ثم خلص بعد ذلك الى القول بان: «من الغريب وسوسة بعض
وقد ادعى المحقق النراقي الاجماع صريحا على ثبوت ولاية
القضاء واقامة الحدود للفقهاء في عصر الغيبة وذكران ذلك من
الضروريات المسل مة، مضافا الى ان ذلك هو مقتضى النيابة
عن المعصوم(ع)، ومقتضى عدم رضاه سبحانه بتعطيل الحدود
وبقاء الخصومات بين الناس، مما يلزم منه وجوب النصب، ولا
احد يتولى ذلك غيرالفقيه الجامع للشرائط.
هذا كله مضافا الى الروايات الواردة في ذلك((191)).
ولسنا بحاجة الى سرد كلمات الفقهاء في اثبات مثل هذا
المنصب للفقهاء بعد شمول الادلة السابقة لولاية الفقيهله وانه
من اهم وظائف الحاكم الاسلامي، سيما وانه قد ورد في الكتاب
الالزام والتاكيد على اتباع ولي الامر،المتجسد بالفقيه في عصر
الغيبة، كما ورد الامر بالرجوع الى الله والرسول في المنازعات
وعدم جواز الترافع الىالطاغوت وان الحكم بغير «ما انزل الله»
هو على حد الكفر، وعدم النصب يلزم منه تعطيل الاحكام وهو
مما لا يلتزمبه احد؛ اذ لا فرق بين عصر الغيبة والحضور في
لزوم اجراء الاحكام، مع لزوم الاهمال لذلك تحقق الهرج
والمرج وضياع الحقوق.
يضاف الى ذلك كله الروايات الكثيرة الواردة في هذا المضمار
التي قد يخدش في سندها، ولكن اذا ضم اليها ماقدمناه من
الشواهد والادلة كان ذلك كافيا في الحكم بصدورها منهم(ع).
ومن تلك الاخبار الكثيرة ما رواه حفصابن غياث قال: سالت ابا
عبد الله(ع): من يقيم الحدود؛ السلطان او القاضي؟ فقال:
«اقامة الحدود الى من اليهالحكم»((192)).
ومقبولة عمر بن حنظلة ورواية ابي خديجة وهما غاية في
الصراحة، بما لا يقبل التشكيك والتردد في دلالتهما. وكذا الامر
في التوقيع الشريف.
وورد في رواية علي بن جعفر عن اخيه موسى بن
جعفر(عليهما السلام) قال: سالته عن يهودي او نصراني،
اومجوسي اخذ زانيا، او شارب خمر ما عليه؟ قال: «يقام عليه
حدود المسلمين اذا فعلوا ذلك في مصر من امصارالمسلمين
او في غير امصار المسلمين اذا رفعوا الى حكام
المسلمين»((193)). ان جميع الروايات الواردة في اقامة الحدود والتي توجب ذلك على الامام((194)) - بعد المطالبة به في حقوق الناس خاصة - تدل على ثبوت مثل هذا الحق للامام، بل انه مما يجب عليه القيام به. ولا دليل على اختصاص لفظ (الامام) الوارد فيها بالمعصوم(ع) خاصة، بل هو شامل للفقيه ايضا؛ وذلك:
اولا - انه قد ورد في بعض تلك الاخبار التعبير ب«الامام بحق»،
ويراد به ونظائره ما قابل الامام الجائر.
ومن هنا فقد جزم الشيخ المفيد بان «اقامة الحدود الى سلطان
الاسلام المنصوب من قبل الله تعالى، وهم ائمة الهدى من آل
محمد(ع)، ومن نصبوه لذلك من الامراء والحكام وقد فوضوا
النظر فيه الى فقهاء شيعتهم معالامكان - الى ان قال: - وللفقهاء
من شيعة الائمة(ع) ان يجمعوا باخوانهم في الصلوات الخمس،
وصلوات الاعياد، والاستسقاء، والكسوف، والخسوف، اذا تمكنوا
من ذلك وامنوا فيه من معرة اهل الفساد ولهم ان يقضوا بينهم
بالحق. ويصلحوا بين المختلفين في الدعاوى عند عدم
البينات، ويفعلوا جميع ما جعل الى القضاة في الاسلام؛ لان
الائمة(ع) قد فوضوا اليهم ذلك عند تمكنهم منه بما ثبت
عنهم في الاخبار، وصح به النقل عند اهل المعرفة به من
الاثار»((195)).
ولا يخفى ما لكلامه(قدس سره) من الاهمية البالغة لعظمة
شانه بين فقهائنا وتقدمه وقربه من عصر النص، ولذافقد نقل
عنه الشيخ الحر العاملي مقاطع من كلامه هذا - وكانها متون
روايات - في كتابه الروائي (وسائل الشيعة).
وقد عد المحقق النراقي في عداد ما للفقيه من وظائف اقامة
الحدود والتعزيرات الا انه صرح انهم قد «اختلفوا في ثبوت
ولايتها للفقيه في زمن الغيبة».
وثمة موارد اخر تسالم الفقهاء على اعتبارها من وظائف الفقيه
وله فيها الولاية، كالافتاء، فلهم ولايته وعلى الرعيةاتباعهم في
فتاويهم، ولا شك في ثبوت ذلك لهم. وتدل عليه الادلة
الكثيرة وهي مذكورة في مظانها.
وايضا الولاية على اموال الايتام، وهو موضع اجماع، بل هو - كما
قال النراقي - من الضروريات ومما قام عليهالاجماع القطعي،
والمنقول منه متواتر، وقد ادعى ذلك ايضا في اموال المجانين
والسفهاء مضافا لدلالة الكتاب والسنة.
وهناك موارد اخرى قد ذكرت، الا انها بحاجة الى بحث في
بعض احكامها وحدودها بعد تسليم اصلها. ولامجال للتعرض
لذلك في هذا المقال. نتائج البحث:
نخلص مما تقدم الى النقاط التالية:
2. ان هذا الاصل لا يختص بزمان دون زمان، وان مما تقتضيه
الحكمة والرافة الالهية تنصيب من يقوم بامرالحكومة لتحقيق
حاكمية الدين وبسط العدل والقسط وحفظ حقوق الضعفاء.
3. ان الذي يمكن ان يتصدى لمثل هذا الدور الخطير هم
الفقهاء العدول الجامعون للشرائط.
4. ان هذه الولاية مطلقة يتمتع فيها الحاكم باختيارات تامة
تفي بتحقيق الاهداف المذكورة في النقطة الثانية. نعمتتاطر
هذه الولاية بحدود الموازين الشرعية والمصالح العامة
للمجتمع الاسلامي. الشيخ حسن الممدوحي مقدمة: طرحت فكرة ولاية الفقيه على الصعيد الفقهي في فترة
متقدمة من تاريخ الفقه، كما ورد التعبير بالحاكم
والسلطانالعادل في كثير من الابواب الفقهية، والمراد به
الامام المعصوم في حال الحضور او الفقيه الجامع للشرائط،
على ماصرح به الشهيد الثاني والمحقق الكركي وفخر
المحققين والمحقق القمي والسيد المجاهد(قدس سره) في
بحوث: الوصية، والجزية، والولاية على الصغار.
والابواب التي ورد فيها التعرض لولاية الحاكم عديدة من الفقه،
كباب: الوصايا والنفقات، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر،
والقضاء، وجوائز السلطان، والخمس، والمتاجر، والحدود
والتعزيرات، والديات، والجهاد والدفاع، والوقف، والجزية، والبيع
(التصرف في اموال اليتيم)، وصلاة الجمعة، والاحتكار،
واللقطة، والحجر، والرهن، والوكالة، والغصب، والقصاص،
والطلاق، والمزارعة والمساقاة، والدين، واللعان، والمرتد،
والايمان، والاجارات، والمفلس، وغير ذلك من الابواب التي
ورد فيها الرجوع الى الحاكم ووجوب اتباع امره.
ولعل المحقق النراقي قد ارتكز في دعواه الاجماع لثبوت
الولاية المطلقة للفقيه على هذا العرض الواسع لولاية الحاكم
في الابواب الفقهية المشار اليها.
نعم، لم تبحث هذه المسالة بشكل مستقل في بحوث الفقهاء
وابواب الفقه المختلفة، وانما بحثت في ضمن بعض المسائل
والاحكام. وقد قام النراقي - وهو اول من بادر - بدراسة المسالة
بشكل مستقل ومفصل نسبيا،مدعيا قيام الاجماع على ثبوت
الولاية للفقيه، بل الضرورة والبداهة. قال(قدس سره): «المقام الثاني: في بيان وظيفة العلماء الابرار والفقهاء الاخيار في امور الناس وما لهم فيه الولاية على سبيل الكلية، فنقول: ان كلية ما للفقيه العادل توليه وله الولاية فيه امران:
احدهما: كل ما كان للنبي(ص) والامام(ع) الذين هم سلاطين
الانام وحصون الاسلام - فيه الولاية وكان لهم فللفقيه ايضا ذلك.
ولا يضر ضعف الاخبار بعد الانجبار بعمل الاصحاب، وانضمام
بعضها ببعض، وورود اكثرها في الكتب المعتبرة»((196)).
ثم قال: «ان الامور التي هي وظيفة الفقهاء ومنصبهم ولهم
الولاية فيه كثيرة ونذكر بعضها» ثم ذكر منها احد عشرموردا
هي:
ثم بين ان تلك القاعدة الكلية التي اشرنا اليها في كلامه تبتني
على اصلين:
والمتحصل من جميع كلامه(قدس سره): ان الله تعالى لم يكل
امر عباده الى احد، ولم يجعل لاحد على احد ولاية؛ لعدم امتياز
احد منهم على احد، فالجميع سواسية، بيد انه سبحانه قد اقام
في بعض المسائل الاجتماعية المستعصية والتي لا يقوى العباد
على حلها قيما ووليا لتنفيذ حكمه سبحانه وتطبيقه، وقد صرح
بذلك في اولبحثه قائلا: «ان الولاية من جانب الله ثابتة لرسوله
واوصيائه المعصومين(ع)، وهم سلاطين الانام، وهم
الملوك والولاة والحكام، وبيدهم ازمة الامور»((198)) وقد
اقاموا(ع) في حال غيبتهم نائبا ووليا على الناس.
وممن بحث المسالة من الفقهاء - في موارد عديدة واكثر تفصيلا
-المحقق النجفي صاحب الجواهر حيث بحثها مفصلا في بحث
الامر بالمعروف والنهي عن المنكر((199)) ثم قال في آخر
بحثه: «فمن الغريب وسوسة بعض الناس في ذلك (اي اقامة
الحدود والاذن في الجهاد والدفاع و... الخ) بل كانه ما ذاق من
طعم الفقه شيئا ولا فهم من لحن قولهم ورموزهم امرا - الى ان
قال: - وبالجملة فالمسالة من الواضحات التي لا تحتاج الى
ادلة»((200)).
ونظيره في دعوى البداهة والضرورة ما افاده السيد
البروجردي
(قدس سره)
على ما في تقريرات درسه - حيث قال:
«اتفق الخاصة والعامة على انه يلزم في محيط الاسلام وجود
سائس وزعيم يدبر امور المسلمين، بل هو من
ضروريات الاسلام، وان اختلفوا في شرائطه وخصوصياته وان
تعيينه من قبل رسول الله(ص) او بالانتخاب العمومي»((201)). اثارات ومناقشات حول ادلة ولاية الفقيه:
حاولنا في هذا المقال تسليط الضوء على ما اثاره الاستاذ مهدي
الحائري (رحمه الله) من مناقشات لادلة المحقق النراقي(قدس
سره) في اثبات ولاية الفقيه، فقد كتب في رسالة تحت عنوان
«الحكمة والحكومة» ذهب فيها الى ان مفهوم الحكومة ليس
مفهوما حقوقيا بمعنى الحاكمية والسلطة، بل مفهوم اخلاقي
منتزع من الحكمة العملية، بمعنى ان ينبري الناس الى انتخاب
شخص من بينهم لادارة امورهم الاجتماعية مع مراعاة
الضوابط والمعاييرالخلقية في ذلك، من دون ان يكون له ولاية
وقدرة وامر ونهي.
وبعبارة ثانية: انه لا يراد من الحكومة المعنى المصطلح لها من
الحاكم والحكومة، بل هي امر خلقي في العلاقات الاجتماعية. واما المناقشات والاشكالات التي اثارها المرحوم الحائري فهي:
الاشكالية الاولى:
وقد ذكر الشيخ الاعظم الانصاري(قدس سره) ان من جملة
من له الولاية في التصرف باموال الغير، هو الحاكم ايالفقيه
الجامع للشرائط، وقد تمسك(قدس سره) بهذا التوقيع
الشريف، معتبرا ان المراد من الحوادث الواقعة فيه هومجموع
الامور التي لا يسوغ لعامة الناس توليها، وليس المراد بها
المسائل الفرعية((203)).
وقد اورد المناقش على الاستدلال بهذا التوقيع بما حاصله:
والجواب:
ثانيا: انه قد ورد في التوقيع الشريف قوله(ع): «فانهم حجتي
عليكم وانا حجة الله» فقد اعتبر الفقيه حجة قاطعة في جميع
المجالات، بما هو اعم من الاحكام والقوانين والحوادث الواقعة
ورفع الاختلافات وحل المشاكل الاجتماعية.
ثالثا: ان كون الفقيه حجة على الناس في الاحكام الشرعية
وكون الامام(ع) حجة عليه، هو من البديهيات الواضحةالتي لا
حاجة معها الى ان يكرر الامام بيانها ثانية، وعليه فان تكرار
الامام(ع) لهذا الامر انما هو للاشارة الى ان ماورد في سؤال
اسحاق بن يعقوب انما هو السؤال عن الحوادث الواقعة التي
جهل اسحاق بن يعقوب - بل وحتى نائب الامام الخاص محمد بن
عثمان العمري - كيفية العمل فيها، فاوضح الامام(ع) هنا انه
حجة على الفقيه،والفقيه حجة على الناس.
الاشكالية الثانية:
والجواب: ان كل مجتمع فيه احكام وقوانين ثابتة ومتغيرة، وان
من لوازم تطبيق القانون ان تكون في القانون احكام اولية
واخرى ثانوية، والاولى تطبق في الحالات الاعتيادية فيما يكون
تطبيق الثانية في الحالات الاضطرارية. وهذه الخصوصية
والميزة موجودة في قوانين الاسلام وتشريعاته بارقى الدرجات.
الاشكالية الثالثة:
ويرد على الاستدلال به: انه قد تكرر لفظ الحكم والحاكم اربع
مرات، فما هو الدليل على ان المراد به هو ادارة الدولة
والسلطنة؟ لابد ان يسال من الفاضل النراقي عن مصدره في
هذا الفهم من لفظ الحاكم بحيث يشمل ادارة الدولة وقيادة
الجيش والقضاء.
لا شك ان من الواضح عدم شمول هذا الدليل للقضاء لاثبات
قيادة الجيش وادارة الامور.
لا يقال: ان الاطلاق المذكور مستفاد من لفظ الحاكم بمعونة
مقدمات الحكمة، لا انه مستفاد من اطلاق كلمةالحكم.
فانه يقال: انه لا يمكن استفادة الاطلاق من مقدمات الحكمة
بحيث يثبت للفقيه جميع السلطات التشريعية والتنفيذية
والسلطنة.
والجواب: ان ثمة قرينة في كلام الامام(ع) ينبغي الالتفات اليها
بحيث لا يبقى مجال للاشكال، وهي عبارة عن ملاحظة الايات
السابقة على الاية المذكورة في الحديث، والايات السابقة عليها
هي على ما في سورة النساء: «ان الله يامركم ان تؤدوا الامانات
الى اهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل... يا ايها
الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم فان
تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله...
الم تر الى الذين يزعمون انهم آمنوا بما انزل اليك وما انزل من
قبلك يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت وقد امروا ان يكفروا
به»((206)).
لقد ورد في هذه الايات عدة مسائل وامور ينبغي التوقف
عندها، وهي: وبملاحظة هذه المفاهيم يعرف المراد من قول الامام(ع): «اني جعلته حاكما». وبيان ذلك يتم ضمن امور:
الامر الاول: الامانة:
الامر الثاني: الولاية:
الامر الثالث: وجوب الطاعة للّه والرسول واولي الامر:
الامر الرابع: الكفر بالطاغوت:
الامر الخامس: في معنى الحاكم: وعليه فان اطلاق لفظ الحاكم على القاضي من باب الاشتراك المعنوي، اي انه استعمل في احد المصاديق. وقدقال تعالى: «يا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق»((217)) فرتب القضاء على الخلافة. وان من غير المعقولان يكون للفقيه الجامع للشرائط في الاسلام ولاية على المحجور والمفلس والغريم، والحكم بمصادرة اموال المرتد الفطري والقاتل والباغي واصدار حكم القتل والحبس والتعزير، ولا يكون له في نفس الوقت دخل في الحكموادارة الامور!
وعليه فلا تلازم بين كون القاضي حاكما وبين كونه خبيرا في
الاقتصاد والسياسة وقيادة العساكر والجيوش وغيرها؛ لان
وظيفة الحاكم - كما هو الامر في سائر الحكومات في العالم -
التنسيق بين السلطات والمراكزالمؤثرة في ادارة البلاد.
فرئيس الدولة - سواء كان نظام الحكم شيوعيا او راسماليا او
اسلاميا - يقوم بدور المنسقبين السلطات الموجودة طبقا
للنظم الحاكم للدولة.
وعليه فليس من اللازم ان يتصدى الحاكم لجميع السلطات
والمهام كما هو واضح.
الاشكالية الرابعة:
البرهان الاول:
البرهان الثاني:
وقد اشكل المستشكل على صغرى البرهان الثاني بما حاصله:
والجواب:
فالمقصود هو حاكمية مثل هذا الدين وتطبيقه على يد الفقيه.
اذا فملاكات هذه الاولوية في الفقيه هي:
فهذه الامور تنتج كون الفقيه هو الاولى بالتصدي وتقلد زمام
الامر.
الاشكالية الخامسة:
والجواب:
ان النصب ان كان من قبل المرجع، فيرد عليه ان مثل هذا
التنصيب مما لم يقم عليه دليل شرعي ولا عقلي،ولم يدع ذلك
احد الى الان؛ لان المجتهد هو الشخص المؤهل لمثل هذا
المقام، فلا حاجة الى نصب فقيه آخرله.
فالنصب العام هو من قبل الشرع، وقد الزم الشارع الفقهاء
بالتصدي على نحو الوجوب الكفائي ممن توجد فيهالشرائط،
فاذا تعلق التكليف باحدهم سقط عن الاخرين، بل يمكن القول
بانه اذا قام من به الكفاية فلا تكليف ولابعث لغيره من قبل
الشارع، واما التعيين فهو عن طريق الخبراء حسب، ويتم هذا
الطريق المشار اليه في الرسائل العملية منذ القدم، عن طريق
البينة او الشياع. ومن يعينه الخبراء هو الشخص المتعين لولاية
الامر. وهو بلا شك طريق عقلائي سار في جميع المجالات
والتخصصات، فارفع الدرجات العلمية في كل تخصص وعلم
يتم تعيينهاعن طريق خبراء نفس ذلك العلم.
وليس تاسيس مجلس خبراء القيادة في الجمهورية الاسلامية
الا من اجل ادارة الامور بشكل افضل وتشخيصالاعضاء الخبراء
في هذا المجلس ومعرفتهم من قبل الشعب، وتسهيل عملية
انتخاب الولي الفقيه، فلا يقال اذا ان البينة او الشياع كاف في
تشخيص القائد في هذا الزمان.
هذا، مضافا الى ان من وظائف الخبراء التشاور مع القائد
والاشراف على مجريات الامور.
واما انتخاب الناس للولي فليس مما قام عليه دليل من الشرع
او العقل؛ اذ لا قيمة هنا للانتخاب في مثل هذه الامور
التخصصية، فان ايكال التشخيص في مثل هذا الامر الهام للراي
العام مخالف للعقل والفطرة.
فاذا النصب العام يكون من قبل الشارع، والتطبيق من قبل
مجلس الخبراء، وانتخاب الشعب وانقيادهم يوجبان بسط يد
الفقيه وفعلية ولايته، فالامام امير المؤمنين(ع) كان هو الولي
الشرعي ابان تنحيته وعدم انقياد الناس له، ولكنها وصلت
مرحلة الفعلية عندما انتخبه الناس وبايعوه.
كما ان النصب اذا لم يكن من الشارع فلا تجدي بيعة الناس
حتى لو اطبقوا واجمعوا على البيعة. وقد كان فقهاؤنا لا يرون
شرعية الحكومات السابقة. ولم يكونوا يقفون الى جانبها الا في
موارد قليلة تاسيا بقولالنبي(ص): «الفقهاء امناء الرسل ما لم
يدخلوا في الدنيا، قيل: يا رسول الله فما دخولهم في الدنيا؟
قال: اتباع السلطان»((218)).
الاشكالية السادسة:
والجواب:
الاشكالية السابعة:
والجواب:
وليس النظام الجمهوري الاسلامي بدعا بين النظم والدول في
العالم، فان جميع الجمهوريات والنظم الديمقراطية الاخرى
في العالم في اي نظام كانت هي بحاجة الى من يقودها ويتخذ
القرارات في ادارتها في حال الصلحوالحرب وغير ذلك، وتجب
مراعاة تلك القرارات والتصميمات. ولا يقول احد ان الشعب في
تلك الجمهوريات لايحتاج الى الولي عليه، كما لم يعتبر احد
الناس صغارا وقاصرين، بل الجميع يقر بضرورة
القيادة وفاعليتها.
الاشكالية الثامنة:
والجواب:
وعلى ضوء هذا الاصل فقد ورد في القانون الاساسي للجمهورية
الاسلامية المادة رقم (111) انه: «اذا عجزالقائد عن اداء وظائفه
القيادية او افتقد احد الشروط اللازمة المصرح بها في المادة
رقم (109)، او كان فاقدا لها منذ البدء، فانه يعزل من مقامه
فورا».
الاشكالية التاسعة:
والجواب:
الاشكالية العاشرة:
والجواب:
واخيرا، فان مقام الامامة والولاية عبارة عن مسؤولية خطيرة
وامانة عظيمة، وفي ذلك يقول امير المؤمنين(ع):«انعملك
ليس لك بطعمة، ولكن في عنقك امانة»((221)).
وروى البخاري عن رسول الله(ص): «كلكم راع وكلكم مسؤول،
فالامام راع وهو مسؤول»((222)).
وقال تعالى في سورة النساء: «ان الله يامركم ان تؤدوا الامانات
الى اهلها واذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل»((223))
فليست الحكومة الاسلامية الا من اجل تحقيق العدالة واداء
الامانة. الشيخ قاسم الابراهيمي ان البحث في ادلة الشورى تارة يجري في اصل مشروعيتها،
واخرى في كيفية اجرائها ومن له حق ممارستها.
وقد كفانا بعض المحققين مؤونة البحث في الامر الاول بما
اورده من ادلة كثيرة على ذلك مما يحصل معه القطع
بتمامية
بعض الادلة جزما؛ دلالة وورودا((224)).
وانما ينبغي البحث في الامر الثاني، لكنا مع ذلك سنختار من
بين مجموع الادلة المساقة لذلك آية الشورى
لحصول الغرض
بها، ونبحث فيها عن كلا الجهتين:
وفقرة الاستدلال الواردة في الايات الكريمة هي قوله تعالى: الى اصل واحد؛ تارة بمعنى الواقعة والحادثة المقيدتين
بالخطورة والاهمية او بدونهما((231))، واخرى بمعنى الفعل
والحدث((232)). في حين ذهب بعض آخر الى رجوعها
الى اصلين، هما: الطلب والشيء غير العلم((233)).
واما اهل اللغة فربما جعلوا اصولها خمسة، بعضها الاصلان
المتقدمان، لكن المصدر في الاصول الثلاثة الباقية
مفتوح
العين((234)).
والظاهر صواب ما ذهب اليه الراي الثاني من رجوع هذه
المعاني الى اصلين احدهما الطلب، وان كنا نرى ان
الاصل
الثاني يساوق معنى «الموضوع» المعبر به عن كل ما يؤخذ بنظر
الاعتبار، فهو يلتقي مع معنى لفظة «شيء»،
الا انه يختلف عنها
في ان لفظة «شيء» تنطوي على صفة التحقق والوجود في
حين لا ينطوي لفظ «الامر» على هذا
المعنى. ولذا صح الاخبار
بلفظ «شيء»، فيقال: «الكتاب شيء» بمعنى انه موجود، ولا يصح
في الامر، كان يقال:«الكتاب امر».
نعم، لو اتصف الامر بصفة صح ان يعبر عنه بالامر، كان يقال:
«الكتاب امر حسن» و «النار امر ضروري فيالشتاء».
وكيفما كان، فلفظ الامر مستعمل عندنا باحد معنيين: الطلب
والموضوع.
والامر قد ياتي مفردا معرفا بالالف واللام، كما قد ياتي مضافا
الى ذات او جماعة معينة؛ فالاول لا شك فيانصرافه الى
المعهود عند العرف او خصوص المخاطب، والثاني الى اهم
الموضوعات المرتبطة بهما. وبهذا النحوينبغي ان تحمل لفظة
«الامر» الواردة في الايات والروايات، والتي منها:
قوله تعالى: «قل ان الامر كله للّه»((235)) و «يقولون لو كان لنا
م ن الامر شيء ما قتلنا ههنا»((236))و «لو انزلنا ملكا لقضي
الامر ثم لاينظرون»((237)) و «للّه غيب السموات والارض
واليه يرجع الامر كله»((238)) و «بل للّه الامر جميعا»((239)).
وقول الامام علي(ع): «فلما نهضت بالامر نكثت
طائفة»((240))، والامام الحسن(ع) في كتابه الى معاوية:
«ولاني
المسلمون الامر بعده»((241))، والامام الرضا(ع)
باسناده عن النبي(ص) انه قال: «من جاءكم يريد ان يفرق
الجماعة
ويغصب الامة امرها...»((242)). الى غير ذلك مما لا
يسع ايراده هذا المختصر. المراد بالشورى:
والشورى مشتقة من مادة «شور» التي ذكرت فيها عدة معان،
منها: الابداء والعرض((243))، والاخذ
والجني((244))،والاشارة والايماء((245))، والاعانة((246))،
وحسن الهيئة((247))، وبدء السوءة((248))، وغيرها.
لكن اللغويين ارجعوا الشورى الى احد المعاني الثلاثة الاولى،
فظاهر الفراهيدي((249)) والجوهري((250)) وابنعباد((251)): انها مشتقة من الشور بمعنى الايماء
والاشارة، وهو المنقول عن الليث((252)) والاصمعي((253))،
وصريحابن فارس((254)) والراغب((255)): انها مشتقة منه
بمعنى الاخذ والجني، والمطرزي((256)) وابن
الاثير((257)) والفيومي((258)): انها مشتقة منه بمعنى الابداء
والعرض، وهو المنقول عن شمر((259)).
وايا كان مصدر الكلمة فمعناها واضح؛ وهو عرض المسالة واخذ
الراي فيها.
والظاهر اختلاف الشورى عن المشاورة والمشورة؛ فان هاتين
تطلقان على الفعل، وتلك تطلق على ما تقع فيه
المشورة.
والظاهر انها صفة مشبهة بالفعل على وزن «فعلى»((260))،
فيكون قوله تعالى اخبارا عن ان امر المؤمنين منالامور التي
يتشاور فيها، كما صرح بذلك الراغب((261))
والمطرزي((262)).
لكن الظاهر من ابن عباد انها فعل او اسم فعل((263))،
وبالاسم صرح صاحب المصباح((264)). مضمون آية الشورى:
تفرض آية الشورى للمؤمنين - الذين يعود عليهم ضمير الاضافة
في «امرهم» - امورا تتعلق بهم خاصة ولاتتعلق بالله سبحانه؛
فان للّه سبحانه وتعالى في خلق الكون والانسان اغراضا
ومقاصد؛ حيث قال: «وما خلقنا
السموات
والارض وما بينهما
لاعبين»((265))، وقد كشف عن هذه الاغراض نظريا بتعاليمه،
وترجمها الى قوانين عملية
باحكامه وتشريعاته، وبذلك حدد
الهدف ورسم الطريق اليه.
واذ اتم الله تشريعاته واحكامه حيث قال: «اليوم اكملت لكم
دينكم واتممت عليكم نعمتي»((266)) فقد اتم اغراضه،
واتىعلى مقاصده واهدافه، فما بقي مما لم يشرعه لا يدخل في
غرضه ولا يهمه، وان كان شيء من ذلك يهم احدا اوشخصا
فانما يهم الناس ويرتبط بهم. فالامور على هذا على قسمين:
امور ترتبط بالله سبحانه فقد شرع لها الاحكامالمناسبة من
وجوب وحرمة واستحباب وكراهة واباحة، ونجاسة وطهارة،
وصحة وبطلان، وامور لا ترتبط به ولاتدخل في حيز اهتماماته،
بل ترتبط بمن اهمته من الناس. ومن ذلك ما يكون اثره عائدا
على فرد واحد فهو امر
شخصي، ومنه ما يكون اثره عائدا على
جماعة من الناس فهو امر جماعي.
وقد ترك الله سبحانه القرار في الامور الشخصية لاصحابها
ونهى عن التعرض اليهم فيها بحكم قاعدة السلطنة، واما
الامور
الجماعية وهي ما عبر عنه الله ب«امرهم» فمع انه سبحانه لم
يشا التدخل في مضمونه ايجابا ولا نفيا ولاوضعا او رفعا لكنه
تدخل في تحديد طريق العمل به منعا للاختلاف، وحيلولة من
الفرقة والنزاع ما يفوت به
الغرض من بعث الانبياء والرسل(ع). بيان الاستدلال: والاستدلال بهذه الاية يكون تارة على حكم العمل بالشورى، واخرى على حكم قرارها؛ فان القرار الصادر منها ربما لا يكون الزاميا لمن لم يصوت لصالحه وان اثبتنا مشروعية عمل الشورى. فالكلام يقع في جهتين:
الجهة الاولى - حكم العمل بالشورى:
التقريب الاول:
ولازم ذلك لزوم العمل بالشورى على المؤمنين لدى تصديهم
لاتخاذ اي قرار يرتبط بالجماعة، وعدم مشروعية
الاستبداد فيه
الذي هو معنى آخر عن عدم ترتب اثر شرعي عليه.
وهذا التقريب مناقش فيه:
التقريب الثاني:
وفيه:
التقريب الثالث:
وقد اقر الله سبحانه وتعالى - بمقتضى آية الشورى - العمل بهذا
المبدا في هذا القسم، فهو بمثابة حكم وضعي
بمشروعية العمل
المذكور، ومقتضى الاطلاق عدم عدل آخر، كما لا دليل
منفصل على جواز غير الشورى ايضا،
فثبت من كل ذلك لزوم
العمل بالمبدا المذكور فيما يخص امور الجماعة.
وقد يناقش هذا الدليل:
وثانيا: بان شوروية الامر الوارد في الاية ليس حكما وضعيا؛ اما
لان الحكم الوضعي اعتبار لوضع وفقرة
الاستدلال ليست
كذلك، او لان الله سبحانه في مقام الوصف لا التشريع.
التقريب الرابع:
ووجود بعض الصفات غير الواجبة كذلك - كغفران الذنب - لا يضر
بالاستدلال، فليكن تخصيصا.
وهكذا يثبت لزوم العمل بمبدا الشورى.
لكن فيه: انه من غير الواضح استفادة توقف الثواب الاخروي
على الاشتمال على هذه الصفات، بل لا اشعار في
الاية بالتوقف
وانما هي بصدد بيان فضل الثواب الاخروي على متاع الدنيا مع
ذكر متعلقهما لا على سبيل الحصروفي مقام البيان.
فتحصل من كل ما تقدم: عدم تمامية الدليل على وجوب العمل بالشورى فيما يتعلق بجماعة
الناس، ومعنى ذلكان الامة غير ملزمة شرعا باتباع طريق الشورى فيما يتعلق بها،
فيمكن ان تقر تصدي المتصدي لذلك او ما اتفقعليه اهل الحلوالعقد او أيّة جماعة اخرى، لكنه مع ذلك يستحب لها
ان تتبع هذا المبدا في مثل هذه الامور، ويكون هذا حكما أوّليا
مجعولا من قبل الشارع يقضي بجعل هذه الامور بيد الامة، بل
لنا ان نقول: بان ما يناسب شأن الشارع بما هو شارع التدخل
فيما هو داخل في حيز اهتماماته مما ابان عنه بتشريعاته دون
ما خرج عن ذلك مما يرتبط بالناس. فالاختلاف بين القائلين بالولاية المطلقة مع النصب وبين القائلين بالشورى معه هو في صغرى كون هذه الامورمما تخص الشارع ام لا كي ينصب من ينوب عنه فيها ام لا؟
الجهة الثانية - واما حكم قرار الشورى فيمكن بيانه من عدة
وجوه: الوجه الثاني: ان يقال بان اعتبار الشارع العمل بمبدا الشورى فيما يتعلق بالجماعة باحد التقريبات الاربعة المتقدمة في البحث السابق امضاء لقرارها بما يستلزم ذلك من موافقة ومخالفة وامتناع؛ فان اطباق اعضاء الشورى على راي واحد لا يقع الا نادرا، فمثله لا يصرف اليه الاعتبار المذكور. |