الصفحة التالية

الصفحة السابقة

قال صاحب الحدائق بعد نقل هذا: «القسم الثاني من كلام الشيخ(قدس سره) هو الاول من كلامه صلوات اللّه عليه، وهو الذي يعرفه الجاهل والعالم، وهو ما كان محكم الدلالة، وهذا مما لا ريب في صحة الاستدلال به، والمانع مكابر»((360)).

وقال المحقق النراقي في التمسك بظواهر الكتاب: «ذهب المجتهدون كافة الى ان كل آية كان من الظواهر او النصوص يجوز ان يعمل به، ويفسر، وان لم يرد به نص واثر، وهو الحق، خلافا للاخباريين، فانهم يقولون: انه لايجوز لنا ان نعمل بشي‏ء من القرآن، ولا ان نفسر بدون نص من المعصوم‏».

ثم استدل على ذلك بامور: منها: التصريح في كثير من الايات بكونه خطابا لنا، نحو: «يا ايها الناس‏»((361)) و «يا ايها الذين آمنوا»((362)) و «انما وليكم ‏اللّه»((363)) وامثالها. وبعد ثبوت كونه خطابا لنا وثبوت حجية الاصول اللفظية، ووجوب طاعة اللّه سبحانه، يجب علينا العمل بمراده على مقتضى الاصول.

ومنها: الاخبار المشهورة المصرحة بكون القرآن نورا لنا ودليلا ومنارا وسبيلا وهاديا.

ومنها: الاخبار المشهورة الامرة بالتمسك به والعمل، كحديث الثقلين المتواتر بين الفريقين.

ثم ذكر امورا اخرى فقال: «اعلم ان هذه المسالة قليلة الجدوى، وهي في تقديم الخبر الموافق لظاهر القرآن اذاتعارض مع غيره، ولم يكن للغير مرجح آخر على بعض الاقوال؛ اذ ليست آية متعلقة بالفروع او الاصول الا وردفي بيانها او في الحكم الموافق لها خبر او اخبار كثيرة، بل انعقد الاجماع على اكثرها، مع ان جل آيات الاصول‏والفروع - بل كلها - مما تعلق الحكم فيها بامور مجملة، لا يمكن العمل بها الا بعد اخذ تفصيلها من‏الاخبار»((364)).

فظهر مما ذكره المحقق النراقي ان الخلاف بين الاصوليين والاخباريين في حجية ظواهر الكتاب ليس جذريا واساسيا، بل هو نزاع قليل الجدوى.

ثانيا - السنة:

لا خلاف بين الفريقين في عد السنة من ادلة الاحكام، انما الخلاف فيما ادعاه الاخباريون حول احاديث الكتب ‏الاربعة، واعتبارها قطعية الصدور.

فاما الاصوليون فقد ذهب منهم المولى احمد النراقي والاقا رضا الهمداني الى كون روايات الكتب الاربعة مما يوثق او يظن بصدورها، وذهب الاكثر الى لزوم ملاحظة سند الاخبار مطلقا سواء كانت في الكتب الاربعة اوغيرها.

والفرق الاخر بينهما في دليلية السنة هو ان الاخباريين لا يعملون بغير الخبر الصريح القطعي من حيث الدلالة؛ وذلك لعدم عملهم بمطلق الظن، وعليه فانهم يشترطون في الحديث ان يكون قطعي الصدور والدلالة معا. وهذا بعكس الاصوليين فانهم يعملون بخبر الثقة او الخبر الصحيح لقولهم بحجية الظن الخاص، كما يكتفون في الدلالة‏ بالظهور.

قال الاسترآبادي: «انهم (: اي الاخباريين) لم يعتمدوا في فتاويهم واحكامهم الا على دلالات واضحة صارت‏قطعية بمعونة القرائن الحالية او المقالية. وتلك القرائن وافرة في كلام اهل البيت(ع)، لا في كتاب اللّه ولا في كلام ‏رسوله(ص)...

واوجبوا التوقف والاحتياط عند ظهور خطاب يكون سنده او دلالته غير قطعي؛ لانه من باب‏ الشبهات في نفس الاحكام‏»((365)).

ولعل من اجل هذا لم يوافق الاخباريون على حجية المفاهيم، فيما قبل الاصوليون بعضها وافتوا على اساسها.وسنشير في بحث الدليل العقلي الى مفهوم الاولوية.

ثالثا - العقل:

ليس الاجماع دليلا مستقلا بنفسه عند جميع علمائنا، اصوليين واخباريين، وانما عد دليلا لكشفه عن راي‏ المعصوم(ع).

والخلاف في حجيته ودليليته ينشا من صلاحيته للكشف عن راي المعصوم وعدم صلاحيته. فالاخباريون يرون‏ عدم قابليته للكشف.

وقد استثنى الاسترآبادي من ذلك موردين. قال: «اما الاجماع بمعنى اتفاق اثنين فصاعدا على حكم بشرط ان‏ يعلم دخول المعصوم في جملتهم علما اجماليا، فهو من اصطلاح جمع من متاخري اصحابنا، وقد اعترف المحقق‏ الحلي وغيره من المحققين بانه من الفروض غير الثابتة - ثم قال: - وانا اقول: على تقدير تسليم ثبوته يرجع الى ‏خبر ينسب الى المعصوم اجمالا، فترجيحه على الاخبار المنسوبة اليه تفصيلا كما جرت به عادة المتاخرين من‏ اصحابنا غير معقول. واعلم ان جمعا من اصحابنا اطلقوا لفظ الاجماع على معنيين آخرين:
الاول: اتفاق جمع من قدمائنا الاخباريين على الافتاء برواية، وترك الافتاء برواية واردة بخلافها.

والاجماع بهذا المعنى معتبر عندي؛ لانه قرينة على ورود ما عملوا به من باب بيان الحق، لا من باب‏التقية.

الثاني: افتاء جمع من الاخباريين كالصدوقين ومحمد بن يعقوب الكليني، بل الشيخ الطوسي ايضا، فانه منهم عندالتحقيق، وان زعم العلامة انه ليس منهم... وهذا ايضا معتبر عندي؛ لان فيه دلالة قطعية عادية على وصول‏نص‏اليهم‏»((366)).

وقال الفاضل النراقي في عوائده عن القسم الاو ل منهما: «فهو في الحقيقة ليس من ادلة الحكم، بل من شواهدصحة الخبر او رجحانه، فهو خارج عن محط الكلام، فهو من القرائن لاعتبار الخبر، ولا كشف فيه عن قول‏المعصوم‏»((367)).

وفي الحدائق: «ان الاجماع وان ذكره المجتهدون في الكتب الاصولية وعدوه في جملة الادلة، الا انك تراهم في‏مقام التحقيق في الكتب الاستدلالية يناقشون في ثبوته وحصوله، وينازعون في تحققه ووجود مدلوله، حتى‏يضمحل اثره بالكلية، كما لا يخفى على من تصفح الكتب الاستدلالية، كالمعتبر والمسالك والمدارك‏ ونحوها»((368)).

وما ذكره حول الاجماع المنقول تام وصحيح، لكون ما ذكر عن الاجماع المحصل والاجماع الذي ذكره‏ا لاسترآبادي فيه مجال للبحث والتامل.

وفي التنقيح: ان «المتسالم عليه بين الاصحاب قدست اسرارهم، ان الاغماء والسكر وغيرهما من الاسباب ‏المزيلة للعقل ناقض كالنوم، والعمدة في ذلك هو التسالم والاجماع المنقولان عن جمع غفير.

نعم توقف في ذلك صاحبا الحدائق والوسائل(قدس سرهما)، الا ان مخالفتهما غير مضرة للاجماع، لما مر غيرمرة من ان الاتفاق بما هو كذلك مما لا اعتبار به وانما المدار على حصول القطع او الاطمئنان بقول المعصوم(ع)من اتفاقاتهم، وحيث انا نطمئن بقوله(ع) من اتفاق الاصحاب قدست اسرارهم في المسالة، فلا مناص من اتباعه ‏- ثم قال: - وقد ذكر المحقق الهمداني(قدس سره): انه قل ما يوجد في الاحكام الشرعية مورد يمكن استكشاف ‏قول الامام(ع) او وجود دليل معتبر من اتفاق الاصحاب مثل المقام، كما انه قل ما يمكن الاطلاع على الاجماع‏ لكثرة ناقليه كما فيما نحن فيه‏»((369)).

وقسم الفيض الكاشاني الاجماع الى معتبر وغير معتبر:
والاول هو ما اتفقت عليه جميع الامة او جميع الامامية من دون ان يشذ عنها احد، كما في ضروري الدين اوالمذهب الذي يثبت بالتواتر، ومثل هذا الاجماع لا يمكن فرض مخالفته للكتاب والسنة؛ لعدم اتفاق الامة على‏مثل هذا الامر.

والثاني هو ما ذهب اليه اكثر الامة او المذهب. ومثل هذا الاجماع لا يكون متواترا، بل منقولا بالخبر الواحد، وهو في الحقيقة ليس باجماع((370)).

والظاهر انه لا خلاف في حجية الاول، الا ان وجوده منوط بوجود آية او رواية تدل عليه.

وقد ذكر السيد البروجردي(قدس سره) ان اتفاق القدماء على مسالة يعد اجماعا معتبرا((371)).

فظهر مما تقدم نقله في الاجماع ان الخلاف فيه ليس خلافا جوهريا؛ ولذا علل المحقق النراقي رفض الاخباريين‏ للاجماع بانه «لاجل الغفلة عن المراد، حيث انهم راوا العامة يحتجون بالاجماع، ويريدون اجماع العلماء مع قطع‏ النظر عن كون واحد منهم معصوما فجعلوا حجيته نفس الاتفاق، وشاهدوا الاصوليين من الخاصة ايضا يدور على ‏السنتهم لفظ الاجماع فاشتبه عليهم الامر واختلط، وزعموا انهم يريدون ايضا ما اراد العامة، فشنعوا عليهم، ونفوا حجيته؛ ولذا ترى متاخري الاخباريين كفوا السنتهم عن ذلك المقال واقتصروا على الرد؛ لعدم وقوعه، او عدم‏امكان العلم به، او نفي الفائدة عنه؛ لانه اذا اشترط في الاجماع العلم بدخول المعصوم او قوله فلا يمكن نفي‏ حجيته‏»((372)).

رابعا - الدليل العقلي:

ذكر الاصوليون ان من جملة الادلة الدليل العقلي، والاخباريون على خلاف ذلك. والخلاف بينهم يقع في ثلاث‏ جهات:

1. حكم العقل بالوجوب والحرمة:
بالرغم من رفض الاخباريين للحسن والقبح العقليين - خلافا للاشاعرة - الا انهم مع ذلك لا يرون الحرمة‏والوجوب الذاتيين، قال المحدث الاسترآبادي: «هنا مسالتان: احداهما: الحسن والقبح الذاتيان، والاخرى الوجوب‏
والحرمة الذاتيان.. وبين المسالتين بون بعيد. الا ترى ان كثيرا من القبائح العقلية ليس بحرام في الشريعة، ونقيضه‏ ليس بواجب في الشريعة، ومعنى القبيح العقلي ما ينفر الحكيم عنه، وينسب فاعله الى السفه، على ما ذكره ‏المحقق الطوسي في بعض تصانيفه‏»((373)).

وقال الشيخ حسين الكركي: «ان حسن بعض الافعال - كالعدل - بمعنى استحقاق فاعله المدح والثواب في نظرالعقلاء، وقبح بعضها - كالظلم - بمعنى استحقاق فاعله الذم والعقاب، مما تشهد به العقول عند من لا يعرف‏ الشرائع ولا يقر بالصانع - ثم قال: - واعلم انه كما ان الحسن والقبح عقليان، كذلك الحل والحرمة ولكنهما ليسا ذاتيين، بل لوجوه ‏واعتبارات، ولذلك جاز تبدلهما، فيكون الشي‏ء حلالا في شريعة حراما في اخرى، والشرع كاشف‏ عما لا يستقل العقل بادراك حله وحرمته - الى ان قال: - ان من نفى الحسن والقبح عقلا، لا يمكنه الجزم بشي‏ءمن امور الدين، لتجويزه اجراء المعجزة على يد الكاذب، وخلف الوعد منه تعالى، ويلزم منه عدم الوثوق بصدق ‏الانبياء وغير ذلك من المفاسد»((374)).

والاشكال عليه واضح جدا، فان حرمة الظلم ووجوب العدل مما لا سبيل الى تغيرهما، فالظلم قبيح دائما وابدا ومن اي شخص كان، كما ان العدل حسن دائما وابدا كذلك؛ ولذا عد الاصوليون ادراك العقل لحسن شي‏ء اوقبحه حكما بذلك، والحسن والقبح فيه ذاتيين.

ومن الواضح ان حكم العقل هذا يرتبط اولا وبالذات بعنوان العدل والظلم، فحكم العقل يتعلق بهما، ولا يتعلق ‏بالافعال التي ينطبقان عليها.

والذي يبدو ان الخلاف في هذا ليس اساسيا وعميقا، ولا يترتب عليه اثر كبير، يقول السيد الشهيد الصدر(قدس ‏سره): «اما ما يسمى بالدليل العقلي الذي اختلف المجتهدون والمحدثون في انه هل يسوغ العمل به او لا، فنحن‏ وان كنا نؤمن بانه يسوغ العمل به ولكن لم نجد حكما واحدا يتوقف اثباته على الدليل العقلي بهذا المعنى، بل كل‏ما يثبت بالدليل العقلي فهو ثابت في نفس الوقت بكتاب او سنة‏»((375)).

2. القياس:
اتفق علماء الامامية على عدم حجية الاجماع، قال المولى احمد النراقي: «قياس مستنبط العلة باقسامه عندنا
معاشر الشيعة باطل، واثبات احكام الشرع به غير جائز، ولم يخالف فيه منا احد الا ابن الجنيد في بدو امره، ونسبه السيد في بعض رسائله الى الفضل بن شاذان، بل مطلق القياس كذلك، واما ما يعمل به اصحابنا فليس‏ بقياس‏»((376)).

ويقصد بالقياس المقبول قياس الاولوية وقياس منصوص العلة، وقد بحثه قبل هذا ونقل اقوال العلماء وخلافهم‏ فيه، وقد اختار التفصيل هناك.

وقد وقع هذان القسمان محلا للبحث عند الاخباريين ايضا، حيث ذهب الاسترآبادي الى حجيتهما. وقد سمي ‏قياس الاولوية بمفهوم الموافقة او القياس الجلي((377)).

وذكر المحدث السيد نعمة اللّه الجزائري ان اكثر الاصحاب وان نفوا قياس المساواة وانواعه الا انهم نصوا على‏ حجية قياس الاولوية ومنصوص العلة، وجعلوهما مناطا للاحكام الشرعية، ونحن قد اكثرنا من الدلائل في شرحينا على التهذيب والاستبصار على نفيهما من الحجة، وعلى انهما لا يصلحان للدلالة على الاحكام - ثم قال: - ومن‏ تامل وتتبع الاحاديث الواردة في قولهم(ع): «لا تقيسوا فان اول من قاس ابليس‏»((378)) يظهر له ان قياس ابليس كان‏من باب قياس الاولوية. ثم اورد بعض الاخبار الذامة للقياس.

ثم ذكر ان استفادة تحريم الضرب من قوله تعالى: «ولا تقل لهما اف‏»((379)) ليس من قياس الاولوية، بل لدلالة اللفظ ‏عليه عرفا، فان كل من يسمع هذا اللفظ يفهم منه تحريم الضرب وان لم يكن عارفا بقياس الاولوية((380)).

وقد تعرض الفاضل النراقي لمناقشة ما ذكره من الادلة والروايات التي تمسك بها لابطال حجية قياس الاولوية ‏وقياس منصوص العلة((381)).

3. اثبات اصول الدين بالعقل:
تقدم البحث في الخلاف القائم بين الاخباريين والاصوليين حول الاستدلال بالعقل على الاحكام الشرعية. واماالخلاف بينهما في الاستدلال به على اصول الدين فالمستفاد من كلمات المحدث انه يرى حجيته وامكان‏
الاستدلال به لاثبات النبوة حسب، دون ما سواه من الاعتقادات الاخرى، فقد قسم آراء العقل الى قسمين:
قسم يكون تمهيده مادة الفكر فيه بل صورته ايضا من جانب اصحاب العصمة، وقسم لا يكون كذلك.

فالقسم الاول مقبول عند اللّه تعالى مرغوب اليه؛ لانه معصوم عن الخطا، والقسم الثاني غير مقبول لكثرة وقوع‏ الخطا فيه.

واثبات النبي(ص) رسالته على الامة اما من باب انه من بعد الاطلاع على معجزته يحصل القطع بدعواه‏ بطريق الحدس كما يفهم من الاحاديث، او من القسم المقبول من النظر والفكر واستخراج الرعية الفروع من ‏القواعد الكلية((382)).

وقد قسم ايضا العلوم النظرية قسمين: قسم ينتهي الى مادة قريبة الاحساس، ومن هذا القسم علم الهندسة ‏والحساب واكثر ابواب المنطق.. وقسم ينتهي الى مادة بعيدة الاحساس، ومن هذا القسم الحكمة الالهية والطبيعية، وعلم الكلام وعلم اصول الفقه والمسائل النظرية الفقهية وبعض القواعد المذكورة في كتب المنطق، ولا عاصم في‏مثل هذه الموارد الا التمسك بكلام المعصومين(ع)((383)).

وذكر ايضا ان طريقة الاخباريين هي انهم لم يعتمدوا فيما ليس من ضروريات الدين من المسائل الكلامية ‏والاصولية والفقهية وغيرها من الامور الدينية الا على الصحيحة الصريحة المروية عن العترة الطاهرة(ع)((384)).

وقد وافقه على ذلك الشيخ حسين الكركي((385)) والفيض الكاشاني ((386))، والشيخ الحر العاملي مع قوله بصحة‏ التمسك بالدليل العقلي لاثبات حجية الدليل السمعي والافادة من دليل العقل في الاعتقاد، فقد صرح ان التتبع‏ اثبت ان كل‏مقدمة عقلى ة تقام على اصل من اصول الدين او عقيدة من العقائد فان ثمة نصا موجودا يدل عليها ايضا((387)).

لكن الاصوليين بالرغم مما يذهبون اليه من عدم ضرورة قيام الدليل العقلي والكلامي لدى جميع المكلفين على ‏اصول الدين وسائر الاعتقادات مكتفين بحصول الاطمئنان والقطع ولو من الروايات والاخبار، الا انهم يعتبرون في ‏الوقت نفسه الدليل الكلامي طريقا مثبتا لاصول العقائد، بل يرى البعض منهم ضرورة علم الكلام في عملية ‏الاجتهاد، وضرورة المام المجتهد به.

وقد ذهب المحقق النراقي الى عد علم الكلام من مقدمات الاجتهاد فقال في عداد ما يتوقف عليه علم الكلام: «الخامس: معرفة الكلام قدر ما يتوقف عليه العلم بالشارع، وصفاته الثبوتية، والسلبية وبانه باعث الانبياء، ومصدقهم بالمعجزات...»((388)).

الاسراف على ضوء الشريعة

الشيخ محمد الرحماني

اتسم موقف النظام الاقتصادي في الاسلام بالرفض والشجب لظاهرة الاسراف معتبرا ذلك على حد الكفر؛ كمااعتبرت حالة الرفاه واليسر المعاشي والمالي امرا ممدوحا حتى عد المثابرة عليه من العبادات والواجبات.

لقد سعى النظام الاقتصادي الاسلامي الى مكافحة الفقر لا من خلال التنظير فحسب، بل من خلال وضع‏خطوات وبرامج عملية في هذا الاتجاه. ومن جملة تلك البرامج تشديده في رفض ظاهرة الاسراف ‏والتبذير.

وتتجلى اهمية البحث في هذه الظاهرة اذا ما القينا بنظرة على العواقب والاضرار الوخيمة التي تتحملها المجتمعات جراء هذا الانحراف الخطير الذي يمكن عن طريق معالجته رفع كثير من المشاكل الاقتصادية في‏ بلادنا.

وكنموذج لما تفرزه هذه الحالة المرضية من اضرار ننقل ما جاء في تقرير رئيس لجنة الميزانية والتخطيط‏بمجلس الشورى الاسلامي في ايران المنشور سنة (1374 ش):
«يبلغ حجم المساعدة المالية لدعم رغيف الخبز لهذا العام (300) مليار تومان، ويخمن ان يتم توفير (30) مليارتومان في حال ما اذا تمت الاستفادة الصحيحة من الخبز بنسبة عشرة بالمئة فقط‏».

وجاء في تقرير آخر ايضا لنفس العام:
«يهدر سنويا ثلاثة ملايين طن من الخبز بما معادله (360) مليون دولار في الجمهورية الاسلامية‏»((389)).

وثمة احصاءات كثيرة من هذا القبيل ربما تجاوزت ذلك بكثير في السلع الاستهلاكية الاخرى كالبنزين والوقود والورق والماء والدواء والفواكه وغير ذلك، مما يطول الكلام بالتعرض له ولا مجال لذكره هنا.

ويحاول هذا المقال الذي كتب بمناسبة المؤتمر العلمي للفاضلين النراقيين(قدس سرهما)، تسليط الضوء على ماحرره يراع فقيه عصره العلامة المحقق احمد النراقي في موضوع الاسراف. وقبل البدء في تفاصيل البحث نرى ‏من المناسب ان نذكر ببعض النقاط النافعة التالية:
1. يعتبر موضوع الاسراف حريا بالبحث بشكل مستوعب من جهات وزوايا عديدة، الا انا سنقتصر في هذا المقال‏على بحث الجنبة الفقهية فيه حسب.

2. بالرغم من كون البحث من البحوث الابتلائية، الا انه لم يطرح في كتبنا الفقهية بشكل مستقل، وانما تم بحثه‏بشكل استطرادي ومبعثر كمناسبة البحث في مسالة تزيين المساجد والوضوء والتطيب وغيرها.

3. لقد ركز المحقق النراقي في اطار بحثه الفقهي للموضوع على التحقيق اللغوي لمعنى الاسراف، وتنقيح‏موضوعه.

4. تناول المقال علاوة على نقل آراء المحقق النراقي مناقشة تلك الاراء ودراستها.

التعريف اللغوي:

لا شك ان لتبيين مفهوم الاسراف وتحديده اثرا في بيان الحكم الشرعي، وذلك باعتبار ان المنشا في الكثير من ‏الاشكالات هو غموض المفهوم، مما يؤول الى الشك والترديد في بعض المصاديق، ويشهد لذلك استعمال لفظ‏ الاسراف الوارد في الكتاب والسنة في مصاديق عديدة ومختلفة؛ ولذا سوف يتركز البحث اكثر في هذه النقطة‏ باعتبارها القاعدة والاساس فيه:
عرف الاسراف عند الفراهيدي بما يقابل الاقتصاد، قال:
«الاسراف نقيض الاقتصاد». كما عرفه بقوله ايضا:«السرف: الجاهل... والسرف: الخطا»((390)).

وعرفه ابن الاثير بمعان مختلفة: «السرف في حديث ابن عمر (فان بها سرحة لم تعبل ولم تسرف) اي لم تصبهاالسرفة وهي دويبة صغيرة تثقب الشجر تتخذه بيتا». وفسره في موضع آخر بالغفلة فقال: «وقيل: اراد بالسرف الغفلة.يقال: رجل سرف الفؤاد اي غافل‏». وفسره في موضع آخر بمعنى الاسراف والتبذير فقال: «وقيل هو من الاسراف‏والتبذير في النفقة لغير حاجة او في غير طاعة اللّه». ثم ذكر اخيرا ان الاسراف قد ورد في الاحاديث كثيرا، والغالب‏على ذكره الاكثار من الذنوب والخطايا((391)).

وعرفه ابن فارس بمعان مختلفة ايضا فقال: «سرف: السين والراء والفاء اصل واحد يدل على تعدي الحدوالاغفال... ويقولون ان السرف ايضا الضراوة‏». واعتبر مجيئه بمعنى الدويبة شاذا حيث قال: «وما شذ عن الباب‏السرفة: دويبة تاكل الخشب‏»((392)).

وعرفه الراغب بتجاوز الحد: «السرف: تجاوز الحد في كل فعل يفعله الانسان وان كان ذلك في الانفاق‏ اشهر»((393)).

وذكر صاحب المصباح المنير ان السرف معناه تجاوز القصد والاعتدال فقال: «اسرف اسرافا: جاز القصد. والسرف ‏- بفتحتين - اسم منه، وسرف سرفا من باب تعب: جهل او غفل فهو سرف، وطلبتهم فسرفتهم بمعنى اخطات‏ او جهلت‏»((394)).

واعتبره ابن منظور - كغيره - يجي‏ء بمعان عديدة، منها: التجاوز عن القصد، قال: «ان السرف والاسراف مجاوزة ‏القصد، واسرف في ماله: عجل من غير القصد، واسرف في الكلام وفي القتل: افرط، والسرف: الخطا بمعنى وضع‏الشي‏ء في غير حقه، والسرف: اللهج بالشي‏ء والسرف: ضد القصد. واكله سرفا: اي في عجلة‏»((395)).

وعد الطريحي من معانيه اكل المال حراما، قال: «قوله تعالى: «ولا تسرفوا»، الاسراف: اكل ما لا يحل، وقيل: مجاوزة ‏القصد في الاكل مما احل اللّه. وقيل: ما انفق في غير طاعة اللّه تعالى‏»((396)).

تحقيق الفاضل النراقي(قدس سره): ذكر النراقي(قدس سره) بعد التعرض لكلمات اللغويين والمفسرين ان المستفاد من كلماتهم هو خمسة عشرمعنى، هي:

1. الاغفال.
2. الجهل.
3. الخطا.
4. الخطل.
5. التبذير.
6. ضد القصد.
7. مجاوزة الحد.
8. المجاوزة عن حد
الاستواء.
9. الانفاق لغير حاجة.
10. الانفاق في غير حقه.
11. الانفاق في غير طاعة اللّه.
12. الانفاق في المعصية.
13. الاكثار من الذنوب.
14. ما استقبحه العقلاء.
15. الجهل الخاص الذي هو الجهل بمقادير الحقوق.

ثم قال في مقام الاستنتاج: ان المعنى الاول والثاني والخامس عشر تتحد في معنى واحد، وكذا المعنى الثالث ‏والرابع يتحدان في معنى واحد، وايضا يتحد المعنى الخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر والثالث‏عشر، فان مرجعها الى معنى واحد.

فيعود مجموع المعاني الى خمسة:

1. الجهل.
2. الخطا.
3.
تجاوز الحد.
4. الانفاق في المعصية.
5. ما استقبحه
‏العقلاء.

ولما لم يكن ارادة المعنيين الاولين - اي الجهل والخطا - من الاسراف في المال - الذي كلامنا فيه وغرضنا بيانه - الابنوع ارجاع الى احد الثلاثة الاخيرة، فالمعنى الذي يمكن ارادته من الاسراف في المال هو احد هذه ‏الثلاثة.

بل لما كان كل مجاوزة عن الحد في المال مستقبحا للعقلاء، وكل مستقبح فيه مجاوزة عن الحد، تعود المعاني ‏الممكن ارادتها من هذه المعاني الى احد معنيين: الانفاق في المعصية، ومجاوزة الحد، ويمكن ان يكون المعنى ‏الاول ايضا فردا من الثاني، فان الانفاق في المعصية ايضا تجاوز عن الحد، فالاصل في معنى الاسراف عند النراقي‏ هو «تجاوز الحد» وما عداه مصداق لذلك((397)).

تعريف «الحد» عند النراقي:

اتضح مما سبق ان تجاوز الحد ان لم يكن هو المعنى المتعين للاسراف، فلا اقل من كونه معنى متفقا عليه عند اللغويين جميعا، وبذلك ينفتح البحث عن تعريف «الحد» الذي يتحقق الاسراف بتجاوزه.

وقد بحث العلماء في تعريفه، ولعل افضل من حقق معناه هو الفاضل النراقي، فقد ذهب الى ان الحد الذي‏بتجاوزه يتحقق معنى الاسراف هو حد الاستواء والحد الوسط، اي الحد ما بين الاسراف والتقتير، وقد عزز ذلك‏ بجملة من الايات والروايات، قال: «حد الاستواء والوسط اي بين التقتير الذي هو التضييق وبين الاسراف، وهوالذي يسمى بالقصد والاقتصاد؛ لانه بمعنى التوسط والاعتدال في الامور»((398)).

ويستشهد لذلك بقوله سبحانه: «والذين اذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما»((399)) وقد فسر «القوام‏» في بعض‏ الاخبار بالحد الوسط((400)).

وقوله سبحانه: «ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط...»((401)).

وقول الامام الصادق(ع) عندما سئل عن تفسير قوله تعالى: «يسالونك ماذا ينفقون قل العفو»((402)) قال: «العفو: الوسط‏».

وغير ذلك من الايات والروايات الواردة بهذا المضمون في تفسير الحد بالوسطية والاعتدال.

المعيار في الحد الوسط ومصاديقه: لابد هنا من تعيين المراد بحد الاعتدال لكي تتكون عندنا رؤية واضحة عن ذلك، والا كان الابهام باقيا بحاله.

وهنا طرح المحقق النراقي(قدس سره) تصوره عن المعيار في تشخيص حد الاعتدال، ولم يكتف بذلك بل زاد المصاديق في الخارج.

وقد رجع هنا الى العرف في تشخيص ومعرفة المعيار في حد الاعتدال، ثم ذكر ثلاثة مصاديق كلية لذلك، قال(قدس سره): ثم المراد بالوسط الذي يكون التجاوز عنه اسرافا: هو ما يسمى وسطا عرفا؛ لان المرجع في ‏معرفة الحقائق اللغوية هي المصاديق العرفية، فالمرجع في معرفة الوسط هو العرف، والوسط في العرف: هو صرف ‏المال في القدر المحتاج اليه، او اللائق بحال الشخص، فكل صرف مال وانفاق لم يكن كذلك فهو يكون اسرافا،سواء لم يكن صرفا وانفاقا بل كان:
1. تضييعا واتلافا، او كان: 2. صرفا ولم يكن لائقا بحاله، او كان: 3. مما لا يحتاج
‏اليه((403)).

ثم نقل على كل واحد من هذه المصاديق شواهد من الاخبار.

التعريف الاصطلاحي:

بالرغم من رجوع المعنى الاصطلاحي للاسراف الى المعنى اللغوي بحيث لا يرى بينهما فرق فارق، الا ان ثمة‏ اختلافا بين المصاديق والموارد، فقد تقدم ان للاسراف لغة معاني عديدة، وان الاصل في الجميع هو تجاوز الحدوما عداه مصداق له.

واما المعنى الاصطلاحي للاسراف فهو اخص من المعنى اللغوي؛ لان تجاوز الحد الذي يستقبحه العقلاء يعد اسرافا، ثم نقل - بعد البحث في المعيار الذي يتحقق الاسراف بتجاوزه - كلاما عن المحقق الاردبيلي (قدس ‏سره) ذكر فيه ان‏الاسراف صرف المال فيما يستقبحه العقلاء، او فيما لا ينبغي((404)).

وذكر المحقق السيد الخوئي(قدس سره) في بيان الاسراف اصطلاحا: «ان ادلة حرمة الاسراف لا تشمل تزيين‏ المساجد، لتقوم الاسراف بفقد الغرض العقلائي‏»((405)).

فاذا الاسراف ليس هو مطلق التجاوز عن الحد، بل التجاوز الذي لا يكون فيه غرض عقلائي ويستقبحه ‏العقلاء.

المقارنات:

ينبغي بعد اتضاح تعريف مفهوم الاسراف ان نشير الى بعض الالفاظ ذات الصلة بذلك. ومن تلك الالفاظ:

الف) التبذير:
ذكر اكثر اللغويين ان التبذير هو بمعنى التفريق، ويستعمل ذلك في المال الضائع. قال الراغب الاصفهاني: التبذير:التفريق، واصله القاء البذر وطرحه فاستعير لكل مضيع لماله((406)).

وعليه فان الفارق بين التبذير والاسراف هو ان صرف المال في غير مورده يعد تبذيرا؛ لان معنى التبذير هو تضييع المال، كما ان معنى الاسراف هو صرفه في مورده ولكن مع تجاوز الحد.

وتنبغي الاشارة الى ان كثيرا من الموارد يستعمل فيها الاسراف بمعنى التبذير.

ب) التقتير:
وهو كما قال ابن الاثير: «التضييق على الانسان في الرزق. يقال:
قتر اللّه رزقه؛ اي ضيقه وقلله‏»((407)).

وبذلك فسره الفيومي ايضا، قال: «وقتر على عياله قترا وقتورا - من بابي ضرب وقعد -: ضيق في النفقة‏»((408)) فالتقتير ضد الاسراف. وبعبارة ثانية: الاسراف: افراط، والتقتير: تفريط.

ج) القوام:
القوام هو بمعنى الاعتدال والحد الوسط، وقد استعمل في القرآن بهذا المعنى. قال الفيومي: «القوام - بالكسر -
ما يقيم الانسان من القوت، والقوام - بالفتح - العدل والاعتدال. قال اللّه تعالى: «وكان بين ذلك قواما»((409)): اي‏ عدلا. وهو من القوام اي الاعتدال‏»((410)).

فالقوام هو الحد الوسط بين التقتير والاسراف.

حكم الاسراف:

لا شك ان المهم في المقام هو البحث عن حكم الاسراف، وتتاكد اهمية البحث اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار عدم‏تعرض الفقهاء لبحث المسالة بشكل مستقل ومستوفى، مقتصرين على بحثه ضمن بعض الموارد، مثل حرمة تزيين‏ المسجد، والاسراف في استعمال ماء الوضوء وما شاكل ذلك. وكان من المناسب التعرض لحكمه واقسامه ‏وحالاته بشكل مستقل. وعلى كل حال فقد بحث المحقق النراقي(قدس سره) ذلك معتبرا الحكم فيها (وهوالحرمة) امرا مسلما مستدلا على ذلك بالايات والروايات والاجماع، والاهم من ذلك دعوى ضرورة الدين عليه. وسوف نبدا اولا بطرح آرائه ثم ملاحظة ذلك ودراسته:

اولا - ضرورة الدين:
وهي مما تمسك به المحقق النراقي لاثبات حرمة الاسراف فقال فيما يستدل به على الحكم: «ويدل عليه
‏الاجماع القطعي بل الضرورة الدينية والايات الكثيرة‏»((411)).

ثانيا - الاجماع:
وقد استدل به في عدة مواضع من بحثه، وخلص بعد الاستدلال بالكتاب والاخبار الى القول بان الظاهر ان‏الاجماع على حرمته - بعد الايات المذكورة - كفانا مؤونة الاشتغال ببيان ذلك((412)).

المناقشة:
ان دعوى قيام الضرورة الدينية على حرمة الاسراف غير تامة على اطلاقها؛ اذ ثمة مصاديق وقعت موردا للنقاش‏
والبحث، بل صرح بجوازها من بعض المعاصرين، ودعوى الضرورة انما تتم فيما لو كانت جميع الافراد خالية عن‏ الاشكال والترديد.

واما الاجماع، فهو اما مدركي او محتمل المدركية على اقل تقدير، فلا يكون كاشفا عن قول المعصوم(ع).

ثالثا - العقل:
وذلك بان يقال: انه قد تقدم ان الاسراف اصطلاحا هو صرف المال فيما يستقبحه العقلاء او فيما لا ينبغي،
ويشهد لذلك ما نقلناه عن المحقق الاردبيلي حيث عرفه بذلك ايضا.

ومن الواضح ان ما يستقبحه العقلاء يستقبحه العقل ايضا، وما يستقبحه العقل غير جائز كما لا يخفى، والمرادبحكم العقل هو ادراك العقل.

المناقشة:
انه لو سلمنا بقبح الاسراف عقلا وعقلائيا، فهذا لا يثبت اطلاق الحكم، لكون العقل دليلا لبيا لا لفظيا، والدليل‏
اللبي لا اطلاق فيه ليتمسك به في مورد الشك.

رابعا - الكتاب العزيز:
وهو اهم الادلة على التحريم، وقد وردت آيات عديدة في بيان الحكم، واستعملت مادة «سرف‏» في ثلاثة
‏وعشرين موضعا من القرآن. في سبعة منها ورد النهي عنه صريحا، وفي الباقي ظاهر ان لم يكن صريحا ايضا.

وعلى اي حال فان دلالة الكتاب على الحرمة امر مسلم، ولكن الكلام في دائرة اطلاق الايات ومدى ‏شمولها.

وفيما يلي نستعرض بعض الايات التي استدل بها المحقق النراقي(قدس سره):

1. قوله تعالى: «ان المسرفين هم اصحاب النار»((413)).
وهي لا تقرر حرمة الاسراف فحسب، بل تدل على انه من الكبائر، للتوعد عليه، وقد ذكر العلماء ان التوعد
على الذنب في الكتاب يدل على كونه من الكبائر.

قال السيد الطباطبائي اليزدي(قدس سره) في بيان حد الكبيرة انها «كل معصية ورد النص بكونها كبيرة او وردالتوعيد بالنار عليها في الكتاب او السنة صريحا او ضمنا»((414)).

وقد وافقه على ذلك المعلقون على العروة، وعليه فلا كلام في دلالة الاية على الحرمة، بل ولا على كون ‏الاسراف من الكبائر، كما انه لا يبعد القول باطلاقها وشمولها لجميع ما يصدق عليه الاسراف، مضافا الى ان كلمة‏«المسرفين‏» هي جمع محلى بالالف واللام وهو من الفاظ العموم كما تقرر في الاصول سيما مع دخول اداة التاكيد«ان‏»، ووجود ضمير الجمع. فيكون التاكيد سابقا ولاحقا في الاية.

وعليه فالاية دالة على حرمة كل اسراف في المشرب او الماكل او الملبس او المسكن او الزينة او غير ذلك من‏الامور.

2. قوله تعالى: «يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين‏»((415)). وقد وردت آيات ‏اخرى بهذا المضمون.

ويمكن تقريب الاستدلال بهذه الاية بتقريبين:
التقريب الاول: ان الاية قد نهت عن الاسراف، وقد ذكر الفقهاء ان النهي يدل على الحرمة، وهذا مما لا خلاف
‏فيه. انما الخلاف في ان دلالتها على الحرمة هل هو من باب الوضع او حكم العقل؟ واذا كانت من باب الوضع فما هو نحو الدلالة وكيف؟ وقد ذكرت في ذلك اقوال عديدة لا يهمنا التعرض لها؛ لعدم تاثير ذلك في ‏البحث.

التقريب الثاني: التمسك بقوله: «لا يحب المسرفين‏» في الدلالة على الحرمة، فانها صريحة في عدم حبه تعالى ‏للاسراف والمسرفين، وما لا يحبه اللّه تعالى لا يكون جائزا.

المناقشة:
ويمكن المناقشة في كلا التقريبين:
اما التقريب الاول: فانه وان دل على الحرمة، ولكنه اخص من المدعى، لان مدعانا هو حرمة الاسراف مطلقا، وماورد في الاية هو الحرمة في الماكل والمشرب، فتكون الاية دالة على ذلك خاصة.

وقد يجاب عن الاشكال الثاني: بان صدر الاية وارد في حرمة الاسراف في المساجد، ومن جهة اخرى علل‏ الحكم بعدم المحبة منه سبحانه، فهاتان قرينتان تدلان على عموم الحرمة، سيما مع ضعف دلالة السياق، وعدم ‏مقاومتها مع هاتين القرينتين.

واما التقريب الثاني فانه يرد عليه: ان عدم الحب اعم من التحريم بما يشمل الكراهة ايضا، فعدم الحب ليس‏ معناه البغض دائما؛ اذ ثمة امور لا يحبها الشارع ولكنها مكروهة وليست محرمة.

وقد ناقش الفقهاء والمفسرون هذا الاشكال، قال امين الاسلام الطبرسي في تفسيره بعد قوله سبحانه: «انه لا يحب‏ المسرفين‏»: «اي يبغضهم؛ لانه سبحانه قد ذمهم به، ولو كان بمعنى لا يحبهم ولا يبغضهم لم يكن ذما ولامدحا»((416))، هذا اولا.

وثانيا: ان الاية جعلت عدم حبه سبحانه للمسرفين لا للاسراف، فيكون معنى الاية: ان اللّه لا يحب المسرفين ‏لاسرافهم، فتدل بالدلالة الالتزامية على حرمة الاسراف.

وبعبارة ادق: ان تعليق الحكم (عدم الحب) على الوصف مشعر بالعلية.

3. الايات التي اقترن فيها الاسراف بطلب المغفرة والصفح، مثل قوله تعالى: «وما كان قولهم الا ان قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في امرنا وثبت اقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين‏»((417)).

وتقريب الاستدلال فيها هو ان طلب المغفرة دليل على حرمة الاسراف، والا فلا موجب للاستغفار كما هو واضح، فدل طلب الاستغفار اذا على حرمة العمل المستغفر منه.

ويمكن ان يناقش في ذلك: باعمية الاستغفار من العمل المحرم؛ لاجتماعه مع الكراهة ايضا، الا ان يقال: بان‏ منشا الظهور في الحرمة هو تعلق الغفران بالاسراف بشكل يرتفع الاشكال معه.

التقريب الاخر للاية هو ان لفظ «اسرافنا» قد عطف على «ذنوبنا»، ومقتضى ظهور وحدة المعطوف والمعطوف عليه‏هو كون الاسراف معصية، فاذا ثبت كونه معصية كان حراما للملازمة بين المعصية والحرمة كما هو واضح.

هذه بعض الايات الدالة على الحكم، وهي شاملة لجميع موارد الاسراف، الا ان تكون قرينة على عدم الحرمة، وهناك آيات اخرى يطول البحث بذكرها والاستدلال بها.

اعتراض، وجواب للمحقق النراقي(قدس سره): قد يعترض على اطلاق الايات السابقة بان ثمة ما يدل من الروايات على نفي حرمة الاسراف في مثل التطيب‏ والوضوء والحج والعمرة، مما يخدش باطلاق الايات السابقة.

وقد طرح هذا الاعتراض المحقق النراقي ثم اجاب عليه، قال(قدس سره): «واما ما ورد في بعض الاخبار من انه‏لا اسراف في الطيب، او الوضوء، او في الحج والعمرة، او في الماكول والمشروب، فليس المراد نفي حرمة‏ الاسراف فيها، حتى انه لو رش احد فضاء بيته وسطوحه وباب داره بماء الورد او بطلي ابواب بيته وجدرانه‏ بالمسك والعنبر ولو كان فقيرا جاز ذلك ولم يكن مسرفا، وكذا اذا اسرج المشاعل في النهار او نحوه، وكذا في ‏البواقي. بل المراد ان الاكثار في هذه الامور مطلوب، والتجاوز عن الحد في الجملة فيها معفو، مع انه ورد: ان عدم‏ الاسراف في الماكل لانه لا يضيع بل ياكله الاكلون، ولو سلم فانما يكون من باب الاستثناء»((418)).

وسياتي تفصيل جوابه فيما بعد.

خامسا - الروايات:
وهي اكثر الادلة تفصيلا، وقد اورد منها المحقق النراقي سبع عشرة رواية، وقال بعد ايرادها: «وبعض هذه الاخباروان لم يفد ازيد من المذمة، او المرجوحية، او حسن تركه، الا ان النهي الصريح الوارد في الايات العديدة وفي‏بعض الاخبار، والتصريح ببغضه سبحانه له في بعض آخر، وبكونه آلة الهلاك في ثالث، وعده من الكبائر في رابع،
كما عده بعض علمائنا ايضا [يدل على الحرمة]»((419)).

ويفهم من كلامه انه يمكن تقسيم هذه الروايات من جهة المضمون الى اربع طوائف:

الطائفة الاولى: الروايات الدالة على كون الاسراف مكروها وتركه مستحبا.
الطائفة الثانية: الروايات الدالة على ان الاسراف منهي عنه ومحرم.
الطائفة الثالثة: الروايات الدالة على ان الاسراف سبب للهلاك ومبغوض للشارع.
الطائفة الرابعة: الروايات الدالة على كون الاسراف من الكبائر.

وفيما يلي نورد بعض النماذج من الطوائف الثلاث الاخيرة رعاية للاختصار، واما الطائفة الاولى فهي خالية من ‏الدلالة على المطلوب:

- نصوص الطائفة الثانية:
عن سعد بن صدقة، عن ابي عبد اللّه(ع) - في حديث طويل - قال: «وفي غير آية من كتاب اللّه انه لا يحب‏المسرفين فنهاهم عن الاسراف ونهاهم عن التقتير... ان اصنافا من امتي لا يستجاب لهم دعاؤهم... ورجل رزقه اللّهمالا كثيرا فانفقه ثم‏اقبل يدعو: يا رب ارزقني، فيقول اللّه عزوجل: الم ارزقك رزقا واسعا فهلا تصد قت فيه كماامرتك ولم تسرف، وقد نهيتك عن الاسراف؟!»((420)).

وفي الرواية فقرات يستدل بها:
الفقرة الاولى: ما ورد في صدرها من الاشارة الى الايات الذامة للاسراف، وان اللّه تعالى لا يحب المسرفين،
وتاكيد الامام(ع) على ان اللّه قد نهى عن الاسراف، ثم بعد ذمه(ع) للاسراف قال: ان اللّه قد نهى عنه.

وواضح ان النهي ظاهر في الحرمة، الا ان تقوم قرينة على الخلاف، وقد وردت روايات بهذا المضمون، منهارواية عامر بن جذاعة عن ابي عبد اللّه(ع)، قال: انه قال لرجل: «اتق اللّه ولا تسرف ولا تقتر، ولكن كن بين ذلك‏قواما. ان التبذير من الاسراف‏»((421)).

وقد وردت روايات كثيرة عن الائمة(ع) في النهي عن الاسراف لم يوردها المحقق النراقي. منها رواية محمد بن ‏خالد((422)) واسحاق بن عمار((423)).

ولا كلام في دلالة هذه الروايات على اصل الحرمة؛ وذلك لدلالة النهي على الحرمة كما تقرر في علم الاصول، سواء كانت دلالته بحكم العقل او الوضع. انما الكلام في دائرة اطلاق هذه الروايات ومقدار شمولها.

ولا يبعد القول بشمول الروايات لجميع موارد الاسراف، ولكن ثمة روايات كثيرة تدل على عدم حرمة الاسراف ‏في مواضع خاصة كالحج والعمرة والتطيب. وقد تقدم الجواب على هذا الكلام عند البحث في الايات.

وعلى هذا الاساس فان هذه الروايات تعد مرجعا عند الشك في الاطلاق.

واما سندها فانه بالرغم من ضعف بعضها الا انه يمكن القول بتواترها المعنوي، ولا اقل من استفاضتها. ولكن‏رواية مسعدة تامة السند، لان الكليني رواها عن علي بن ابراهيم - صاحب التفسير - عن هارون بن مسلم عن‏ مسعدة بن صدقة، وجميع هؤلاء قد ورد فيهم توثيق خاص، فروايات الطائفة الثانية اذا - بما فيها رواية مسعدة - تامة الدلالة على المطلوب.

- نصوص الطائفة الثالثة:
ومن روايات هذه الطائفة ما رواه عبد اللّه بن ابي يعفور عن ابي عبد اللّه(ع) انه قال: قال رسول اللّه(ص):«ما من‏نفقة احب
الى اللّه عزوجل من نفقة قصد، ويبغض الاسراف الا في الحج والعمرة‏»((424)).

وهذه الرواية تدل على كون الاسراف مبغوضا، ودلالتها تتوقف على اثبات كون كل مبغوض حراما، وثبوته غيربعيد. والنقض بالمكروهات وكونها مبغوضة ايضا مع عدم كونها محرمة، غير تام؛ وذلك لان المكروهات اذا كانت‏ مبغوضة للشارع فان الترخيص فيها حينئذ غير معقول.

وعليه فانه يمكن القول بصحة دلالة الروايات المذكورة.

ولكن يمكن الخدشة في اطلاقها لورودها في الانفاق، فلا تشمل الا موارد الاسراف في الانفاق.