ولاية القضاء واقامة الحدود للفقهاء في عصر الغيبة وذكران ذلك من الضروريات المسل مة، مضافا الى ان ذلك هو مقتضى النيابة عن المعصوم(ع)، ومقتضى عدم رضاه‏ سبحانه بتعطيل الحدود وبقاء الخصومات بين الناس، مما يلزم منه وجوب النصب، ولا احد يتولى ذلك غيرالفقيه الجامع للشرائط.

هذا كله مضافا الى الروايات الواردة في ذلك((191)).

ولسنا بحاجة الى سرد كلمات الفقهاء في اثبات مثل هذا المنصب للفقهاء بعد شمول الادلة السابقة لولاية الفقيه‏له وانه من اهم وظائف الحاكم الاسلامي، سيما وانه قد ورد في الكتاب الالزام والتاكيد على اتباع ولي الامر،المتجسد بالفقيه في عصر الغيبة، كما ورد الامر بالرجوع الى الله والرسول في المنازعات وعدم جواز الترافع الى‏الطاغوت وان الحكم بغير «ما انزل الله» هو على حد الكفر، وعدم النصب يلزم منه تعطيل الاحكام وهو مما لا يلتزم‏به احد؛ اذ لا فرق بين عصر الغيبة والحضور في لزوم اجراء الاحكام، مع لزوم الاهمال لذلك تحقق الهرج والمرج ‏وضياع الحقوق.

يضاف الى ذلك كله الروايات الكثيرة الواردة في هذا المضمار التي قد يخدش في سندها، ولكن اذا ضم اليها ماقدمناه من الشواهد والادلة كان ذلك كافيا في الحكم بصدورها منهم(ع).

ومن تلك الاخبار الكثيرة ما رواه حفص‏ابن غياث قال: سالت ابا عبد الله(ع): من يقيم الحدود؛ السلطان او القاضي؟ فقال: «اقامة الحدود الى من اليه‏الحكم‏»((192)).

ومقبولة عمر بن حنظلة ورواية ابي خديجة وهما غاية في الصراحة، بما لا يقبل التشكيك والتردد في دلالتهما. وكذا الامر في التوقيع الشريف.

وورد في رواية علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر(عليهما السلام) قال: سالته عن يهودي او نصراني، اومجوسي اخذ زانيا، او شارب خمر ما عليه؟ قال: «يقام عليه حدود المسلمين اذا فعلوا ذلك في مصر من امصارالمسلمين او في غير امصار المسلمين اذا رفعوا الى حكام المسلمين‏»((193)).

ان جميع الروايات الواردة في اقامة الحدود والتي توجب ذلك على الامام((194)) - بعد المطالبة به في حقوق‏ الناس خاصة - تدل على ثبوت مثل هذا الحق للامام، بل انه مما يجب عليه القيام به. ولا دليل على اختصاص ‏لفظ (الامام) الوارد فيها بالمعصوم(ع) خاصة، بل هو شامل للفقيه ايضا؛ وذلك:

اولا - انه قد ورد في بعض تلك الاخبار التعبير ب‏«الامام بحق‏»، ويراد به ونظائره ما قابل الامام الجائر.
وثانيا - انه قد قامت القرائن القطعية من الخارج على عدم امكان الحكومة واقامة الحدود لحكام الجور، فيتعين‏ان يكون المراد من الامام في هذه الاخبار هو الامام العادل الامين العالم الجامع للشرائط وهو الفقيه عند غياب‏المعصوم(ع)، الى غير ذلك من الروايات والشواهد الكثيرة جدا والتي قد يدهش المرء من كثرتها، وهي تدل على‏ما قلناه بوضوح.

ومن هنا فقد جزم الشيخ المفيد بان «اقامة الحدود الى سلطان الاسلام المنصوب من قبل الله تعالى، وهم ائمة ‏الهدى من آل محمد(ع)، ومن نصبوه لذلك من الامراء والحكام وقد فوضوا النظر فيه الى فقهاء شيعتهم مع‏الامكان - الى ان قال: - وللفقهاء من شيعة الائمة(ع) ان يجمعوا باخوانهم في الصلوات الخمس، وصلوات ‏الاعياد، والاستسقاء، والكسوف، والخسوف، اذا تمكنوا من ذلك وامنوا فيه من معرة اهل الفساد ولهم ان يقضوا بينهم بالحق. ويصلحوا بين المختلفين في الدعاوى عند عدم البينات، ويفعلوا جميع ما جعل الى القضاة في ‏الاسلام؛ لان الائمة(ع) قد فوضوا اليهم ذلك عند تمكنهم منه بما ثبت عنهم في الاخبار، وصح به النقل عند اهل المعرفة به من الاثار»((195)).

ولا يخفى ما لكلامه(قدس سره) من الاهمية البالغة لعظمة شانه بين فقهائنا وتقدمه وقربه من عصر النص، ولذافقد نقل عنه الشيخ الحر العاملي مقاطع من كلامه هذا - وكانها متون روايات - في كتابه الروائي (وسائل ‏الشيعة).

وقد عد المحقق النراقي في عداد ما للفقيه من وظائف اقامة الحدود والتعزيرات الا انه صرح انهم قد «اختلفوا في ثبوت ولايتها للفقيه في زمن الغيبة‏».

وثمة موارد اخر تسالم الفقهاء على اعتبارها من وظائف الفقيه وله فيها الولاية، كالافتاء، فلهم ولايته وعلى الرعية‏اتباعهم في فتاويهم، ولا شك في ثبوت ذلك لهم. وتدل عليه الادلة الكثيرة وهي مذكورة في مظانها.

وايضا الولاية على اموال الايتام، وهو موضع اجماع، بل هو - كما قال النراقي - من الضروريات ومما قام عليه‏الاجماع القطعي، والمنقول منه متواتر، وقد ادعى ذلك ايضا في اموال المجانين والسفهاء مضافا لدلالة الكتاب ‏والسنة.

وهناك موارد اخرى قد ذكرت، الا انها بحاجة الى بحث في بعض احكامها وحدودها بعد تسليم اصلها. ولامجال للتعرض لذلك في هذا المقال.

نتائج البحث:

نخلص مما تقدم الى النقاط التالية:
 1. ان حاكمية الدين في المجتمع اصل مسلم وضروري، لا يمكن لمسلم منصف انكاره.

2. ان هذا الاصل لا يختص بزمان دون زمان، وان مما تقتضيه الحكمة والرافة الالهية تنصيب من يقوم بامرالحكومة لتحقيق حاكمية الدين وبسط العدل والقسط وحفظ حقوق الضعفاء.

3. ان الذي يمكن ان يتصدى لمثل هذا الدور الخطير هم الفقهاء العدول الجامعون للشرائط.

4. ان هذه الولاية مطلقة يتمتع فيها الحاكم باختيارات تامة تفي بتحقيق الاهداف المذكورة في النقطة الثانية. نعم‏تتاطر هذه الولاية بحدود الموازين الشرعية والمصالح العامة للمجتمع الاسلامي.

مطارحات علمية حول نظرية ولاية الفقيه

الشيخ حسن الممدوحي

مقدمة:

طرحت فكرة ولاية الفقيه على الصعيد الفقهي في فترة متقدمة من تاريخ الفقه، كما ورد التعبير بالحاكم والسلطان‏العادل في كثير من الابواب الفقهية، والمراد به الامام المعصوم في حال الحضور او الفقيه الجامع للشرائط، على ماصرح به الشهيد الثاني والمحقق الكركي وفخر المحققين والمحقق القمي والسيد المجاهد(قدس سره) في بحوث: الوصية، والجزية، والولاية على الصغار.

والابواب التي ورد فيها التعرض لولاية الحاكم عديدة من الفقه، كباب: الوصايا والنفقات، والامر بالمعروف ‏والنهي عن المنكر، والقضاء، وجوائز السلطان، والخمس، والمتاجر، والحدود والتعزيرات، والديات، والجهاد والدفاع، والوقف، والجزية، والبيع (التصرف في اموال اليتيم)، وصلاة الجمعة، والاحتكار، واللقطة، والحجر، والرهن، والوكالة، والغصب، والقصاص، والطلاق، والمزارعة والمساقاة، والدين، واللعان، والمرتد، والايمان، والاجارات، والمفلس، وغير ذلك من الابواب التي ورد فيها الرجوع الى الحاكم ووجوب اتباع امره.

ولعل المحقق النراقي قد ارتكز في دعواه الاجماع لثبوت الولاية المطلقة للفقيه على هذا العرض الواسع لولاية‏ الحاكم في الابواب الفقهية المشار اليها.

نعم، لم تبحث هذه المسالة بشكل مستقل في بحوث الفقهاء وابواب الفقه المختلفة، وانما بحثت في ضمن‏ بعض المسائل والاحكام. وقد قام النراقي - وهو اول من بادر - بدراسة المسالة بشكل مستقل ومفصل نسبيا،مدعيا قيام الاجماع على ثبوت الولاية للفقيه، بل الضرورة والبداهة.

قال(قدس سره): «المقام الثاني: في بيان وظيفة العلماء الابرار والفقهاء الاخيار في امور الناس وما لهم فيه الولاية ‏على سبيل الكلية، فنقول: ان كلية ما للفقيه العادل توليه وله الولاية فيه امران:

احدهما: كل ما كان للنبي(ص) والامام(ع) الذين هم سلاطين الانام وحصون الاسلام - فيه الولاية وكان لهم‏ فللفقيه ايضا ذلك.
الثاني: كل فعل متعلق بامور العباد في دينهم او دنياهم ولابد من الاتيان به... والدليل على الاول بعد ظاهرالاجماع حيث نص به كثير من الاصحاب بحيث يظهر منهم كونه من المسلمات، ما صرحت به الاخبار - ثم‏اورد تسع عشرة رواية على ذلك وتبعها ببيان عقلي على ذلك فقال -:
واذا اردت توضيح ذلك فانظر الى انه لو كان حاكم او سلطان في ناحية واراد السفر الى ناحية اخرى، وقال في‏حق شخص بعض ما ذكر (في الاخبار الواردة في شان الفقهاء) فضلا عن جميعه وقال: فلان خليفتي، ومثلي، واميني، والكافل لرعيتي، والحاكم من جانبي، وحجتي عليكم والمرجع في جميع الحوادث لكم، وعلى يده مجاري ‏اموركم واحكامكم، فهل يبقى لاحد شك في انه لو فعل كل ما كان للسلطان في امور رعية تلك الناحية الا ما استثناه، وما اظن احدا يبقى له ريب في ذلك، ولا شك ولا شبهة.

ولا يضر ضعف الاخبار بعد الانجبار بعمل الاصحاب، وانضمام بعضها ببعض، وورود اكثرها في الكتب ‏المعتبرة‏»((196)).

ثم قال: «ان الامور التي هي وظيفة الفقهاء ومنصبهم ولهم الولاية فيه كثيرة ونذكر بعضها» ثم ذكر منها احد عشرموردا هي:
1. الافتاء.
2. القضاء.
3. الحدود والتعزيرات.
4. اموال اليتامى.
5. اموال المجانين والسفهاء.
6. النكاح.
7. ولاية ‏الايتام والسفهاء.
8. استيفاء الحقوق.
9. التصرف في اموال الايتام.
10. كل فعل ثبت مباشرة الامام له من امورالرعية.
11. كل فعل لابد من ايقاعه لدليل عقلي او شرعي((197)).

ثم بين ان تلك القاعدة الكلية التي اشرنا اليها في كلامه تبتني على اصلين:
الاول: ان كل امر يرتبط بامور المجتمع الاسلامي، لابد وان يتم على يد الحاكم، ولابد ان ينصب الشارع الرؤوف ‏الحكيم عليه واليا وقيما.
الثاني: ان كل من يمكن ان يكون وليا ويحتمل ثبوت الولاية له، يدخل فيه الفقيه قطعا... فكل من يجوز ان يقال‏ بولايته يتضمن الفقيه.

والمتحصل من جميع كلامه(قدس سره): ان الله تعالى لم يكل امر عباده الى احد، ولم يجعل لاحد على احد ولاية؛ لعدم امتياز احد منهم على احد، فالجميع سواسية، بيد انه سبحانه قد اقام في بعض المسائل الاجتماعية‏ المستعصية والتي لا يقوى العباد على حلها قيما ووليا لتنفيذ حكمه سبحانه وتطبيقه، وقد صرح بذلك في اول‏بحثه قائلا: «ان الولاية من جانب الله ثابتة لرسوله واوصيائه المعصومين(ع)، وهم سلاطين الانام، وهم الملوك ‏والولاة والحكام، وبيدهم ازمة الامور»((198)) وقد اقاموا(ع) في حال غيبتهم نائبا ووليا على الناس.

وممن بحث المسالة من الفقهاء - في موارد عديدة واكثر تفصيلا -المحقق النجفي صاحب الجواهر حيث‏ بحثها مفصلا في بحث الامر بالمعروف والنهي عن المنكر((199)) ثم قال في آخر بحثه: «فمن الغريب وسوسة بعض‏ الناس في ذلك (اي اقامة الحدود والاذن في الجهاد والدفاع و... الخ) بل كانه ما ذاق من طعم الفقه شيئا ولا فهم‏ من لحن قولهم ورموزهم امرا - الى ان قال: - وبالجملة فالمسالة من الواضحات التي لا تحتاج الى ادلة‏»((200)).

ونظيره في دعوى البداهة والضرورة ما افاده السيد البروجردي‏ (قدس سره) على ما في تقريرات درسه - حيث قال: «اتفق‏ الخاصة والعامة على انه يلزم في محيط الاسلام وجود سائس وزعيم يدبر امور المسلمين، بل هو من ضروريات‏ الاسلام، وان اختلفوا في شرائطه وخصوصياته وان تعيينه من قبل رسول الله(ص) او بالانتخاب العمومي‏»((201)).

اثارات ومناقشات حول ادلة ولاية الفقيه:

حاولنا في هذا المقال تسليط الضوء على ما اثاره الاستاذ مهدي الحائري (رحمه الله) من مناقشات لادلة المحقق‏ النراقي(قدس سره) في اثبات ولاية الفقيه، فقد كتب في رسالة تحت عنوان «الحكمة والحكومة‏» ذهب فيها الى ان‏ مفهوم الحكومة ليس مفهوما حقوقيا بمعنى الحاكمية والسلطة، بل مفهوم اخلاقي منتزع من الحكمة العملية، بمعنى ان ينبري الناس الى انتخاب شخص من بينهم لادارة امورهم الاجتماعية مع مراعاة الضوابط والمعاييرالخلقية في ذلك، من دون ان يكون له ولاية وقدرة وامر ونهي.

وبعبارة ثانية: انه لا يراد من الحكومة المعنى المصطلح لها من الحاكم والحكومة، بل هي امر خلقي في العلاقات‏ الاجتماعية.

واما المناقشات والاشكالات التي اثارها المرحوم الحائري فهي:

الاشكالية الاولى:
حول التوقيع الشريف المروي عن الامام المهدي عجل الله فرجه، والذي رواه الشيخ الصدوق في اكمال الدين‏بسندمتصل، والشيخ الطوسي في كتاب الغيبة والطبرسي في الاحتجاج والحر العاملي في الوسائل عن محمد بن‏يعقوب عن اسحاق بن يعقوب قال: سالت محمد بن عثمان العمري ان يوصل لي كتابا قد سئلت فيه عن مسائل‏ا شكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان صلوات الله عليه: «اما ما سالت عنه ارشدك الله وثبتك -الى ان قال - واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله»((202)).

وقد ذكر الشيخ الاعظم الانصاري(قدس سره) ان من جملة من له الولاية في التصرف باموال الغير، هو الحاكم اي‏الفقيه الجامع للشرائط، وقد تمسك(قدس سره) بهذا التوقيع الشريف، معتبرا ان المراد من الحوادث الواقعة فيه هومجموع الامور التي لا يسوغ لعامة الناس توليها، وليس المراد بها المسائل الفرعية((203)).

وقد اورد المناقش على الاستدلال بهذا التوقيع بما حاصله:
ان معنى الحجة الوارد في الحديث لا علاقة له بالحكومة، فان الحجة هي ما يحتج به المولى على العبد، ومايحتج به العبد على المولى. واي ربط لاحتجاج المولى والعبد بامر الحكومة وادارتها؟! فان مسائل السياسة هي‏ امور جزئية ومتغيرة في حين ان فتوى الفقيه ثابتة وكلية.

والجواب:
اولا: ان الحجة تاتي بمعنى القصد، واطلاقها في البرهان على الحد الاوسط باعتبار ان احد الخصمين يقصد اثبات مدعاه للاخر، وبهذا المعنى ايضا تطلق على القياس البرهاني وعلى الشاهد والظن، والمراد في الجميع ‏الغلبة على الغير.

ثانيا: انه قد ورد في التوقيع الشريف قوله(ع): «فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله» فقد اعتبر الفقيه حجة قاطعة ‏في جميع المجالات، بما هو اعم من الاحكام والقوانين والحوادث الواقعة ورفع الاختلافات وحل المشاكل ‏الاجتماعية.

ثالثا: ان كون الفقيه حجة على الناس في الاحكام الشرعية وكون الامام(ع) حجة عليه، هو من البديهيات الواضحة‏التي لا حاجة معها الى ان يكرر الامام بيانها ثانية، وعليه فان تكرار الامام(ع) لهذا الامر انما هو للاشارة الى ان ماورد في سؤال اسحاق بن يعقوب انما هو السؤال عن الحوادث الواقعة التي جهل اسحاق بن يعقوب - بل وحتى‏ نائب الامام الخاص محمد بن عثمان العمري - كيفية العمل فيها، فاوضح الامام(ع) هنا انه حجة على الفقيه،والفقيه حجة على الناس.

الاشكالية الثانية:
ان فتاوى الفقيه كلية وثابتة، ومسائل السياسة جزئية ومتغيرة.

والجواب: ان كل مجتمع فيه احكام وقوانين ثابتة ومتغيرة، وان من لوازم تطبيق القانون ان تكون في القانون‏ احكام اولية واخرى ثانوية، والاولى تطبق في الحالات الاعتيادية فيما يكون تطبيق الثانية في الحالات ‏الاضطرارية. وهذه الخصوصية والميزة موجودة في قوانين الاسلام وتشريعاته بارقى الدرجات.

الاشكالية الثالثة:
وهي فيما تمسك به من مقبولة عمر بن حنظلة، قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن رجلين من اصحابنا بينهما منازعة‏في دين او ميراث فتحاكما الى السلطان او الى القضاة ايحل ذلك؟ فقال(ع): «من تحاكم اليهم في حق او باطل‏ فانما تحاكم الى الطاغوت، وما يحكم له فانما ياخذ سحتا وان كان حقا ثابتا له؛ لانه اخذه بحكم الطاغوت وقد امر الله ان يكفر به، قال تعالى: «يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت وقد امروا ان يكفروا به‏»((204)) قلت: فكيف يصنعان؟ قال:«ينظران الى من كان منكم ممن قد روي أحاديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، فليرضوا به حكماً فاني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما استخف بحكم الله وعلينا ردَّ، والراد علينا كالراد علي الله، وهو حدّ الشرك بالله
»((205)).

ويرد على الاستدلال به: انه قد تكرر لفظ الحكم والحاكم اربع مرات، فما هو الدليل على ان المراد به هو ادارة ‏الدولة والسلطنة؟ لابد ان يسال من الفاضل النراقي عن مصدره في هذا الفهم من لفظ الحاكم بحيث يشمل ادارة ‏الدولة وقيادة الجيش والقضاء.

لا شك ان من الواضح عدم شمول هذا الدليل للقضاء لاثبات قيادة الجيش وادارة الامور.

لا يقال: ان الاطلاق المذكور مستفاد من لفظ الحاكم بمعونة مقدمات الحكمة، لا انه مستفاد من اطلاق كلمة‏الحكم.

فانه يقال: انه لا يمكن استفادة الاطلاق من مقدمات الحكمة بحيث يثبت للفقيه جميع السلطات التشريعية ‏والتنفيذية والسلطنة.

والجواب: ان ثمة قرينة في كلام الامام(ع) ينبغي الالتفات اليها بحيث لا يبقى مجال للاشكال، وهي عبارة عن ‏ملاحظة الايات السابقة على الاية المذكورة في الحديث، والايات السابقة عليها هي على ما في سورة النساء: «ان الله يامركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل... يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم ‏فان تنازعتم في شي‏ء فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله...

الم تر الى الذين يزعمون انهم آمنوا بما انزل اليك وما انزل من قبلك يريدون ان‏ يتحاكموا الى الطاغوت وقد امروا ان يكفروا به‏»((206)).

لقد ورد في هذه الايات عدة مسائل وامور ينبغي التوقف عندها، وهي:
1. مسالة الامانة.
2. معنى اولي الامر.
3. معنى الطاعة للّه والرسول واولي الامر.
4. مسالة الكفر بالطاغوت.
5. الطاغوت.
6. معنى الحاكم.

وبملاحظة هذه المفاهيم يعرف المراد من قول الامام(ع): «اني جعلته حاكما». وبيان ذلك يتم ضمن امور:

الامر الاول: الامانة:
وقد ورد في تفسيرها هنا انها بمعنى:
1. الاحكام الالهية.
2. ولاية الائمة المعصومين(ع).
وقد ورد ذلك في بعض الاخبار:
منها: ما روي عن الامام محمد الباقر(ع) قال: «اداء الصلاة والزكاة والصوم والحج من الامانة‏»((207)).
ومنها: رواية بريد العجلي قال: سالت ابا جعفر(ع) عن قول الله: «ان الله يامركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها» قال: «اياناعنى...»((208)). وفي معنى هذه الرواية ست روايات اخرى في نفس الباب.

الامر الثاني: الولاية:
اخرج السيوط‏ي في الدر المنثور عن زيد بن اسلم قال: «انزلت هذه الاية في ولاة الامر وفيمن ولي من امورالمسلمين شيئا»((209)).
قال الشيخ الانصاري: «الظاهر من هذا العنوان «اولوا الامر» عرفا هو من يجب الرجوع اليه في الامور العامة التي لم‏تحمل في الشرع على شخص خاص‏»((210))اي ان المراد من اولي الامر من له حق الولاية والحكم الاعم من ان‏ يكون هو المعصوم او من ينوب عنه.

الامر الثالث: وجوب الطاعة للّه والرسول واولي الامر:
من الواضح انه لا يمكن ان تكون الولاية على الناس نافذة وفي نفس الوقت لا تجب الطاعة من قبلهم، كما ان‏العكس كذلك، فلا يمكن ان تجب الطاعة ولا يكون حكم الولي نافذا.
ولا يختص وجوب الطاعة هنا بالاحكام العبادية حسب؛ لانه قد جعل في قبال وجوب الطاعة لاولي الامر حرمة‏ التحاكم الى الطاغوت، بل قد بلغت درجة النهي عن ذلك حتى في حالات توقف احقاق الحق على التحاكم اليه، كما اعتبر الماخوذ بذلك الحكم سحتا وباطلا، وبذلك سلبت اهلية الحكم من الطاغوت وحكم بكونها لاولي ‏الامر خاصة؛ مما يعلم معه ان وجوب الطاعة هو فيما يرجع لامر الحكومة.

الامر الرابع: الكفر بالطاغوت:
وقد ورد التاكيد على ذلك في آيات وروايات عديدة، ومن الواضح ان الانسان كائن اجتماعي، والحياة‏الاجتماعية تمثل ضرورة ملحة في وجوده، وقد قال امير المؤمنين(ع): «وانه لابد للناس من امير، برٌّ أو فاجر يعمل في امرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الاجل، ويجمع به الفي‏ء، ويقاتل به العدو، وتامن به‏السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي‏»((211)).
وقال تعالى: «والذين اجتنبوا الطاغوت ان يعبدوها وانابوا الى الله لهم البشرى‏»((212)).
وقال تعالى ايضا: «يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت وقد امروا ان يكفروا به‏»((213)).
وقد وصف الطاغوت في آيات اخر بانه يؤثر الحياة الدنيا، وعليه فكيف يمكن تفويض امر الحكومة الى مثل هذاالفرد؟!

الامر الخامس: في معنى الحاكم:
قال في مقاييس اللغة: سمي الحاكم حاكما لانه يمنع الظالم((214)).
وفي لسان العرب: والحاكم منفذ الحكم، والجمع حكام((215)).
وفي المفردات للراغب: حكمت الدابة: منعتها بالحكمة((216)).

وعليه فان اطلاق لفظ الحاكم على القاضي من باب الاشتراك المعنوي، اي انه استعمل في احد المصاديق. وقدقال تعالى: «يا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق‏»((217)) فرتب القضاء على الخلافة. وان من غير المعقول‏ان يكون للفقيه الجامع للشرائط في الاسلام ولاية على المحجور والمفلس والغريم، والحكم بمصادرة اموال المرتد الفطري والقاتل والباغي واصدار حكم القتل والحبس والتعزير، ولا يكون له في نفس الوقت دخل في الحكم‏وادارة الامور!

وعليه فلا تلازم بين كون القاضي حاكما وبين كونه خبيرا في الاقتصاد والسياسة وقيادة العساكر والجيوش ‏وغيرها؛ لان وظيفة الحاكم - كما هو الامر في سائر الحكومات في العالم - التنسيق بين السلطات والمراكزالمؤثرة في ادارة البلاد.

فرئيس الدولة - سواء كان نظام الحكم شيوعيا او راسماليا او اسلاميا - يقوم بدور المنسق‏بين السلطات الموجودة طبقا للنظم الحاكم للدولة.

وعليه فليس من اللازم ان يتصدى الحاكم لجميع السلطات والمهام كما هو واضح.
وبذلك فان الاستبعادات المذكورة غير واردة بحال اذا لاحظنا كل واحد من الامور السابقة المذكورة.

الاشكالية الرابعة:
وهي عبارة عن الاستشكال في الدليل العقلي المتقدم. وهذا الدليل يتالف من برهانين:

البرهان الاول:
(الصغرى): ان وجود النظام بحاجة الى قدرة تنفيذية.
(الكبرى): ايكال المسؤولية التنفيذية الى الشخص القادر والكفوء لذلك.
(النتيجة): ايكال حفظ النظام الى الشخص القادر والكفوء.

البرهان الثاني:
(الصغرى): الفقيه اولى بادارة المجتمع من غيره.
(الكبرى): كل من هو اولى بادارة المجتمع، يتعين نصبه للحكم.
(النتيجة): يجب ان توكل ادارة المجتمع للفقيه.

وقد اشكل المستشكل على صغرى البرهان الثاني بما حاصله:
انه لا دليل على حصر الاولوية بالفقيه من بين‏سائر الطبقات والشرائح الاجتماعية، اذ هذه الاولوية ليست ماخوذة لا في معنى ومفاد كلمة «الفقيه‏»، ولا هي امر تعبدي؛ للزوم ان تكون النتيجة حينئذ تعبدية ايضا (من باب ان النتيجة تتبع اخس المقدمات) فيلزم عدم الحاجة‏ لاقامة البرهان ما دامت احدى المقدمات تعبدية، مع ان المفروض كون النتيجة برهانية، ومراد النراقي كما لا يخفى‏هو اقامة البرهان للوصول الى النتيجة لا قبولها بالتعبد.

والجواب:
ان السر في تعيين الاولوية في الفقيه هو كونه خبيرا بالدين الذي يجب ان يدير المجتمع ويسيره ويحكمه، ذلك‏الدين العالمي الذي صدع به النبي الكريم(ص) وعرضه على العالم باسره؛ ثم طبقه وحكم به المجتمع بجميع ‏احكامه وحقيقته، وكذا فعل امير المؤمنين وولده الامام الحسن (عليهما السلام) من بعده.

فالمقصود هو حاكمية مثل هذا الدين وتطبيقه على يد الفقيه.

اذا فملاكات هذه الاولوية في الفقيه هي:
اولا: الخبرة الكافية بالقانون الالهي المستوعب لجميع حاجات الانسان، وهو عبارة عن الدين.
ثانيا: التقوى ومخالفة الهوى.
ثالثا: المعرفة بالزمان والاوضاع المحيطة به.
رابعا: الشجاعة والصمود قبال التحديات.
خامسا: الاعتقاد الراسخ والقاطع بالاسلام، وترجيح المصلحة العامة على مصالحه الذاتية.
سادسا: النظر الى الدنيا والاخرة على ان احداهما مكملة للاخرى، وان الاخلال في متطلبات واقتضاءات اية‏واحدة منهما يعد نقصا.
سابعا: ارجاع ما هو خارج عن دائرة التخصص الديني الى ذوي الخبرة والاختصاص.

فهذه الامور تنتج كون الفقيه هو الاولى بالتصدي وتقلد زمام الامر.

الاشكالية الخامسة:
هل ان تعيين الولي يتم بالنصب ام بالانتخاب؟ فان كان بالنصب فهل يكون النصب من قبل المرجع الديني‏بشكل‏خاص ام يكون نصبا عاما من قبل الشارع ويتم التطبيق من قبل مجلس الخبراء؟

والجواب: ان النصب ان كان من قبل المرجع، فيرد عليه ان مثل هذا التنصيب مما لم يقم عليه دليل شرعي ولا عقلي،ولم يدع ذلك احد الى الان؛ لان المجتهد هو الشخص المؤهل لمثل هذا المقام، فلا حاجة الى نصب فقيه آخرله.

فالنصب العام هو من قبل الشرع، وقد الزم الشارع الفقهاء بالتصدي على نحو الوجوب الكفائي ممن توجد فيه‏الشرائط، فاذا تعلق التكليف باحدهم سقط عن الاخرين، بل يمكن القول بانه اذا قام من به الكفاية فلا تكليف ولابعث لغيره من قبل الشارع، واما التعيين فهو عن طريق الخبراء حسب، ويتم هذا الطريق المشار اليه في الرسائل ‏العملية منذ القدم، عن طريق البينة او الشياع. ومن يعينه الخبراء هو الشخص المتعين لولاية الامر. وهو بلا شك‏ طريق عقلائي سار في جميع المجالات والتخصصات، فارفع الدرجات العلمية في كل تخصص وعلم يتم تعيينهاعن طريق خبراء نفس ذلك العلم.

وليس تاسيس مجلس خبراء القيادة في الجمهورية الاسلامية الا من اجل ادارة الامور بشكل افضل وتشخيص‏الاعضاء الخبراء في هذا المجلس ومعرفتهم من قبل الشعب، وتسهيل عملية انتخاب الولي الفقيه، فلا يقال اذا ان‏ البينة او الشياع كاف في تشخيص القائد في هذا الزمان.

هذا، مضافا الى ان من وظائف الخبراء التشاور مع القائد والاشراف على مجريات الامور.

واما انتخاب الناس للولي فليس مما قام عليه دليل من الشرع او العقل؛ اذ لا قيمة هنا للانتخاب في مثل هذه ‏الامور التخصصية، فان ايكال التشخيص في مثل هذا الامر الهام للراي العام مخالف للعقل والفطرة.

فاذا النصب العام يكون من قبل الشارع، والتطبيق من قبل مجلس الخبراء، وانتخاب الشعب وانقيادهم يوجبان ‏بسط يد الفقيه وفعلية ولايته، فالامام امير المؤمنين(ع) كان هو الولي الشرعي ابان تنحيته وعدم انقياد الناس له، ولكنها وصلت مرحلة الفعلية عندما انتخبه الناس وبايعوه.

كما ان النصب اذا لم يكن من الشارع فلا تجدي بيعة الناس حتى لو اطبقوا واجمعوا على البيعة. وقد كان ‏فقهاؤنا لا يرون شرعية الحكومات السابقة. ولم يكونوا يقفون الى جانبها الا في موارد قليلة تاسيا بقول‏النبي(ص): «الفقهاء امناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا، قيل: يا رسول الله فما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتباع‏ السلطان‏»((218)).

الاشكالية السادسة:
ان انتخاب القيادة اذا كان من قبل مجلس الخبراء فهذا معناه ان الخبراء هم الذين يعينون الولي، فيكونون هم ولياعلى القائد وهو مولى عليه، فلا يكون هو وليا لهم ولا نافذ الحكم عليهم.

والجواب:
ان دور الفقهاء والخبراء في مجلس القيادة ليس هو تنصيب الولي؛ لان تنصيبه قد تم بجعل الشارع كما هو فرض‏ الكلام، وانما دورهم تشخيص وتعيين الفرد الاليق والاولى من بين المجتهدين والفقهاء الموجودين.

الاشكالية السابعة:
ان فكرة ولاية الفقيه لا تنسجم وفكرة الجمهورية، فهما فكرتان متناقضتان ولا تجتمعان في نظام واحد؛ وذلك‏ لان‏ معنى الجمهورية هو حكومة راي الشعب واعتباره في جميع القرارات، في حين ان معنى ولاية الفقيه هوحكومة راي الفقيه، فالناس في هذا النظام بمنزلة القصر والصغار الذين هم بحاجة الى الولي.

والجواب:
ان الشعب عندما يصوت لصالح النظام الاسلامي فانه يعلم بان تطبيق الاسلام وقوام النظام لا يتم الا بوجود الزعامة والقيادة الاسلامية فيه.

وليس النظام الجمهوري الاسلامي بدعا بين النظم والدول في العالم، فان جميع الجمهوريات والنظم الديمقراطية ‏الاخرى في العالم في اي نظام كانت هي بحاجة الى من يقودها ويتخذ القرارات في ادارتها في حال الصلح‏والحرب وغير ذلك، وتجب مراعاة تلك القرارات والتصميمات. ولا يقول احد ان الشعب في تلك الجمهوريات لايحتاج الى الولي عليه، كما لم يعتبر احد الناس صغارا وقاصرين، بل الجميع يقر بضرورة القيادة ‏وفاعليتها.

الاشكالية الثامنة:
ان نظام الحكم في ولاية الفقيه ليس فيه الضمانة العملية في حال تخلف الولي بعد وصوله الى سدة الحكم عن‏ وظائفه والتعدي على حقوق الاخرين.

والجواب:
ان الاصل الاولي في الاسلام هو ما ورد في قوله سبحانه: «ولا تطع آثما او كفورا»((219)) وورد في الحديث ايضا: «لاتصلح الامامة لرجل الا فيه ثلاث خصال:... وورع يحجزه عن معاصي الله»((220)).

وعلى ضوء هذا الاصل فقد ورد في القانون الاساسي للجمهورية الاسلامية المادة رقم (111) انه: «اذا عجزالقائد عن اداء وظائفه القيادية او افتقد احد الشروط اللازمة المصرح بها في المادة رقم (109)، او كان فاقدا لها منذ البدء، فانه يعزل من مقامه فورا».

الاشكالية التاسعة:
ان من لوازم الولاية المطلقة ومنح الاختيارات الكاملة للولي بروز حالة الاستبداد والانفراد بالراي والقرار. ولا تجدي مواجهة الشعب واحتجاجهم لايقافه عند وظائفه القانونية.

والجواب:
انه قد تقدم في جواب الاشكالية الثامنة ان الشارع فوض الاختيارات الكاملة للولي آخذا بنظر الاعتبار الضمانة ‏العملية لذلك. وهي عبارة عن حالة التقوى ومخالفة الهوى والطاعة والانقياد للّه تعالى، كما ان نفس الولي يامر بخلعه وعزله وعدم وجوب طاعته فيما لو خالف وطغى، بل انه ينعزل بشكل تلقائي وقبل كل شي‏ء من جهة ‏الشارع نفسه. هذا، مضافا الى ان ولاية الفقيه تعني ولاية الفقه والقانون وحاكميتهما، فكلما كانت الولاية والاختيارات اوسع‏للقانون كان تطبيق العدالة بقدرها.

الاشكالية العاشرة:
انه كيف يمكن لنا تصور الولاية المطلقة للفقيه في جميع الامور والشؤون كالمسائل العائلية مثلا، فان رب الاسرة‏هو المسؤول عن ادارتها ولا يحق لاحد فقيها كان او غير فقيه التدخل في ذلك ، وايضا لا يحق التدخل في‏شؤون الدولة ومراكزها كالسلطة التشريعية مثلا.

والجواب:
ان هذه الاشكالية قد انطوت على مغالطة واضحة، حيث عبرت عن ادارة الامور بالتدخل، وهذا غير صحيح؛ لان دور القائد - كما قلنا - هو التنسيق بين مراكز القرار وهي السلطات الثلاث، وهذا الدور لا يسمى تدخلا كمالا يخفى! ان ايعاز الوظائف والمسؤوليات في نظام ولاية الفقيه يتم على اساس التخصص في كل مجال، ولا دخل‏ للولي الفقيه في ذلك سوى الاشراف والنظارة والتنسيق.

واخيرا، فان مقام الامامة والولاية عبارة عن مسؤولية خطيرة وامانة عظيمة، وفي ذلك يقول امير المؤمنين(ع):«ان‏عملك ليس لك بطعمة، ولكن في عنقك امانة‏»((221)).

وروى البخاري عن رسول الله(ص): «كلكم راع وكلكم مسؤول، فالامام راع وهو مسؤول‏»((222)).

وقال تعالى في سورة النساء: «ان الله يامركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل‏»((223)) فليست ‏الحكومة الاسلامية الا من اجل تحقيق العدالة واداء الامانة.

الشورى وولاية الفقيه

الشيخ قاسم الابراهيمي

ان البحث في ادلة الشورى تارة يجري في اصل مشروعيتها، واخرى في كيفية اجرائها ومن له حق ممارستها.

وقد كفانا بعض المحققين مؤونة البحث في الامر الاول بما اورده من ادلة كثيرة على ذلك مما يحصل معه القطع‏ بتمامية بعض الادلة جزما؛ دلالة وورودا((224)).

وانما ينبغي البحث في الامر الثاني، لكنا مع ذلك سنختار من بين مجموع الادلة المساقة لذلك آية الشورى‏ لحصول الغرض بها، ونبحث فيها عن كلا الجهتين:
فقد جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى قوله: «وما عند الله خير للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون
* والذين يجتنبون كبائرالاثم‏ والفواحش واذا ما غضبوا هم يغفرون * والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وامرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون‏»((225)).

وفقرة الاستدلال الواردة في الايات الكريمة هي قوله تعالى:
«وامرهم شورى بينهم‏»((226))، فهذه الفقرة يمكن
‏الاستدلال بها على شرعية الانتخاب من جهة، والزامية النتيجة للجميع من جهة اخرى. لكن لابد من بيان بعض ‏المقدمات المرتبطة بالدليل قبل الشروع في بيان الاستدلال فنقول:
ذكرت للامر في اللغة معان عديدة، منها: الطلب((227))، والشي‏ء، والحادثة((228))، والشان((229))، والحال((230))
وقدارجع بعض الاصوليين جميع هذه المعاني.

الى اصل واحد؛ تارة بمعنى الواقعة والحادثة المقيدتين بالخطورة‏ والاهمية او بدونهما((231))، واخرى بمعنى الفعل والحدث((232)). في حين ذهب بعض آخر الى رجوعها الى ‏اصلين، هما: الطلب والشي‏ء غير العلم((233)).

واما اهل اللغة فربما جعلوا اصولها خمسة، بعضها الاصلان المتقدمان، لكن المصدر في الاصول الثلاثة الباقية‏ مفتوح العين((234)).

والظاهر صواب ما ذهب اليه الراي الثاني من رجوع هذه المعاني الى اصلين احدهما الطلب، وان كنا نرى ان ‏الاصل الثاني يساوق معنى «الموضوع‏» المعبر به عن كل ما يؤخذ بنظر الاعتبار، فهو يلتقي مع معنى لفظة «شي‏ء»، الا انه يختلف عنها في ان لفظة «شي‏ء» تنطوي على صفة التحقق والوجود في حين لا ينطوي لفظ «الامر» على هذا المعنى. ولذا صح الاخبار بلفظ «شي‏ء»، فيقال: «الكتاب شي‏ء» بمعنى انه موجود، ولا يصح في الامر، كان يقال:«الكتاب امر».

نعم، لو اتصف الامر بصفة صح ان يعبر عنه بالامر، كان يقال: «الكتاب امر حسن‏» و «النار امر ضروري في‏الشتاء».

وكيفما كان، فلفظ الامر مستعمل عندنا باحد معنيين: الطلب والموضوع. والامر قد ياتي مفردا معرفا بالالف واللام، كما قد ياتي مضافا الى ذات او جماعة معينة؛ فالاول لا شك في‏انصرافه الى المعهود عند العرف او خصوص المخاطب، والثاني الى اهم الموضوعات المرتبطة بهما. وبهذا النحوينبغي ان تحمل لفظة «الامر» الواردة في الايات والروايات، والتي منها: قوله تعالى: «قل ان الامر كله للّه»((235)) و «يقولون لو كان لنا م ن الامر شي‏ء ما قتلنا ههنا»((236))و «لو انزلنا ملكا لقضي الامر ثم لاينظرون‏»((237)) و «للّه غيب السموات والارض واليه يرجع الامر كله‏»((238)) و «بل للّه الامر جميعا»((239)).

وقول الامام علي(ع): «فلما نهضت بالامر نكثت طائفة‏»((240))، والامام الحسن(ع) في كتابه الى معاوية: «ولاني ‏المسلمون الامر بعده‏»((241))، والامام الرضا(ع) باسناده عن النبي(ص) انه قال: «من جاءكم يريد ان يفرق الجماعة‏ ويغصب الامة امرها...»((242)). الى غير ذلك مما لا يسع ايراده هذا المختصر.

المراد بالشورى:

والشورى مشتقة من مادة «شور» التي ذكرت فيها عدة معان، منها: الابداء والعرض((243))، والاخذ والجني((244))،والاشارة والايماء((245))، والاعانة((246))، وحسن الهيئة((247))، وبدء السوءة((248))، وغيرها.

لكن اللغويين ارجعوا الشورى الى احد المعاني الثلاثة الاولى، فظاهر الفراهيدي((249)) والجوهري((250))

وابن‏عباد((251)): انها مشتقة من الشور بمعنى الايماء والاشارة، وهو المنقول عن الليث((252)) والاصمعي((253))، وصريح‏ابن فارس((254)) والراغب((255)): انها مشتقة منه بمعنى الاخذ والجني، والمطرزي((256)) وابن الاثير((257)) والفيومي((258)): انها مشتقة منه بمعنى الابداء والعرض، وهو المنقول عن شمر((259)).

وايا كان مصدر الكلمة فمعناها واضح؛ وهو عرض المسالة واخذ الراي فيها.

والظاهر اختلاف الشورى عن المشاورة والمشورة؛ فان هاتين تطلقان على الفعل، وتلك تطلق على ما تقع فيه ‏المشورة.

والظاهر انها صفة مشبهة بالفعل على وزن «فعلى‏»((260))، فيكون قوله تعالى اخبارا عن ان امر المؤمنين من‏الامور التي يتشاور فيها، كما صرح بذلك الراغب((261)) والمطرزي((262)).

لكن الظاهر من ابن عباد انها فعل او اسم فعل((263))، وبالاسم صرح صاحب المصباح((264)).

مضمون آية الشورى:

تفرض آية الشورى للمؤمنين - الذين يعود عليهم ضمير الاضافة في «امرهم‏» - امورا تتعلق بهم خاصة ولاتتعلق بالله سبحانه؛ فان للّه سبحانه وتعالى في خلق الكون والانسان اغراضا ومقاصد؛ حيث قال: «وما خلقنا السموات‏ والارض وما بينهما لاعبين‏»((265))، وقد كشف عن هذه الاغراض نظريا بتعاليمه، وترجمها الى قوانين عملية‏ باحكامه وتشريعاته، وبذلك حدد الهدف ورسم الطريق اليه.

واذ اتم الله تشريعاته واحكامه حيث قال: «اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي‏»((266)) فقد اتم اغراضه، واتى‏على مقاصده واهدافه، فما بقي مما لم يشرعه لا يدخل في غرضه ولا يهمه، وان كان شي‏ء من ذلك يهم احدا اوشخصا فانما يهم الناس ويرتبط بهم. فالامور على هذا على قسمين: امور ترتبط بالله سبحانه فقد شرع لها الاحكام‏المناسبة من وجوب وحرمة واستحباب وكراهة واباحة، ونجاسة وطهارة، وصحة وبطلان، وامور لا ترتبط به ولاتدخل في حيز اهتماماته، بل ترتبط بمن اهمته من الناس. ومن ذلك ما يكون اثره عائدا على فرد واحد فهو امر شخصي، ومنه ما يكون اثره عائدا على جماعة من الناس فهو امر جماعي.

وقد ترك الله سبحانه القرار في الامور الشخصية لاصحابها ونهى عن التعرض اليهم فيها بحكم قاعدة السلطنة، واما الامور الجماعية وهي ما عبر عنه الله ب‏«امرهم‏» فمع انه سبحانه لم يشا التدخل في مضمونه ايجابا ولا نفيا ولاوضعا او رفعا لكنه تدخل في تحديد طريق العمل به منعا للاختلاف، وحيلولة من الفرقة والنزاع ما يفوت به‏ الغرض من بعث الانبياء والرسل(ع).

بيان الاستدلال:

والاستدلال بهذه الاية يكون تارة على حكم العمل بالشورى، واخرى على حكم قرارها؛ فان القرار الصادر منها ربما لا يكون الزاميا لمن لم يصوت لصالحه وان اثبتنا مشروعية عمل الشورى. فالكلام يقع في جهتين:

الجهة الاولى - حكم العمل بالشورى:
يمكن تقريب حكم العمل بالشورى من الاية بعدة تقريبات، اهمها:

التقريب الاول:
ان الله سبحانه عد في الاية الشريفة العمل بمبدا الشورى فيما يرتبط بالجماعة من صفات الذين آمنوا، ومقتضى
‏ذلك ان كل قرار يرتبط بالجماعة ولا يقوم على اساس الشورى لا يكون من صفات المؤمنين، ويكون باطلا.

ولازم ذلك لزوم العمل بالشورى على المؤمنين لدى تصديهم لاتخاذ اي قرار يرتبط بالجماعة، وعدم مشروعية ‏الاستبداد فيه الذي هو معنى آخر عن عدم ترتب اثر شرعي عليه.

وهذا التقريب مناقش فيه:
اولا: بان انتفاء الوصف لا يقتضي انتفاء الموصوف؛ لان اثبات شي‏ء لشي‏ء لا يعني نفي ما عداه عنده، نعم لوعلم دخالة الوصف -وهو العمل بمبدا الشورى في الاتصاف بالايمان وعدمه - امكن انتزاع لزوم العمل به، لكن
‏اثبات ذلك ممتنع.
وثانيا: ان الضمير المضاف اليه لفظ الامر لا يعود على المؤمنين وان ذهب جملة من الفقهاء والمفسرين الى‏ذلك((267))... بل مرجعه الاسم الموصول المستعمل في جمع العقلاء، ولفظ «آمنوا» التي ارجع اليها الضمير في‏«امرهم‏» جملة صلة الموصول الاول، فلا خصوصية لها ليعود الضمير عليها بل عطف العبارات الاخرى من الاسماءالموصولة وصلتها على مدخول شبه الجملة - اعني الاسم الموصول الاول وصلته - يقتضي انقطاعه عن صفة ‏الايمان، فكان الله سبحانه وتعالى قال: وما عند الله خير للمؤمنين والمتوكلين على ربهم، وكذا المجتنبين كبائر الاثم ‏والفواحش والغافرين عند الغضب، وكذا المستجيبين لربهم والمقيمين الصلاة والعاملين بالشورى في الامر المرتبط‏بهم والمنفقين مما رزقناهم.

التقريب الثاني:
ان الصفة المذكورة وردت في الاية ضمن سياق الحديث عن الصفات الواجب على الناس الاتصاف بها، فتكون‏
واجبة مراعاة لوحدة السياق.

وفيه:
اولا: ان من جملة الصفات الواردة في ضمن الاية ما يقطع بعدم وجوب التحلي به، كقوله تعالى: «واذا ما غضبوا هم
‏يغفرون‏»((268))؛ فان غفران الذنب للمذنب ليس واجبا قطعا وانما هو مستحب، فيكون السياق دالا على مطلوبية ‏هذه الصفات لا اكثر، ومعه لا يمكن الاستدلال بلزوم العمل بالشورى.
وثانيا: ان اصالة وحدة السياق مختلف فيها كبرويا بين الاعلام؛ اذ منهم من لا يرى ثبوتها.
فالاستدلال ممنوع كبرى وصغرى.

التقريب الثالث:
تقدم ان امور الناس على قسمين: احدهما الامور المختصة بالاشخاص، فذلك مما ترك امره اليهم بمقتضى قاعدة‏
السلطنة، وثانيهما الامور المرتبطة بالجماعة، فالتصرف فيها مما يحتاج الى دليل.

وقد اقر الله سبحانه وتعالى - بمقتضى آية الشورى - العمل بهذا المبدا في هذا القسم، فهو بمثابة حكم وضعي ‏بمشروعية العمل المذكور، ومقتضى الاطلاق عدم عدل آخر، كما لا دليل منفصل على جواز غير الشورى ايضا، فثبت من كل ذلك لزوم العمل بالمبدا المذكور فيما يخص امور الجماعة.

وقد يناقش هذا الدليل:
اولا: بكفاية اجراء اصل البراءة الشرعية في القرارات المتخذة بناء على مسلك حق الطاعة، والعقلية على مسلك‏قبح العقاب بلا بيان خصوصا فيما لا ينافي ذلك حقا او حكما للاخرين.
وفيه: ان الاصل مقطوع بقاعدة السلطنة؛ فانها وان طبقت عادة فيما يتعلق بالافراد من امور مما ربما يتوهم ارادة
‏العموم الاستغراقي بخصوصه بصيغة الجمع الوارد فيها لا العموم المجموعي وحده ولا هو والعموم الاستغراقي؛لاستلزامه استعمال الصيغة في اكثر من معنى واحد، لكن تطبيقها كذلك ليس من هذا الباب، بل لا خصوصية ‏لصيغة الجمع في ذاتها، وانما لرجوع القاعدة الى نكتة مركوزة لدى العقلاء؛ هي ان المالك لشي‏ء مسلط‏ عليه.

وثانيا: بان شوروية الامر الوارد في الاية ليس حكما وضعيا؛ اما لان الحكم الوضعي اعتبار لوضع وفقرة‏ الاستدلال ليست كذلك، او لان الله سبحانه في مقام الوصف لا التشريع.
والجواب: انه وان فرض عدم كون شوروية الامر حكما وضعيا، لكن امتداح هذه الصفة من قبل الله سبحانه لايعطيها الاعتبار والمشروعية فحسب، بل يجعل التحلي بها امرا مستحبا.

التقريب الرابع:
ان الايات الكريمة رتبت الثواب الاخروي على من توفرت لديهم الصفات المذكورة، ومن الواضح ان الثواب‏الاخروي لا يترتب على كل صفة وحدها بل على مجموع الصفات المذكورة؛ لعدم كفاية الايمان وحده لترتبه،
ولا التوكل كذلك؛ وحينئذ فلو كانت الصفة المذكورة غير واجبة التحصيل والعمل لما توقف ترتب الثواب‏عليها.

ووجود بعض الصفات غير الواجبة كذلك - كغفران الذنب - لا يضر بالاستدلال، فليكن تخصيصا.

وهكذا يثبت لزوم العمل بمبدا الشورى.

لكن فيه: انه من غير الواضح استفادة توقف الثواب الاخروي على الاشتمال على هذه الصفات، بل لا اشعار في ‏الاية بالتوقف وانما هي بصدد بيان فضل الثواب الاخروي على متاع الدنيا مع ذكر متعلقهما لا على سبيل الحصروفي مقام البيان.

فتحصل من كل ما تقدم: عدم تمامية الدليل على وجوب العمل بالشورى فيما يتعلق بجماعة الناس، ومعنى ذلك‏ان الامة غير ملزمة شرعا باتباع طريق الشورى فيما يتعلق بها، فيمكن ان تقر تصدي المتصدي لذلك او ما اتفق‏عليه اهل الحل‏والعقد او أيّة جماعة اخرى، لكنه مع ذلك يستحب لها ان تتبع هذا المبدا في مثل هذه الامور، ويكون هذا حكما أوّليا مجعولا من قبل الشارع يقضي بجعل هذه الامور بيد الامة، بل لنا ان نقول: بان ما يناسب ‏شأن الشارع بما هو شارع التدخل فيما هو داخل في حيز اهتماماته مما ابان عنه بتشريعاته دون ما خرج عن ذلك‏ مما يرتبط بالناس.

فالاختلاف بين القائلين بالولاية المطلقة مع النصب وبين القائلين بالشورى معه هو في صغرى كون هذه الامورمما تخص الشارع ام لا كي ينصب من ينوب عنه فيها ام لا؟

الجهة الثانية - واما حكم قرار الشورى فيمكن بيانه من عدة وجوه:
الوجه الاول: ان يقال بان الامر في الاية الشريفة وارد بمعنى الطلب وظاهر في الطلب الوجوبي، لكن لما كان ‏الاخبار عنه بانه شورى بينهم لا يستقيم؛ للتباين وعدم التصادق عرفا، فلابد من حمل الامر في الاية على الامرالادعائي لا الحقيقي، فالشارع ينزل الشورى بين الناس منزلة الامر العرفي الظاهر في الوجوب، وبه يكون قرارالشورى لازما للغير ولو كان مخالفا.
لكن قد يناقش هذا الوجه: بان حمله على هذا المعنى خلاف اصالة الحقيقة. نعم، لو كانت هناك قرينة على ارادة‏هذا المعنى لم يكن في ذلك ضير.

الوجه الثاني: ان يقال بان اعتبار الشارع العمل بمبدا الشورى فيما يتعلق بالجماعة باحد التقريبات الاربعة‏ المتقدمة في البحث السابق امضاء لقرارها بما يستلزم ذلك من موافقة ومخالفة وامتناع؛ فان اطباق اعضاء الشورى على راي واحد لا يقع الا نادرا، فمثله لا يصرف اليه الاعتبار المذكور.