ظاهر كلام البعض ان الخروج حكمي ولكن بلسان نفي
وللمحقق النراقي هنا بيانات تقدمت الاشارة اليها. السيد حسن الفاطمي العالم الكامل، الجامع للعلوم،
ذو الخلق الرباني الرفيع، المولى محمد مهدي بن ابي ذر النراقي، ولد في نراق - من قرى كاشان
النائية آنذاك - حدود سنة (1146 ه)((438))، في بيت ديني،
وكان والده ابو ذر من موظفي الدولة وقتئذ.
وقد هاجر الى كاشان((439)) لطلب العلم والتحصيل، وسكن
في احدى مدارسها، مكابدا شظف العيش؛ متتلمذاً هناك على
الشيخ محمد جعفر البيدكلي، ودرس فيها العلوم الادبية.
والظاهر انه كان مشتغلا بتهذيب النفس منذ بداية امره، فقد
نقل انه مر على متجر احد الكسبة في السوق، وكانت عليه ثياب
رثة اثارت انتباه هذا الرجل فاهدى له ثيابا جديدة فقبلها
النراقي بعد الالحاح عليه، لكنه اعادها اليه في الغد معتذرا بانه
ان ارتداها احس بالحقارة في نفسه سيما اذا مر من امام دكان
هذا الرجل((440)).
ثم رحل بعد ذلك الى اصفهان - حيث كانت مركزا علميا عريقا
في ايران - فدرس على علمائها الفقه والاصول والحديث
والتفسير والطب والكلام، وجميع فروع الرياضيات، وكان منكبا
على الدراسة والبحث منصرفا عن كل شيء الى ذلك، حتى انه
كان لا يقرا الرسائل التي تبعث اليه ويضعها تحت فراشه لئلا
تشوش مطالعتها ذهنه، وعندما قتل والده وكتب اليه في ذلك
وضع المكتوب على عادته تحت فراشه، فكتبوا الى
استاذه الخاجوئي باعلامه والتوجه الى نراق للنظر في التركة
والوراث، فعندما دخل مجلس الدرس راى استاذه
حزينا، فالتمس النراقي منه البدء بالتدريس فاجابه الاستاذ
بلزوم التوجه الى نراق لعيادة والده المريض او المجروح،
فقال: الله يحفظه، والتمس من استاذه التدريس ثانية، فامره
الاستاذ عند ذاك بالسفر، فسافر واقام ثلاثة ايام في
نراق ثم رجع((441)).
وكان لشدة فقره المدقع لا يستطيع شراء سراج للمطالعة،
حيث كان يستضيء بسراج بيت الخلاء للمطالعة والكتابة
ليلا((442)).
وقد اغتنم الفرصة في اصفهان فتعلم فيها اللغة العبرية
واللاتينية على يد جماعة من اليهود والنصارى هناك، وذلك
ليسهل عليه الرجوع الى كتبهم ومطالعتها((443)).
وقد ذكر النراقي في كتاب «انيس الموحدين» ما دل على
معرفته باللغة العبرية، فقد ذكر انه ترجم من التوراةنصا
يتضمن خطابا من الله سبحانه لابراهيم(ع)، وقد اوحى به
سبحانه لموسى(ع) وهو: «اولياء شماعيل شيمعتنى هينى
واهفراتى وتو واهر بيتى او توبيى ماورشيتم عاشار تسليم يوليدا
وننعتى لكوى كاذول».
«لقد سمعنا يا ابراهيم دعاءك في اسماعيل، وساجتبيه واتكفله
من اجل ما دماد (يعني احمد)، وسوف يكون مناحمد اثنا عشر
اماما، يكونون ائمة في امة كبيرة»
ثم قال بعد نقل هذا انه قد باحث فيه علماء اليهود
كثيرا((444)).
ثم اقفل راجعا الى كاشان لغرض التدريس والتصدي لصلاة
الجمعة والجماعة والوعظ والارشاد، ثم توجه الى العراق زائرا،
فتلمذ على يد علمائها برهة ثمّ((445)) رجع الى كاشان وتزوج
فيها سنة (1181 ق) واقام مشتغلا بالتدريس والتاليف ونشر
العلم، وقد استعادت هذه البلدة ابان وجوده فيها موقعها
العلمي.
واما المدة التي اقام فيها في هذه المدن التي سافر اليها فليس
هناك ما يدل على ضبطها وتحديدها، الا انه يمكنان تحدس
فترة اقامته في كاشان بعد عودته اليها من العراق في ثمانية
وعشرين عاما على اقل تقدير، باعتبار ان مابين زواجه فيها سنة
(1181) ووفاته سنة (1209) هو هذه الفترة.
وذكر في مقدمة انيس الموحدين ان مدة اقامته باصفهان كانت
ثلاثين عاما((446))، ولكنه بعيد بل غير صحيح؛ وذلك لان
اقامته في العراق للزيارة كانت مدة معتدا بها كما عبر بذلك ابو
الحسن الغفاري((447))، وذكر في «لباب الالقاب» انه درس
على الوحيد البهبهاني مدة مديدة((448))، فتكون مدة توقفه
في العراق ثلاث سنين على الاقل. ومن جهة اخرى فانه قد تزوج
سنة (1181 ق) وذلك بعد رجوعه من العراق الى كاشان كما
ذكر ذلك معاصره الصباحي البيدكلي في شعر نظمه بمناسبة
زواجه فارخه بتلك السنة((449))، فاذا فرضنا ان سنة زواجه
هي نفس سنة رجوعه من العراق الى كاشان، وفرضنا ان مدة
بقائه في العراق كانت ثلاث سنين وسنة واحدة في
كاشان، فتكون هجرته من اصفهان على اكثر تقدير سنة (1177)
ويكون عمره آنذاك في حدود الاحدى والثلاثين، فاذا
كانبقاؤه في اصفهان ثلاثين عاما فهذا يعني ان عمره حين
قدومه اليها كان سنة واحدة مع انه كان قد انهى قراءة
العلوم الادبية في كاشان كما عرفنا.
والظاهر ان المنشا في هذا الخطا هو ما قيل من ان دراسته على
الحكيم الخاجوئي كانت ثلاثين عاما، وسياتي عند الحديث عن
اساتذته عدم صحة ذلك. اساتذته:
ذكر المترجمون لحياته سبعة من اساتذته، وقد حصرهم البعض
بهذا العدد((450))، ولم تصلنا اسماء البعض مناساتذته، كما لم
يصلنا عن اساتذته بكاشان شيء الا عن شخص واحد.
ومن جهة اخرى فقد ذكر ابنه المولى احمد النراقي(قدس
سره) انه درس عند الميرزا نصير في اصفهان((451))ولم يرد
اسمه في ضمن اساتذته السبعة او الكواكب السبعة كما عبر
عنهم المولى احمد((452)) فصار ذلك منشافي حصر اساتذته
بهذا العدد، حيث كتب الى اخيه الشيخ محمد مهدي: ثم الوالد
الاستاذ يروي عن مشايخهالكرام السبعة الذين هم في عصرهم
في البلاد بمنزلة الكواكب السبعة في السبع الشداد((453)).
ومراده هو حصر مشايخ الحديث لا اساتذته في العلوم وان كان
يمكن اجتماعهم ايضا.
واما اساتذته فهم:
2. الشيخ اسماعيل بن محمد حسين الخاجوئي(قدس سره):
من اشهر علماء اصفهان، وله في الفقه والفلسفة آثاركثيرة،
وكان من القلائل المعروفين بالزهد والتقى. ومن جملة
مؤلفاته:
3. الشيخ محمد بن محمد زمان الكاشاني(قدس
سره)((459)): ولد في كاشان، وسكن باصفهان، وقد درس
عليهالنراقي الفلسفة وكان مشتهرا بذلك، ومن تاليفاته:
4. الشيخ محمد مهدي الهرندي(قدس سره): وكان من اساتذة
الفلسفة المعروفين في اصفهان كما كان مؤلفاومروجا شهيرا
للعلم. توفي سنة (1180) ودفن في المسجد الجامع.
5. الميرزا نصير(قدس سره): وهو نصير الحكماء، قد ذكره
العلامة احمد النراقي في اساتذته في ذيل نسخة
مخطوطة من
لؤلؤة البحرين((460))، وان لم ينص عليه غيره.
6. الاستاذ الاوحد الاقا محمد باقر الوحيد البهبهاني(قدس
سره): كان مرجع الشيعة طوال ثلاثين عاما، وقف بوجه
التيار
الاخباري، وتخرج عليه كثير من الاعاظم منهم: السيد بحر
العلوم، الشيخ جعفر كاشف الغطاء، السيد علي
الطباطبائي
صاحب الرياض، الميرزا القمي، العلامة محمد مهدي النراقي
(قدس الله اسرارهم) وغيرهم.
7. الشيخ يوسف بن احمد البحراني(قدس سره): وكان من كبار
علماء عصره، ومن اخباريي علماء كربلاء المقدسة
وقد افاد منه
النراقي في الحديث، ومن اشهر تاليفه «الحدائق الناضرة».
8. الشيخ محمد مهدي الفتوني(قدس سره): وقد ذكره السيد
بحر العلوم في اجازاته باجلال واحترام كبيرين((463)).
له
«نتائج الافكار» في جميع ابواب الفقه. توفي سنة (1182). عصره: شهدت العتبات المقدسة في العراق وباقي المدن الدينية في ايران كاصفهان وشيراز وخراسان في القرن الثانيعشر الهجري حادثتين غريبتين في نطاق الحركة الدينية والعلمية:
الاولى: الحركة الصوفية، والثانية التيار الاخباري، حيث فرضت
الثانية سيطرتها على الاجواء العلمية آنذاك، حتىان طلبة
العلوم في كربلاء المقدسة - وهي اكبر مركز علمي للشيعة
آنذاك - كانوا يمسكون كتب الاصول
بالمنديل عند حملها!
وقد تصدى العلامة الوحيد البهبهاني الملقب ب«استاذ الكل»
للحركة الاخبارية ببيان وبنان ساطعين، وفند افكارهاومزاعمها
بالحجة والمنطق والدليل، واخرج علم الاصول من حالته
التقليدية السائدة التي كان يعاني منها، ورسخ
المنهج الاصولي
في عملية استنباط الاحكام، وخرج جيلا من الاعاظم والاعيان
كالسيد بحر العلوم، والشيخ
كاشف الغطاء، والميرزا القمي،
والعلامة محمد مهدي النراقي (قدس الله اسرارهم).
لقد شهد النراقي المواجهة بين التيارين الاصولي والاخباري
وكان مركزها كربلاء المقدسة، كما شهد ايضا حركة
التصوف في
اصفهان، وكان يعد من التيار الاصولي الا انه كان على ارتباط
مع الاجواء العلمية عند الجانبين معا،
فقد كان يحضر مجالس
الاخباريين العلمية، ودرس - كما اسلفنا - على الشيخ يوسف
البحراني من اكابرالاخباريين، وذلك للاطلاع على افكارهم
وآرائهم.
لقد ساهم النراقي وبرز في كلتا الساحتين، وكان من السباقين
لرفع لواء العلم بالتاليف والتدريس والبحث. فكتبفي كربلاء
«رسالة الاجماع» سنة (1178) اثبت فيها حجية الاجماع - الذي
يعد من الادلة الاربعة في الاستنباط -
بالادلة العقلية والنقلية،
بين فيها آراء فقهاء الامامية من عصر الشيخ المفيد الى زمانه،
وقد تلقيت هذه الرسالة
بالقبول من قبل علماء عصره، ولم ينبر
احد من علماء الاخباريين للرد عليها كما كان مالوفا في تلك
الازمنة. كما انهكتب جامع السعادات ردا على حركة التصوف. تاليفه: شارك النراقي في علوم شتى اعربت عنها مؤلفاته الكثيرة، والتي طبع البعض منها، ونحن نشير هنا الى اسماء كتبه التي الفها موزعة بحسب موضوعاتها:
الف) الفقه:
2. معتمد الشيعة في احكام الشريعة: وهو في الطهارة ايضا، اشار
فيه باختصار الى ادلة الاحكام. وقد طبع لاولمرة سنة (1422)
برعاية مؤتمر الفاضلين النراقيين، وتحقيق مؤسسة العلامة
المجدد الوحيد البهبهاني.
3. انيس التجار: وهو رسالة في المتاجر كما هو واضح من
عنوانها، كتبها بالفارسية وهي خالية من الاستدلال، وقدرتبها
في سبعة ابواب: الباب الاول في التجارة وبحث فيه الامور
التالية: فضل التجارة، اقسام التجارة، اقسام
المكاسب، الاحتكار،
آداب التجارة، عقد البيع، الخيارات، الشرط ضمن العقد، الربا،
الصرف، النقد والنسيئة،السلف و...
4. انيس الحجاج.
5. المناسك المكية.
6. التحفة الرضوية: رسالة في المهم من مسائل الطهارة
والصلاة مما يحتاجه المصلي بالفارسية، كتبه في جوارمرقد
الامام الرضا(ع) ولذا سماها ب«التحفة الرضوية» نسبة اليه.
7. تلخيص الفتاوى والمسائل مجردة عن المدارك والدلائل:
رسالة فتوائية مخطوطة، كتب فيها احكام الطهارةوشطرا قليلا
من الصلاة.
8. زينة العباد: ذكر المؤلف في مقدمة هذه الرسالة الفارسية انه
جمع فيها مهمات المسائل الابتلائية عند المكلفين
من
الطهارة والصلاة.
9. المواسعة.
10. صلاة الجمعة.
ب) اصول الفقه:
12. جامعة الاصول: ويقع في اثني عشر فصلا هي:
13. انيس المجتهدين
14. اصالة الاحتياط.
15. جامع الافكار.
16. الادلة الاربعة: رسالة خطية محفوظة في المجموعة رقم
(2045) في مكتبة الاستانة الرضوية المقدسة، منسوبة
للنراقي،
وقد نسبها البعض استنادا لكلام الذريعة (6: 274) الى صاحب
الرياض.
17. اثبات حجية الشهرة: رسالة خطية صغيرة محفوظة في
المجموعة رقم (2045) في مكتبة الاستانة الرضوية
المقدسة،
منسوبة للنراقي، ونسبها البعض لصاحب الرياض ايضا.
ج)
الفلسفة والكلام:
19. الشهاب الثاقب.
20. اللمعة الالهية في الحكمة المتعالية.
21. شرح الالهيات من كتاب الشفاء.
22. اللمعات العرشية في الحكمة الالهية.
23. قرة العيون في احكام الوجود.
24. الكلمات الوجيزة.
25. انيس الحكماء.
26. انيس الموحدين.
د) الرياضيات والهيئة:
28. شرح تحرير اكرثاذوسنيوس.
29. عقود الانامل.
30. رسالة في الحساب.
31. المستقصى.
32. المحصل في الهيئة.
ه)
الاخلاق:
34. جامع المواعظ.
و) المتفرقات:
36. معراج السماء.
37. مشكلات العلوم، في علوم مختلفة.
38. نخبة البيان، في التشبيه والاستعارة والمحسنات البديعية.
39. ديوان طائر قدسي (فارسي).
40. حديث راس الجالوت.
41. الحواشي والتعليقات على مؤلفات العلماء. اولاده: تزوج العلامة النراقي سنة (1181 ق) بعد رجوعه الى كاشان من العراق فكان له من الاولاد خمسة:
1. العلامة احمد النراقي:
ولد سنة (1185)، كان حسن التاليف
مدققا كابيه، وقد شابهه في تصانيفه، فقد كتبالاب «معتمد
الشيعة»، فيما كتب الابن «مستند الشيعة»، وكتب الاب «جامع
السعادات»، فيما كتب الابن «معراج
السعادة»، وكتب الاب
«مشكلات العلوم»، فيما كتب الابن «الخزائن».
2. الشيخ ابو الحسن النراقي.
3. الشيخ ابو ذر النراقي.
4. الميرزا ابو القاسم: كان تلميذا لاخيه الشيخ احمد، ثم تصدى
لرئاسة الحوزة العلمية بعد وفاته، توفي بعد
رجوعه من الحج
سنة (1256) في «مدائن صالح».
5. الشيخ محمد مهدي: ولد بعد وفاة ابيه باربعين يوما، ولذا
سمي باسمه، ودرس على يد اخيه الشيخ احمد، ثم
رأس الحوزة
العلمية في كاشان بعد ان توفي اخوه الميرزا ابو القاسم، وكان
يدعى ب«محمد مهدي الثاني» و «آقاكوجك» و «آقا بزرك». وفاته:
وبعد عمر حافل بالعطاء توفي العلامة النراقي سنة (1209 ق)
في كاشان ونقل جثمانه الى النجف ودفنفيها.
1. لتصريح ولده الشيخ احمد بذلك في آخر نسخة مخطوطة
ل«لؤلؤة البحرين» حين قال: «تولد - طاب ثراه - في نراق وتوفي
في كاشان»((465)).
2. لتصريحه ايضا فيما كتبه الى اخيه بعد وفاة ابيهما: «قد
ارتحل - طاب ثراه - الى جوار الله سبحانه في اولليلة السبت
ثامن شهر شعبان المعظم من شهور الف ومئتين وتسع من
الهجرة النبوية، وحمل نعشه الشريف الىالنجف
الاشرف»((466)).
3. ما ذكره معاصره الزنوزي انه: «توفي في اوائل ساعات ليلة
السبت، ثامن عشر شعبان من سنة تسع ومائتين والف ونقل الى
المشهد الغروي ودفن بها عند الرواق»((467)).
ولعل منشا ذلك ما نقله صاحب الروضات من اجازة ولده الشيخ
احمد النراقي حيث جاء فيها: «مولانا محمدمهدي بن ابي ذر
النراقي مولدا والكاشاني مسكنا والنجفي التجاء
ومدفنا»((468)).
ولعل منشا التوهم كلمة «التجاء»، حيث فهم اقامته في النجف
اواخر حياته، مع ان المراد اما ذهابه اليها قبل وفاته ولوذه بامير
المؤمنين(ع) او كون مدفنه فيها من باب الالتجاء والالتياذ
بقبره الشريف(ع). السيد محمدرضا الحسيني ان الاطلاع على مفاخر امة من الامم من علماء وفقهاء ومفكرين
يوقف الباحث على ثقافة وقيم وحضارة تلك الامة، ويؤثر كثيرا
في كشف سر نجاحها في افق البناء والنهوض والتكامل البشري.
من هنا فان سيرة الرجال الكبار ممن لعب دورا على الصعيد
الفقهي والكلامي والسياسي والاجتماعي تعتبرنموذجا مناسبا
جدا للطالبين والباحثين عن طريق التقدم؛ فان اتخاذ القدوة
هو احد الطرق للبناء والتكامل البشري، وقد ورد في تراثنا
الاسلامي بعنوان «السنة العملية».
لقد اكد الاسلام للبشرية بشكل كبير على ضرورة معرفة سنن
الانبياء سيما النبي الاكرم(ص) والائمة المعصومين(ع)
والاقتداء بذلك عمليا، وكذلك علماء الدين والمفكرين الذين
هم بدورهم اقتدوا بالانبياء والائمة(ع)؛ فانهم يعدون خير اسوة
ونقطة انطلاق. وكان من جملة السائرين في قافلة النور
والهداية هذه هو المولى احمد النراقي(قدس سره).
ان المولى النراقي كان عالما فقيها اصوليا كبيرا، عارفا ومتكلما
بارزا، شاعرا واديبا رقيقا ماهرا.
برز ابان القرن الثالث عشر الهجري في جملة من العلوم كعالم
جليل ومفكر فذ وكصاحب رؤية وفكر عميق وله مؤلفات قيمة.
لقد اطل على الوجود في عام 1185 ه في قرية كبيرة تدعى
نراق، وكان ابوه محمد مهدي النراقي من الفقهاء البارزين وكان
ملما بعلوم عصره. وقد ترعرع المولى احمد في كنف ابيه، وقد
قام بتعليم ولده اكثر العلوم الاسلامية. وبعد ان انهى المولى
احمد مرحلة السطوح عند والده عزم على الذهاب الى الحوزة
العلمية في النجف الاشرف.
وفي عام 1205 ه توجه مع والده الكبير صوب النجف الاشرف
وشارك في دروس الوحيد البهبهاني (ت: 1208 ه)، وبعد وفاة
استاذه حضر دروس السيد مهدي بحر العلوم (ت: 1212 ه)
ودروس مهدي الشهرستاني(ت: 1216 ه) وايضا دروس الشيخ
كاشف الغطاء (ت: 1228 ه).
ان المولى احمد النراقي كان يتمتع بقابليات فذة وذوق وذكاء
حاد وكان موفقا جدا في تلقي العلوم الاسلامية؛ لذا فقد نال
درجة الاجتهاد بسرعة فائقة.
المولى احمد النراقي لا يزال مجهولا:
وقال قائد الجمهورية الاسلامية العظيم آية الله الخامنئي دامت
بركاته: «ان الاب كان من الافراد المجهولي القدراكثر من
المرحوم الفاضل النراقي الابن»((469)).
ان سبب مجهولية عالم مثل المولى احمد النراقي - مضافا الى
عدم الاعتناء من قبل المترجمين الذين لم يتعبوا انفسهم
واكتفوا بذكر عدة سطور عنهم، ومروا مرور الكرام على السيرة
العلمية لعلمائنا ومفكرينا طيلة نصف قرن- هي الحوزات
العلمية ذاتها؛ لان الحوزويين قد قطعوا في هذا الشان شوطا لا
باس به. فلماذا تركت نظريات وآراء العديد من العلماء البارزين
في القرون السالفة رهن المكتبات. المنزلة العلمية:
ان علماء الدين استهداء بنور الوحي وبهدى الانبياء واقتداء
بالائمة(ع) دوما يعرفون الغث من السمين، وقد بذلوا كل ما في
وسعهم للوصول الى مطلوبهم بتحمل التعب والعناء الكبيرين
في طريق طلب العلم والزهد والتقوى،وتركوا لنا مفاخر وآثارا
خالدة وقيمة من اجل ان نستفيد من انجازاتهم وننتهل من
معينهم؛ فان اقوالهم وكتاباتهم سراج يبدد ظلام الليل، ومنهل
يروي بمائه العذب كل المتعطشين للحق، وعاصفة تقتلع
الاشواك امام السالكين وتهدي الناس صوب الهدف المنشود.
ومن جملة هؤلاء الذين شيدوا صرح الدين والفكر المولى احمد
النراقي الذي كان في عصره حاملا لمشعل الدين الوهاج، وهذا
ما تثبته المصنفات التي خلفها.
لقد استطاع المولى احمد النراقي ان يجسد الحديث الماثور
«العلماء ورثة الانبياء» على احسن وجه بما حققه طوال عمره
المبارك من ذوده عن حمى الاسلام المحمدي الاصيل،
وسعيه لبناء مجتمع التوحيد، وعرضه الاسلام الاصيل وارشاد
الناس الى طريق الحق والهداية عبر بياناته وتاليفاته.
لقد كان المولى النراقي يمتلك قدرات فذة، وقد استطاع ومن
خلال المطالعة الدقيقة والتحقيق العلمي والافادة من الاساتذة
العظام ان يتعلم علوما جمة وان يصل الى مرتبة الاجتهاد
بسرعة فائقة.
وقد حصل على اجازة الاجتهاد من عدد غفير من العلماء
البارزين في عصره من قبيل العلامة بحر العلوم والميرزا مهدي
المولوي الشهرستاني والشيخ جعفر النجفي قدس الله اسرارهم.
ويقول قائد الجمهورية الاسلامية الايرانية آية الله السيد
الخامنئي بهذا الصدد: «لقد كانا نقطة التقاء بين مدرسة الوحيد
والنجف وبين الشيخ الانصاري والمدرسة الفقهية الممتدة الى
زماننا هذا. لقد كان الاب والابن كلاهما منتلامذة الوحيد
البهبهاني... فان النراقي الابن ادرك اواخر درس الوحيد عدة
سنوات وايضا تلمذ على تلامذة الوحيد بعد ذلك منهم والده.
فهو من ناحية اتصل بمدرسة مجدد الفقه، بمعناه المصطلح
اليوم، اي الفقه الاجتهادي المبتني على الاسس الاصولية
المحكمة التي اسسها المرحوم الوحيد البهبهاني، ومن ناحية
اخرى هو استاذ الشيخ الانصاري. حيث ان الشيخ الانصاري كان
قد توقف في مدينة كاشان اربع سنوات. طبعا كان معروفا ان
الفاضل النراقي ايضا استفاد من الشيخ الانصاري؛ اذ لا شك في
ان كل استاذ يستفيد من تلميذه المتفوق من دون ان يؤثر ذلك
على منزلة الاستاذ. علما بان الشيخ لم يكن ليمكث في مدينة
كاشان اربع سنوات التذاذا بمائها وهوائها، بل لايوجد داع لبقائه
سوى تاثره الشديد وانجذابه للمولى المرحوم الفاضل النراقي
لا غير»((470)).
وفي سنة 1240 ه عزم الشيخ مرتضى الانصاري على زيارة
مشهد الامام الرضا(ع) فشد الرحال وبدا رحلته العلمية لكي
يحظى بالاخذ عن جملة من العلماء والفقهاء المشهورين في
ايران آنذاك، وفي اصفهان التقى كلا من السيد محمد باقر
الشفتي والشيخ اسد الله البروجردي الا انه لم يمكث اكثر من
شهر. وعندما طرق سمعه اسم المولى احمد النراقي في كاشان
توجه مع اخيه صوب كاشان حيث لقيا من المولى النراقي
استقبالا واحتراما وحطّا رحليهما في احدى المدارس، وعندما
راى الشيخ الانصاري المولى النراقي قد احتل موضع الصدارة
في مدرسة كاشان العلمية كالبحر الزخار علما وحكمة وعرفانا
واخلاقا صمم على المقام هناك، وكانه وجد فيه ضالته؛ لذا بقى
ينهل من عطائه العلمي والاخلاقي قرابة اربع سنوات، ولازم
حلقة درسه من عام (1241 - 1244ه)((471)).
وكان المولى النراقي يعتبر الشيخ الانصاري مجتهدا مسلما،
وحين مغادرة الشيخ الانصاري كاشان اعطاه اجازةمفصلة
مجده فيها باجمل العبارات، حيث جاء فيها: «ان الشخصية
المبرزة والمحقق الدقيق صاحب الذهن النوراني والفهم
الصائب والدرك الرفيع، ومظهر التقوى والورع ومستمسك
العروة الوثقى، الفاضل الكامل ذا المكارم والمناقب، الشيخ
مرتضى ابن الشيخ محمد امين الانصاري وبعد الفحص عن
احواله ومقامه العلمي، مجاز منقبلي في نقل
الروايات...»((472)). المولى النراقي في نظر العلماء: لقد نالت شخصية النراقي اعجابا كبيرا من قبل العلماء، فقد اثنوا عليه غاية الثناء ومجدوه بكل اجلال واكبار. واليك بعض تصريحاتهم بهذا الشان:
المولى حبيب الله الكاشاني: «الفاضل الحاج احمد النراقي ابن
المحقق النراقي كان كابيه من مشاهير علماء الاسلام والفقهاء
الاعلام، بل هو اعلمهم وافقههم وافضلهم واتقنهم في عصره،
وكان اشهرهم في زمانه»((473)).
الچاپقلي البروجردي: «الفاضل العالم المحقق المدقق الماهر
البحر الزاخر، جامع العلوم العقلية والنقلية صاحب اليد الطولى
في علوم جمّة، شيخنا واستاذنا الحاج المولى احمد بن المولى
محمد مهدي النراقي الاصل الكاشاني المسكن. كان ركنا للدين
والدنيا ومرجعا في الاحكام والفتيا»((474)).
الشيخ عباس القمي: «المولى احمد ابن المولى محمد مهدي
النراقي: العالم العابد الفقيه والشاعر الاديب السراج الوهاج
والبحر المتلاطم، فحل الفحول ومفخرة اهل المنقول
والمعقول، العالم الرباني، ويكفي انه قيل في حقه بانه استاذ
الشيخ الانصاري، لقد صنف كتبا قيمة عديدة»((475)).
الميرزا محمد علي المدرس: «الحاج المولى احمد النراقي ابن
المولى مهدي، النراقي الاصل الكاشاني المسكن احد فحول
علماء الدين واكابر مجتهدي الشيعة، لقد كان فقيها اصوليا
ومحدثا رجاليا وفلكيا رياضيا جامعا للمعقول والمنقول، استاذا
ماهرا وشاعرا زاهدا متقيا متفردا بالاوصاف الحميدة ومعروفا
بالاخلاق الفاضلة، ذا الكمالات الصورية والمعنوية ومضافا الى
العلوم المتداولة النقلية كان يتمتع بمهارة في جملة من
العلوم الاخرى»((476)).
العلامة محمد باقر الخونساري: «البحر المتلاطم والاستاذ
الماهر، اسطوانة الاكابر، الاديب الشاعر والفقيه الجديركان يعد
من اكابر رجال الدين وعظماء المجتهدين. كان ممتلئا علما،
وصدفا مملوءا درا. كان مجتهدا جامعا ولهنصيب وافر في اكثر
العلوم سيما الاصول والفقه والرياضيات والفلك. كان جسيما
ومتينا، وقورا غيورا»((477)).
السيد محسن الامين: «انه كان عالما فاضلا جامعا لاكثر العلوم
سيما في الاصول والفقه والرياضيات وكان شاعرابليغا نظم
باللغة الفارسية»((478)).
المحقق الطهراني: «الشيخ المولى احمد ابن المولى مهدي بن
ابي ذر النراقي الكاشاني كان عالما كبيرا وفقيها مشهورا
ومصنفا جليل القدر وجامعا للعلوم من الابرار الاخيار. كان
عطوفا على الفقراء وشفيعا للضعفاء. وكانيهمه امر الناس
ويسعى لحل مشكلاتهم ولرفعها» ((479)).
الشهيد القاضي الطباطبائي: «لقد خلف العلامة النراقي
- الذي
كان في العلم بحرا لا نهاية له - ولدا قد بلغ مقامارفيعا من بين
شيوخ الفقاهة والاجتهاد والشعر والادب واساطين العلم من
فقهاء الشيعة، الا وهو الفقيه والمجتهد الاكبر الحاج الشيخ
المولى احمد النراقي... وله شهرة عظيمة»((480)).
الشهيد مرتضى المطهري: «الحاج المولى احمد النراقي كان
كابيه جامعا للفنون، ومفتيا ومجتهدا ومرجعا في الفتيا، واخذ
العلوم العقلية عن ابيه»((481)). المولى النراقي ومقتضيات الزمان:
ان معرفة الزمان ومقتضيات العصر من الميزات البارزة للحوزة
العلمية وعلماء الدين الشيعة وفقهائهم. فان علماءالدين من
خلال اطلاعهم التام على الاعراف والافادة مما يمتلكون من
تراث غني يطبقون امور الدين حسب ما يقتضيه الزمان؛ فان
اخذ عنصر الزمان بنظر الاعتبار في المعرفة الدينية وتبليغ
الدين يعد امرا ضروريا حيث يجعل العلاقات والمعادلات
والموضوعات على امتداد الزمان في معرض التغيير والتبديل.
من هنا ينبغي لعلماء الدين ان يعوا اقتضاءات وخصوصيات
الزمان لكي لا تهجم عليهم اللوابس والانحرافات والاشتباهات،
وليؤدوا رسالتهم الحقيقية، فقد قال الامام الصادق(ع): «العالم
بزمانه لا تهجم عليه اللوابس»((482)).
ان الحوزات العلمية وبالاستمداد من هذه التعاليم راحت تسير
مع الزمان، وتتحرك في اطار متطلبات المجتمعمن خلال
التفاعل مع العلوم الحديثة، وتخطو خطوات مهمة في كل
مورد تراه ضروريا، ويقدمون طرحا جديداويفتحون افقا حديثا،
ويستضيئون بنور الكتاب والسنة ليضيئوا الدرب للاخرين . انهم
يقومون بتحليل نظريات السلف واكتشاف حقائق جديدة
والاجابة على الشبهات المعاصرة في سبيل تعريف الناس
بالثقافة الاسلامية الغنية وترويج تعاليم القرآن ومذهب اهل
البيت(ع).
ان المولى النراقي هو احد اولئك العالمين بزمانهم حيث اخذوا
حصيلة ما لديهم من رصيد وابداع في الحوزات العلمية
باصفهان وكربلاء والنجف على اصعدة الفقه والاصول والكلام
والاخلاق والعرفان والهيئة والادب والشعر، وقدم ذلك ضمن
صياغة مواكبة للزمان. وباعتبار انه كان ينظر الى المسائل
والموضوعات بعمق نرى مصنفاته بقيت خالدة يفيض بعطائه
على الباقين. وعلى الرغم من ان اغلب آراء وافكار المولى احمد
النراقي في محورالمواجهة مع الاخباريين والصوفية وطرح
المباحث الجديدة في الفقه والاصول، وكذلك دوره الملحوظ
في الحرب الثانية بين ايران وروسيا تعد مؤشرا على رؤيته
العميقة للمسائل والموضوعات التي كانت آنذاك، الا اننا نشير
فيهذا المجال الضيق الى احد آثاره الذي كتب استجابة
لمتطلبات عصره، وذلك حينما الف المبشر
المسيحي والجاسوس البريطاني «هنري مارتين» كتابه «ميزان
الحق» ردا على الاسلام، انبرى النراقي لرده ردا علميا محكما
فيكتاب باسم «سيف الامة»، فقد كان النراقي يعلم جيدا ان
جميع المبشرين كانوا في خدمة الاستعمار الاوربي
سيما بريطانيا. وقد دخلوا بلاد المسلمين لغرض التسلط وبسط
الهيمنة الاستعمارية على ثروات المسلمين وترويجا لمسيحية
بينهم.
والمعروف في العالم الاسلامي ان هذا الفريق بدءا من القرن
السادس عشر الميلادي قاموا بدور طليعي في تمهيد الارضية
المناسبة لدخول الاستعمار ارض المسلمين((483)).
واستطاعوا ابان حكومة الصفويين ان يدخلوا ايران، وتمكنوا من
تحقيق اهدافهم في بعض البلدان، في حين لم يتوفقوا من
النفوذ في بلدان اخرى بحكم تصدي علماء الدين وحماة
الاسلام، بل ان بعضا منهم اعتنق الاسلام، منهم «علي قلي»
الذي اشار اليه المولى النراقي في كتابه «سيف الامة» في اكثر
من موضع، وقام هذا الاخير بعد ان اهتدى بتاليف كتاب تحت
اسم «سيف المؤمنين في قتال المشركين» ردا على اليهود
والنصارى((484)).
ومن هؤلاء المبشرين - كما اسلفنا «هنري مارتين» الذي كان
شابا ورد ايران في عصر فتح علي شاه واقام فيها قرابة 16 شهرا،
وقام خلال هذه الفترة بنشاطات واسعة في سبيل تحقيق
الاهداف الاستعمارية.
ونقطة انطلاقه كانت هي تاليفه لكتاب بعنوان «ميزان الحق»
للرد على الاسلام.
وقد واجهه علماء الدين وتصدوا لتقديم الرد العلمي، وقد الفت
في هذا السبيل عدة كتب كان من جملتها كتاب«سيف الامة
وبرهان الملة» للمولى احمد النراقي، «ومن بين الاجوبة جاءوا
بثلاثة اجوبة مصيبة دقيقة احدها: كتاب الحاج المولى رضا
الهمداني المسمى ب«مفتاح النبوة»... والثاني كتاب الاخوند
المولى علي النوري المسمىب«حجة الاسلام» رفع فيه
الشبهات واثبت حقانية خاتم الانبياء بالقواعد العقلية.
وعطل الدرس مدة ستة اشهر وبحث في شبهات البادري...
والثالث كتاب الحاج المولى احمد النراقي المسمى ب«سيف
الامة وبرهان الملة»...»((485)).
ان المولى احمد النراقي والذي كان مجتهدا ذائع الصيت
آنذاك قد حال دون نفوذ الاستعمار والمسيحية الى ايران
بسبب تاليفه لهذا الكتاب، وكان حين تاليفه ل«سيف الامة» قد
دعا عددا من علماء اليهود وبحث معهم كتاب«ميزان الحق»
وبالاستفادة من مكتبة موشي اليهودي قدم جوابا متينا وردا
قويا اسماه «سيف الامة وبرهان الملة»، ولقد افاد قائلا: «انني
حين تاليف هذا الكتاب كنت بصدد الفحص والبحث وقد عثرت
على هذه الصحيفة في مكتبة موشي اليهودي الذي كان
مشتهرا بين اليهود ومرجعا للاكثرية في عصره، وقمت ومعي
جماعة من علماء اليهود بجمع كتب معتبرة في اللغة العبرية،
وتاملت في ذلك»((486)).
انه في هذا الكتاب مضافا الى رد شبهات هنري مارتين
والبحوث البرهانية والعقلية في اطار بحث النبوة واثبات رسالة
النبي الاكرم(ص) وجملة من البحوث الكلامية، شن حملة على
اخلاق وطريقة واسلوب الحياة في المجتمع الغربي وابرز
مساوئ ذلك المجتمع امام هنري مارتين ومن حذا حذوه
والمنبهرين بالغرب. النراقي وولاية الفقيه:
يعد المولى النراقي من جملة الفقهاء الذين تناولوا موضوع
«ولاية الفقيه» بالبحث. لقد عاش في فترة حساسة ومفعمة
بالحوادث ونتيجة لفهمه الصحيح لحوادث وقضايا عصره احس
بضرورة معالجة مسالة «ولاية الفقيه»، فقداوضح بان التطبيق
الصحيح للاحكام الالهية هو افضل اطروحة عملية لادارة وبناء
المجتمع الاسلامي، وقام بتشريح ذلك بصورة مفص لة
وواضحة ومن منظار عميق.
وهو وان سبقه في ذلك علماء وفقهاء من امثال الشيخ المفيد
(ت : 413 ه) والعلامة الحلي (ت : 675 ه)والمحقق الكركي
(ت : 940 ه) والمحقق الاردبيلي (ت : 993 ه) في كتبهم
الفقهية في غضون بحوث فقهية مختلفة من قبيل: الخمس،
القضاء، الجهاد، صلاة الجمعة، الحدود، الامر بالمعروف والنهي
عن المنكر و... حيث تعرضوا لولاية الفقيه واثبتوا ذلك.
بيد ان المولى احمد النراقي بحث «ولاية الفقيه» بصورة
مستقلة وموسعة، وقد خصص لها العائدة (54) من كتابه القيم
«عوائد الايام» حيث بحث الادلة المثبتة لها وبين وظائف
وشؤون الولي الفقيه.
انه يعتبر اول فقيه بحث لاول مرة «ولاية الفقيه» بشكل مرتب
وبصورة بديعة وجديدة، وبذلك فتح افقا جديدا وواسعا لفقهاء
عصره ولمن ياتي من بعده.
ثم جاء بعد المولى النراقي فقهاء كالمير عبد الفتاح الحسيني
المراغي (ت : 250 ه) في كتاب «العناوين» والسيد محمد آل
بحر العلوم في كتاب «بلغة الفقيه» والشيخ مرتضى الانصاري
(ت : 1281 ه) في كتاب «المكاسب»، فتناولوا بحث «ولاية
الفقيه» بشكل مستقل مركز. ان المولى احمد النراقي بعد ان ينتهي من اثبات «ولاية الفقيه» بالادلة العقلية والنقلية يتناول وظائف وشؤون الولي الفقيه وصلاحياته، ويذكر في هذا الاطار اثني عشر موردا من الوظائف الاساسية للولي الفقيه، وهي عبارة عن:
1. الافتاء. المواجهة مع الاخبارية:
نظرا لحضور المولى احمد النراقي درس العلامة الوحيد
البهبهاني لعدة سنوات، وباعتبار ان مسلك الوحيد البهبهاني
مسلك اصولي، من هنا نراه وقف موقفا مواجها مع الاخباريين
واطاح بمبانيهم غير المحكمة، وبالطبع فان المولى احمد
النراقي كان مخالفا للاخباريين كابيه واستاذه؛ لانهم يعتقدون
بكون جميع الاخبار الواردة في الكتب المعتبرة بالرغم من
اختلافها صادرة قطعا عن المعصومين(ع) ولا يمكن الاخذ
بظواهر الكتاب الا بالرجوع الى الاخبار. وعليه فانهم يرفضون
علم الاصول؛ لان مبانيه عقلية وغير مستندة الى الاخبار.
ان المولى احمد النراقي كان على وعي تام بالعواقب الوخيمة
والاثار السلبية التي ستتركها هذه العقيدة على الحوزات
العلمية وطلاب العلوم الدينية. لذا تصدى لردها ردا علميا تبعا
لاستاذه. المواجهة مع الصوفية:
لا شك في ان الصوفية فكرة خيالية لا اساس لها وتفتقد الدليل
والبرهان العلمي والمنطقي والشرعي وتتناسب مع الخمول
والكسل؛ لذا لاقت القبول من قبل بعض الاشخاص.
ولسنا بصدد بيان ذلك حتى نبحث تاريخ واسباب ظهور
الصوفية في العالم او في ايران، بل نكتفي بعرض مختصر
لنظرية المولى احمد النراقي تجاه ذلك.
ان الصوفية في ايران كانت منحصرة ومتقوقعة وقوبلت بالرفض
من قبل علماء الدين والمفكرين الاسلاميين وحالوا دون نفوذها
في المجتمع الاسلامي.
ان زعماءهم استطاعوا ان يبرزوا من خلال اضافة لفظ «علي
شاه» الى اسمائهم نظير: معصوم علي شاه، صفيعلي شاه، نور
علي شاه، مجذوب علي شاه، مشتاق علي شاه، و... والقدر
المشترك بين هؤلاء جميعا هو عدم الاعتناء بظواهر الشريعة
والاحكام والفرائض الدينية.
لقد واجه علماء الدين هذه الافكار مواجهة شديدة، فلم
يستطيعوا النفوذ في المناطق التي كان يتواجد فيهاالعلماء فقد
لقوا منهم المعارضة، ولا تزال هذه المناطق خالية من الفكرة
الصوفية؛ لذا كانوا يركزون نشاطاتهم غالبا في المناطق التي
تخلو من العلماء كي يتسنى لهم نشر افكارهم دون اية معارضة.
ان المولى احمد النراقي كان كابيه مخالفا بشدة للصوفية،
وكان يعد التصوف سوقا لتحقيق المكاسب لبعض الافراد. وقد
سطر بقلمه استنكاره وذمه للصوفية وافكارها، وقد نظم في
نقد افكارهم اشعارا في كتاب«طاقديس»((487)). المصنفات العلمية للمولى النراقي:
لقد كان المولى احمد النراقي - الى جانب التدريس والتصدي
لامور الناس - يولي اهتماما كبيرا للتاليف والتحقيق، وكان هذا
ديدنه حتى كتب ما لديه من رصيد. وقد الف كتبا كثيرة وترك
ثروة خالدة في دائرة الفقه والاصول والكلام والهيئة والادب
والاخلاق والشعر.
وحول تاليفاته يقول العلامة حسن زاده الاملي: «ان بعض
مؤلفات المولى احمد النراقي اقتفى فيها اثر ابيه المولىمحمد
مهدي النراقي طبقا لمفاد «الولد سر ابيه». فالاب يؤلف في
الفقه «المعتمد» والابن «المستند»، والاب يؤلف«تجريد الاصول»
في علم الاصول والابن يكتب له شرحا مفصلا يقع في سبعة
مجلدات، الاب يؤلف باللغة العربية في الاخلاق «جامع
السعادات» والابن يترجمها بالفارسية مع التلخيص «معراج
السعادة»، الاب عنده ديوان شعر باسم «الطائر القدسي» والابن
باسم «طاقديس»، الاب يكتب «مشكلات العلوم» والابن
«الخزائن» تبع في ذلك كتاب «مشكلات العلوم» لاسباب ذكرها
في اول كتاب «الخزائن». وكل من هذين الكتابين «المشكلات»
و «الخزائن» مثلكشكول العلامة الشيخ البهائي - كالسفينة التي
تحمل البضائع النفيسة - في المسائل المتنوعة والمطالب
الممتعة في كل باب. و «المشكلات» امتن من «الخزائن»، و
«الخزائن» املح منه» ((488)).
ويبلغ مجموع مصنفات المولى احمد النراقي والتي تم ضبطها
من قبل القائمين بمؤتمر النراقيين ثمانية وعشرين مصنفا،
ومن المحتمل ان هناك بعض المؤلفات لم يطلع عليها.
وهذه المؤلفات في مجالات مختلفة كالفقه والاصول والكلام
والهيئة والرياضيات والاخلاق والعرفان والادب والشعر، بعضها
مطبوع طبعة حجرية قديمة وبعضها مطبوع طباعة حروفية
جديدة قدمت بين ايدي عشاق العلم. وكثير منها لا تزال بصورة
نسخ خطية مودعة في المكتبات العامة والخاصة، وسعى
المؤتمر قدر استطاعته لاحيائها واخراجها مطبوعة. ونحن في هذا المجال نتعرض الى ذكر بعض المؤلفات بالحد المناسب:
ميزات مصنفات النراقي: تمتاز مصنفات المولى احمد النراقي بعدة خصائص مهمة نشير الى بعضها:
1. كونها في غاية الاتقان العلمي ومنتهى الدقة. النراقي وحكمه بالجهاد ضد الروس:
ان التاريخ الحافل بمفاخر علماء الدين الشيعة من صدر الاسلام
وحتى الان ليدل بوضوح على ان علماء الدين وفقهاء اهل
البيت(ع) كانوا دائما في مواجهة عنيفة لا هوادة فيها مع
الحكام والسلاطين الظلمة وضد الفساد والعدوان. وكانوا عونا
وسندا للمظلومين والمغلوب عليهم والفقراء، ولم يغفلوا لحظة
عن رسالتهم المهمة هذه، وكانوا يقومون بوظيفتهم الخطيرة
حسب ما تقتضيه خصوصيات الزمان والمكان. من هنا نجد ان المولى احمد النراقي - مضافا الى تدريسه العلوم الدينية والحوزوية في كاشان - كان يسعى انيكون له اشراف مباشر على القضايا السياسية والاجتماعية وشؤون الدولة واعمال السلطة الحاكمة آنذاك. وقد استفاد من الاهتمام الظاهري الذي كان يوليه فتح علي شاه بالنسبة الى نظرياته وآرائه المفيدة والعملية، واستطاع من خلال ذلك ان يحل المشاكل المعيشية للناس. |