التراث الفقهي واثره في حركة الاجتهاد رئيس التحرير
من الواضح لذوي الاختصاص والممارسة الفقهية ان للتراث
الفقهي الضخم الذي صنعه السابقون - رضوان الله عليهم -
اثرا على حركة علم الفقه في الحاضر والمستقبل شانه في ذلك
شان سائر العلوم والمعارف التي تشكل رصيدا يمد الاجيال
البشرية التالية بالعطاء.. بيد ان هذا الادعاء بحاجة الى اثبات والا
فسيكون مجرد شعار منبعث عن حالة عاطفية وشعور ذاتي
بالانشداد الى الماضي.. وقضية الاثبات هذه تقتضي مسايرة
عملية الاستنباط في جميع مفاصلها والوقوف عند كل مفصل
مفصل في سبيل معرفة مدى تاثير نظريات الفقهاء السابقين
وفتاواهم في تلك المفاصل..
وبالتامل الدقيق نرى ان هذا التاثير ربما يكون مباشرا وقد يكون
غير مباشر.. وايضا ربما يدخل كعنصر مستقل في
عملية الاستنباط وربما يكون منضما الى غيره.. وايضا قد لا
يدخل في الاستنباط كصناعة ولكن يؤثر في مرحلة صياغة
الفتوى وابرازها بمستوى الاحتياط لا فتوى حاسمة.. ولنجمل
ذلك ضمن عدة نقاط:
ولا يمكن التعويل في ذلك على ما ينسب وما ينقل عن الفقهاء
من الاجماعات والاراء.. فكم من نسبة لم تثبت صحتها.. وكم
من اجماع مدعى لم يصمد امام التتبع والتحقيق.. اذ يجد
المتتبع في بعض الحالات فتاوى مخالفة لذلك صدرت من
كبار الفقهاء.. وكذلك ربما يتوهم اختلاف الفقهاء في مسالة
فقهية لكن سرعان ما يتلاشى هذاالتصور نتيجة لاسترجاع
فتاوى السابقين واستحضارها.. اذا فاثبات الاجماع وعدمه
وتحديد نقطة اتفاق الفقهاء واختلافهم له موضوعية ومدخلية
في مثل هذه الحالة في عملية الاستنباط كما هو واضح..
النقطة السادسة:
كثيرا ما يواجه الفقيه - لدى استرجاع التراث
الفقهي وما يضمه من آراء - قولا او احتمالا او وجها او مناقشة او
اثارة او تاملا في مسالة فقهية قابلا للتطوير والتعديل فيضفي
عليه من مهارته ويبلوره بشكل اكمل مما كان عليه.. ومن
خلال التجربة والتفحص قد يتم العثور على نظريات راقية
كانت مدثورة تحت رماد السنين.. بل هناك بعض الرسائل
والمصنفات بلغ فيها مؤلفوها اوجهم في التحقيق وتنقيح
المطالب غفل عنها ولم يستفد منها..
ونحن في الوقت الذي نؤكد على دور التراث الفقهي في عملية
الاستنباط لا نقصد المبالغة والتهويل في ذلك ولا ندعو الى
تقليدالماضي وقتل روح الابداع والتطوير.. اذ ان عملية
الاستنباط تستبطن الاعتماد والثقة بالنفس وعدم الاتكال على
ما قاله الاخرون والا يفقد الاجتهاد معناه.. بل ان حاصل ما نريد
قوله هو ان اهمال عنصر التراث من قبل الفقيه المعاصر وابعاده
من عملية الاستنباط قد يؤول في النهاية الى تاسيس فقه غير
اصيل ويفوت على الفقيه فرصا لتنضيج نظرياته وارفادها بما
انجزه الماضون.. سيما وان مقتضى مسؤوليته الشرعية تفحص
وتحري كل بصيص يقربه من حكم الله الواقعي والتماس كل
باب يوصله الى صراط الله القويم..
(ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان) رئيس التحرير آية الله السيد محسن الخرازي
يقع البحث في عدة نقاط:
وقبل الشروع في البحث لابد من بيان حقيقة الاوراق النقدية.
فنقول: الظاهر ان الاوراق النقدية من جنس غير النقدين في
زماننا هذا لانها بنفسها مال، ولا حكاية لها عن النقدين اصلا،
وعليه فهي من المعدودات لا الموزونات، ويجري عليه
احكامها.
وتفصيل ذلك ان الاوراق النقدية لها ادوار اربعة((1)): ففي الصورتين تكون الاوراق النقدية سندات للنقدين او الذهب والفضة، فيجري عليها احكام النقدين، فلا يجوز التفاضل في معادلتهما بالمتجانسين منهما؛ لانهما من الموزونات كما لا يخفى. فان كانت النقود المحكية من المسكوكات يترتب عليها احكامها من الصرف والربا وان لم تكن من المسكوكات بل كانت من السبائك يترتب عليها احكام الربا دون الصرف، واما الزكاة فعلى كل تقدير لا تترتب عليها؛ لان المناط في وجوبها في النقود هو وجودها تحت التصرف.
وعليه فالرصيد اللازم في جعل الاعتبار في الاوراق مستقلا هو
مجموعة ما تمتلكه الدولة من القدرة الاقتصادية والامكانات
الحقيقية بحيث تتعهد الدولة اعتمادا على ممتلكاتها بدفع ما
يقابلها من المال لو طولبت، وهذا التعهد يوجب مالية الاوراق
النقدية.
قال العلامة الشيخ حسين الحلي(قدس سره): «من الواضح ان
الدولة تلتفت الى ان ذلك الاعتبار وحده ليس بكاف لمنح هذه
الاوراق السمة المالية، لذلك تاخذ على عاتقها موضوع دعم
الورق بالتعهد الشخصي، والتقرير على نفسها بدفع مايقابله من
المال لو طولبت بذلك من قبل الدول الاخرى او الشركات
الاجنبية، وحيث كان هذا المقدار ايضا ليس بكاف لمنح الورقة
السمة المالية الدولية، بل يقتصر اعتباره على الداخل، لذلك
تضطر الدولة الى الدخول في (منطقة الاسترليني)مثلا
فتجتمع عدة دول لتودع في احد البنوك العالمية المقادير
اللازمة من الذهب، ويكون هذا الايداع هو الرصيد للورق النقدي
في مجموعة تلك الدول المشتركة، وقد تنسحب تلك الدولة
من منطقة الاسترليني فتسحب ما لديها من
الاحتياط ي وتودعه في البنك الحكومي المؤسس في المملكة
وتعلن هذا المعنى الى الجميع، وتدعم هذا الايداع من جهة
اخرى بما تمتازبه تلك الدولة من معادن وثروات طبيعية
كالنفط والكبريت والفحم وما شاكل ذلك من الثروات
الطبيعية.
وبعد كل هذا يعزز ما ذكرناه نفس مركز الدولة بين بقية الدول،
وهذه وان لم تكن عوامل اساسية لتغطية النقد الورقي،الا ان
لها قيمتها الاعتبارية في انظار الناس، فتعط ي الورقة رصيدا
سوقيا في الداخل والخارج »((2)).
وقد اتضح انه في الصورتين الاخيرتين تكون الاوراق سندات
للثروات والخدمات الاقتصادية بل هي معتبرة بنفسها
اموالاممن له اعتبار المالية، فصارت كالاموال الذاتية مثل
الماكولات والملبوسات قابلة للمبادلة والمعاملة ويترتب عليها
احكام المعدودات؛ لكونها منها، لا المكيلات والموزونات.
ومما يشهد على ان الاوراق النقدية اموال مستقلة في
الصورتين الاخيرتين لا سندات انه اذا تلفت او اتلفت كان
ذلك موجبا لتلف المال من دون اشتغال ذمة احد بمثلها،
وهكذا ان اقباضها اقباض للمال، وليس حوالة على المال كما
لايخفى.
واذا عرفت ذلك فاعلم ان الاوراق النقدية في زماننا هذا كانت
بنفسها اموالا فلا تكون مندرجة تحت عنوان الدراهم والدنانير
فلا يجري عليها حكمها من حرمة التفاضل في المعاملة بين
المتجانسين منهما، فان الربا المعاملي مختص بالمكيلات
والموزونات، نعم لا يجوز قرض الاوراق النقدية باكثر منها؛ لانه
من مصاديق الربا القرضي.
وعليه فالربا المعاملي لا موضوع له في الاوراق النقدية بعدما
عرفت من انها بنفسها اموال وتكون من المعدودات فيجوزبيع
الاوراق النقدية باكثر منها نقدا ونسيئة؛ لعدم اشتراط بيع
المعدودات بعدم التفاضل ولا كلام فيه اذا كان ذلك
بين الاوراق النقدية من البلاد المختلفة كبيع الريالات
بالدولارات او غيرها من نقود البلاد.
واما بيع الاوراق النقدية لبلد بعضها ببعض فقد اورد عليه بان
بيع الاثمان اي النقود الورقية بمثلها غير مالوف عندالعرف؛
لوقوعها دائما ثمنا لا مثمنا. فيتخذ ذلك ذريعة للفرار من الربا
فلا يقول اقرضتك الالف بالالف وعشرة بل يقول:بعتك هذا
بهذا الى كذا مدة.
ومن المعلوم ان بيع المعدود بتفاضل مما لا اشكال فيه، ولذا
نحن لا نرى هذا البيع جديا صحيحا، بل يراه العرف مصداقا
للقرض مع التفاضل، فلا يشمله الامر بالوفاء؛ لعدم كونه
متعارفا، وتسميته بالبيع امر صوري، فلا اقل فيه
من الاحتياط((3)).
يمكن ان يقال انا نمنع عدم قصد الجد؛ لان مع وجود الداعي
كالفرار من الحرام الى الحلال يكون قصد الجد موجودابالنسبة
الى المعاملة المذكورة، ومع صحة المعاملة لا مجال لصدق
القرض حتى يكون محرما.
وقد ورد في الروايات جواز اشتراء الف درهم ودينار بالفي درهم
مع انه لم يكن مالوفا في العرف، وعليه فلا اشكال من جهة عدم
تعارفه في العرف ولا من ناحية قصد الجد هذا، مضافا الى ان
الفرق بين ان تكون المعاملة بين الاوراق الداخلية وبين ان
تكون بينها وبين الخارجية لا وجه له؛ فان الزيادة اذا كانت ازيد
من المتعارف لم تكن مالوفة ومع عدم المالوفية يجي الاشكال
في الصورتين.
والجواب عن الاشكال واحد فيهما، نعم تشكل المعاملة
المذكورة سواء كانت في الاوراق الداخلية او الداخلية
مع الخارجية فيما اذا كانت وسيلة وحيلة للوصول الى الربا. وقد
مر ان الحيل محل اشكال.
نعم، لا باس بها فيما اذا كانت ضرورة، كما دلت عليه صحيحة
عبد الرحمن بن الحجاج، قال: «سالته عن الصرف فقلت له: ان
الرفقة ربما عجلت فخرجت فلم نقدر على الدمشقية والبصرية
وانما يجوز بسابور الدمشقية والبصرية (البغلية)، فقال: وما
الرفقة؟ فقلت: القوم يترافقون ويجتمعون للخروج، فاذا عجلوا
فربما لم نقدر (لم يقدروا) على الدمشقية والبصرية فبعثنا
(فبعنا) بالغلة فصرفوا الفا وخمسين درهما منها بالالف (بالف)
من الدمشقية، فقال: لا خير في هذا، افلاتجعلون فيها (معها)
ذهبا لمكان زيادتها، فقلت له: اشتري الف درهم ودينارا بالفي
درهم، فقال: لا باس بذلك، ان ابي(ع)كان اجرا على اهل المدينة من ي، وكان يقول هذا،
فيقولون: انما هذا الفرار، لو جاء رجل بدينار لم يعط الف درهم، ولوجاء بالف درهم لم
يعط الف دينار. وكان يقول لهم: نعم الشيء الفرار من الحرام الى
الحلال »((4)).
وعليه، فلا مانع من التوسل بالحيلة المذكورة عند الضرورة ولو
من طرف واحد كما في مورد الرواية. والرواية وان وردت في
الموزونات، ولكن تدل على جواز التوسل بالحيلة في
المعدودات بالاولوية عند الضرورة.
ومن الضرورة انه يحتاج احد الى الاقتراض ولم يعطه المقرض
الا بمعادلة الاوراق النقدية باكثر منها نسيئة، او يحتاج الى
اجارة منزل ولم يؤجره المالك الا بذلك، او يحتاج الى العملات
الصغيرة ولم يعطها صاحبها الا باقل وهكذا.
فبيع العملة الورقية بالعملة الورقية في هذه الموارد وغيرها
من موارد الصرف مما لم يكن وسيلة وحيلة للربا لا اشكال فيه.
ومما ذكر ينقدح ما في اطلاق كلام السيد المحقق
اليزدي(قدس سره) حيث قال في الملحقات: الاسكناس
(العملة الورقية) معدود من جنس غير النقدين، له قيمة معينة،
ولا يجري عليه حكمهما، فيجوز بيع بعضه ببعض او
بالنقدين تفاضلا((5)).
وذلك؛ لما عرفت من الاشكال فيما اذا كانت المعاملة
المذكورة حيلة للمرابين.
نعم، لا مانع منها اذا لم تكن كذلك كموارد اقتضاء الضرورة، او
الموارد التي يكون المقصود منها هو التجارة.
ثم ان البرات (الحوالة) ان كانت سندا للنقدين فيجري عليها ما
يجري على النقدين من حرمة التفاضل وان لم يكن
كذلك فحكم العملة الورقية يجري عليها كما عرفت.
فان كان للفلزات مالية قابلة للمقابلة فهي تكون من الموزونات
ويترتب عليها حكمها، وان لم يكن لها مالية فهي بحكم العملة
الورقية. ولا يبعد ان تكون الفلزات في زماننا هذا لا مالية لها،
ولعل ما ذهب اليه السيد المحقق اليزدي(قدس سره) باعتبار ما
سبق من الزمان حيث كان فلز (القرانات) فيه من الفضة.
قال في الملحقات: واما (القران) و (المنكنة) و (المجيدي)
ونحوها من النقود فهي من الموزون وان تداول بيعها عددا؛
لان ذلك من حيث كون العدد امارة على الوزن المعين، وكذا
اذا كانت ناقصة لا تؤخذ فلا يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلا.
نعم، يمكن ان يقال: ان ما في مثل المجيدي من الخليط يقابل
القدر الزائد في الطرف الاخر.
الا ان يقال: انه مستهلك او ليس بمقدار له مالية قابلة للمقابلة،
لكن اذا كان كثيرا كمئة (مجيدي) مثلا يكون الخليط
في المجموع قابلا للمقابلة فيلزم ان يجوز بيع مئة (مجيدي)
بازيد منها او من (القرانات) مثلا.
والظاهر ان (الفلس) الاحمر ايضا من الموزون، فلا يجوز
التفاضل في بيع بعضها ببعض((6)).
ولا يخفى ان السكة على اقسام:
منها: ان لا مالية لنفس السكة بل هي طريق الى تحديد مادتها
من جهة المقدار وكيفيتها.
ولا اشكال في هذه الصورة انها من الموزونات ويترتب عليها
احكامها، ومن جملتها عدم جواز التفاضل بينها، وتداول بيعها
عددا من جهة كونها امارة على المادة والكيفية الخاصة وكمية
خليطها هو الذي ذكره السيد في الملحقات.
ومنها ان لا مالية لمادتها وانما المالية لنفس السكة، فلا اشكال
في كونها من المعدودات كالعملة الورقية ويترتب
عليهااحكامها على تفصيل ما مضى.
ومنها: ان يكون لكل واحد مالية والفرق بينهما ان مالية فلزها
ذاتية ومالية السكة اعتبارية، وهذه الصورة على اقسام.
والمثلي لا يضمن الا بالمثلي، ومقتضى ذلك ان يشتغل الذمة
عند قرض الف تومان بمثله وهو الف تومان ولو لم يبق على
قدرته الشرائية حال الاداء من جهة انخفاض قدرة الشراء؛ لان حقيقة القرض هو تمليك
شيء بالضمان الواقعي لاالجعلي
والضمان الواقعي في المثلي بالمثلي وفي القيمي بالقيمي.
ودعوى اشتغال الذمة بقدرة الشراء في القرض، لاتساعدها
حقيقة القرض.
ويشهد له عدم ملاحظة مقدار القدرة المذكورة حال الاقتراض
وحال الاداء، هذا مضافا الى انه لو كان اللازم هو ملاحظة القدرة
المذكورة لزم حال الاداء لو صارت القدرة ازيد مما سبق ان
يجوز ان يعط ي المقترض اقل مما اخذه، وهو كماترى.
ويتفرع عليه: ان المقرض لا يستحق بالاقراض الا مثل ما اقرضه
ولو صارت قدرته الشرائية حال اداء القرض منخفضة كسائر
المثليات؛ فان من اقرض مثليا كالظروف لا يستحق الا مثله
ولو كانت قيمة الظروف حال الاداءمنخفضة.
وبعبارة اخرى: لا تلاحظ قدرة الشراء في ضمان المثليات،
وعليه فاعتبار القدرة الشرائية زائدة على المثلي في
حال القرض يوجب الزيادة في القرض، وهو الربا المحرم.
لا يقال: ان العقلاء لا يلاحظون القيمة السوقية والقدرة
الشرائية من اوصاف المثل اذا لم يكن الاختلاف فاحشا، واما
اذاكان الاختلاف والتفاوت فاحشا فالقدرة الشرائية ملحوظة
من صفات المثل وتكون مضمونة، وحالها حال اصل
مالية المثل، فكما ان العقلاء لا يكتفون بدفع المثل مع سقوط
المالية راسا، فكذلك لا يكتفون بدفع المثل مع سقوط
القدرة الشرائية المذكورة فيما اذا كانت ملحوظة في الاوراق
النقدية كموارد الاختلاف الفاحش، وليس كل زيادة عينية او
اسمية ربا في القرض؛ اذ الربا هي الزيادة على راس المال، اي
زيادة مال على اصل المال المسلف، وهذا لا يصدق في
المقام،فلا يشمله اطلاق آية الربا او اطلاق الروايات؛ اذ الزيادة
ان كانت من جهة المالية والقيمة التبادلية فالمفروض
مساواتهامع الاصل نتيجة التضخم، وان كانت من جهة الزيادة
الاسمية وان عشرين تومانا ازيد من عشرة فالاسم او الاعتباربما
هو اسم او اعتبار ليس مالا، وانما ماليته بلحاظ قدرته التبادلية
والشرائية وهي معادلة للاصل، والزيادة المحرمة ليست مطلق
الزيادة، بل الزيادة في المالية وبلحاظ راس المال، وهذا يصدق
في الاجناس الحقيقية بمجرد زيادة كميتهاعرفا ولو نقصت
قيمتها او يصدق مع التساوي واشتراط شرط زائد له مالية
ونفع، بخلاف ما اذا لم تكن الزيادة الاعنواناواسما من دون ان
يكون جنسا حقيقيا زائدا كما في النقود الاعتبارية؛ فان الزيادة
لا تصدق في راس المال ولا النفع،ومع عدم صدقها لا تشملها
ادلة الربا، ولا دليل كل شرط جر نفعا فهو ربا.
هذا، مضافا الى ما في كلمات بعض الاعلام من ان مع الاختلاف
الفاحش اداء الماخوذ من دون ملاحظة الاختلاف المذكور لا
يعد اداء الدين.
لانا نقول:
وهذه المراتب هي: والثانية: ضمان النوع وهو المثل، ولا مجال له الا اذا فقدت العين، ومع وجود العين لا مجال لضمان المثل، كما لا مجال لضمان الجنس مع امكان ضمان المثل. والثالثة: ضمان الجنس وهو المالية، ولا مجال له الا بعد تعذر ضمان الشخص والنوع، وعليه فلا مجال للحكم بضمان المالية بعد امكان ضمان الشخص او المثل وان كان الاختلاف فاحشا كما في سائر المثليات.
نعم، لو كان الاختلاف بحيث يحكم العرف بسقوط المالية راسا
فلا مانع من ضمان المالية الحاقا بالاموال الذاتية.
وبعبارة اخرى: موضوع الضمان في القرض هو المال عند امكان
اداء العين او المثل لا المالية، ودعوى ضمان المالية مع امكان
اداء العين او المثل خلف في كون المضمون ابتداء هو المال،
على ما عرفت من حقيقة القرض.
ودعوى عدم صدق الزيادة في راس المال باضافة مبلغ
الانخفاض، مندفعة بان ذلك محل نظر؛ لان المراد من
راس المال هو نفس المال، لا المالية حتى يلاحظ الزيادة
باعتبارها ويقال ان الزيادة لا تصدق.
وبعبارة اخرى: ان القيمة والمالية السوقية من الحيثيات التعليلية لصيرورة الشيء مالا، والمضمون هو المال لا
القيمة والمالية التبادلية السوقية، والا لزم الخلف في كون
المضمون هو المال، فاذا كان المضمون نفس المال لا
المالية،فكل اضافة وزيادة عليه يوجب صدق الربا عليه كما لا
يخفى.
ومما ذكر يظهر ان مع وضوح ان المضمون هو نفس المال لا
المالية فاداؤه يكون اداء الدين، ولا مجال للترديد فيه كماعن
بعض الاعلام.
وكذا لا وجه لدعوى الظلم بعين الملاك.
لا يقال: ان النقود الاعتبارية حيث لا تكون لها منفعة ذاتية
استهلاكية اصلا وانما منفعتها في جعلها للتبادل، فتكون
هذه الخصوصية اعني قيمتها التبادلية وقوتها الشرائية
ملحوظة عرفا كوصف حقيقي للنقود، فتكون مضمونة كضمان
سائرصفات المثل، ولكن بالمقدار المرتبط بنفس النقد لا
بقيمة السلع الاخرى من سائر النواحي، اي من ناحية مقدار
العرض والطلب عليها في نفسها من غير ناحية ارتباطها بقيمة
النقد، فاذا كان هبوط قيمة النقد من جهة غلاء الاجناس
الاخرى اواكثرها لندرتها او غير ذلك من اسباب ارتفاع قيمة
السلع فهذا لا يكون مضمونا لصاحب النقد؛ لان هذه المالية
الزائدة لم تكن مربوطة بالمالية التي كان يمثلها النقد
المضمون. وان كان هبوط قيمة النقد من ناحية تغيير سعر
النقد نفسه لضعف الجهة المصدرة له اقتصاديا كان مضمونا.
وبالجملة هناك فرق بين النقد الحقيقي كالدراهم والدنانير
وبين النقد الاعتباري كالريالات والدولارات، وهو ان
النقدالاعتباري انما يضرب ليكون تعبيرا عن المالية والقوة
الشرائية المحضة التي يعتبرها القانون، فتكون تلك القدرة
ملحوظة فيه بنحو المعنى الاسمي، بخلاف النقد الحقيقي فان
قوته الشرائية يمكن ان تكون ملحوظة بنحو المعنى الحرفي
وبما هي من آثار خصوصية الجنسية الحقيقية، وعليه فالقدرة
المذكورة ملحوظة في النقد الاعتباري دون الحقيقي.
لانا نقول: اجيب عن ذلك بانا نمنع كون القوة الشرائية من
صفات المثل ومضمونة بضمان المثل، اذ لو كانت كذلك لزم ان
يكون التسبب الى زوالها عن العين المملوكة موجبا لضمان
قيمتها كسائر موارد التسبب الى فساد اموال الناس اوتغيير
صفة من صفاتها الحقيقية المرغوب فيها، مع انه لا مجال
للالتزام بالضمان في مثل التسبب المذكور، ولعل وجهه ان
القوى الشرائية ولو كانت حيثية تقييدية عرفا اي قوام النقد
وحقيقته بذلك حيث لا منفعة ذاتية له، الا ان مجرد ذلك
لايكفي لضمان التضخم؛ لان هذه الصفة - اعني القيمة السوقية
للنقد - من الصفات الاضافية النسبية التي لها طرف آخروهو
السوق، والصفات النسبية ان كان تغيرها وزوالها بتغير صفة او
منشا لها قائم بنفس المال كما اذا قلت رغبة الناس فيه لزوال
طعمه او لونه او تاثيره فمثل ذلك يكون مضمونا ومن صفات
المثل، لان تلك الحيثية تكون متعلقة لحق المالك ايضا.
واما اذا كان تغيرها لتغير طرف الاضافة الذي هو اجنبي عن
المال وخارج عنه فلا معنى لان يكون مضمونا؛ لان
ذلك الطرف لم يكن مملوكا لمالك المال او متعلقا لحقه، كما
اذا تصرف المتصرف في الجو فاصبح باردا فلم يرغب الناس
في شراء الثلج فانه لا يكون ضامنا لمالية مالهم.
وكذلك الحال في القيمة السوقية للنقد؛ فان نقصانها يعني ان
السوق والناس قلت رغبتهم فيه ولو لضعف الجهة المصدرة له،
الا ان المفروض ان تلك الجهة لا تزال متعهدة ومعتبرة للنقد
كالسابق وانما قلت رغبة الناس في اعتبارهاكما تقل في السلع
الحقيقية، فهذا تغيير في جهة اجنبية عن حق المالك للمال،
فلا وجه لان يكون من صفات المثل ويكون مضمونا.
وقد اورد على هذا الجواب بان المعيار في الضمان هو صدق
التصرف في مال مالك النقد الاعتباري، فاذا اتلف النقدالذي له
مالية وقيمة سوقية معينة او اخذه من مالكه على وجه الضمان
فحينئذ يعد ذلك اتلافا او اخذا لقوته الشرائية من مالكه، وهو
كاف في الحكم بضمانه بماله من القيمة والمالية.
هذا بخلاف ما اذا اثر على السوق فغير من رغبة الناس
وتنافسهم على النقد او اثر على الجهة المصدرة له
فحاربهااقتصاديا مثلا فاثر ذلك في قوة النقد عالميا، فان هذا لا
يوجب الضمان، وعلته هو عدم عد ذلك تصرفا في مال
مالكي النقود.
ولكنه كما ترى؛ اذ لا يحكم بضمان نقصان القيمة السوقية في
الاجناس الحقيقية المثلية اذا نقصت قيمتها بعد التلف
اوالغصب او الاخذ من مالكه على وجه الضمان، لان مع وجود
المثل لا مجال لضمان المالية فكذلك في الاموال
الاعتبارية في الاجناس الحقيقية المثلية. اللهم الا ان يقال: ان
الحكم بعدم الضمان من ناحية ان القيمة في الاجناس
الحقيقية حيثية تعليلية لمالية الاجناس الحقيقية لا التقييدية،
والضمان لا يتعلق الا بالمال لا بالمالية وانما المالية في
الاجناس الحقيقية حيثية تعليلية؛ وهذا بخلاف النقود
الاعتبارية فان قوتها الشرائية هي تمام حقيقتها وقوامها، فتكون
المالية والقوة المذكورة حيثية تقييدية في النقود، اي ان مالية
النقود الاعتبارية تكون بقيمتها التبادلية والشرائية لا بجنسها
الحقيقي؛ اذلا قيمة له ولا باعتباره؛ لان الاعتبار بما هو اعتبار
ليس مالا، وانما المالية بما وراء ذلك الاعتبار من القوة
الاقتصادية في الجهة المصدرة والتي تجعل الورقة النقدية فيها
قوة شرائية تبادلية حقيقة. وهذا يعني ان مالية هذه الاوراق انما
تكون بنفس قوتها التبادلية والشرائية لا بشيء آخر، فلا محالة
يكون مثل النقد - الماخوذ او التالف اولا - ما يعادله من نفس النقد
في قوته الشرائية التبادلية، وبهذا يدعى الفرق بين النقود
الاعتبارية والاموال الحقيقية.
والتحقيق: ان الذي اعتبره المعتبر بجعله واعتباره هو المال لا
المالية، فكما ان الاشياء اموال بالذات فكذلك صارت النقود
الاعتبارية اموالا بجعل المعتبر بناء على امكان جعل الوضعيات
استقلالا.
فالجاعل انما جعل النقد الاعتباري مالا، ولم يتعلق جعله
بالقدرة الشرائية والقيمة التبادلية، بل هما من عوارض
المال التعبدي، كما تكون كذلك بالنسبة الى الاموال الذاتية.
وعليه، فكما ان القيمة التبادلية في المثليات من الاموال
الذاتية غير مضمونة فكذلك لا ضمان لها في المثليات
الاعتبارية،فلا موجب للفرق بينهما.
ان قلت: ان اعتبار ما ليس بمال مالا من دون ملاحظة قيامه مقام شيء من الاموال الحقيقية في القدرة التبادلية
يستلزم الجهالة من جهة عدم معلومية مقدار المالية؛ اذ مجرد معلومية الارقام من دون
ملاحظة قيام المال مقام شيءمن
الاموال الذاتية لا يرفع الجهالة الموجودة بالنسبة الى القيم
التبادلية.
وعليه، فاللازم ان يكون المعتبر عند الاعتبار ناظرا الى قيام كل
واحد من النقود الاعتبارية مقام مقدار خاص من الاجناس
الحقيقية في القيم التبادلية وقوتها الشرائية كقيام مئة
(تومان) مثلا مقام امنان معينة من الحنطة عند تبديلهابمقدار
خاص من الجنس الاخر كالارز ونحوه، وعليه فالقدرة الشرائية
ملحوظة بنحو التقييد في النقود عند اعتبارهامالا، وعليه
فالقدرة الشرائية من الاوصاف المقومة للنقود الاعتبارية، وهذا
هو الفرق بين الاموال الذاتية والنقودالاعتبارية.
قلت:
وعليه، فملاحظة القدرة الشرائية حال اعتبار كون النقود اموالا
ليست بمعنى اخذها من الاوصاف المقومة في
النقودالاعتبارية، بل القيمة التبادلية من احكام المال
الاعتباري من دون دخالتها في قوامه.
فتحصل: انه لا دليل على اعتبار القدرة الشرائية في النقود
الاعتبارية بنحو وصف من اوصاف المثل حتى يكون
نقصانهامضمونا، فلا وجه لدعوى اشتغال الذمة بمقدار النقصان
في الديون والمهور من دون اشتراط او بناء في البين
بنحويوجب الضمان.
نعم، لو اشترط في النكاح مراعاة معادلة النقود الاعتبارية مع
النقود الحقيقية فاللازم هو حفظ المعادلة ومراعاتها.
وهكذا لو اقرض المقرض القدرة الشرائية والقيمة السوقية في
مقابل مثلها فالظاهر انه لم يخرج عن حقيقة القرض؛
لانه تمليك لشيء بضمان عوضه، وقد صرحوا بصحة قرض
القيمي بقيمته، والمثلي حينئذ ملحوظ بنحو القيمي، ولا
يكون الضمان جعليا، بل يكون واقعيا؛ لان اعطاء القيمة السوقية
في مقابل عوضها ضمان واقعي لا جعلي.
ويشمله تعريف القرض بانه دفع الشيء بقصد ثبوت عوضه في
الذمة((7))، ولا يصدق الزيادة حينئذ اذا اعط ى مثلها ما لم يزد
على مقدار مثلها، والا تصدق الزيادة ويكون ربا محرما.
لا يقال:
ان القرض وان كان له شبه في الضمانات الا انه من
المعاوضات؛ اذ هو كما عرفت دفع الشيء بقصد ثبوت عوضه
في الذمة، فوجب الضبط لمعرفة العوض((8))، فحيث ان
القدرة الشرائية غير مضبوطة فلا يجوز قرضها.
لانا نقول:
ولكن هنا اشكال آخر: وهو ان قرض القدرة الشرائية ليس قرض
العين، والظاهر من الكلمات في القرض هو اشتراط العين. اللهم
الا ان يقال ان المعيار هو صدق القرض عرفا ولو كان مورده
القدرة او الحقوق، فتامل.
ولعله يلحق بذلك ما اذا اشترط المقرض حين قرض الاوراق
النقدية ضمان القدرة الشرائية مع ضمان المثل؛ لانه يرجع الى
اعتبار صفتهما الاعتبارية كالصفة الوجودية، فكانه اقرض
الاوراق الموصوفة بوصف كذا في مقابل مثلها، فلا زيادة لو
اقتصر على اخذ القدرة الشرائية الموجودة حال الاقراض. وهكذا
الامر لو كان بناء الطرفين على ذلك، كما لعله كذلك في كثير
من الموارد سيما في زماننا هذا.
ودعوى:
ان ذلك يؤول الى الجمع بين ضمان المثلي والقيمي في شيء
واحد؛ فان ضمان اعيان الاوراق ضمان مثلي وضمان القدرة
الشرائية ضمان قيمي.
مندفعة:
نعم، لو لم يشترطا ولم يكن بناؤهما عليه فلا ضمان الا بالنسبة
الى عين الاوراق النقدية، ولا وجه لتضمين المقترض بالقدرة
الشرائية كما مر مفصلا.
ربما يقال: ان شرط الضمان شرط الاضافة وهو الربا، ولكنه
مندفع بان شرط الضمان شرط ضمان القدرة الشرائية من اول
اشتغال الذمة بالمثل، لا شرط اداء الاضافة بعد تحقق الضمان
بالعوض حتى يكون شرط الاضافة ربا محرما، واللهالهادي.
هذا هو الوجه في المسالة، ومع ذلك لا يترك الاحتياط بحسب
الموارد. الاستاذ السيد محسن الموسوي القسم الاولالموات بالاصل المقدمة يقع البحث في ملكية الارض، وهل انها لله سبحانه ثم النبي(ص)، باعتباره الخليفة عنه، وكذا خليفته الامام من بعده، ام انها ثابتة لاحاد المجتمع البشري، فيملكون باسباب الملكية وتكون الارض ملكا شخصيا لهم؟
لا شك ان لملكية الارض اهمية بالغة لدى المجتمعات كافة؛
اذ لابد ان يعرف الانسان حكم الارض التي تحت تصرفه -سواء
كانت مصنعا او مرتعا او دارا او غير ذلك - هل هي مما تختص به
ويملكها، فلا يجوز لغيره التصرف فيها اومزاحمته عليها، حتى
لو كان قد عطلها له ذلك باعتباره مالكا لها، بخلاف ما لو لم
يكن مالكا لرقبتها، بان كان مالكا لحق التصرف فيها، فليس له
حينئذ نقلها واستيفاء عوضها، اذ البيع التام اللازم فرع الملكية،
كما ان للامام(ع) ان يعمل ولايته فياخذ منه الارض ويدفعها
الى غيره ممن هو اجدر واحق بالتصرف فيها.
وبعبارة ثانية: ان احياء الارض او التصرف في المحياة منها اذا
كان منحصرا باذن الولي بحيث لا يستتبع اذنه الاالاولوية في
التصرف دون الملك، فان من الطبيعي ان يكون له انتزاعها في
اي وقت شاء ممن هي بيده ودفعها الى غيره اذا كانت المصلحة
في ذلك.
ومن هنا تبرز اهمية البحث في المسالة وضرورة دراستها
بشكل واضح وشفاف من قبل المتخصصين والفقهاء، خصوصا
بعد قيام الحكم الاسلامي والابتلاء بمصادرة كثير من الاراضي،
وليس ذلك الا من جهة ولاية ولي الامر الذي له ان يصرف بيت
المال فيما يرضي الله سبحانه.
ومن الموارد التي يقطع فيها برضاه هو العمل على طبق
مصلحة الامة، فاذا حاول شخص الاستئثار والسيطرة
على مساحات واسعة من الارض ليمنع الاخرين فرص
الاستثمار لها بالزراعة والاعمار وغيرها كان لولي الامر منعه
واخذهامنه ودفعها لمن يريد زراعتها او عمرانها.
ولكن هذا كله مبني على ما ذكر من عدم ثبوت الملكية
الشخصية المطلقة للارض، فان المتصرف في هذه الارض
يكون حينئذ قد تصرف او احيى بدون اذن ولي الامر، فلا يجوز
له التصرف فيها فضلا عن تملكها. الا اذا استفدنا من الادلة
ان الاحياء الكثير يفيد الملكية ذاتا فتكون تلك الادلة بنفسها
اذنا عاما من جهة النبي(ص) او الامام(ع)، واما اذا لم توجد
مثل هذه الادلة فلابد حينئذ من استئذان ولي الامر في
التصرف، وهو منوط - بالضرورة - برعاية مصالح المسلمين
العامة،وليس منها - كما هو واضح - ان يتصرف شخص واحد في
اراضي كثيرة جدا فيما يحرم الاخرون من الانتفاع بها، فان هذا
مما لا يرضي الشارع المقدس قطعا، وعليه فاذا لم تثبت
المالكية بالاحياء في الجملة فان انتزاع تلك الاراضي
المتسلط عليها - سواء كان التسلط شرعيا او غير شرعي - ودفعها
الى مستحقها اذا اقتضت المصلحة ذلك امر بديهي لا
يمكن انكاره؛ لكونها ملكا له سبحانه. كما ان له ذلك ايضا حتى
على فرض ثبوتها او اجارته - اذا اقتضت المصلحة - على الذي
بيده، وصرف عوضه في مصالح المسلمين.
اذا فالبحث عن مالكية الارض لاثبات صحة تملكها ملكا
شخصيا او عدم صحتها هو من المسائل المهمة التي
يجب بحثها ومعالجتها، كما ان من البحوث المهمة ايضا البحث
عن مالكية الجبال والبحار والمياه والاودية والمعادن،
غيران البحث في هذه موكول الى محل ه، فالمهم اذا هو
التركيز على المسالة الاولى ودراسة حكمها على ضوء
الايات والروايات.
وينبغي الاشارة الى ان الادلة القطعية اذا قامت على انكار
الملكية الشخصية للاراضي فان الالتزام بمفادها والافتاء بهالا
يعني انكار الملكية الخاصة التي اعترف بها الاسلام؛ لان
الاعتراف باصل الملكية يعد من مسلمات الاسلام وضرورياته
التي لا سبيل الى انكارها. فانه مضافا الى كون ذلك امرا بديهيا
ومفروغا عنه لدى المسلمين، فان اكثرالابواب الفقهية دالة
وبشكل صريح على جواز الملكية، كما في باب البيع والاجارة
والغصب والرهن والدين والمضاربة والمزارعة والخمس والزكاة
والمواريث؛ بل ان ذلك سار في جميع الابواب الفقهية من
المعاملات او العبادات بشكل صريح او بالدلالة الالتزامية؛
فحرمة الغصب ووجوب الزكاة في الاموال والخمس في الارباح
واختصاص المقاتلين بغنائم الحرب بعد اخراج خمسها وغير
ذلك من الاحكام الشرعية الاخرى تدل باجمعها على تحقق
الملكية ضمن شرائط معينة كالبيع والهبة وما شاكل، بل ان
التملك بهذه الاسباب امر فطري على طول التاريخ البشري،
وقد امضى الاسلام تلك الانحاء من التملك، وان كان قد رفض
بعضها او اعتبر في قبولها شروطا جديدة، الا ان الملكية بشكل
عام مما لا يمكن انكارها.
ربما يكون مفهوم الارض من المفاهيم الواضحة والغنية عن
التعريف التي يعرفها جميع الناس، الا انا اذا دققنا النظر
فيه،فان ثمة مصاديق قد تقع موردا للخلاف والشك في انطباق
هذا المفهوم عليها بنحو يتردد اهل العرف في عدها من الارض،
كما في راس الجبل واعلاه او قعر البئر وادناه، وكذا يترددون
ايضا في عد الجلوس في السفينة او على الشجرة جلوسا على
الارض.
والذي يظهر ان لفظ الارض هو في مقابل لفظ (السماء)، فهو
عبارة عن هذه الكرة التي يعيش الانسان على ظهرهاوينتفع
بمائها وترابها وزرعها، فهي ظرف للماء الذي على وجهها،
وليس الماء جزءا منها، فالجالس في السفينة او على الشجرة لا
يصدق عليه انه جالس على الارض، وان كان استقراره على
الارض لا يتحقق الا بواسطة السفينة او الماءاو الشجرة. الا ان
هذا لا يستلزم كون الجلوس فيها جلوسا على الارض.
نعم، لا شك في صدق اسم الارض على رؤوس الجبال وبطون
الاودية والاجام حقيقة، وان كان قد يفهم من لسان الاخبار
المقابلة بينها وعدم كونها جزءا من الارض، ولكن المقصود في
مثل هذه الاخبار اما التوضيح او ذكر الخاص بعدالعام او
العكس، فالتعدد فيها لا يفيد المغايرة.
ان مما لا شك فيه ان تحديد المفهوم سعة وضيقا مما يؤثر في
تشخيص الحكم جدا، الا ان الحكم في رؤوس الجبال وبطون
الاودية والمياه والاجام لما كان واضحا ومعلوما بنفسه، سواء
صدق عليها عنوان الارض ام لا فانه لا كثير فائدة حينئذ في
احراز انطباق مفهوم الارض عليها سيما بعد وضوح انطباقه
على مثل التراب والحصى.
هذا مضافا الى ان امرها - كما تقدم - بيد الامام(ع)، فلا يجوز
التصرف فيها الا باذنه، فلا كثير اثر للبحث في انها مماينطبق
عليه اسم الارض او لا. سيما اذا قلنا بانه(ع) قد اذن اذنا عاما في
مثل هذه الثروات كما هو الحال في الارض، فيجوز الانتفاع بها،
سواء كان ذلك من باب انطباق اسم الارض عليها او لا. وهذا
بنفسه شاهد آخر - بناء على ثبوت مثل هذا الاذن في هذه
الثروات - على عدم جدوى التدقيق والبحث عن مصاديق
الارض.
تنقسم الارض - بلحاظ ما - الى عامرة وموات، والاولى - وتسمى
المحياة ايضا - هي الارض التي يمكن الانتفاع بهامن دون عمل
فيها في قبال الارض الموات، او هي المهياة للانتفاع
والاستعمال بنبات شجرها وتشقق وردها. والثانية هي الارض
التي لا يمكن الانتفاع بها لاستاجامها او استيلاء الماء او الملح
عليها فتحتاج قبل زراعتها الى الاحياء، ويتحقق احياؤها
بتنقيتها من الاحجار والاملاح وتجفيف مائها، او بقطع اشجارها
اذا كانت من الاجام، او بتسليط الماء عليها اذاكان سقيها من
السماء. فالارض الموات اذا هي ما كان فيها احد هذه الموانع،
وبعكسها العامرة.
ثم ان الموات وكذا العمران اما اصلي واما عارضي، فالاقسام اذا
اربعة:
1 - الموات بالاصل.
واليك بيان حكمها:
وهي الارض التي لا ينتفع بها في الزراعة لوجود مانع من
الموانع المذكورة، الا اذا زال المانع بالاحياء، ومعنى كونهامواتا
بالاصل عدم سبق الاحياء على موتها. فهي موات بالاصل
وبالذات؛ اما لوجود واحد من موانع الاحياء فيها خلقة وبالذات،
واما لعروضه فيما بعد بسبب تركها وقبل استيلاء احد عليها. قد بينا في بحث الانفال الحكم فيها وانها بيد الامام(ع) فلا يجوز التصرف فيها واحياؤها الا باذنه سواء قلنا بانها ملك للمنصب والجهة كما هو الصحيح، او انها ملك لشخصه(ع) كما هو راي جماعة، فانه لا يجوز التصرف فيها عقلا ولاشرعا، بل هو تصرف عدواني وغصبي كسائر التصرفات العدوانية الاخرى في اموال الغير.
وقد ادعي عليه الاجماع، وعلى فرض ثبوته فلا كثير فائدة فيه؛
لما تقدم من عدم جواز التصرف في ملك الغير عقلاوشرعا الا
باذنه، وامواله(ع) هي من هذا القبيل سواء كانت ملكا لشخصه او
للجهة، فانه يجب استئذانه حتى في هذه الصورة ايضا باعتباره
الولي في مثل هذه التصرفات، بل يجب استئذانه حتى فيما لو
لم تكن مملوكة لاحد، لولايته عليها وحكومته، والا - لو لم يكن
نظره هو المناط في مثل هذه الامور - للزم اولا: لغوية الروايات
الواردة في حكم هذه الاراضي وانه بيد الامام(ع). وثانيا: وقوع
الفوضى والهرج والمرج. |