الصفحة التالية

الصفحة السابقة

وثانيا. انه لو سلمنا صحة المقام السابق، فانه لا دليل على انضمام خصوصية الظن بالصدق الى الخبر الواحدالذي فرض تسليم اعتباره في المقام السابق؛ لان عمل العقلاء بخبر الواحد قد يكون المنشا فيه اطمئنانهم‏بالصدور، او انه في خصوص الموارد غير المهمة، او قيام سيرتهم على العمل بكل ظن في موارد انسداد العلم ‏عندهم، ومع هذه الاحتمالات كيف يحكم بحجية الخبر المظنون الصدق من هذين الدليلين؟! واما الدليل الثالث، فانه لا يفيد اكثر من حجية خصوص خبر الثقة العدل المجمع على خبره، ولا تكاد تعد مصاديق مثل هذا الخبر بعدد الانامل، كما لا يخفى. فالانصاف عدم امكان الالتزام بصحة ما ادعاه في هذا المقام‏حتى على فرض التسليم بكلامه في المقام الثالث.

المقام الخامس - اصالة حجية الاخبار المروية عن الائمة(ع) الا ما اخرجه الدليل:
وما يروم اثباته في هذا المقام هو اقرب لمسلك الاخباريين منه الى الاصوليين، حيث يندر جدا من يرى منهم‏
حجية الاخبار بهذا النحو؛ فان شطرا منهم - الاصوليين - يعتبر في حجية الاخبار عدالة الرواة ووثاقتهم، وشطرا آخر يشترط الوثاقة فيها، ومنهم من عمم الوثاقة بما يشمل الوثاقة من جهة الخبر وان لم تكن من جهة ‏المخبر.

ومن الواضح ان النراقي قد سلك مسلكا آخر في هذا المقام وفي سابقه ايضا غير ما عليه علماؤنا، فلم يذهب‏ لما ذهب اليه في هذا المقام كبار الاخباريين من اضراب الشيخ الحر العاملي والمحدث البحراني، وان كانت‏ موافقتهم له او عدم موافقتهم غير مهمة في مثل المسائل العلمية التي يجب قصر النظر فيها على قوة الادلة‏ ومتانتها بغض النظر عن الموافقين والمخالفين.

وقد استدل على مدعاه في هذا المقام بالاخبار المتقدمة الدالة على حجية الاخبار مطلقا كلا او بعضا، فانها مظنونة الصدق قطعا كلا او بعضا بوجوه مختلفة: من الوجود في الكتب المعتبرة، والصحة، ووثاقة الراوي، والانجبار بالشهرة المحققة، وبالاجماعات المنقولة، وبتعاضد بعضها مع بعض، وغير ذلك.

فثبت منها عموما او اطلاقا حجية جميع الاخبار التي جاءت عن ائمتنا(ع)، خرج منها ما خرج بالدليل، ومنها مالم يكن مظنون الصدق، لا موافقا ولا منجبرا باحد الامور المذكورة، فيبقى الباقي، وهو المطلوب((296)).

لقد اسلفنا في اول البحث انه(قدس سره) عقد الكلام في اول بحثه في اربعة مقامات، ثم اضاف خلال البحث‏ مقاما خامسا معللا ذلك بانا ذكرنا في كتبنا الاصولية ان جميع الاخبار المروية في كتب الحديث المعتبرة مظنونة ‏الصدق، واما الخبر الضعيف، او الموجود في بعض الكتب غير المعتبرة - المنجبر مدلوله بالشهرة المحققة اوالمحكية، او بالاجماع المنقول او المشتمل على واحد ممن اجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، ونحوذلك مما لم يثبت الاجماع على عدم حجيته ويمكن الخدشة في حصول الظن بصدقه - فانه تطلب حجيته من‏هذا المقام((297)).

ولا يخلو كلامه هذا من تهافت؛ فان المقصود في هذا المقام ان كان هو اثبات حجية كل خبر مروي عنهم(ع) فلا معنى حينئذ لاشتراط ان يكون الخبر مشهورا او مجمعا عليه او نحو ذلك من الشروط؛ لوجود روايات اخرى‏ غير واجدة لمثل هذه الشرائط ومع ذلك فهي مشمولة لدليل الحجية، فلا داعي لتقييد غيرها بالشروط المذكورة مادام الجميع مشمولا لدليل الاعتبار والقبول.

وان كان هو اثبات الاعتبار والحجية لخصوص الخبر المظنون الصدق، فهذا قد تقدم بحثه في المقام الرابع، ولاموجب للتكرار وتخصيص مقام جديد به.

والحاصل: ان المدار ان كان على حصول الظن بالصدق في الاخبار فهذا ما قد تقدم بحثه والاستدلال عليه في ‏المقام الرابع، ويدخل فيه مثل الخبر الضعيف او الوارد في كتاب معتبر او المشهور او المجمع عليه او الواقع في‏اسناده احد اصحاب الاجماع؛ لانه مما يظن بصدقه.

وان لم يكن كذلك اي غير مظنون الصدق - كما هو الظاهر من كلامه هنا - فلا داعي حينئذ لاعتبار الشهرة اوالاجماع او وجوده في كتاب معتبر او كون احد رواته من اصحاب الاجماع او غير ذلك؛ فان الجميع معتبر وحجة ‏كما هو مقتضى الدليلين المتقدمين في المقام الخامس، سواء كان موافقا للمشهور ام لا، وسواء كان مجمعا عليه ام‏لا.

هذا، مضافا الى ان الخبر لو كان مشهورا او كان عليه الاجماع المنقول فان حجيته ثابتة في المقام الرابع، لكونه ‏مظنون الصدق، فلا داعي اذا لعقد المقام الخامس، الا ان يكون مقصوده بيان حكم ما عداه من الاخبارالموجودة في كتاب غير معتبر مثلا ولا يوجد شاهد على الظن بصدقها، الا ان مدعاه في المقام الخامس لم يكن‏في خصوص هذا القسم من الاخبار، فلاحظ.

والاشكال الذي يمكن تسجيله على هذا الدليل: هو انه كيف يمكن اثبات حجية مطلق الاخبار باخبار ظنية مثلها مع ان‏ النزاع هو في نفس حج ية الاخبار المظنونة الصدق؟! قد يقال: ان حجية الاخبار المستدل بها ثابتة بالاجماع والسيرة، وحينئذ يتمسك باطلاقها وعمومها لاثبات حجية ‏مطلق الخبر.

فانه يقال: ان القدر المتيقن من السيرة والاجماع - لو لم نقل باشتراط المباشرة في النقل - هو اخبار الثقات لامطلق الخبر، وليس فيما يتمسك به لاثبات حجية مطلق الخبر ما يكون بنفسه من اخبار الثقات.

والذي تنبغي الاشارة اليه في هذا الاستدلال انه استدلال جديد -ربما لم يسبق النراقي اليه احد من الاعلام - فهو من مختصاته التي حاول فيها اثبات حجية ما دل على اعتبار مطلق الاخبار بالاجماع والسيرة، فاذا ثبتت‏حجيته بذلك ثبت من خلاله ايضا حجية كل خبر صادر من الائمة(ع)، بيد ان صحة هذا الاستدلال تتوقف على‏ امرين:

الف) اطلاق السيرة.
ب) اطلاق الخبر الدال على حجية مطلق خبر الواحد.

ومن الواضح عدم وجود مثل هذا الاطلاق لا في السيرة ولا في الاجماع، فلا يمكن حينئذ اثبات الحجية لمطلق ‏الاخبار المروية عنهم(ع) بوسائط متكثرة بخبر لم تثبت حجيته في مرتبة سابقة.

كما ان التمسك بالتواتر الاجمالي للاخبار المثبتة لا يجدي شيئا في اثبات حجية مطلق الخبر؛ لان التواتر على ‏فرض تسليمه لا يقرر الحجية لمطلق الخبر.

واما البحث عن الموقف في فرض عدم ثبوت الحجية لخبر الواحد فهذا ما يتطلب بحثا مستقلا ودراسة ‏اخرى.

النراقيان في مواجهة المد الاخباري

الشيخ محمد البياباني

تبنى التيار الاخباري الذي يمثله جماعة من علماء الامامية فكرة احادية الدليل النقلي في الاحكام الفرعية ‏التعبدية، داعين الى اقصاء العقل والاجماع وظواهر الكتاب عن دائرة الشرعيات، ورفض الاجتهاد المصطلح.

ومن جملة ما تبنوه ايضا حجية الاخبار الواردة في الكتب الحديثية الاربعة، وعدم جواز العمل بالظن، فلا عمل ‏عندهم الا بالنص الصريح، وعليه فلا حجية عندهم للمفاهيم ولا لقياس الاولوية، بل لا يرى بعضهم الحجية ‏لقياس منصوص العلة ايضا.

ولم يقتصر البعض منهم على اقصاء العقل عن دائرة الشرعيات فحسب، بل ذهب الى اقصائه عن دائرة غيرالضروريات من علم الكلام، فالمعيار عندهم هو دلالة النص في كلا المجالين.

ويمثل هؤلاء بشكل عام اقلية وطبقة محدودة في التيار العام لعلماء الامامية الذين آمنوا بانفتاح باب الاجتهاد وآلية العقل والاجماع وظواهر الكتاب منذ امد بعيد. بل يمكن القول بتقلص الاخبارية - كتيار - في العصرالحاضر، بعد ظهورها في القرن الثاني عشر الهجري حيث لم تستمر طويلا حتى تبدد جمعها في نفس القرن بعدان ناقش الاصوليون والمجتهدون مقالتهم وفندوا حجتهم.

وتختلف الاخبارية في افكارها مع الحشوية عند الجمهور، بل لا قياس بينهما، حيث لا يوجد من علمائنا الاخباريين من يذهب الى القول بالتجسيم وان لله سبحانه جوارح واعضاء او امكان لمسه او مصافحته سبحانه‏كما ذهبت الى ذلك الحشوية((298)).

كما لا يلتقون مع اهل الحديث ايضا فلا تجد فيهم من يقول بمقالة الاشعري في الحسن والقبح الشرعيين وانكاردور العقل في ادراك الحسن والقبح. ويرجع السبب في ذلك الى تصدي ائمة اهل البيت(ع) لبيان كل ما يتعلق‏ بحقائق الدين واحكامه، الامر الذي اغنى اتباعهم مؤونة البحث وحفظهم من الخطا في مثل هذه الامور((299)).

كما لا نجد - في المقابل - ايضا في علمائنا الاصوليين من يعتقد بحجية القياس والاستحسان والمصالح ‏المرسلة والاجماع اذا لم يكن كاشفا عن قول المعصوم(ع) ورايه.

قال الحجة البحاثة السيد المرعشي النجفي(قدس سره) في خصوص اصحاب الحديث: «اصحاب الحديث يطلق‏ تارة على جماعة قصروا النظر على الاحاديث، ونبذوا حكم العقل والاجماع، وجعلوا نصوص الكتاب وظواهره من ‏المتشابهات، ويقال لهم الاخبارية ايضا، وهم عدة كثيرة في اصحابنا، كالامين الاسترآبادي، والشيخ خلف وغيره من‏ علماء البحرين، وفي العامة كمحمد بن ابي ذئب المتوفى سنة (159)، وزائدة بن قدامة الثقفي، وسعيد ابن ابي‏عروبة وغيرهم، ويقال لهم الحشوية ايضا. وتحكى من اصحاب الحديث من اهل السنة غرائب.

منها: جواز تجسمه ورؤيته، اخذا بظواهر كلمات نسبت معانيها لله تعالى كاليد والعين والسمع والاستواء والمجي‏ء والناظرية والمنظورية، وغيرها مما تنزهت ساحة قدسه منها وتعالى علوا كبيرا. واما اصحاب الحديث من اصحابنا فلم يتفوهوا بامثال هذه المقالات.

وتارة يطلق اصحاب الحديث على من كان همه وتخصصه في الحديث، بحيث توغل في جمعه وضبطه وتنقيح‏ اسانيده‏»((300)).

الخلفية التاريخية:

يرى الاخباريون وعلى راسهم المحدث الشيخ محمد امين الاسترآبادي (قدس سره) تقدم الاخبارية من جهة ‏تاريخية، بحيث تشمل جميع اصحاب الائمة(ع) ومن تلا عصرهم من اكابر المحدثين كالشيخ الكليني والشيخ ‏الصدوق وغيرهما.

ويطلق الاسترآبادي على طبقة الشيخ الصدوق، وابيه علي بن بابويه، ومحمد بن يعقوب الكليني، واستاذه علي‏بن ابراهيم الاخباريين المتقدمين، كما انه يرجع التقسيم المعروف لعلماء الشيعة الى اصوليين واخباريين الى‏العصور المتقدمة، ونسب التصريح بذلك الى مثل الشهرستاني في الملل والنحل، والشريف الجرجاني في شرح‏ المواقف والعلامة الحلي في نهاية الاصول.

قال الشهرستاني (ت: القرن الخامس): «فصارت الامامية بعضها معتزلة... وبعضها اخبارية...»((301)).

وقال السيد الشريف الجرجاني (ت القرن التاسع): «... الاخبارية يعتقدون ظاهر ما ورد به الاخبارالمتشابهة‏»((302)).

ونقل الاسترآبادي عن العلامة الحلي قوله ان الاخباريين يعولون على اخبار الاحاد في الاصول‏والفروع((303)).

وقد نقل الشيخ الحر العاملي التقسيم المذكور وكلام الاسترآبادي ((304)) بل ذهب الى اكثر من ذلك فذكر «ان ‏رئيس الاخباريين هو النبي(ص)، ثم الائمة(ع)؛ لانهم ما كانوا يعملون بالاجتهاد، وانما كانوا يعملون في الاحكام ‏بالاخبار قطعا، ثم خواص اصحابهم، ثم باقي شيعتهم في زمانهم‏»((305)).

ولكن ذهب المحدث البحراني صاحب الحدائق الى ان هذا التقسيم حادث قد تم على يد المحدث ‏الاسترآبادي((306)).

ان مما لا شك فيه هو ان المحدث الاسترآبادي هو اول من طرح الاخبارية كفرقة وجماعة تتميز بارائها الخاصة، ولكن هل ان قدماء محدثينا كانوا على ما ادعاه الاسترآبادي؟ ثمة خلاف في ذلك، فقد ذهب البعض الى عدم صحة ما ذكره الاسترآبادي باعتبار قرب اصحاب الائمة(ع)، فكانوا يرجعون اليهم مباشرة، ولم تكن هذه المسائل مطروحة آنذاك؛ وذلك لعدم عملهم بالاجتهاد بالمعنى ‏المصطلح.

نعم، دعت الحاجة مع تقادم الزمن الى طرح قواعد كلية واصولية، مما اوجب تدوين مسائل الفقه بشكل اكثرترتيبا.

ويعد المحقق محمد تقي الاصفهاني(قدس سره) صاحب هداية المسترشدين - ممن يرى هذا الراي، حيث قال: «فان‏قلت: ان‏علماء الشيعة قد كانوا من قديم الزمان على صنفين، من اخباري واصولي كما اشار اليه العلامة في النهاية ‏وغيرها. قلت:
انه وان كان المتقدمون من علمائنا ايضا على صنفين من اخبارية يعملون بمتون الاخبار، الا انه لم‏تكن طريقتهم ما زعمه هؤلاء، بل لم يكن الاختلاف بينهم وبين الاصولية الا في سعة الباع في التفريعات الفقهية، وقوة النظر في تقرير القواعد الكلية، والاقتدار على تفريع الفروع عليها. فقد كانت طائفة منهم ارباب النصوص ‏ورواة الاخبار، ولم تكن طريقتهم التعدي عن مضامين الروايات وموارد النصوص، بل كانوا يفتون غالبا على طبق مايروون ويحكمون على وفق متون الاخبار، ولم يكن كثير منهم من اهل النظر والتعمق.. وهم المعروفون بالاخبارية.وطائفة منهم ارباب النظر والبحث في المسائل ولهم الاقتدار على تاصيل الاصول وهم الاصوليون منهم، كالعماني‏ والاسكافي وشيخنا المفيد، وسيدنا المرتضى، والشيخ الطوسي.. وانت اذا تاملت لا تجد فرقا بين الطريقتين، الا من‏جهة كون هؤلاء ارباب التحقيق في المطالب واصحاب النظر الدقيق في استنباط المقاصد، وتفريع الفروع على‏القواعد؛ ولذا اتسعت دائرتهم في البحث والنظر، واكثروا من بيان الفروع والمسائل وتعدوا عن متون الاخبار الى مايستفاد منها بالفحوى او بطريق الالتزام او غيرهما، واولئك المحدثون ليسوا - غالبا - بتلك القوة من الملكة وذلك‏ التمكن من الفن؛ فلذا اقتصروا على ظواهر الروايات‏»((307)).

ولا شك فان كلامه(قدس سره) ليس شاملا لجميع اصحاب الائمة(ع)؛ اذ ان منهم من هو في اعلى درجات العلم‏ والفقاهة، فقد اثنى الامام الصادق(ع). في حديث له - على زرارة بن اعين وابي بصير ومحمد بن مسلم وبريدالعجلي فقال: «لولا هؤلاء ما كان احد يستنبط هذا، هؤلاء حفاظ الدين وامناء ابي(ع) على حلال الله وحرامه، وهم‏ السابقون الينا في الدنيا، السابقون الينا في الاخرة‏»((308)).

وورد ايضا عنه(ع) انه قال لمعاذ بن مسلم النحوي: «بلغني انك تقعد في الجامع فتفتي الناس‏» فقال معاذ: نعم، واردت ان اسالك عن ذلك قبل ان اخرج، اني اقعد في المسجد، فيجي‏ء الرجل فيسالني عن الشي‏ء، فاذا عرفته‏ بالخلاف لكم اخبرته بما يفعلون، ويجي‏ء الرجل اعرفه بمودتكم وحبكم، فاخبره بما جاء منكم، ويجي‏ء الرجل ‏لا اعرفه ولا ادري من هو، فاقول: جاء عن فلان كذا وجاء عن فلان كذا، فادخل قولكم فيما بين ذلك.

فقال لي:«اصنع كذا، فاني كذا اصنع‏»((309)).

وقد نقل في حق سلمان قول الفضل بن شاذان انه قال: ما نشأ في الاسلام رجل كان افقه من سلمان، ولا نشأ رجل بعده افقه من يونس بن عبد الرحمان((310)).

وعن ابن ابي عمير عن عبد الرحمان بن الحجاج وحماد بن عثمان قال: ما كان احد من الشيعة افقه من محمد بن مسلم((311)).

وعلى ضوء هذه الاخبار - وبملاحظة اهتمام الائمة وعنايتهم باصحابهم - فانه لا يمكن القول بان جميع اولئك‏الرواة والمحدثين كانوا اقل شانا مما عليه المجتهدون في عصر الغيبة، وانهم قاصرون عن التفريع، فالصحيح اذاالاجابة بما ذكرناه وصرح به المحقق النراقي من ان اصحاب الائمة(ع) لم يكونوا يرون ضرورة الرجوع للقواعدالعامة بعد امكان السؤال من الائمة(ع)((312)).

موارد الخلاف بين الاصوليين والاخباريين:

ان اهم نقاط الاختلاف بين الاصولي والاخباري هو فيما يتصل بمسالة الاجتهاد والتقليد وما يستلزمه الاجتهاد وتعيين مصادره. ولا شك في ان دائرة ذلك هو في الفرعيات، ولكن حاول بعض الاخباريين سحب النزاع الى ‏العقائد ايضا، وسوف ياتي البحث في ذلك عند الكلام عن تحديد دلالة العقل في عداد الادلة على ‏الاستنباط.

وايا كان فقد تصدى البعض لبيان وتحديد المسائل الخلافية بين الجانبين فنقل صاحب الحدائق عن الشيخ عبدالله البحراني في كتابه منية الممارسين في اجوبة الشيخ ياسين انه انهى المسائل الخلافية الى اربعة وثلاثين‏موردا.

الا ان صاحب الحدائق لم ير صحة ذلك معتبرا هذه المسائل غير جوهرية وغير مهمة في الخلاف الموجود. ثم ‏يشير هو الى مواضع الخلاف المهمة برايه، معقبا بان هذه الموارد ليست مما يختص به الاخباريون حسب، بل ان‏بعض الاصوليين يشاركونهم في ذلك ايضا((313)).

وذكر السيد محمد الدزفولي في «فاروق الحق‏» ان الخلاف بين الاصوليين والاخباريين هو في ست وثمانين ‏مسالة((314)).

وتجدر الاشارة الى ان اغلب المسائل المذكورة هي من الفرعيات، ويمكن تلخيص ذلك في بضع مسائل‏ معدودة، وسياتي ان الخلاف فيها ليس جوهريا ايضا، حتى ان البعض عد الخلاف بين الفريقين لفظيا، فالاصولي‏اخباري كما ان الاخباري هو اصولي ايضا.

فقد قال الشيخ كاشف الغطاء في بيان حقيقة الطرفين: «ان عقائدهما في اصول الدين متحدة سواء، وفي فروع‏الدين مرجعهما جميعا الى ما روي عن الائمة(ع)، فالمجتهد اخباري، والاخباري مجتهد، وفضلاء الطرفين ناجون، والطاعنون هالكون‏»((315)).

ولكن ذهب الشيخ الحر العاملي الى كون الخلاف جوهريا ومعنويا لا لفظيا كما قيل، ثم عد (23) مسالة خلافية‏ وقال بعد ذلك: ان ما ذكرناه انما هو وفقا لراي الاكثرية عند الفريقين فان بين كل منهم اختلافا في بعض الجزئيات ‏مذكورا في محله((316)).

الا ان ما ذكره هو ايضا من الامور الفرعية والجزئية التي لا يمكن عدها خلافا اساسيا بين الجانبين نظيرالاختلافات الموجودة بين الاصوليين انفسهم وما اكثرها، بل قد صرح هو بوجود هذه الخلافات بين الاصوليين‏في بعض المسائل كقياس الاولوية، ومفهوم الشرط والصفة والغاية واستصحاب الحكم الشرعي وغيرها.

فاتضح اذا عدم صحة عد كل شي‏ء خلافا ونزاعا بين الجانبين.

وفيما يلي نشير الى اهم تلك الخلافات التي يرجع اليها ما سواها، وننقل ايضا راي الفاضلين النراقيين في هذاالمجال:

1. الاجتهاد والتقليد:

وتعد هذه المسالة من اهم المسائل الخلافية بين الاخباريين والاصوليين، فالاخباريون ينفون آلية الاجتهاد في ‏الوصول الى الاحكام الشرعية، فيما يرى الاصوليون ضرورة ذلك.

يقول المحدث الاسترآبادي في هذا الصدد: «لا اعتداد في غير الضروريات الا بحكم المعصوم او فتواه، او برواية ‏حكمه او فتواه‏»((317)).

وذكر في موضع آخر ان المسائل الشرعية سواء كانت اصولا او فروعا لابد ان تستند الى الاخبار المروية عن ‏الائمة الاطهار(ع)، ولا يجوز العمل بظن المجتهد مطلقا((318)).

وقال ايضا: «كما لا اجتهاد عند الاخباريين لا تقليد ايضا، فانحصر العمل في غير ضروريات الدين في الروايات‏ عنهم(ع)»((319)).

وقال الشيخ الحر العاملي: «ان الاصوليين يقولون بجواز الاجتهاد في الاحكام، بل وجوبه، والاخباريون يقولون ‏بعدم جواز العمل بغير النص. والاصوليون يقولون بجواز العمل بظن المجتهد بل بوجوبه، لا بغيره، والاخباريون ‏يقولون بعدم جوازه‏»((320)).

وعلى ضوء ذلك فلابد من معرفة الاسباب التي دعت الاخباريين الى رفض التقليد ومن ثم معرفة ما اذا كان ‏الخلاف الموجود اساسيا او لا.

ولكن ينبغي تقديم مقدمة عن تحديد معنى الاجتهاد ليتحدد على ضوئه الاجتهاد الذي رفضه الاخباريون: قال المحقق الحلي (ت : 676): «للاجتهاد معنيان: عام وخاص. الخاص عبارة عما يرادف القياس عند الشافعي.والاجتهاد في عرف الفقهاء بذل الجهد في استخراج الاحكام الشرعية‏»((321)).

وذكر مثله الفاضل التوني مضيفا: ان المعنى الاول هو المشهور بين القدماء وهو المذموم في الاخبار.

ونقل عن السيد المرتضى في الذريعة ان الاجتهاد هو اثبات الحكم الشرعي فيما لا نص فيه، او اثبات الحكم‏بالامارات والظنون((322)).

فالذي يبدو ان ما رفضه الاخباريون من الاجتهاد هو المعنى الثاني، ويشهد لذلك ما ذكره الشيخ حسين العاملي ‏الكركي في هداية الابرار من قيام اجماع الاصحاب على بطلان الاجتهاد بهذا الطريق المتعارف بين المتاخرين؛ لانه ‏طريق العامة بعينه الا في مسائل يسيرة((323)).

وذكر الشيخ الحر العاملي ان التامل في كتب الاصوليين يثبت عملهم بالقياس مستنبط العلة والمصالح المرسلة، كما هو ظاهر لمن راجع كتاب التذكرة والمختلف للعلامة الحلي((324)).

وقسم الفيض الكاشاني المجتهدين الى قسمين: الاول هم الذين يرجعون في اجتهادهم الى الكتاب والسنة فقط‏ولا يتجاوزون حدود الثقلين، والثاني هم الذين يرجعون في بعض اجتهاداتهم الى الكتاب والسنة، وفي بعضها الى ‏آرائهم وعقولهم((325)).

وعلى هذا الاساس فان ما يرفضه الاخباريون ليس الاجتهاد بمعنى بذل الجهد لاستنباط الحكم الشرعي مع ‏استناده الى الحجة الشرعية، وانما الاجتهاد بمعنى بذل الجهد لتحصيل الظن بالحكم الشرعي من الطرق غيرالمعتبرة كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة.

ومما رفضه الاخباريون ايضا هو تعويل المجتهد على الظن في الاحكام الشرعية، فانهم يشترطون حصول القطع ‏في العقائد والاحكام استنادا الى اطلاق الايات والروايات الناهية عن العمل بالظن، ولا يرون صحة تخصيصها بالعقائد خاصة. ومن هنا آمنوا بقطعية صدور روايات الكتب الاربعة وكونها محفوفة بالقرائن القطعية الدالة على ‏الصدور. كما انهم لا يعملون - من جهة الدلالة - الا بالنص الصريح.

وهذا بعكس ما عليه اكثر الاصوليين من العمل بالظن المعتبر حيث يستندون اليه ويعتبرونه قائما مقام العلم في‏ استنباط الحكم الشرعي.

وقد ارجع المحقق احمد النراقي - وهو من اكابر الاصوليين - السبب في رفض الاخباريين الاجتهاد الى خمسة‏ اسباب، نشير هنا الى الاول منها، وهو ان طريقة الاصوليين في الاستنباط قائمة على الظن غالبا، والظن غير حجة‏ في الاحكام الشرعية.

ثم اجاب عن ذلك بانا نعلم بان طريقة فقهاء الامامية قائمة منذ عهد قديم والى زماننا على استنباط الحكم ‏الشرعي من الكتاب والسنة بما يفيد الظن لا القطع. ونعلم ايضا ان جميع المكلفين في زمن الحضور او بعده كانوا يعملون بما يرويه لهم الرواة، وهو لا يفيد اكثر من الظن، هذا اولا.

وثانيا: انا نقطع ببقاء التكليف، وانسداد باب العلم به، فلا طريق لتحصيل الاحكام الا من باب الظن((326)). وذكرفي موضع آخر ان جماعة من قدماء الاصحاب قد انكروا الاجتهاد، وقد فصل الفضل بن شاذان في الطعن عليه‏ في الايضاح . ثم ذكر في الجواب على ذلك ان الاجتهاد ياتي بمعنيين:

الاول: هو استفراغ الوسع في تحصيل الظن باي طريق اتفق. وهذا ما عليه علماء الجمهور.
الثاني: هو استفراغ الوسع في استنباط الحكم الشرعي من الكتاب والسنة، وهذا ما عليه الامامية. وما انكره‏الفضل بن شاذان هو الاول.

ثم اضاف موضحا: ان الله سبحانه ارسل الى عباده رسولا..

واكمل له دينه.. ولما اراد الله عز شانه ان يقبضه اليه‏امره بايداع ما لم يظهره من الاحكام الى وصيه، وهكذا الى القائم.. ولما قبض النبي(ص) صار الناس الى فرقتين: فرقة لم يقولوا بكون الاحكام مخزونة عند الوصي، فلذا اسسوا بعض القواعد كالقياس للجواب على مراجعات‏الناس اليهم. وما ورد عن الائمة(ع) في ذم الاجتهاد، يراد به هذا المعنى.

وفرقة لم يحتاجوا الى شي‏ء من ذلك، بل كانوا ياخذون الاحكام من الاوصياء ويسمعون منهم الى ان غاب‏الوصي، وكانت الاخبار حينئذ متكثرة، ووجد الكذابة، ووضع الحديث، وحصلت ابهامات واشتباهات، وكان قدورد من اوصياء خاتم الرسل قواعد لنقد الاخبار وترجيحها.. وراوا ان ذلك النقد والتمييز ليس عمل كل شخص، ولا يحصل بسهولة، بل يحتاج الى تامل وفحص. وسموا هذا الفحص والتامل اجتهادا، وهذا الشخص‏ مجتهدا((327)).

وعلى ضوء ذلك فان ما يرفضه الاخباريون هو الاجتهاد المبتني على الظن غير المعتبر. وهذا ما نبه عليه والده‏ المولى محمد مهدي النراقي بقوله: «ففعل المجتهد ليس الا السعي في درك الاحكام من قول الله وقول حججه‏ وان كان ذلك بمعونة مقدمات يتوقف دركه عليها»((328)).

ثم ذكر ما يتعلق بانكار الفضل الاجتهاد فقال: «وطعن قدماء اصحابنا كالفضل وغيره على العامة لقولهم بالراي ‏والاجتهاد، واحتجاجهم بها عليهم انما هو على ما ذهبوا اليه من العمل بالاقيسة والاستحسانات العقلية والمصالح ‏المرسلة، ومرادهم من الراي والاجتهاد اللذين نسبوهما اليهم ذلك لا ما عداه مما يتوقف فهم الادلة الشرعية‏ عليه، وذهب الفرقة المحقة الى حجيته ودونه رؤساء الشيعة وعظماؤهم كالمفيد والمرتضى والشيخ‏»((329)).

ثم اورد الاخبار الدالة على المنع من اخذ الاحكام من غير طريق الحجج(ع) ولزوم الرجوع الى رواة الاخبار،واضاف: «انا لا ننكر لزوم اخذ الاحكام عنهم(ع)، الا ان ذلك يستدعي وجود مقدمات واستفراغ الجهد؛ لان ‏امرهم صعب مستصعب، وفي احاديثهم العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمحكم والمتشابه، والناسخ ‏والمنسوخ، فلابد من استفراغ الجهد لاستنباط الاحكام منها، فهل ثمة قائل من بين اهل الاجتهاد باخذ الحكم من‏غير الحجج الالهية؟!»((330)).

وكتب النراقي ايضا في حجية ظن المجتهد: «لا خلاف بين علماء الفرقة المحقة في ان الاصل الابتدائي عدم‏حجية الظن‏مطلقا، ولا يجوز التمس ك بظن ما لم يكن برهان قطعي ودليل علمي على حجيته. انما الخلاف في انه‏هل يوجد مزيل لذلك الاصل ام لا؟ وعلى فرض الوجود هل يخرج بعض الظنون او مطلقه الا ما منع منه الدليل‏- اي صارت حجيته اصلا ثانويا -؟ فذهب جمع من الاخباريين الى انه لم يخرج ظن من تحت ذلك الاصل مطلقا، وليس الظن حجة اصلا، ولايجوز العمل الا بالادلة القطعية، وهؤلاء يدعون قطعية الاخبار. ولما راى جمع آخر من متاخري الاخباريين ظهورفساد هذه الدعوى، قالوا: ان المراد من قطعية الاخبار قطعية حجيتها((331)). وذلك عين القول بحجية الظن الخبري‏بواسطة الدليل القطعي... - الى ان قال: - واما ما يوجد في بعض كلماتهم من اطلاق حجية ظن المجتهد لادلالة له على اصالة حجية الظن، فالمراد ان‏ظن المجتهد من حيث انه مجتهد - اي ظنه المستند الى اجتهاده - حجة‏»((332)).

ثم ذكر بعد بيان الاشكال في تعريف الاجتهاد وتبديل الظن بالحجة فيه: ان النزاع بين الاخباري والاصولي‏ حينئذ صغروي لا كبروي، والنزاع في الصغرى قد يتحقق بين الاخباريين انفسهم كما يقع بين الاصوليين. واضاف‏بعد ذلك: ان الخلاف بين الفريقين يمكن ان يكون ناشئا من المفهوم لا المصداق، بمعنى ان الاخباري قد يعتبر ان‏مراد الاصولي من الاجتهاد هو استنباط الحكم اعتمادا على القياس والاستحسان، الامر الذي لا يقول به ‏الامامية((333)).

وقد ذهب الى كون النزاع لفظيا المحقق الطهراني معللا ذلك بان العمل بالخبر ليس الا العمل بمعناه وما يفهم‏ ويستفاد منه، فالعمل بالخبر موقوف على فهم المعنى واستفادته منه، ولا نعني بالاجتهاد الا استخراج معنى الخبر واستنباطه، وهو مشترك بين جميع علماء الشيعة((334)).

وقال الشيخ كاشف الغطاء: «ان الاجتهاد والتقليد من الاحكام التعبدية، وان الاجتهاد من المناصب الشرعية، والمنكر لذلك جاحد بلسانه، معترف بجنانه، وقوله مخالف لعمله‏»((335)).

وعليه، فالجميع متفق على تحديد معنى الاجتهاد وانه عبارة عن استفراغ الوسع في تحصيل الحجة الشرعية، ولكن الخلاف في تحديد مصداق الحجة، فالاخباري يدعي انه ناقل لراي المعصوم والناس مقلدة لهم. الا ان‏التحقيق يعط‏ي خلاف ذلك؛ ضرورة انهم ينقلون للناس ما ينكشف لهم بتوسيط فهمهم الشخصي من النص، والالو كان ما ينقلوه صرف النص الصريح الذي يمثل راي المعصوم لما عاد خلاف في ذلك البتة.

مضافا الى ان الامر لو كان كما يدعون، فهذا معناه عدم وجود الخلاف بين الاخباريين انفسهم، وذلك بان يتفق الجميع على ما الفه‏اول عالم منهم عندما جمع آراء المعصوم في الاحكام الشرعية، فيقبلوا نقله ويقتفوا اثره، ثم يتبعهم على ذلك عامة‏ الناس بالتقليد. والحال ان الامر ليس كذلك، فان ثمة خلافات بين الاعلام منهم مما يدل على ان المنقول ليس هو محض راي المعصوم، والا لما كان مثارا للاختلاف.

2. العلوم اللازمة في الاستنباط:

وهو المورد الثاني من موارد الخلاف بين الاصوليين والاخباريين. وليس هذا الخلاف من مختصات الفريقين، بل‏هو موجود عند الاصوليين انفسهم، فثمة خلاف بينهم في تحديد بعض المصاديق.

وقد نبه على ذلك المولى احمد النراقي حيث ذكر ان الموضع الثاني من مواضع الخلاف هو في ضبط مقدمات ‏الاستنباط كالعلوم الادبية والمنطق والاصول والرجال، فالاخباريون لا يرون ضرورتها في الاجتهاد، وعدم توقفه ‏عليها، بخلاف الاصوليين حيث يرون توقفه عليها((336)).

وذكر ايضا ان اكثر الاصوليين متفقون على ان يكون المجتهد متقنا لعلوم الحديث واللغة والتفسير والمنطق ‏والاصول والرجال وموارد الاجماع، اما الاخباري فانه لا يشترط غير المعرفة بالحديث((337)).

وقال ايضا: «وقال الاخباري: لا يتوقف الاستنباط على السعي بل من سمع آية او حديثا وفهم المراد منه كما يفهم‏ مراد غيرهم من كلامه يجب العمل بمقتضى فهمه، ولا يتوقف هذا الفهم على ما ذكره المجتهدون من المقدمات... بل لو ان‏اعجمى ا علم معنى خبر معلوم النسبة الى المعصوم بترجمة الثقة المامون جاز له العمل به وان لم يقدرعلى فهمه لو لم يترجمه‏».

ثم نقل عن السيد الصدر صاحب شرح الوافية ان العقل دلنا على وجوب اتباعهم في قوله تعالى: «يا ايها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم‏»((338)).

وعليه، فاذا سمع المكلف شيئا من القرآن او الحديث وفهمه كما يفهم غيره من الكلام، كان ذلك حجة عليه‏ وعمل به. ثم اضاف: ان العمل بما هو معلوم او مظنون من كلام المعصوم غير مشروط بكون المكلف قادرا على ‏الفهم في جميع الموارد، بل يكفي قيام الحجة عليه ولو في مورد واحد((339)).

وقد صرح بهذا الموضع من الخلاف بين الاخباريين والاصوليين المولى محمد مهدي النراقي ايضا في انيس ‏المجتهدين قائلا: «ان اكثر الاخباريين ذهبوا الى انه لا يتوقف (: الاجتهاد) على شي‏ء من ذلك (المقدمات)، بل‏ قالوا ان الثابت وجوب اطاعة الله واطاعة اولي الامر، فمن سمع آية او حديثا، وفهم مرادهم منهما، كما يفهم مرادغيرهم من كلامه يجب عليه العمل بمقتضى فهمه، ولا يتوقف هذا الفهم على ما ذكره المجتهدون من المقدمات ‏العقلية والنقلية واللغوية، ولا يلزم عليه العلم بسائر الايات والاخبار والتفحص في انه هل له معارض او مخصص‏ ام لا... فلا يجب على من ليس بماهر في علم الحديث، محيطا بعامه وخاصه، مطلقه ومقيده، ما له معارض وماليس له معارض، ما صدر تقية وما لم يصدر تقية، ما هو مطابق للواقع وما ليس كذلك، ولا عارفا بوجوه التراجيح ‏الاجتهادية والمنقولة، ولا مقتدرا على الترجيح عند التعارض ان يرجع الى من هو كذلك، بل كل ما يفهمه يعمل‏به من غير لزوم تقليد لغيره، وما لا يفهمه يساله من غيره‏»((340))، ثم نقل ادلتهم على ذلك وناقشها.

ان الاخباري بالرغم من رفضه تقليد المجتهدين، فليس المجتهد عنده الا ناقلا لراي المعصوم حسب، بيد انه‏ يعترف في الوقت نفسه بوجود العام والخاص والمطلق والمقيد وما هو صادر لتقية او غير تقية، كما انه يرى ‏ضرورة فهم هذه الحالات التي يتصف الحديث بها في عملية الاستنباط.

فاذا قال الاخباري بجواز العمل لكل من يفهم آية من الكتاب او رواية من السنة على طبق فهمه، فان صحة ذلك‏ يبتني على عدم ملاحظة احوال الحديث وانما ياخذ راي المعصوم منها مباشرة نظير رجوع العامي الى الرسالة ‏العملية لاخذ الفتوى منها.

بيد ان موقف الاخباريين من الكتب الحديثية، بل وتصريحهم في مقامات عديدة بمبانيهم في التعامل مع الاخبار يدل على عكس ذلك؛ فهم يقرون بوجود التعارض بين الاخبار وبحالات العام والخاص والاطلاق والتقييد فيها، بل ان ذلك من المسلمات عندهم، يضاف الى ذلك قول اكثرهم بعدم حجية ظواهر الكتاب.

وعليه، فكيف يكتفى في فهم الاية واستنباط الحكم منها بصرف السماع من دون اعمال النظر في ذلك؟! وكيف‏ يدعي الاخباري عدم ضرورة علوم اللغة والنحو وغيرها؟! حتى انه قد صرح المحقق النراقي بعد بيان الحاجة ‏لهذه العلوم بنفي الخلاف عن ذلك((341)).

واما سائر العلوم الاخرى غير الاصول والرجال فهي مثار جدل لا بين العلماء فحسب بل بين الاصوليين‏ انفسهم.

قال المحقق السيد الخوئي (قدس سره) في بيان ما يحتاج اليه الفقيه من العلوم: «والعمدة فيما يتوقف عليه ‏الاجتهاد بعد معرفة اللغة العربية وقواعدها، علمان: احدهما علم الاصول... وثانيهما علم الرجال‏» ((342)).

حاجة الاجتهاد الى علم الاصول:

من الواضح ان ما يبحث في علم الاصول هو مجموع المسائل الواقعة في طريق الاستنباط. وعليه فان المحورالاساس في تلك المسائل هو البحث عن الادلة، وسوف نبحث عن ذلك لاحقا. ولكن بحثنا هنا في حاجة‏الاستنباط الى علم الاصول.

قال المولى محمد مهدي النراقي(قدس سره) في بيان وجه الحاجة الى علم الاصول في الاستنباط: «ان جل‏ مطالبه مما يتوقف عليه الاجتهاد المطلق ولابد للمجتهدين من معرفتها... - ثم اضاف: - والقول بانه لا حاجة‏اليه؛ لان تدوينه بعد عصر الائمة(ع)، ولم يكن متعارفا بين رواة احاديثهم وقدماء الاصحاب مع كونهم عاملين‏ بالاخبار ومستنبطين للاحكام منها... لا يخفى ضعفه، فان كثيرا من القواعد الاصولية مستنبطة من الكتاب والسنة ‏كالاستصحاب المستنبط من قاعدة عدم نقض اليقين بالشك، واصل البراءة، وعدم جواز التكليف فوق الوسع وغيرذلك. وكثير منها يثبت مدلولها ببراهين قاطعة تلقتها العقول بالقبول ولا يمكن انكارها كالقياس بطريق الاولى‏ وامثاله.

وما ليس بهذه المثابة اما تعلق بتحقيق معاني الالفاظ مثل ثبوت الحقيقة الشرعية وعدمه، وكون الامر للوجوب‏ او غيره، وللمرة او التكرار... او لا يتعلق به، مثل الامر بالشي‏ء هل يقتضي وجوب مقدمة المامور به والنهي عن‏ضده او لا؟ وغير ذلك.

فما كان من القسم الاول لم يكن محتاجا اليه عند الرواة والقدماء؛ لان معاني الالفاظ وحقائقها كانت معلومة ‏عندهم؛ لعدم تغيير العرف في زمانهم.

وما كان من القسم الثاني فبعضه ايضا كان لهم غنى عن تحقيقه؛ لظهوره لهم بالقرائن والامارات والتواتر وامثال ‏ذلك؛ كحجية خبر الواحد وما يتعلق به، وبعضه مما صدر حكمه من الائمة(ع) وعلموه من كلامهم كما يظهر من ‏الاخبار، كحكم ما لا نص فيه، وتعارض الادلة، والاستصحاب، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والعام‏والخاص، والافتاء والتقليد، والقياس والاستحسان... فان جميع ذلك قد كان في عصرهم، وكان الرواة والاصحاب‏عاملين بحكمه، الا انهم لقطعهم به لم يكونوا محتاجين الى زيادة بحث وتنازع، وبعضه لم يخطر ببالهم حتى‏يسالوا عنه، واما في امثال زماننا فالاحتياج الى القسمين ظاهر؛ لتغير العرف، وفقد القرائن والامارات، وعدم‏امكان الاستنباط بدون التمسك بهما»((343)).

وقال في موضع آخر بان «التامل يعط‏ي انه ليست قاعدة اصولية عند الشيعة الا وهي في الحقيقة ملقاة اليهم من ‏الائمة(ع)»((344)).

وكتب ولده الفاضل النراقي في وجه الحاجة الى علم الاصول، فقال: «دليل اشتراط علم الاصول ان الاجتهاد - كما عرفت - هو استنباط الحكم من مداركه وماخذه فلابد اولا من تعيينها، والمدارك التي في ايدينا: الكتاب، والسنة، والاجماع، والادلة العقلية، فيجب البحث عن حجيتها وعدمها... والمتكفل لبيان كل ذلك علم الاصول، فيتوقف الاجتهاد عليه. وبالجملة احتياج المجتهد الى هذه المسائل بديهي‏».

ثم نقل شبهة الاخباريين في مسالة تاخر تدوين علم الاصول عن عصر الائمة(ع)، واجاب عنها: «انه ليس المراد بعلم الاصول هذه الكتب المدونة، بل المسائل المثبتة فيها، فحدوث التدوين بعد الائمة غير ضائر مع وجود مسائله في عصرهم، ولا يمكنك انكار وجودها فيه... فالقدماء هل كانوا قائلين بدلالة الامر على الوجوب ام لا؟ فان قلت: لم يكونوا قائلين بشي‏ء منهما، فهذا شطط من الكلام وموجب لعدم علمهم بالاوامر، وان قلت: كانوا قائلين بالوجوب، فهو مسالة اصولية، وان قلت: قائلين بعدمه، فهو ايضا كذلك.

وكيف لم يكن في الصدر الاول مع‏ان كثيرا من مسائله مستنبط من الكتاب والسنة؟!»((345)).

وعلى ضوء ذلك فانه يمكن القول بان الاصوليين يرون ان اكثر مسائل علم الاصول مستمدة من احاديث اهل ‏البيت(ع)، وليس على الفقيه الا التفريع، وتطبيق الكليات على الجزئيات.

ومن هنا فانه لو كانت الاصول مستمدة من كلام الائمة(ع)، فليس هذا مما يخالف فيه الاخباريون، حيث انهم‏ يرون انحصار الاصول بهم(ع). ولذا يقول الشيخ الحر العاملي - تعليقا على الحديث المعروف «علينا القاء الاصول‏وعليكم التفريع‏»: «انه لا يفهم من الحديث المذكور الا ان القاعدة الكلية المنصوصة عنهم(ع) يجوز العمل بها في‏جميع افرادها، وان النص العام كان في الحكم على جميع افراده، وانه لا يجب الاقتصار على النص الخاص، ولايشمل هذا الحديث جميع اقسام الاجتهاد والاستنباط؛ اذ لا يفهم منه الا الرخصة في التفريع على الاصول التي‏يلقيها الينا الائمة(ع) خاصة‏»((346)).

وقال الفيض الكاشاني حول هذا الحديث: «اولا: انهم(ع) قالوا: علينا ان نلقي الاصول ولم يقولوا: عليكم ان‏تضعوا اصولا، بل فيه تنبيه على النهي عن ذلك كما يشعر به تقديم الظرف، فلا يجوز لنا التفريع الا على ‏اصولهم.

وثانيا: ان المراد بالحديثين ان نعمد الى ما القوه الينا من الاحكام الكلية التي تكون مواردها متحدة، لا التي‏ اختلفت مواردها... وذلك مثل قولهم(ع): لا تنقض اليقين ابدا بالشك، ولكن تنقضه بيقين آخر»((347)).

واستظهر صاحب الحدائق من الحديث ان تاصيل الاصول وتاسيسها منحصر بالائمة(ع)، ولا يحق ذلك‏ لاحد غيرهم((348)).

فيتلخص الفرق اذا بين الاصوليين والاخباريين في المسائل الاصولية التي لا ترجع الى كلام المعصومين(ع)، فالاخباري لا يعول عليها، بخلاف الاصولي فانه يعول على ذلك وان دل على ذلك الظن الخاص.

حاجة الاجتهاد الى علم الرجال:

وهذا من مسائل الجدل بين الاصوليين انفسهم ايضا قبل ان يكون خلافا بين الاصوليين والاخباريين، فان من‏ الاصوليين من لا يرى ضرورة ذلك، ومن نماذج هذا الخلاف ما ذهب اليه الفاضلان النراقيان، حيث ذهب الوالد المولى محمد مهدي الى ضرورة علم الرجال في الاجتهاد((349))، فيما ذهب ولده المولى احمد الى عكس ذلك، حيث قال: «ان‏اكثر الاصولى ين اشترطوها، وتمسكوا بان الاجتهاد بدون التمسك بالاحاديث غير متصور، وليس كل ‏حديث مما يجوز العمل به؛ اذ كثير من الرواة نقل في حقهم انهم من الكذابين، ولا شك في وجود رواية‏ الكذب‏».

ثم ناقش بعد ذلك ما تمسك به الاخباريون لاثبات قطعية صدور الكتب الاربعة، وقال: «ان بعض الاخباريين لماراى ظهور بطلان دعوى قطعية الاخبار بالمعنى المذكور قال: ان المراد بالقطع والعلم هو ما يطمئن به النفس اي‏العلم العادي، وهو يحصل بخبر الثقة الضابط بل وغير الثقة اذا علم من حاله انه لا يكذب، او دلت القرائن على‏ صدقه، وهذا هو الذي اعتبره الشارع في ثبوت الاحكام‏».

ثم استعرض ثلاثة اشكالات مما ذكره الاخباريون لنفي الحاجة الى علم الرجال، ثم قال بعد ذلك: «ان الاحتياج ‏الى علم الرجال ليس الا لمعرفة حال الرواة، فاللازم حينئذ النظر في انه هل يحتاج الى معرفة حالهم في العمل‏ بهذه الاخبار ام لا؟» وقد نقل على ذلك خمسة وجوه، ثم ناقشها منتهيا الى القول بان «الاخبار الماخوذة في الكتب ‏المعتبرة من اصحابنا موجبة لحصول الظن مطلقا، وما في غير الكتب المعتبرة لا يفيد ملاحظة احوال رجاله‏».

ثم ذكر ان الكتب المعتبرة هي التي تتصف بوصفين فقال: «ومرادنا من الكتاب المعتبر ما كان جامعا لوصفين: احدهما: كون صاحبه ثقة ضابطا متدينا بدينه عالما بوجوه صحة الخبر وسقمه، متمكنا من تمييز صحيح‏ الحديث من غيره، لقرب عهده من الازمنة القريبة من المعصوم(ع)، وكان ذلك معلوما بالعلم العادي، لا بمثل مايعلم من الرجال. وثانيهما: ان يكون الاصل ثابتا من هذا الشخص ثبوتا علميا، وذلك مثل الكتب الاربعة، بل بعض آخر من غيره‏ايضا، كالخصال والعيون والعلل والاحتجاج وامثالها»((350)).

فعلى رايه(قدس سره) يمكن الاكتفاء في الاخذ بالحديث وجود الظن او الاطمئنان بصدوره ولا حاجة لمراجعة‏علم الرجال، وهذا الوصف مما تتصف به الكتب الاربعة وبعض المصادر الحديثية الاخرى، وليس على‏الاخباريين من اشكال من جهته الافي عدهم اخبار الكتب الاربعة قطعية الصدور.

وذكر السيد الخوئي(قدس سره) في الحاجة الى علم الرجال:
«ان غالب الاحكام الشرعية تستفاد من الاخبارالماثورة عن اهل البيت(ع). وعلى ذلك ان قلنا بان الاخبار المدونة في الكتب الاربعة مقطوعة الصدور، او انها ممانطمئن بصدورها لان الاصحاب عملوا على طبقها ولم يناقشوا في اسنادها وهذا يفيد الاطمئنان بالصدور، فقداسترحنا من علم الرجال؛ لعدم مساس الحاجة الى معرفة احوال الرواة كما سلك ذلك المحقق الهمداني(قدس
‏سره)، حيث قال: ليس المدار عندنا في جواز العمل بالرواية اتصافها بالصحة المطلوبة... بل المدار على وثاقة ‏الراوي او الوثوق بصدور الرواية، وان كان بواسطة القرائن الخارجية التي عمدتها كونها مدونة في الكتب الاربعة اوماخوذة من الاصول المعتبرة مع اعتناء الاصحاب بها، وعدم اعراضهم عنها.. الى ان قال (: المحقق الهمداني): ولاجل ما تقدمت الاشارة اليه جرت سيرتي على ترك الفحص عن حالهم‏»((351)).

فالخلاف ليس منحصرا بالاخباريين، بل يشمل بعض الاصوليين ايضا، وان لم يوافقوهم فيما تمسكوا به لذلك، الا ان‏النتيجة واحدة.

نعم، هناك من ذهب من الاخبارى ين الى ضرورة علم الرجال من جهة اخرى، فقد قال الشيخ الحر العاملي: «ان‏الاخباريين لا يدعون ذلك (لغوية علم الرجال) كيف؟! وهم يصدقون بان احوال الرجال -خصوصا المصنفين‏- من جملة القرائن على ثبوت الاخبار، واحوال الرواة من جملة المرجحات المنصوصة وعلماء الرجال ‏كلهم من الاخباريين‏»((352)).

3. تحديد ادلة الاستنباط:

وتحديد ادلة الاستنباط من اهم ما اختلف فيه الفريقان، فالاخباريون يرون انحصار الدليل بالاخبار حسب؛ فيما يرى الاصوليون انها اربعة، هي: الكتاب، السنة، العقل، الاجماع.

قال المحدث الاسترآبادي: «عند قدماء اصحابنا الاخباريين... لا مدرك للاحكام الشرعية النظرية فرعية كانت اواصلية، الا احاديث العترة الطاهرة‏»((353)).

وقال صاحب الحدائق: «الادلة عند المجتهدين اربعة: الكتاب والسنة والاجماع ودليل العقل الذي هو عبارة عن‏ البراءة الاصلية والاستصحاب. واما عند الاخباريين فالاولان خاصة‏»((354)).

وفيما يلي نتعرض لراي الفريقين في الادلة الاربعة:

اولا - الكتاب:
يرى الاصوليون جواز الاستدلال بالكتاب على الاحكام الشرعية، الا ان الاخباريين قيدوا حجيته بوجود الخبر
المفسر للكتاب، وبعبارة انهم يحصرون التفسير بالنبي(ص) والائمة(ع) من بعده.

ان الاختلاف لو كان امره منحصرا بالكتاب لهان الخطب؛ وذلك لقلة آيات الاحكام في القرآن، ولورود الروايات ‏المفسرة لها. الا ان المشكلة هي ان الاخباري لا يرى حجية ظواهر الكتاب مطلقا، فلا يصلح للاحتجاج ‏والاستظهار في جميع المجالات كالكلام والتوحيد والمواعظ والاخلاق.

ولذا فقد ذكر الاسترآبادي سؤالا قد يتوجه الى الاخباريين ثم اجاب عليه، فقال: «السؤال التاسع ان يقال: كيف ‏عملكم معاشر الاخباريين في الظواهر القرآنية مثل قوله تعالى: «اوفوا بالعقود»((355)) وقوله تعالى: «او لامستم‏ النساء»((356))؟ وجوابه ان يقال: نحن نوجب الفحص عن احوالها بالرجوع الى كلام العترة الطاهرة(ع)، واذا ظفر بالمقصود وعلمنا حقيقة الحال بها والا اوجبنا التوقف، والتثبت‏»