الصفحة التالية

الصفحة السابقة

اذن الائمة(ع) في التصرف في الاراضي الموات:
يقع البحث في اثبات صدور مثل هذا الاذن عنهم(ع) في احياء الاراضي الموات والتملك او التصرف فيها ولو لم يكونوا مالكين لها، بنحو لا يحتاج معه الان الى اذن الحاكم الاسلامي بالاحياء، فهل صدر حقا الاذن بذلك، او انه لم يصدر مثل هذا الاذن فيحتاج التصرف فيها فعلا الى اذن الحاكم؟

لا شك بحسب الظاهر في صدور مثل هذا الاذن عنهم(ع) في التصرف والانتفاع بالاراضي الموات. ويدل على ذلك روايات كثيرة في اول باب احياء الموات من كتاب الوسائل:

1 - عدة من الثقات عن الامام عن ابي جعفر وابي عبد الله(ع) قالا: «قال رسول الله(ص): من احيى ارضا مواتا فهي له»((10))، ومثله في الحديث السادس والثامن من الباب نفسه.

2 - وورد ايضا: «وايما قوم احيوا شيئا من الارض او عملوه فهم احق بها وهي لهم»((11)) ومثله في الحديث (3، 4، 7)من الباب نفسه.

وواضح ان قوله(ع) «فهم احق بها وهي لهم» مطلق شامل لعصر الغيبة والحضور، لا لخصوص الغيبة كما هو دعوى جماعة او الحضور كما هو دعوى آخرين، بل هو بيان مطلق كاشف بظاهره عن حكم شرعي عام.

ولا يمكن تفسير الاذن الوارد بالاذن الولائي؛ وذلك لعدم تصديهم للحكم في ذلك الوقت، نعم ورد هذا الاذن في روايتين عن الامامين الباقر والصادق(ع) عن النبي(ص)، الا ان حملهما على الحكم الولائي من قبله(ص) يفتقر الى القرينة الدالة عليه؛ لان ظاهر حال النبي(ص) انه في مقام ابلاغ الاحكام، وهذا ليس معناه نفي صدور الاحكام الولائية عنه، لكنه خلاف الظاهر فيحتاج الى القرينة، ولا اقل من الشك في ان الحكم الصادر هل هو حكم ولائي قابل للتغيير والتبديل، او انه حكم تعبدي ثابت. ومقتضى الحال عند الشك الاحتياط، ومقتضى الاحتياط عدم جواز تغييره من قبل الحاكم ما لم يكن معصوما؛ لان تغييره كاشف عن كون الحكم السابق ولائيا.

ولكن بما ان دور الائمة(ع) كان عبارة عن بيان الاحكام التي جاء بها النبي(ص) فان ذلك شاهد على ان الحكم الصادر كان حكما ثابتا لجميع الازمنة والامكنة، الا اذا زاحمه حكم اهم، فيقدم طبقا لقواعد باب التزاحم.

وعليه، فلا مجال للتشكيك في صدور الاذن منهم بالاحياء والتصرف في الاراضي الموات. ولا تجب مراجعة الفقيه في عصر الغيبة لاستئذانه في ذلك، الا اذا كان هو الحاكم والولي وكان يرى في مراجعته رعاية لمصالح المسلمين، فيجب حينئذ على الجميع اتباعه.

وقد وردت روايات كثيرة عن الائمة(ع) بالاذن لاتباعهم في حقهم من الخمس والانفال، وفي التصرف في الارض مطلقا، كما دلت على ذلك روايات الاحياء.

نعم، يمكن ان يقال: بانها مختصة بالخمس ولا تشمل الاراضي الموات، الا ان اطلاق بعضها الشامل للانفال وتصريح آخر به وبالخمس معا يدفع الاحتمال المذكور. نعم، ثمة فارق بين هاتين الطائفتين - في تحليل الخمس والاذن في الاحياء - فان روايات تحليل الخمس والانفال خاصة باتباعهم(ع)، واما روايات الاذن في الاحياء فانها مطلقة لاتباعهم وغيراتباعهم، فلابد من تحقيق الحال في ذلك وهل ان غير الاتباع مشمول بهذا الاذن فيكون مالكا بالاحياء او ان له حق التصرف فيما يحيي ام لا؟ هذا ما سوف نبحثه في العنوان التالي:

هل اذن الائمة(ع) بالاحياء اذنا عاما؟
ظاهر بعض الاخبار - كما اشرنا اليه - اختصاص التحليل في الخمس والموات بخصوص اتباع اهل البيت(ع). ولكن عمومات باب الاحياء تدل بشكل قطعي على شموله لغيرهم من المسلمين ايضا، فيحتاج التخصيص بهم الى مخصص تام الدلالة قوي السند، واخبار التحليل ليست كذلك؛ لامكان حمل اكثرها على الخمس خاصة، وما ورد في بعضها من التعبير بالانفال ضعيف السند، فتبقى اخبار الاحياء على اطلاقها شاملة للجميع.

ولا اختصاص لها بخصوص الاتباع سيما وان بعضها وارد في شراء الارض من الكافر الذمي، كما في صحيحة محمدبن مسلم، قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن الشراء من ارض اليهود والنصارى؟ فقال: «ليس به باس، قد ظهر رسول الله(ص) على اهل خيبر فخارجهم على ان يترك الارض في ايديهم يعملونها ويعمرونها، فلا ارى بها باسا لو انك اشتريت منها شيئا، وايما قوم احيوا شيئا من الارض وعملوها فهم احق بها وهي لهم»((12)).

ومثله ما عن ابي بصير عن الامام الصادق(ع)((13)). الا انه لم يرد فيه ما في ذيله، بل اكتفى بما فعله رسول الله(ص)من مخارجتهم على ان يترك الارض في ايديهم يعملونها، وان كان قد ورد في صدرها انهم لو كانوا قد عملوها وعمروهاكان لهم شراؤها.

والذي نراه انا لو ضممنا مطلقات باب الاحياء الى مثل هذه الروايات لانتج - بكل وضوح - جواز الاحياء لكل احد من المسلمين ويثبت له حق الاولوية في التصرف فيما احياه.

قد يقال: ان صحة ذلك وجوازه مبنيان على استئذان الامام(ع) في الاحياء، فما لم يستاذنه في ذلك فلا يجوز له الاحياء،وليس له اولوية التصرف فيها على غيره.

والجواب على ذلك:

اولا: ان الشرط المذكور عام، فلا اختصاص له بالكافر.
وثانيا: ان هذه العمومات هي عبارة عن الاذن منهم(ع) لكل من يريد الاحياء، وقد تقدم ان هذه البيانات هي لبيان هذاالحكم الشرعي.

ولكن ليس من المستبعد ان نقول: ان اسقاط الحق ليس حكما ثابتا بحيث لا يمكن ان يتغير، فلو ان شخصا اسقط حقه،جاز له الرجوع فيه ولاعماله مرة ثانية، ولذا لو كان الامام(ع) هو صاحب الحق وقد اسقطه، جاز للامام من بعده اعماله ثانية.

فاتضح مما تقدم ان الاذن الصادر منهم(ع) هو اذن عام في احياء الارضون الموات واقرارها في يد المحيي بحيث لايزاحمه عليها احد.

نعم، يجب في زمن الغيبة الاستئذان - كما اشرنا لذلك - من الولي الحاكم، وهو المجتهد الجامع للشرائط المتصدي لامر الحكومة؛ وذلك:

اولا - ان ظاهر الاذن الصادر عن الامام(ع) هو انه اذن في حقه الشخصي.
وثانيا - ان الارض الموات هي من الانفال وهي ليست ملكا شخصيا للامام(ع)، بل هي ملك للمنصب، بمعنى انها من الموارد المهمة لميزانية الدولة، وعليه فلا يمكن تفويض اختيارها للافراد من دون ان يكون لولاة الامر فيها راي واختيار.
وثالثا - انه لا يبعد ان يقال: بان اطلاقات الاحياء منصرفة لخصوص عصر الائمة(ع) حيث كانوا بمعزل عن الحكم،وكان مصدر الامور ومجاريها بيد الظالمين، فاجازوا لشيعتهم احياء الموات من الارض والانفال. وهو احتمال قوي جداجدير بالاهتمام. وهو بلا شك يحول دون انعقاد الاطلاق المذكور لحال ما اذا كان على راس الامور حاكم عادل جامع للشرائط، والا فان من البعد بمكان ان يجعلوا الاذن المذكور مطلقا بحيث يسلب الامام السابق الامام اللاحق حق التصرف في امر الاراضي التي استولى عليها الناس بالاذن السابق.

فالذي يظهر اذن هو ان الاذن الصادر مطلق للجميع، لكنه موقت بزمن الحضور خاصة. فالاحياء في زمن الغيبة يتطلب الاذن من الولي الفقيه بناء على نظرية ولاية الفقيه. واما على غيرها فالامر ايضا كذلك للزوم مراجعة امام المسلمين العادل الجامع للشرائط. فاذا لم تتم ادلة شيء منها - لا ولاية الفقيه ولا ولاية العادل - سقط وجوب الاستئذان؛ اذالعقل لا يرى في مثل هذه الموارد مانعا من الاحياء بعد صدور الاذن به. ولا شك في مثل هذا الاطلاق الا من جهة منافاته مع حق الامام اللاحق. فلا مانع يمنع من الاطلاق غير ذلك، فاذا زال المانع كان الاطلاق بحاله.

وعليه، فاذا لم تتم ادلة ولاية الفقيه ولا حكومة العدل اللتين ينافيهما اطلاق الاذن، فلا شك في ان ملاك الاذن الذي كان في زمانهم(ع) محفوظ وموجود في زماننا ايضا، فلا مجال اذا للتوقف والاشكال، سيما مع ملاحظة قوله سبحانه(والارض وضعها للانام)((14)) الدالة على ان الارض مخلوقة لهم ولاجلهم مما يعني جواز الانتفاع بها ما لم يكن هناك امام عادل.

الاحياء سبب للملك او لاولوية التصرف؟
هل يمنح الاحياء اذا تم بجميع شرائطه الملكية للمحيي ام حق التصرف فيها بنحو لا يجوز لغيره مزاحمته عليها؟ وتحقيق الحال في ذلك هو غرضنا الاساس من بحثنا في هذا المقال، وان كان البحث فيه يستدعي بحث بعض المقدمات لطرح وتوضيح بعض ما يرتبط به من نكات، الا ان الغرض المهم كما اسلفنا يدور حول السؤال المذكور عن افادة الاحياء للملكية او الاولوية في التصرف دون الملكية وآثارها.

وقد ذهب المشهور الى الاول، بل ادعى بعضهم وضوحه وغناه عن الحاجة الى الاستدلال عليه، وذهب غير المشهورالى الثاني. وسوف نتعرض لادلة كلا القولين لملاحظة الصحيح منهما.

ادلة القول الاول - القول بالملكية -:

اولا - الاجماع:
وقد نقله الشيخ الاعظم الانصاري عن المهذب((15))، حيث ادعى اجماع الامة على ملكية الارض الموات بالاحياء، وفي التنقيح دعوى اجماع المسلمين عليه((16)). وذكر العلامة في التذكرة ان عليه اجماع علماء الامصار((17)).

ويتوجه على هذا الدليل ما ذكرناه في محله وبحثناه مفصلا، وهو اشكال محكم وقوي، وحاصله: ان الملاحظ لاحوال الشيعة فيما مضى من العصور سيما فقهائهم يجد بوضوح انهم كانوا يعيشون ظروف التقية والاختفاء عن الانظار، الامرالذي كان يؤكده ائمة اهل البيت(ع) في التقية وانها من دينهم.

وعليه، فان تتبع وتحصيل آراء جميع فقهاء الشيعة في تلك الاعصار امر ليس بالسهل، ولا اقل من استبعاد تحققه جدا.بل ربما يقال بتعذر ان يقوم شخص بتتبع وتحصيل كلمات وآراء جميع علماء عصره، ومن هنا فان جميع الاجماعات المنقولة هي اجماعات حدسية لا اعتبار بها. واولى مما ذكرناه في المنع والاستبعاد تتبع آراء وفتاوى جميع الفقهاء في عصرنا الراهن بالرغم من انهم لا يعيشون حالة التقية فعلا؛ وذلك لتباعدهم وتفرقهم في جميع الاقطار.

فحاصل الجواب اذا هو:

اولا - صعوبة تحصيل الاجماع وتتبع كافة الاراء.

وثانيا - عدم امكان تحقق مثل هذا الاجماع مع تصريح مثل الشيخ في النهاية((18)) بالخلاف حيث ذهب الى ان الاحياء يوجب الاولوية في التصرف دون التملك، وقد اشار لذلك في الاستبصار ايضا.

وثالثا - عدم انحصار الدليل بالاجماع، فلا يمكن التمسك به؛ لانه منوط بفرض انحصار الدليل به بحيث لا يوجد دليل غيره. وليس الامر كذلك هنا حيث سياتي دلالة الاخبار على القول بالملكية. وعليه فحتى على فرض تحقق الاجماع فانه اجماع مدركي لا اعتبار به، ولا اقل من احتمال المدركية فيه. وقد تقرر في محله عدم حجية احد من هذين الاجماعين -المدركي ومحتمله - لعدم كاشفيته عن راي المعصوم(ع). والاجماع المعتبر عند الطائفة هو الاجماع الكاشف عن رايه(ع). فتحصل عدم صحة الدليل الاول للقول بالملكية.

ثانيا - الروايات:
ويعتبر اهم الادلة للقول بالملكية. وهو عبارة عن روايات باب الاحياء المعتبرة سندا، وقد ورد فيها: «من احيى ارضامواتا فهي له»((19)) وايضا: «ايما قوم احيوا شيئا من الارض فعمروه فهم احق به وهو لهم»((20)). واللام كما هو واضح لغة تفيد الملكية، ولذا فان القول بالملكية هو راي الاكثرية الساحقة لفقهاء الاسلام سنة وشيعة على طول التاريخ من دون تردداو شبهة.

وقبل الخوض في مناقشة الروايات ننقل كلاما لاحد ابرز الاعلام المعاصرين ثم نعود لملاحظة اخبار المسالة.

«ان الظاهر حصول الملكية بالاحياء لكل محيي مسلما كان ام غيره؛ للاخبار الصحاح المتظافرة بتعبيرات متقاربة، كقول رسول الله(ص): «من احيى ارضا مواتا فهي له» كما في رواية الفضلاء((21)) وغيرها((22)) وكموثقة السكوني المتقدمة((23))، فان لها ظهورا قويا لو كان المراد بقوله(ص): «هي له» جميع ما تقدم من الشجر والبئر والارض المحياة كما هو ظاهر العطف، فان الشجر ملك للغارس بلا اشكال، فكذا غيره، نعم لو كان المراد بيان مصاديق الاحياء، وقوله(ص): «او احيا ارضا» من قبيل ذكر العام بعد الخاص لكان ظهورها كغيرها، لكنه خلاف الظاهر، فالظاهران الغرس والبئر له، كما ان الارض المحياة له».

وكصحيحة ابن مسلم: «ايما قوم احيوا شيئا من الارض وعمروها فهم احق بها، وهي لهم»((24)) فان ارداف قوله(ع): «وهي لهم» بقوله(ع): «احق بها» يجعل الظهور قويا في الملكية؛ ضرورة ان قوله(ع): «احق بها» يفيد الاحقية اعم من الملكية، فقوله(ع): «وهي لهم» كانه لدفع توهم عدم حصول الملك.

وكصحيحته الاخرى المتقدمة((25)) المشتملة على الاشتراء من ارض اليهود والنصارى، فان الظاهر جواز اشتراء نفس الاراضي، فلابد ان تكون ملكا لهم، ثم قوله(ع): «وايما قوم... الخ» الوارد في ذيلها يؤكد ظهورها.

والانصاف: ان ظهور الروايات في الملكية مما لا ينبغي انكاره، وليس من قبل ظهور اللام فقط، بل لمكان القرائن الحافة بها ايضا.

وفي قبالها روايتا الكابلي، وعمر بن يزيد، والرواية الاولى عن ابي جعفر(ع) انه قال: «وجدنا في كتاب علي(ع): (ان الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين): انا واهل بيتي الذين اورثنا الله الارض، ونحن المتقون، والارض كلها لنا»((26))، والرواية الثانية عن ابي عبد الله(ع): «... يا ابا سيار، الارض كلها لنا، فما اخرج الله منها من شيء فهولنا»((27)).

وهما ظاهرتان في عدم الملكية ظهورا لا ينكر ايضا، وليس بين الطائفتين جمع عقلائي، لكن الذي يسهل الخطب ان الروايتين غير معتمدتين لوجوه: كضعفهما واعراض المشهور عن ظاهرهما، فهما من الشاذ النادر الذي هو بين الغي، فان الظاهر منهما عدم مالكية الشيعة ايضا، كما ان ظاهرهما ان الارض كلها للامام(ع)((28)).

مناقشة الروايات:

1 - المناقشة الدلالية:
ان الروايات الواردة على ثلاثة طوائف:

الطائفة الاولى: ما ورد فيها الاقتصار على الاحقية والاولوية، مثل المروي عن الامام الباقر(ع): «ايما قوم احيوا شيئا من الارض او عمروها فهم احق بها»((29)).

الطائفة الثانية: ما ورد في ظاهرها الملكية. مثل «من احيى ارضا مواتا فهي له»((30)).

الطائفة الثالثة: وهي شاهد الجمع بين الطائفتين السابقتين، مثل صحيحة محمد بن مسلم عن الباقر(ع): «ايما قوم احيواشيئا من الارض وعمروها فهم احق بها وهي لهم»((31)).

ان ظاهر الطائفة الاولى هو اثبات الاحقية في التصرف في الاراضي المحياة فهي لا تفيد الملكية. وبعكسها الطائفة الثانية،فانها ظاهرة في افادة الملكية. وكل من هذين الظهورين تام وصحيح مما لا يمكن حينئذ انكاره او ترجيحه على الاخر.وان رجح البعض الطائفة الثانية لصراحتها في الملكية بورود (اللام) فيها، على الطائفة الاولى الوارد فيها «فهم احق بها» للشك في ارادة نفي الملكية بذلك.

ولكن من الواضح جدا ان الطائفة الاولى لو كانت بصدد اثبات الملكية ايضا لما جاء التعبير فيها بانهم احق بها، لان هذه العبارة لو اريد بها الملكى ة فان لازمه ثبوت الحق فيه لغيرهم ايضا، فارادة الملكية من ذلك على خلاف الظاهر، لان مثل هذا التعبير لا ينسجم وثبوت الملك الطلق.

وعليه، فلابد من الاعتراف بالتقابل والتغاير بين المعنيين الواردين في كلتا الطائفتين، والواردين ايضا في الطائفة الثالثة،فتصبح هذه الطائفة مبتلاة حينئذ بالتعارض الداخلي بعد عدم اظهرية احد المعنيين على الاخر بحيث يشكل قرينة عندالعرف للتصرف في المعنى الاخر، كما ان الطائفتين الاولتين مبتلاتان بالتعارض الخارجي. وواضح ان الاصل الاولي في باب التعارض هو التساقط. فلابد اولا من ملاحظة القرينة الدالة على التصرف في المعنى الاخر ليمكن القول على ضوئه بان مراد الامام(ع) هو هذا المعنى، الامر الذي لابد من وقوعه في الطائفة الثالثة، فلابد ان يكون احد المعنيين هو المقصود للامام(ع) دون الاخر، ولا يمكن ان يكونا كلاهما مرادا له.

وهذا بعكس الطائفتين الاوليين فانه يمكن القول بان احدهما غير صادر منه وذلك لحل التعارض، او كلاهما صادر ولكن يحتمل عدم ارادة احد الظهورين. الا ان هذين الاحتمالين لا يمكن جريانهما في الطائفة الثالثة، بل ان الذي يمكن جريانه فقط وفقط هو احتمال عدم ارادة احدهما، وهذا منوط بابراز القرائن التي يمكن وجودها في مثل هذه الروايات لاثبات ارادة احد الظهورين دون الاخر - وهذا ما سنلاحظه فيما ياتي - والا فالمحكم هو قواعد باب التعارض.

2 - المناقشة السندية:

(1) - ان رواية «من احيى ارضا مواتا فهي له»((32)) الظاهرة في الملكية والمعبر عنها عندهم بصحيحة الفضلاء وكذارواية محمد بن مسلم((33)) الواردة بعدها في الوسائل مخدوشتان سندا؛ لوقوع ابراهيم بن هاشم في طريقهما، وهو ممن لم يوثق في كتب الرجال.

(2) - روايات شراء الارض من اليهود والنصارى((34)) وفي طريقها السكوني والنوفلي، - مضافا لوقوع ابراهيم بن هاشم فيها ايضا - وكلاهما ضعيف، او غير موثق على الاقل.

(3) - كما ان رواية محمد بن مسلم في جواز شراء الارض من اليهود والنصارى والتي رواها الشيخ الطوسي((35)) بثلاثة طرق عن الحسين بن سعيد هي الاخرى مخدوشة الاسناد. علاوة على ورود (العلاء) فيها عن محمد بن مسلم وتعيين انه الثقة بحاجة الى دليل.

(4) - واما الصحيحة الاخرى (والاخيرة من هذه الروايات) المروية في كتاب الجهاد((36)) فهي مضافا لافادتها جوازالشراء من اليهود والنصارى فانه قد ورد فيها قوله: «ايما قوم احيوا...» وهذه الرواية وان كان يستفاد منها الملكية، الا انهامخدوشة الاسناد بابراهيم بن هاشم وغيره ممن لم يوثق.

وحينئذ فان قلنا بتضعيف رواية ابي خالد الكابلي لصرف عدم توثيقه من قبل الشيخ والنجاشي، بالرغم من استفادة مدحه من بعض الروايات فلابد من الالتزام ايضا بتضعيف هذه الروايات، وضعف مقبولة عمر بن يزيد حيث لم يرد توثيقه عند اؤلئك الاعاظم، ولكنها مقبولة عندنا ونستفيد منها الترجيح بالشهرة، نعم رواية الكابلي ضعيفة. ولا يخفى ان مثل هذا الاختلاف في التعامل مع النصوص مما لا وجه له.

فالمتحصل هو عدم وضوح القول بالملكى ة.

ادلة القول الثاني - القول بالاولويه في التصرف -:

1 - ما رواه الكليني عن عمر بن يزيد عن ابي سيار - مسمع بن عبد الملك - عن ابي عبد الله(ع) قال: «... وكل ما في ايدي شيعتنا من الارض فهم فيه محللون حتى يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في ايديهم ويترك الارض في ايديهم...»((37)).

وفي نقل الشيخ في التهذيب: «وكل ما كان في ايدي شيعتنا من الارض فهم محللون، ويحل لهم ذلك الى ان يقوم قائمنافيجبيهم ما كان في ايدي سواهم...»((38)). ونقل الكليني اصح واضبط كما هو واضح.

وعلى كل حال، فان الرواية واضحة الدلالة في عدم سببية الاحياء للتملك، حيث انه قد ورد فيها ان ما بايدي الشيعة من الاراضي هي مما احله الائمة(ع) لهم الى ظهور الامام عجل الله فرجه الشريف، فياخذ طسقها منهم، فلو كان الاحياء سببا للملكية لما كان وجه لاخذ طسقها او نزعها من يد اصحابها من قبل الامام(ع). وعليه فلابد من القول بان الصحيح هو كون الاحياء سببا لحق الاولوية في التصرف، لا لثبوت الملكية كما اختاره المشهور، فتكون (اللام) للاختصاص دون الملكية.

واما سندها فهي معتبرة الاسناد ولا اشكال فيها - كما اشير اليه في كلام الامام الخميني(قدس سره) - الا من جهة عمر بن يزيد المشترك بين الثقة (وهو بياع السابري) وغيره الذي لم يثبت توثيقه. الا ان هذا الاشكال مندفع:

اولا - بان المشهور هو بياع السابري الثقة، وهو المنصرف عند الاطلاق كما يرى ذلك آية الله العظمى السيدالخوئي(قدس سره)((39)).

ثانيا - وقوع الحسن بن محبوب في سندها، وهو يروي عن السابري.

2 - ما رواه عمر بن يزيد عن الصادق(ع) قال: «... من احيى ارضا من المؤمنين فهي له وعليه طسقها يؤديه الى الامام في حال الهدنة، فاذا ظهر القائم فليوطن نفسه على ان تؤخذ منه»((40)) والظاهر صحة سندها، حيث رواها الشيخ باسناده الى محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن الحسين، عن الحسن بن محبوب، عن عمر بن يزيد، عن الامام الصادق(ع)((41)). وحكم المقدس الاردبيلي بصحة طريق الشيخ الى محمد بن علي بن محبوب.

ولا يرد عليها سندا سوى وجود محمد بن الحسين فيها، وهو مشترك بين الثقة وغيره، الا ان الظاهر ارادة الثقة منه،وهو محمد بن الحسين بن ابي الخطاب؛ وذلك:

اولا - رواية محمد بن علي بن محبوب عنه، وهو ممن يروي عنه.

وثانيا - رواية الحسن بن محبوب عنه، وهو من الرواة عنه ايضا. فلا اشكال فيها من حيث السند.

واما دلالتها فهي صريحة في عدم الملكية، اذ لا تجتمع الملكية ولزوم دفع طسقها - كما قال امير المؤمنين(ع) - الى الامام العادل حتى اذا ظهر الامام عجل الله فرجه دفعها اليه.

واما «اللام» في قوله «فهي له» فانها للاختصاص بقرينة ما ذكرنا.

3 - رواية ابي خالد الكابلي عن ابي جعفر(ع) قال: «وجدنا في كتاب علي(ع): ... فمن احيى ارضا من المسلمين فليعمرها، وليؤد خراجها الى الامام من اهل بيتي... وله ما اكل منها حتى يظهر القائم(ع) من اهل بيتي بالسيف، فيحويها ويمنعها ويخرجهم منها كما حواها رسول الله(ص) ومنعها، الا ما كان في ايدي شيعتنا فانه يقاطعهم على ما في ايديهم ويترك الارض في ايديهم»((42)).

وقد تقدم ان ابا خالد لم يوثق، الا انه قد وردت بعض الاخبار بمدحه وانه من خواص الامام زين العابدين(ع)((43)).

والاهم من ذلك وقوعه في اسانيد كامل الزيارات، فتشمله التوثيقات العامة، وعليه فاذا لم نشدد كثيرا في سندها فانه يمكن القول بصحتها كما صرح بكونها من الصحاح جماعة. واما دلالتها فهي واضحة كسابقتها.

4 - ما اورده صاحب الوسائل تحت عنوان: (حكم من عطل ارضا ثلاث سنين)، وقد اورد فيه روايتين متحدتي المعنى والمضمون، عن العبد الصالح(ع) قال: «... فمن عطل ارضا ثلاث سنين متوالية لغير ما علة اخذت من يده ودفعت الى غيره...»((44)).

وهما تدلان على عدم تحقق الملكية بالاحياء، والا فما معنى عدم السماح له بالانتفاع بها اذا تركها صاحبها ثلاث سنوات.

نعم، هما ضعيفتا الاسناد، ولا سبيل الى تصحيحهما.

والعجب دعوى آية الله العظمى السيد الخوئي(قدس سره) ان هناك روايات كثيرة واردة بهذا المضمون في كتاب الوسائل لم يتعرض لها الفقهاء.

والباب الذي يقصده الباب السابع عشر من احياء الموات، ولم يرد فيه سوى ثلاثة روايات ضعيفة السند، مع ضعف دلالة الثالثة منها. فما ذكره(قدس سره) من الروايات الكثيرة في ذلك غير موجود في الوسائل. ولو كانت مثل هذه الروايات لاوردها الشيخ الحر العاملي في هذا الباب، كما ان ما ذكره من الروايتين المشار اليهما ضعيفتا الاسناد، ولوكان قد ترك روايتهما لكان اولى.

وقد اتضح مما تقدم وجود قرائن كثيرة دالة على عدم تحقق الملكية بالاحياء، واما ما ورد من التعبير ب - (فهي له)المفيد للملكية في الغالب، فانه يمكن الجواب عنه:

اولا - بان مثل هذا التعبير مستعمل في الملكية، والاختصاص معا، ومجرد الكثرة في الاستعمال في الاول لا يفيدالتعيين.

ثانيا - روايتهما عن ابراهيم بن هاشم، ولم يرد فيه توثيق.

ثالثا - انه على فرض التسليم بصحتهما سندا ودلالة، فانه لابد من رفع اليد عن ظهورها في الملكية؛ وذلك للتصريح في غيرها بان الاحياء يفيد الاختصاص.

مناقشات:

وهنا يمكن ان تثار عدة اشكالات:

الاشكال الاول: ان مما لا شك فيه جواز بيع المحيي لما احياه من الارض، وهو بيع صحيح، فلو لم يكن مالكا لما احياه لما جاز له البيع، وهو معنى تقدم ظهور (اللام) في الملكية.

الاشكال الثاني: ان مما لا شك فيه ايضا لزوم دفع خمس الارض المحياة على اصحابها، فلو لم يتحقق الملك بالاحياءلما افتى الفقهاء بوجوب الخمس فيها.

الاشكال الثالث: ان الظاهر من روايات التمليك سيما مع تعبيرهم ب - «اللام» في مثل المقام هو تحقق الملكية.

فظهر من هذه الاشكالات تعين حمل اللام الواردة في الروايات على الملكية، والظاهر قوة الاشكال الاول ووجاهته اكثرمن الثاني والثالث.

والجواب عليه هو: ان صحة بيع الارض المحياة وان كان مسلما الا ان الاشكال انما يتم فيما لو كان المبيع هو رقبة الارض، ويكون المشتري قد اشترى الرقبة، وهذا هو اول الكلام، اذ من الممكن ان يقال بان مورد البيع والشراء هو الحق الثابت بالاحياء. فهو نظير المقدمات التي يقوم بها الانسان لحيازة مباح، فانه يصدق عليه عرفا ان له حقا فيه.

ونظير الحق المسمى في عرفنا اليوم ب - (السرقفلية)؛ وذلك باعتبار ان البيع هو عبارة عن تبديل شيء بشيء آخر.وعليه فانه يمكن القول بان بيع الاراضي المحياة ليس بيعا للرقبة، بل هو نقل للحق الثابت بالاحياء، ومن هنا فانه يجب على المشتري دفع طسقها، وللامام عجل الله فرجه اذا ظهر نزعها من يده، وليس هذا الا لعدم حصول الملكية بالشراء،والا فكيف يصح له نزعها او اخذ طسقها او اقرارهم عليها ضمن ما يتفقان عليه؛ وعليه فالاحتمال المذكور يزعزع هذا الاشكال ويبطله.

فالمتحصل: هو ان جواز البيع للاراضي المحياة انما يلغي القرائن السابقة ويكشف عن الملكية بالاحياء اذا ثبت ان موردالبيع هو رقبة الارض لا حق الاختصاص فيها ولا يوجد دليل على الاول فيبقى الثاني محتملا، ومعه فلا مجال حينئذ للاشكال المذكور.

واما الاشكال الثاني وهو وجوب الخمس في الاراضي المحياة الكاشف عن ثبوت الملكية، فانه ليس على نحو الاطلاق،بل يجب في صورة قصد التجارة. هذا اولا.

وثانيا: ان الذي يرى وجوب الخمس فيه هو القائل بسببية الاحياء للملكية.

والخلاصة: فان القول بوجوب الخمس ليس باولى من القول بملكية هذه الاراضي الذي ناقشناه، فاذا كنا قد ناقشنا الاصل فالمناقشة فيما يترتب عليه اولى؛ اذ لا دليل على وجوب الخمس فيها سوى كونها مملوكة فيجب فيها الخمس.فهو واحد من الفروع المترتبة على الملكية.

الا ان يقال: بتعلق الخمس بنفس الحق ولا علاقة له حينئذ بالملكية فيكون هادما لاصل الاشكال المبني على دعوى الخمس المتوقف ثبوته على الملكية، وعليه فان هذا الاحتمال هو جواب آخر عن اصل الاشكال، لا جوابا على جواب الاشكال كما لا يخفى.

واما الاشكال الثالث فجوابه اوضح؛ لان ظاهر التحليل هو عدم الملكية وان كان لازم الملكية ثبوت الحلية، الا ان الحلية الناشئة من الملكية لا تنشا بصيغة التحليل، ولا اقل من انه على خلاف الظاهر.

فالمتحصل:
اولا: ان غالب روايات التحليل - كما تقدم - واردة في الخمس لا في الانفال.
ثانيا: انه على فرض العموم لكليهما كما في بعض الروايات فان ظهور اللام في الملكية معارض بما ورد فيه لفظ التحليل الظاهر في صرف التحليل حسب.
ثالثا: ان التحليل الوارد عن بعض الائمة(ع) ليس مطلقا، بل هو مع الاحتفاظ بملكية الرقبة للمنصب بحيث ان الامام اللاحق يستوفي طسقها ويخرج منها من احل لهم التصرف فيها، مما يدل على ان الصادر عنهم هو صرف التحليل دون التمليك، سيما وان الوارد عنهم التحليل للشيعة لا لخصوص المحيي، ومن المعلوم ان ثبوت الملكية لكل فرد من افراد
الشيعة ولو لم يقم بالاحياء مما لا دليل عليه، ولم يذهب اليه احد.

ومن هنا يمكن اعتبار ما ورد في اخبار التحليل من عبارات تدل عليه قرائن على عدم حصول الملكية بالاحياء. ومع الغض عن ذلك كله فان اثبات التحليل بحاجة الى ما يثبته، وما ورد في تحليل الانفال ليس بتلك المثابة من الاعتبار.

5 - قد اتضح من الجواب على الاشكال الثالث ان ما ورد من اخبار التحليل للانفال لا يراد به سوى تحليل التصرف دون تملك الرقبة، والا فان التحليل بنحو التمليك في الاموال العامة - سيما مع تعلق حق من ياتي في المستقبل بها من المكلفين - مما لا يرتكبه المكلف العادي فضلا عن مثل الامام المعصوم(ع) الذي نعتقد بعلمه الواسع، فكيف يصدر منه مثل ذلك مع حكمته وحرصه على الاموال العامة التي تمثل موارد الدولة وميزانيتها؟!

6 - انه اذا اغمضنا النظر عن جميع القرائن المذكورة وقلنا بدلالة الاخبار على حصول الملكية ومعارضتها بما دل على حق الاولوية، بما ينتج التساقط، فانه مع ذلك يجب رفع اليد عن افادة الملكية؛ لمخالفتها للكتاب، وموافقتها الجمهور حيث يرون سببية الاحياء للملكية، فقد ورد قوله سبحانه (والارض وضعها للانام)((45)) فهي عامة للجميع لمكان الالف واللام في(الانام)، مما ينافي كون الارض لبعضهم ممن يتملكونها بالاحياء.

اذا على فرض تعارض الطائفتين فان الترجيح مع روايات الاختصاص لموافقتها الكتاب، ومخالفتها الجمهور، ولا يستفادمن الاخبار العلاجية غير هذين المرجحين.

قد يقال: قد تقدم ان جماعة من اعاظم الفقهاء ذهبوا الى تقديم اخبار الملكية، وذلك:

اولا: لتضعيفهم روايات الاختصاص.

ثانيا: لاعراض المشهور عنها مما يدل على سقوطها.

والجواب على ذلك: انه قد تقدم ان روايات الاختصاص لو لم تكن ارجح من روايات الملكية فلا اقل من المساواة، وعليه فلا سبيل لرمي روايات الاختصاص بالضعف، بل ان روايات الملكية هي الضعيفة؛ لعدم توثيق بعض رواتها كابراهيم بن هاشم وغيره. واذا لم يكن عدم التوثيق اشكالا، فان روايات عدم الملكية تكون مثلها حينئذ في الاعتبار، بل اعتبارهاثابت حتى على فرض ثبوت الاشكال، لان ابا خالد الكابلي وعمر بن يزيد مسكوت عنهما مطلقا، مضافا الى امكان اثبات صدور روايتيهما من القرائن المتقدمة.

واما عدم عمل الاصحاب ومشهورهم باخبار الاختصاص، فانه مما لا يوجب ترجيح اخبار الملكية عليها، لما اثبتناه في محله من عدم كون الشهرة الروائية مرجحة، اذ لم يرد عدها من المرجحات الا في مرفوعة زرارة ومقبولة عمر بن حنظلة، وكلاهما ضعيف السند.

وعلى فرض صحة سند المقبولة، فان في دلالتها قصورا عن شمولها للمقام، فانها واردة في باب القضاء، ولا يمكن التعدي منه الى ما نحن فيه.

وعليه، فاذا لم يتم هذا المرجح فلابد من المصير الى التعارض ثم التساقط، ومحل التعارض هو الملكية؛ لاتفاق كلاالطائفتين على ثبوت حق الاختصاص، فلا يبعد القول بشمول ادلة حجية الخبر الواحد لهما بلحاظ هذه الجهة المتفق عليهافيهما.

وعلى فرض عدم القبول بذلك بان يقال باستلزام سقوط المدلول المطابقي في كلا الطائفتين المتعارضتين لسقوط المدلول الالتزامي والتضمني فيهما ايضا، فان ادلة الملكية غير تامة ايضا، وكذا ادلة الاختصاص، فيتوقف التصرف في الانفال على رضا الامام(ع) واذنه في ذلك؛ لانها ملكه.

هذا مع فرض وجوده وامكان الوصول اليه. واما مع غيبته فبناء على ولاية الفقيه فانه يرجع الى الولي الفقيه، واما بناء على عدمها فيرجع الى الامام العادل الجامع للشرائط لكون الانفال ملكا لمنصب الامامة، والمفروض وجود الامام العادل المتصدي لامر الحكومة، الا اذا اخرجنا اخبار التحليل من المعارضة، وافترضناها من المسلمات التي نرجع اليهابعد وقوع التعارض بين اخبار الملكية واخبار الاولوية في التصرف وتساقطها.

ولكن هذا غير تام ايضا؛ لان اكثر اخبار التحليل واردة في الخمس، والعام منها ضعيف، يمكن القول بصحة رواية واحدة او روايتين منها مما يشمل الانفال ايضا.

لكن من البديهي ان هذين الخبرين؛ اما يدلان على الملكية، واما على الاولوية في التصرف، ولابد من الاذعان حينئذ على التقديرين بوقوعه طرفا في المعارضة.

فاذا لابد من الرجوع للولي الفقيه بناء على الولاية او الامام العادل.

وليس للولي حق التمليك فضلا عن العادل الذي لا ولاية له، بل رئاسته وامامته من باب الحسبة، والمفروض ان هذه الاراضي من موارد الدولة، فلابد من توظيفها في مصالح المسلمين العامة وتمليكها لمجموعة معينة على خلاف تلك المصالح، الا اذا كانت اراضي محدودة وصغيرة لا تضر بالمصلحة العامة.

نظرات في مسالة القياس الفقهي
(قراءة نقدية لمقالة اعادة النظر في القياس الفقهي)

السيد محمد الحسيني

اطلعت على دراسة كتبها احد العلماء الباحثين تحت عنوان (اعادة النظر في القياس الفقهي) وهو عنوان يتراءى منه لاول وهلة انه في مقام الدعوة لتجديد النظر في القياس الفقهي، الا انه سرعان ما يظهر للقارئ انه بصدد النقض على دعوة من هذا القبيل، فقد جاء في تصدير الدراسة: «هناك بعض الدعوات لاعادة النظر في القياس بحجة ان القياس في الازمنة المتقدمة لم يكن محتاجا اليه، لوجود الادلة على الاحكام الشرعية بصورة واضحة. اما اليوم فقد يقال بضرورة اعادة النظر في حجيته لاحتياجاتنا اليه في حياتنا العملية».

ولم تحدد الدراسة مصدر هذه الدعوات بشكل صريح، مرجعة القارئ الى ما هو منشور في مجلة (المنطلق) اللبنانية، وبالتحديد في عددها (رقم 111)، وقد اتخذ المقال طابعا علميا الى حد ما.

غير ان اتصاف المقال بالطابع العلمي لا يعفي صاحبه من المسؤولية العلمية اتجاه عدد من الملاحظات التي ترد على مقاله، والتي نجملها في ثلاث ملاحظات، نلاحق بعضها بمجموعة اشكاليات تفصيلية.

الملاحظة الاولى:

يلاحظ على المقال انه عمد الى التجزئة في المناقشة وذلك من خلال الاقتصار على مصدر واحد. في وقت يفترض فيه ان يوسع الدائرة بحيث تشمل عددا من المصادر العلمية للمعترض عليه، خاصة في موضوع من هذا القبيل، وهو تطرق لنسبة مقولة خطيرة او توحي بشيء من ذلك. واذا كان من حق المعترض الاقتصار على مصدر واحد فان عليه - اذعانا للمنطق العلمي على الاقل - ان يشير الى ذلك، وانه يتعامل مع مصدر واحد، ليعط ي للقارئ والمتابع اشعارا بهذا المضمون وينبهه الى ضرورة توسعة دائرة متابعته لو كان بصدد حكم نهائي في الموضوع.

هذا مضافا الى اننا لم نفهم ما ختم به المعترض بحثه في التفكيك بين ما اسماه الدعوة الى اعادة النظر في حجية القياس الظني، وبين العمل بالقياس، اذ نفى عن المعترض عليه اعتبار القياس دليلا شرعيا لعدم ثبوت حجيته في علم الاصول، مما نقله عن (كتاب النكاح - تقريرا لبحثه)، اذ كيف يكون المعترض عليه في وارد اعادة النظر في حجية القياس وهو لا يرى حجيته في علم الاصول وانه لا يثمر لاثبات الاحكام الشرعية؟ الا يدل هذا الذي يشير اليه المعترض على ما بصدده المعترض عليه وهو تحديد ما هو من القياس وما ليس منه، مما سنشير اليه تفصيلا، وانه في مقام الحديث عن الصغريات لا كبرى القياس. ثم لماذا نبذل جهدا في كل هذه المناقشة ونحن نقر بان الطرف الاخر لا يرى حجية القياس. وكيف تصح نسبة الدعوة الى القياس اليه؟ وانما نسوق هذه الملاحظة بعد افتراض صحة ما نسب للمعترض عليه من الدعوة الى النظر في حجية القياس، لانناسنبرهن على عدم صحة هذه النسبة، ولو على مستوى المصدر الذي اعتمده المعترض فضلا عن المصادرالاخرى.

الملاحظة الثانية:

ويلاحظ - ايضا - على المعترض الاجتزاء والتعامل مع بعض الافكار الواردة في المصدر على نحو تجتزا معه هذه الافكار عن سياقها كما سنشير اليه تفصيلا، فضلا عن التفسيرات الكيفية لبعض الفقرات، والتي استوحى منهاان المعترض عليه في مقام الدعوة لاعادة النظر في القياس، مع ان ها لا صلة لها بموضوع القياس، لان حديث المعترض عليه في المصدر المذكور كان في اطار اوسع تناول فيه عدة قضايا تتصل بالمنهج الفقهي ولم يقتصر على ما يتصل بالقياس.

الملاحظة الثالثة:

ويلاحظ على المعترض انه يمارس نوعا من التبسيط في بعض معالجاته كما يظهر في حديثه عن الصيغ التي تتخذها الروايات الواردة عن اهل البيت(ع) من حيث الاجابة عن الموارد الخاصة او من حيث الاجابة بلحن اعم. وهو ما يظهر- ايضا - في حديثه عن اكتشاف الخصوصيات في هذه الاجابات ومدى امكانية التعميم مع عدمها. وسنشير الى ذلك تفصيلا.

وفي الوقت الذي يمارس فيه ذلك يطيل في ما لا يستحق الاطالة، كما في حديثه عن حجية القياس وانه مما ردع عنه الائمة(ع) في وقت نقل فيه عن الوحيد البهبهاني ان عدم جواز العمل بالظن بديهي عند العوام فضلا عن العلماء، فلماذاهذه الاطالة، ليتحدث عن اقسام القياس في الاصطلاح الفقهي، وعن امكانية التعبد بالظن؟! فهل تحدث المعترض عليه عن اصل الردع بالعمل بالقياس، او ناقش في جواز التعبد بالظن والاكتفاء به؟ ليصار الى بحث من هذا القبيل.

وانما ننفي المبرر لحديث من هذا القبيل وبهذا الاسهاب سنبرهن ان المعترض عليه قد اكد في (المصدر) الذي اعتمده صاحب المقال على عدم جواز العمل بالظن الا بدليل خاص، فضلا عن المصادر الاخرى. وهو ما سنشير اليه لاحقا.

هذا مضافا الى الاكار في عدد الدعاوى التي اتى على ذكرها صاحب المقال والتي جعلها شاهدا على ما اسماه باعادة النظر في القياس الفقهي، اذ سيتبين لنا ان عددا من هذه الدعاوى - كما اسماها - لا علاقة له بالقياس اصلا.

ومهما يكن من امر، فان ما نحن بصدده من مناقشة المقال المذكور يمكن ان نصنفه الى ثلاثة ابحاث:

الاول: في الموقف من القياس على المستوى التاريخي. ونقتصر فيه على ما عليه الراي الامامي.
الثاني: في بيان راي المعترض عليه في حجية القياس.
الثالث: في التعليق على ما يستاهل التعليق مما ورد في المقال المذكور.

البحث الاول - في القياس تاريخيا:

وان كان ثمة اتفاق بل اجماع في الطائفة الامامية على عدم حجية القياس، الا ان هذا الاتفاق لم يمنع من الخلاف في بعض التفاصيل، بحيث يلاحظ الباحث التوسع في عدم الحجية تارة، والتضييق - ان صح التعبير - تارة اخرى كماسنشير اليه. وان كان هذا التوسع او التضييق - في المحصلة - يرجع الى عدم التحديد الدقيق لما هو من القياس الجائزوما هو من القياس الممنوع، سواء كان ذلك على مستوى الكبرى، ام على مستوى الصغريات.

ولعل اول من نسب اليه القول بالقياس والعمل به هو ابن الجنيد (محمد بن احمد الاسكافي) المتوفى عام 381 ه وهواحد اشهر فقهاء الامامية والذي قيل انه اول من فتح باب الاجتهاد والتفريع والتظهير، وان كان هناك من يابى تصديق هذه النسبة، ويفسرها بنحو يجعل من القياس المنسوب اليه والى غيره من اصحاب الائمة(ع) ما يعرف بالقياس المضموني، والذي يعني الاخذ بالمجمع عليه من الاصول والمصالح العامة مما عليه الكتاب والسنة كمعيار لاعتبارالاخبار((46)).

واذا كان ما ينسب الى ابن الجنيد موضع شك، فانه لا شك في نسبة راي الشيخ ابو القاسم القمي المتوفى عام (1231ه)، احد اشهر علماء الاصول والذي ذاع صيته مع كتابه (القوانين المحكمة في الاصول) حيث ضمنه عددا من الاراء التي تخالف المشهور وما عليه عامة العلماء، ومن ذلك القول بالعمل بمطلق الظن ومنه العمل بالقياس.

ولا نعرف احدا من علمائنا الابرار من هو اكثر جراة منه في الخوض في مسالة القياس، اذ اعتبر ما ورد من الاخبار(المتواترة معنى) في الردع عن العمل بالقياس مقصورا على المعاصرين للائمة(ع) الذين تنكبوا وتنكروا لهم ورجعوا الى اجتهاداتهم وآرائهم بمعزل عن الائمة(ع)، فيكون القدر المتيقن من الاخبار صورة ما اذا امكن الرجوع الى الائمة(ع) ولايشمل صورة عدم التمكن كما هو حال المتاخرين عن عصرهم(ع)، بل لا تشمل هذه الاخبار - من حيث الحرمة - القياس الكاشف عن صدور الحكم عموما او خصوصا عن النبي(ص) او احد الائمة(ع)، فيكون القياس في حال عدم حضورهم من الرجوع اليهم ولا يكون مشمولا بالردع مما هو عليه حال المعاندين والمتنكرين لهم في حال حضورهم وحياتهم(ع)، ولذلك ناقش القمي في دعوى ضرورة الحرمة الشاملة لكل زمان((47)).

وثمة تفاصيل اخرى ساقها القمي لجواز العمل بالقياس شانه شان الظنون الاخرى، مما دعا العلماء الى التفتيش عن الحلول لما اثاره من اشكالات، وخاصة تلك الاشكالات التي ساقها بخصوص الردع عن القياس في وقت يحكم فيه العقل بناء على دليل الانسداد بالعمل وفقا لكل ظن، فانصرف العلماء الى توجيه خروج القياس - تخصصا - مما اسماه السيدالخوئي من عويصات المسائل خاصة على ما يعرف بمبنى الحكومة.

وقد مال السيد محمد المجاهد (ت : 1244 ه) احد اشهر علماء الطائفة في تلك الفترة الى اعتبار القياس مرجحا في باب تعارض الاخبار، فاذا كان القياس لصالح احد الخبرين المتعارضين فانه يكون مرجحا له((48))، وهو راي له صدى اسبق تاريخيا في علمائنا من تاريخ السيد محمد المجاهد. اذ نقل المحقق الحلي (ت : 686 ه) ان ثمة من يرجح احد الخبرين المتعارضين بالقياس، فما كان موافقا له تقدم على الاخر، ولا يكون مشمولا بادلة عدم جواز العمل بالقياس، لان الترجيح المذكور ليس من باب الدليل على الحكم بل من باب دفع الخبر المرجوح فيكون الخبر الراجح كالسليم من المعارض. ثم رده الشيخ المحقق. وقد استظهر الشيخ الانصاري ان الراي المذكور لبعض اصحابنا من علماء الطائفة((49)).

وعودا على بدء، نؤكد ان التوسع في نفي حجية القياس او التضييق ان صح مثل هذا التعبير يرجع في المحصلة الى عدم تحديد ما هو من القياس الجائز وما هو من القياس الممنوع.

ولذلك لم يكن القياس المعروف بقياس منصوص العلة حجة في اصول الامامية قبل العلامة الحلي (ت : 725 ه) الذي قال في البحث الرابع من كتابه (مبادئ الوصول): «في الحكم المنصوص على علته: الاقرب عندي: ان الحكم المنصوص على علته متعد الى كل ما علم ثبوت العلة فيه بالنص لا بالقياس، لان قوله: حرمت الخمر لكونه مسكرا ينزل منزلة قوله:حرمت كل مسكر... والنص على العلة قد يكون صريحا كقوله: لعلة كذا... كقوله لكذا، او بكذا، او ياتي بحرف ان كقوله «انها من الطوافين عليكم» او بالباء كقوله تعالى (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم)((50))»((51)).

وبالمقارنة مع ما كتبه الشيخ الطوسي (ت : 460 ه) يظهر الفرق، اذ كتب في عدة الاصول: «وبينا ان النص على العلة الشرعية يجري مجرى النص على الحكم في امتناع التخط ي الا بدليل مستانف»((52)).

بل يظهر على ذلك بالمقارنة مع المحقق الحلي (ت : 676 ه) الاقرب الى عصر العلامة الحلي، اذ كتب في (معارج الاصول): «النص على علة الحكم وتعليقه عليها مطلقا يوجب ثبوت الحكم ان ثبتت العلة كقوله الزنا يوجب الحد، والسرقة توجب القطع، اما اذا حكم في شيء بحكم ثم نص على علته فيه: فان نص مع ذلك على تعديته وجب، وان لم ينص لم يجب تعدية الحكم الا مع القول بكون القياس حجة، مثاله: اذا قال الخمر حرام لانها مسكرة، فانه يحتمل ان يكون التحريم معللا بالاسكار مطلقا، ويحتمل ان يكون معللا باسكار الخمر، ومع الاحتمال لا يوجب التعدية»((53)).

وبالمقارنة يظهر ان الخلاف لا يرجع الى الكلام في حجية اصل القياس كما عن المحقق القمي، بل يرجع الى تحديد القياس، وان القياس في منصوص العلة مما هو مشمول بادلة الحرمة او لا؟ وهذا يظهر مدى التحسس الذي هو عليه الجو العلمي السائد في المدرسة الاصولية، وهو موقف لم ينته، فثمة من ينفي مطلق العمل بالقياس سواء ما كان منه قطعيا ام كان منه ظنيا.

فقد كتب الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء في (تحرير المجلة): «القياس بجميع انواعه لا عبرة به عندنا معاشرالامامية اصلا، فلو ثبت عندنا بالدليل حكم لموضوع موافقا للقياس ام مخالفا، فالحكم يقتصر به على موضوعه ولا يتعدى الى غيره سواء كانت ظنية او قطعية. نعم لو كانت العلة منصوصة كما لو قال حرمت الخمر لاسكارها امكن عند بعضهم تسرية الحرمة الى غير الخمرة من المسكرات وان لم يسم خمرا..»((54)).

ونشير هنا الى ان ما يذكره الشيخ كاشف الغطاء لا يتفق مع ما ذكره المعترض في مقاله من انه يكفي معرفة العلة للحكم من اي طريق كان، وعندئذ يدور الحكم مدار علته سعة وضيقا. وما يذكره الشيخ كاشف الغطاء - فيما نقلناه عنه - يتناقض مع ما يذكره السيد محمد تقي الحكيم الذي ذكر في كتابه (الاصول العامة للفقه المقارن): «وتمام راينا في القياس: ان القياس يختلف باختلاف مسالكه وطرقه، فما كان مسلكه قطعيا اخذ به، وما كان غير قطعي لا دليل على حجيته»((55)).

وما ذكرناه من عدم تحديد القياس هو الذي اثار الخلاف حول ما اذا كان الاولوية والاستقراء من القياس الممنوع او لا؟وقد نفى الشيخ الانصاري ان يكون من القياس، بدعوى عمل غير واحد من الاصحاب بهما((56)).

وفي الوقت الذي ينفي فيه عدد من علمائنا حجية القياس مطلقا، فان ثمة من يعتبره صالحا للاحتجاج اذا كان مقطوع العلة، مما يندرج تحت ما اسماه بالقياسات الجلية كقياس الاولوية، وما يقطع به لمناسبة الحكم والموضوع وما شابه ذلك من الاقيسة ومنه تنقيح المناط((57)).