على ان هناك من هاجم هذه الدعوات بشراسة كما يتضح في
ما كتبه الميرزا ابو الحسن الشعراني في تعليقاته على شرح
الكافي للمازندراني: «وهنا شبهة قوية لانا لم نر احدا من فقهائنا
الا وقد الحق غير المنصوص به في الجملة، بل قلما يتفق مسالة
لا يحتاج فيه الى التجاوز عن مورد النص، يعلم ذلك المتتبع
للفقه. والتخلص منها بوجهين: الاول: ان يكون بالاجماع
المركب او عدم القول بالفصل، والثاني: ان يجعل بعض
الملحقات من المداليل اللفظية عرفا مثل: «يغسل الثوب من
بول ما لا يؤكل لحمه» يجعل تعبيرا عن النجاسة، وان كان
يحتمل الغسل غير النجاسة. وايضا ورد النص في الثوب لا في
البدن والاواني وغيرها فيلحق غير الثوب للاجماع. ولو لم يكن
ذلك اوجب الالتزام بانهم كانوا يقيسون وهوباطل، وانما يشكل
ذلك على الموهنين لامر الاجماع كالسبزواري(رحمه الله)،
واما المعتنون بالاجماع المعتقدون لحصلوه وتحصيله في اكثر
المسائل كالشيخ الطوسي والسيد المرتضى وابن ادريس او في
كثير منها كالعلامة والشهيد والمحقق فلا يعضل عليهم
الشبهة. وقد يطلق في عصرنا على مثل ذلك تنقيح المناط
ويزعمون انه غير القياس - مع انه من اردءانواعه، الذي لم يقل به
بعض القائلين بالقياس كما مر، ولم يحققوا مرادهم، وبالجملة
اذا لم يكن التصريح بالعلة حجة في باب القياس كما قلنا - كيف
يكون استنباط العلة بالقرائن والتخمينات حجة، وليس تنقيح
المناط الا ذلك، فالصواب في موارد التجاوز عن النص التمسك
بالاجماع المركب وما ذكرنا منه»((58)).
ومن النص الذي نقلناه عن الشعراني يظهر الخلاف واسعا،
ويتاكد ما اكدنا عليه من ضرورة تحديد القياس، وما هوالجائز
منه وما هو الممنوع، وهو ما كان المعترض عليه بصدده، لا
بصدد المناقشة في اصل حجية القياس، كما ادعاه صاحب
المقالة في ما نسبه اليه من اعادة النظر في القياس بحجة
الاحتياج اليه، اذ تبين ان ما يعتبر قياسا كما هوقياس الاولوية
والاستقراء مثلا لا يعتبره آخرون من القياس، وان كان كذلك
فهو من القياس الجائز، وكذلك الحال في مناسبات الحكم
والموضوع وغيره.
هذا كله على مستوى البحث في كبرى القياس، وثمة بحث آخر
في الصغريات، يجد فيه الباحث اختلافا شديدا بين الفقهاء في
تعميم الحكم الشرعي او الاقتصار على مورده، يعكس الحاجة
الى تحديد القياس مما دعا اليه المعترض عليه.
وهنا - في
الصغريات - يقع الخلاف اكثر مما هو واقع في الكبريات، بحيث
يقع الاشتباه بين القياس الجائز والممتنع على حد تعبير
صاحب الجواهر((59))، ولذلك استغرب صاحب الجواهر من
القياس الذي لجا اليه المحقق الثاني الشيخ الكركي مع نهاية
محافظته عن الوقوع في القياس على حد تعبير صاحب
الجواهر((60))، خاصة وقد ينشا الخلاف في تحديد ما هو علة او
حكمة او ما يقضي بالتعميم او يوجب القصر على المورد.
ويمكن ان نمثل له بالموقف من وجوب صلاة الايات عند وقوع
الزلزلة بمقتضى ما دل عليه خبر الفضل بن شاذان عن
الرضا(ع) انه قال: «انما جعلت للكسوف صلاة لانه من آيات
الله...»((61)) فقد استظهر بعض الفقهاء - ومنهم
صاحب الجواهر -
التعليل في النص المذكورالمقتضي لوجوب الصلاة عند وقوع
مطلق الاية، ومن ذلك الزلزلة((62)). ولكن مع استظهار
التعليل عند بعض فان ثمة من يمنع من ذلك، ويعتبر ما ورد
في الخبر المذكور لا يتعدى كونه حكمة للتشريع الذي لا
يقتضي الاطراد((63)).
وهذا الاختلاف بين استظهار التعليل او كون المورد من بيان
الحكمة يكشف عن مدى الحاجة الى التوفر على ضابط دقيق
للتمييز بين الامرين المذكورين. وسياتي الحديث عما يسمى
مناسبات الحكم والموضوع لالغاء احتمال الخصوصية في جواب
الامام(ع) والتعميم معه، اذ سيتبين ان ثمة اختلافا واسعا
وعظيما في مدى ادراك كون ذلك من الخصوصيات او كونه
مجرد مثال اخذ الرواية. ويمكن ان نشير الى مورد واحد هنا.
على ان ناتي على عدد آخر من الموارد في ماسياتي. فقد
اختلف الاصحاب في مسالة عد الاعراض موجبا لزوال الملك او
لا؟ ومما استدل به على عده من موجبات الزوال بعض الروايات،
ومنها:
ما رواه الشعيري قال: «سئل ابو عبد الله(ع) عن سفينة انكسرت
في البحر فاخرج بعضه بالغوص، واخرج البحر بعض ما غرق فيها،
فقال(ع): اما ما اخرجه البحر فهو لاهله الله اخرجه لهم، واما ما
خرج بالغوص فهو لهم وهم احق به» فعلق على الرواية الشيخ
ابن ادريس (محمد احمد الحلي ت 598 ه) لبيان الفرق بين
الحالتين قال: «وجه الفرق في هذا الحديث ان ما اخرجه البحر
فهو لاصحابه، وما تركه اصحابه آيسين منه فهو لمن وجده او
غاص عليه، لانه صار بمنزلة المباح،ومثله من ترك بعيره من
جهد في غير كلاء ولا ماء فهو لمن اخذه، لانه خلاه آيسا منه،
ورفع يده عنه، فصار مباحا.وليس هذا قياسا لان مذهبنا ترك
القياس، وانما هذا على جهة المثال...»((64)). الا ان ما يراه الشيخ ابن ادريس واردا على سبيل المثال فيصار الى تعميمه، يراه السيد الخوئي والسيد الحكيم من قبيل الحكم التعبدي الذي يقتصر فيه على مورده((65))، الا يستحق هذا الاختلاف في الرؤى والاستظهار بعض التفكير واعادة النظر؟!! البحث الثاني - راي المعترض عليه في القياس:
ويمكن ان نصنف البحث المذكور في شقين: الاول منه: في بيان رايه من خلال المقال المنشور في مجلة (المنطلق) والذي اعتمده المستشكل في اصل دعواه ونسبة اعادة النظر في حجية القياس اليه. والثاني: في بيان رايه من خلال المصادر الاخرى المتنوعة، سواء ما كان منه في تقريرات ابحاثه الفقهية او في اجوبته على المسائل التي ترد عليه من السائلين، وغير ذلك.
*
الاول:
ومن تلك الموارد:
*
في جواب له يقول: «هنا، قد تستوقفني بعض الموضوعات
الاصولية المختلف حولها كالقياس والاستحسان
والعقل.والخلاف فيها يتفرع الى شقين:
الاول: وهو حجية هذه العناوين، لان اي عنوان من العناوين
التي تاخذ موقع البرهان والحجة لابد من ان يقوم
الدليل القاطع على حجيتها اما من خلال العقل واما من خلال
الشرع حتى يمكن للحكم الشرعي المستنبط منها ان يكون
معذراامام الله سبحانه وتعالى، وبالتالي ليصح ان ننسب الحكم
الشرعي الى مصدره، فاذا لم يكن معتبرا فكيف يمكن لنا
ان نحقق هذه النسبة؟ عند ذلك تكون المسالة داخلة فيما
يصطلح عليه بالتشريع الذي هو ادخال ما ليس في الدين فيه
اوادخال ما لم يعلم انه من الدين في الدين، وهذا ما تعبر عنه
الاية الكريمة (أالله اذن لكم ام على الله تفترون)((66)) فلابد ان
ياذن الله لنا في نسبة اي حكم اليه والى رسوله من خلال
الوسائل الدليلية التي تؤكد كون هذا الحكم حكما شرعيا. ولهذا
كان الجدل، وهو لم يكن في القياس بشكل مطلق او في
الاستحسان كذلك وفي العقل ايضا. كان الجدل ينطلق من
القياس الظني والاستحسانات الظنية والعقل الظني، لان
الاصل في الظن بحسب حكم العقل وبحسب ادلة النصوص
القرآنية عدم الحجية،لان الظن يلتقي مع احتمال الخلاف،
فلابد لنا من اساس يلغي احتمال الخلاف حتى تكون المسالة
واضحة بشكل حاسم، لانه عندما تحتمل وجود الخطا او الكذب،
او اي احتمال يبتعد بالمسالة عن دائرة الحقيقة فكيف يمكن
لك ان تسقط هذاالاحتمال؟ ان الطريقة الاصولية تقول لابد
من اسقاط هذا الاحتمال اما بحجة عقلائية مالوفة من الشارع،
او غير مردوعة من الشارع، واما بجعل شرعي يجعل هذا الدليل
حجة فتكون نتيجة الغاء احتمال الخلاف شرعا هنا او الغاء
احتمال الخلاف عقلائيا هناك. ولذلك بدا الحديث في حجية
القياس الظني على اساس ان نقل حكم من موضوع الى موضوع
آخرلمجرد المشاكلة والمشابهة بينهما في بعض الخصوصيات
ليس حجة ولا يرتكز على حجة، وذلك من جهة اننا لا
نستطيع ان نعتبر ان الاساس في هذا الحكم الذي ثبت لهذا
الموضوع هو هذه الخصوصية الموجودة فيه لننقل الحكم
بلحاظ الخصوصية الموجودة فيه، وربما كانت هناك
خصوصيات اخرى لم نطلع عليها مثلا، وربما لم تكن هذه
هي الخصوصية، وربما كانت هذه الخصوصية منضمة الى
خصوصية اخرى، وليست بمفردها، وهذه الخصوصيات
ليست موجودة في الموضوع الاخر. وهكذا المسالة في
الاستحسان، فان الاستحسانات الظنية تندرج تحت عنوان
الظن الذي لايغني من الحق شيئا. وهكذا بالنسبة الى حكم
الظن العقلي»((67)).
فهل يدل النص الذي نقلناه عن المصدر الذي اعتمده صاحب
المقال هنا على حجية القياس؟! او يدل على عدم
حجيته؟!وهل فيه ما يوحي باعادة النظر في حجية القياس؟!
لماذا اغفل ولم يجد فيه - على اقل تقدير - ما يشكل قرينة على
عدم ارادة ما نسب الى المعترض عليه، لو كان التفسير الذي
قدم صحيحا.
*
وقال ايضا: «وفي هذا الاطار لابد من الالفات الى احد محفزات
العمل بالقياس عند بعض المذاهب، وهو انطلاقه من ضرورة
معرفة الاحكام مع قلة الاحاديث الصحيحة، فلجا هذا البعض
الى القياس لملء الفراغ كما حصل مع الامام ابي حنيفة الذي
كان اول من نظر للقياس وعمل به، اذ لم يصح عنده من
احاديث النبي(ص) الا ثمانية عشر حديثا حسب ما اذكر، بمعنى
انه لا يملك اي مصدر لاستنباط الحكم الشرعي، وهذا ما نعبر
عنه بدليل انسداد باب العلم والعلمي، ومن الطبيعي انه اذا
انسد باب العلم بالاحكام او باب الحجج الخاصة، اي ما يعبر عنه
بالعلمي، فاننا لابد ان نرجع الى حجية الظن على بعض المباني،
كمبنى الكاشفية.. ومن خلال هذا نفهم ان مسالة رفض القياس
لدى ائمة اهل البيت(ع) قد يكون منطلقا من ان هناك احاديث
في السنة الشريفة واردة بشكل واسع جدا لا يحتاج فيه الى
القياس، لان باب العلم مفتوح من جميع الجهات مثلا، سواء
اكان من خلال القواعد العامة ام من خلال النصوص الخاصة.
بتصوري ان المشكلة تكمن في فهم النصوص ومواردها، وفي
اغلب الاحيان تكون الموارد مجرد نماذج للفكرة وهذا مالم
ينتبه اليه الفقهاء، لاننا اذا انتزعنا العنوان العام من الموارد
الخاصة، فاننا قد نحصل على عناوين كلية، وبالتالي قد لانحتاج
الى القياس ولا الى غيره، باعتبار اننا نحصل من خلال ذلك
على قواعد عامة في اغلب الموارد الخاصة...»((69)).
هل هذا النص الذي ننقله عن المصدر المعتمد نفسه يدل على
اعادة النظر في القياس او في حجية القياس بعبارة ادق؟!الا
يدل هذا على اننا لسنا بحاجة لا الى القياس ولا الى غيره من
الطرق الظنية، مع توفر الادلة سواء بصيغها العامة اوالخاصة مع
الغاء الخصوصية، وهو ما يعرف بمناسبات الحكم والموضوع.
* وقال ايضا: «ومن جهة اخرى فان علينا ان نؤصل او نحدد - في
تعبير اصح - مسالة القياس، التي تنطلق من الحالات التي لا
يكون فيها المعنى الذي يجمع بين الموردين اللذين ورد النص
في احدهما ولم يرد في الاخر واضحا ومشتركا، وبالتالي هل ان
المضمون الوارد في احدهما هو مضمون خصوصية ام مضمون
شامل؟
وهكذا نلاحظ في اكثر من مورد من موارد الفقه بحيث ان
علينا ان نحاول استيحاء المسالة مما قد يسمى في بعض التعابير
الفقهية مناسبة الحكم للموضوع التي هي حالة ظهورية من
مصاديق الظهور.. بالطبع ثمة امور لا يملك الانسان مثلا ان
يعرفها، كما في قضية وجوب قضاء الصوم في العادة الشهرية
للمراة وعدم قضاء الصلاة مثلا...»((70)). وهل في هذا النص ما يشير الى اعادة النظر في حجية القياس؟! لماذا تتم الغفلة عن هذه النصوص التي اشتمل عليهاالمقال، الذي اعتمده وهو لا يتجاوز العشرين صفحة كثيرا؟! * الثاني: وذلك لمعرفة راي المعترض عليه في القياس من حيث الحجية خارج اطار المصدر الذي اعتمده المستشكل وانما افردفقرة خاصة له لدفع الصورة المثارة والا فليس ثمة ادنى شك في عدم حجية القياس عند المعترض عليه مثله مثل فقهائناالامامية. واشير الى عدد من النصوص التي تكشف عن ذلك في مواضع متفرقة من ابحاثه واجاباته:
- في كتاب (رسالة في الرضاع) ورد ما يلي: «... ونحن نؤكد ان
السنة اذا قيست محق الدين، ولكنا بعيدون عن جوالقياس، فانه
اسراء حكم من موضوع الى آخر من دون دليل سوى الظن،
ولكن عندما نحاول دراسة بعض الموضوعات من خلال ما
توحيه الروايات الصادرة عن اهل البيت(ع) لتحديد طبيعتها.
من اجل تسرية الحكم المعلوم قطعا فان هذابعيد عن اجواء
القياس، انك تشخص الموضوع لا اكثر...»((71)).
- في كتاب (الجهاد) لاحظ على استاذه السيد الخوئي(قدس
سره) انه تعدى من مورد خاص الى آخر بلا دليل. وبالتحديدفي
مسالة قتل اسارى المسلمين من قبل المسلمين لو توقف
النصر على ذلك، فانه جرى البحث في وجوب دفع الدية
او سقوطها؟ فاستدل السيد الخوئي بالسقوط برواية السكوني
«من اقتص منه فهو قتيل القرآن» بدعوى عدم الفرق عرفا
بين المقتص منه واسرى المسلمين المقتولين، ولكن لاحظ
عليه ان ثمة فرقا بين المقامين لان المقتص منه لا حرمة
له بالعدوان، ولم تسقط حرمة الاسرى المسلمين فيحتاج
سقوط ديتهم الى دليل...((72)).
- في كتاب (النكاح) لاحظ على استاذه الخوئي انه تعدى من
مورد الى آخر بلا دليل مع احتمال الخصوصية، وذلك
في مسالة نظر الرجل الى محارمه فانه لا يجوز عند السيد
الخوئي النظر له منهن ما بين السرة والركبة، واستدل عليه
بخبرالحسين بن علوان في الامة((73)).
- في كتاب النكاح ايضا ورد التالي: «واما القياس فليس من
مذهبنا ولا نعتبره دليلا شرعيا، لانه ثبت في علم الاصول
عدم حجيته في اثبات الاحكام الشرعية الفرعية»((74)).
- في كتاب (فقه الشركة)، وتحديدا في بحث الدليل على شرعية
الشخصية المعنوية ورد التالي: «.. ومن المعلوم
ان التعدي المذكور - يعني من مصاديق خاصة من قبيل
الاعتراف بالوقف وبيت المال - امر يسير عند اهل السنة، بناء
على جوازالقياس وحجيته، كما الاستحسان والمصالح المرسلة.
اما عندنا فالامر مختلف، اذ ليس ثمة ما يجيز اللجوء الى
هذه المصادر لانها ليست بحجة...»((75)).
وثمة نصوص وموارد اخرى لا نجهد انفسنا في تتبعها، لاننا في
غنى عن هذا الجدل.
اما لماذا لا يعتبر القياس حجة عند المعترض عليه فهو لانه
كغيره من فقهاء مدرسة اهل البيت(ع) ويرجعه الى عدة امور: اولا - لان القياس من الظنون، والاصل في الظن عدم الحجية، ما لم يدل الدليل على اعتباره.
يقول: «... فلقد قلنا مرارا بان القياس ليس حجة حتى لو لم يرد
هناك دليل خاص على عدم حجيته، وذلك باعتبار انه يرتكز
على الظن (ان الظن لا يغني من الحق شيئا)((76))، فيكون
القياس مشمولا بالادلة العامة الناهية عن العمل بالظن، فنحن
نعمل بالظن اذا جاء دليل من الكتاب والسنة على حجيته، واما
اذا لم يدل دليل على حجيته فلا يكون العمل به مشروعا، ولما
كان القياس معتمدا على الظن - بالملاك الذي يوحد بين
الموضوعين - والظن لا حجية له فلا حجية للقياس...»((77)).
ويقول في مورد آخر: «... فعالم التشريع ليس عالما عقليا لتقول
ان هذا الحكم مثل هذا الحكم، فرفض القياس، عندنا لجهة ان
العلة التي يكشفها القياس بين الموضوعين قد لا تكون ثابتة
عن طريق الحجة العقلية، والا فحتى الشيعة يقولون ان العلة اذا
كانت قطعية فيمكن تسرية الحكم من موضوع الى موضوع
آخر»((78)).
ويقول في مورد ثالث: «.. وهذا هو الذي اراد اهل البيت ان
يؤكدوه، وهو ان دين الله لا يصاب بالعقول، لان العقول
قدتدرك بعض الامور ولكنها قد تغفل عن ادراك البعض الاخر
مما يوحي بان الحكم الشرعي لم يستكمل ملاكه بشكل
دقيق، وهذا ما نلاحظه في اختلاف الحكم في بعض الموارد
المتشابهة في اكثر من وجه كما في الصلاة والصوم اللذين
تجمعهاالناحية العبادية، ولكن حكمهما في القضاء مختلف،
وهكذا امر الله في كتابه بالطلاق واكد فيه شاهدين ولم يرض
بهما الاعدلين، وامر في كتابه بالتزويج واهمله بلا
شهود..»((79)). ثانيا - لعدم الحاجة الى القياس، وذلك لوفاء الكتاب والسنة بجميع الاحكام، ويمكن ان يستفاد ذلك من بعض الاحاديث،فعن الامام الكاظم(ع) عن سماعة عن العبد الصالح، سالته فقلت: ان اناسا من اصحابنا قد لقوا اباك وجدك وسمعوا منهماالحديث فربما كان شيء يبتلى به بعض اصحابنا وليس في ذلك عندهم شيء يفتيه، وعندهم ما يشبهه، يسعهم ان ياخذوابالقياس؟ فقال: لا، انما هلك من كان قبلكم بالقياس، فقلت له: لم لا يقبل ذلك؟ فقال: لانه ليس من شيء الا جاء في الكتاب والسنة.
وقد علق عليه: «.. ان هذا الحديث يوحي بان رفض القياس كان
بسبب عدم الحاجة اليه، لشمولية الكتاب والسنة لكل مايحتاجه
الناس من الاحكام الشرعية... فيكون الرجوع الى القياس رجوعا
الى ما لا ضرورة له.. وفي ضوء هذا الحديث لابد للمجتهد من
التتبع في كل موارد الكتاب والسنة للتدقيق فيهما لاستخراج
الاحكام الشرعية من خلال القواعد العامة التي تشير الى الحكم
الشرعي سلبا او ايجابا، بحيث يكون الكتاب والسنة هما
المصدران للتشريع دون غيرهما.. وربما نستفيدمن الحديث...
الذي يؤكد عدم الحاجة الى القياس لوفاء الكتاب والسنة بجميع
الاحكام، ان الامر لو لم يكن كذلك بحيث كانت هناك حاجة
ملحة الى معرفة الحكم الشرعي لبعض الامور ولم يكن لدينا
طريق الى معرفته من الكتاب او السنة، فان من الممكن ان نلجا
الى القياس او نحوه من الطرق الظنية في حال الانسداد
انطلاقا من ان الاعتماد على الطرق الظنية العقلائية او الشرعية
كان مرتكزا على الحاجة اليها لادارة شؤون الحياة العامة للناس
بحيث لولاها لاختل نظام حياتهم لان العلم -وحده - لا يكفي في
ذلك، ولكننا قد لا نحتاج الى ذلك، لان في القواعد العامة
كفاية، ولان في توسعة الاستظهار بالغاءالخصوصية التي تجمد
الحكم في مورد خاص من جهة الفهم العرفي الذي لا يجد
للخصوصية اساسا في الحكم ونحوذلك..»((80)).
وهل في هذا النص ما يدل على العمل بالقياس؟! ام انه يدل
على عدم الحاجة اليه؟! مع كفاية الكتاب والسنة بكل مايحتاجه
الناس من متطلبات التشريع. البحث الثالث - وهو الذي نخص به التعليق على ما ورد من افكار تحتاج التعليق في مقال المعترض:
وقد فضلنا التعليق على بعض موارده ان دعت الحاجة الى ذلك
للتوضيح تارة او النقض تارة اخرى. قال المعترض: هناك بعض الدعوات لاعادة النظر في القياس بحجة ان القياس في الازمنة المتقدمة لم يكن محتاجا اليه، لوجود الادلة على الاحكام الشرعية بصورة واضحة، اما اليوم فقد يقال بضرورة اعادة النظر في حجيته لاحتياجاتنا اليه في حياتناالعملية. التعليق: قال المعترض: ومما لا يخفى على احد ان جمهور العلماء من اهل السنة قالوا بجريان القياس في الاحكام الشرعية كالحدود والكفارات،فيجوز التمسك به في كل حكم من الحدود والكفارات والرخص والتقديرات اذا وجدت شرائط القياس فيها.
ودليلهم هو ان الادلة الدالة على حجية القياس تتناول بعمومها
جميع الاحكام الشرعية، فقصرها على بعض الاحكام تخصيص
بلا مخصص.
اقول: ان الوصول الى معرفة علة الحكم الشرعي قد تكون
يقينية قطعية وقد تكون ظنية، ويختلف الحكم باختلاف
هذه المعرفة، فان عرفنا علة الحكم الشرعي من طريق قطعي
من قبيل: أولا - ما اذا نص الشارع على علة الحكم بدلالة المطابقية او الالتزامية كمفهوم الموافقة (قياس الاولوية) او مفهوم المخالفة (كمفهوم الشرط او الحصر). ثانيا - او عرفنا العلة من طريق آخر قطعي، كان يكون صدق كلام الشارع متوقفا عقلا او شرعا او لغة على كون هذاالامر علة للحكم. ثالثا - او قطعنا بمقصود المتكلم حيث يستبعد او يقطع بعدم ارادة كون الشيء الفلاني علة.
فان عرفنا العلة من اي طريق كان، فالحكم يكون دائرا مدار
علته سعة وضيقا. وهذا امر واضح، لاستحالة تخلف المعلول عن
علته ان كانت في الفرع. التعليق: سبق ان نقلنا الخلاف في ما يذكره هنا خاصة في ما نقلناه عن الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء(قدس سره)فراجع. قال المعترض:
وهذه الدعوات تستند الى جملة من الدعاوى، هي: - الدعوى الاولى:
ومستند هؤلاء في ذلك على ما ورد في بعض الاحاديث عن
ائمة اهل البيت(ع) «ان دين الله لا يصاب بالعقول» وهم يحملونه
على انه لا مجال لان يكتشف الاساس في الدين، ولكن المسالة -
فيما يظهر - كانت متجهة الى العقول الظنية،ولم تكن متجهة
الى العقول القطعية والتي يصل من خلالها الانسان الى درجة
الاطمئنان، فضلا عن درجة القطع.
ان هذه المسالة شكلت مشكلة كبرى امام الفقهاء (فقهاء الشيعة
بشكل عام، وربما بعض فقهاء السنة) على اساس انهم لا
يستطيعون ان ياخذوا من الحكم الوارد في قضية جزئية اساسا
للحكم الكلي، لان احتمال الخصوصية يبقى وارداحتى في
الغيب، حتى فيما اذا كان الاحتمال في عالم الغيب لا احتمالا
جزئيا وجدانيا يمكن للانسان ان يشير اليه بشكل بارز او بشكل
واضح». التعليق:
ولعل اول من دعا الى فهم النص في غير العبادات على اساس
الارتكازات الاجتماعية هو الشيخ جواد مغنية، والذي
اشادبدعوته الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر((81)).
وقد سجل الشيخ محمد مهدي شمس الدين تحفظا جريئا على
المنهج الاصولي اذ يقول: «اما ادخال ما يسمى في علم الاصول
بالتعبد الشرعي واعتباره معيارا عاما في جميع الحقول، فنقول
انه في المنهج السائد المتداول يعتمد الفقهاء غالباعلى ما
يسمى التعبد الشرعي، يعتبرون ان النصوص الواردة هي غير
قابلة للفحص والمقارنة والتظهير لانها تعبدية، يقولون انه دين
والدين يقتضي الطاعة، نتعبد بما وصلنا من الشارع المقدس،
التعبد في العبادات المحضة امر لا ريب فيه ومسلم به، واما في
مجالات المجتمع، فيما نسميه الفقه العام وبعض الفقه الخاص
في باب الاسرة او المكاسب الفردية مثلا، نحن لا نعتقد في كثير
من التفاصيل ان للتعبد معنى على الاطلاق، ولابد ان تنزل
الامور وفقا للادلة العليا في الشريعة وللقواعد العامة في الشريعة
التي هي الضوابط الاساسية، لابد ان تنزل على مقاصد الشريعة
وحكمة التشريع المتصيدة من استنطاق النصوص، وعلى ما
نفهمه من المناطات المستفادة من النص او المستكشفة من
مقارنة حسب ظروفها وملابساتها، يعني بعبارة اخرى - لا اقول
المصالح والمفاسد الواقعية فقد نناقش باننا لا نعرفها - ولكن ما
يبدولنا من حكمة التشريع، لابد ان تنزل على هذا..»((82)).
ومع كل ما عليه من المنهج السائد الذي اشار اليه الشيخ
شمس الدين فقد لاحظ السيد الخوئي على السيد كاظم
اليزدي انه تعدى من مورد خاص الى مورد خاص آخر بغير دليل
وهو من العبادات، وذلك في مسالة من ادرك ركعة واحدة
من صلاة الايات فيكون قد ادرك الوقت وصلاته اداء، مع ان
الدليل كما عن السيد الخوئي يختص بالصلاة اليومية((83)).
بل لاحظ - السيد الخوئي - على صاحب الجواهر انه يعمل بالظن
وذلك في مسالة دعواه بان كل ذي عمل فهو مؤتمن عليه وان
قوله فيه حجة وذلك عن طريق الاستقراء وتتبع الاخبار، في
وقت يعتبر فيه الاستقراء ناقصا، فكيف تثبت به هذه الكلية
المدعاة((84)).
ولكن ننبه في هذا المجال ان ثمة من اعتبر الاستقراء طريقا
صالحا للاستدلال، كما نقلناه عن الشيخ الانصاري فراجع. قال المعترض: الاولى - اننا لو فرضنا ان اي احتمال للخصوصية - ولو طائرة في الهواء - يقف امام التعميم للحكم، لانتهينا الى فقه جاف لا يمت الى الفقه المنفتح المفروض حله لمشاكل الحياة جميعا - بصلة. التعليق:
فكيف يقصر هذا الفقيه المشار اليه الحكم على الحاكم الجائر
ويرى صاحب الجواهر ان جواز الدفع الى الفقيه مما يقطع به
الفقيه بادنى نظر وتامل((86)). وللاستزادة ايضا اذكر بمسالة في العفو عن النجاسات فيما ورد عن الصادق(ع) انه (سئل عن امراة ليس لها الا قميص واحد ولها مولود فيبول عليها كيف تصنع؟ قال: تغسل القميص في اليوم مرة) فبالرغم من التعبير في الرواية بالمولودفقد قصره - اي الحكم - بعض الفقهاء على الصبي الذكر كما عن جامع المقاصد والاكثر من الفقهاء، في وقت يقطع فيه السيد محمد صاحب المدارك بشموله الذكر والانثى او يستظهره صاحب الجواهر، فكيف قصر الحكم على الصبي بتعليلات بعضها لجهة تبادر الصبي او لجهة شدة نجاسة بول الانثى، ما هو معنى هذا الاحتمال((87))؟
وللايضاح ايضا نذكر ان حواشي الفقهاء على العروة للسيد
اليزدي جاءت مختلفة، فقد خص اليزدي - الماتن - الحكم بالصبي
واعتبر الشيخ محمد رضا آل ياسين الاقتصار على الذكر هو
الاحوط، وكذلك الشيخ آغا ضياء العراقي الذي اعتبر النص
مختصا بالصبي (مع انه عبر بالرواية بالمولود) وذكر انه لا وجه
للتعدي مع احتمال اكثرية بول الصبية غالبا لرطوبة مزاجهن!!
في حين اعتبر الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء الحكم
شاملا للانثى بل والخنثى ايضا،لان المولود شامل
للجميع((88)). قال المعترض: التعليق:
وهنا يمكن ان نشير الى ما علق به السيد محسن الحكيم اذ ذكر
ان اقامة الدليل على وجوب ترك النظر مشكلة لعدم الدليل
على ان القضيب عورة حتى لو خلق للمراة وكذا الحال في
البضع لو خلق لرجل. بمعنى آخر ان السيد الحكيم يستشكل في
شمول ادلة حرمة النظر لتكون شاملة للمورد((89))، بل اكثر
من ذلك فان السيد الحكيم قد استشكل في شمول هذه الادلة
للنظر الى العورة عبر المرآة او الماء الصافي! وان كان اعتبر ان
المفهوم منها عرفا الشمول((90)).
وثمة عشرات الامثلة ربما في ما ذكرناه غنى وكفاية للتدليل على طبيعة تعاطي المعترض مع الموضوع، والا فكيف نعرف
احتمال الخصوصية الذي ينتج من حساب معقول له نكتته
المعقولة او المفهومة؟ وانت ترى - ايها القارئ - هذاالاختلاف
الشديد في احتمال الخصوصية او عدمها، وبالتالي التعميم او
الاقتصار على المورد. قال المعترض:
والجواب: ان قوله(ع): «ان دين الله لا يصاب بالعقول» لا يعني
نفي الحجية عن الحكم العقلي، كي يدعي انصرافه الى الحكم
العقلي الظني دون الاطمئناني او القطعي، بل معناه الاخبار
عن عجز العقل عن اصابة دين الله، وان احكام الدين وملاكاتها
ليست في متناول العقل، وهذا الاخبار بنفسه يسبب لنا عدم
تحقق العلم او الاطمئنان بسبب القياس، لعلمنا بانه لو امكن
للعقل الوصول اليها وكشفها اذا لكان دين الله تعالى يصاب
بالعقول. التعليق:
وهنا يحسن ان اشير الى ما ذكره المعترض من دعوى انصراف
الرواية الى العقول الناقصة، وبالتالي فهي لا تمنع من القياس
الذي يورث الاطمئنان او القطع، اقول ان ما ذكره هذا لم يرد
في نص المعترض عليه وفضلا عن ذلك، فانه يمكن ان نشير
الى ان القياس القطعي لا باس به كما ذكرنا سابقا. قال المعترض: التعليق: ما يذكره واضح، وقد اشار اليه المعترض عليه((94))، فضلا عن ان هذا بحد ذاته لا يفيد بعد ان ذكرنا ان الاشكال في الصغريات، بحيث يختلف الفقهاء فيرى بعضهم ان مناسبات الحكم والموضوع تقتضي التعدي ويرى بعضهم عدم التعدي.
وقد تعدى بعض الفقهاء في حكم قتل الساب للنبي(ص) الى
الائمة بدعوى عدم الفصل، بل وتعدى بعضهم الى
السيدة الزهراء(س) مع عدم وجود دليل لفظي يدل على ذلك،
ولذلك اختلف الفقهاء((95))، وفيما افتى السيد الخوئي
بالحاق السيدة الزهراء لم يقطع السيد الخميني بذلك، كما في
تحرير الوسيلة فيما استشكل السيد محمد الصدر في
الالحاق بالنسبة للائمة وللسيدة الزهراء(س)((96)).
بل قد يقتضي الدليل اللفظ ي التعميم ولا يصار اليه كما في
الرواية بجواز النظر الى النساء اللاتي لا ينتهين اذا
نهين،فان التعليل شامل لكل ما يكشفنه كما اعترف به
البعض((97)) ومع ذلك لم يتعد بما اقتضاه الاطلاق او العموم
اللفظ ي فلماذاهذه الطريقة في معالجة الامور؟!
قال المعترض: * الدعوى الثانية -قال المعترض عليه:
«.. ان اغلب الاحاديث الواردة عندنا في الاحكام الشرعية
انطلقت من اسئلة السائلين التي كانت تتحرك في
شؤونهم الخاصة وفي اوضاعهم الخاصة التي يسالون عنها
كواقع حي من دون ان يلتفت الى السؤال عن القاعدة الكلية،
فاذا
جاء الفقهاء الى مثل هذه الموارد فانهم يقتصرون في الحكم
على مورده، لا سيما اذا كان هذا الحكم مخالفا للقاعدة العامة،
فانهم يقولون: ان هذا الحكم وارد على خلاف الاصل، فناخذ
بالاصل في القضايا الاخرى ونقتصر فيه على مورده، من دون
ان يجعلوا المورد نموذجا لعنوان عام. وهذا هو الذي جعل
الانسان يواجه في الفقه اشياء متناثرة متفرقة لا يجمع بينها
جامع، وقد يرى حكمين مختلفين متباينين في موردين لا
تشعر بان احدهما يختلف عن الاخربحسب وجدانك العملي او
الواقعي في اي شان من الشؤون، اننا نتصور انه لابد لنا من ان
ندرس هذه الامور دراسة اكثردقة واكثر حركية، باعتبار اننا
نستطيع في حال استنطاق الحكم الشرعي الوارد في هذا
المورد نستطيع ان نصل الى اطمئنان في كثير من الحالات
من خلال دراستنا لعمق الموضوع الذي نحيط به من جميع
جهاته مقارنا بموضوع آخرمشابه له في جميع الحالات، مما
يجعل احتمال اختلافها في الحكم احتمالا ضعيفا بحيث لا
تكون المسالة ظنية بالمعنى المصطلح عليه الظن، بل قد تكون
المسالة تقترب من الاطمئنان، ان لم تكن اطمئنانا».
اقول: قد اتضح جواب هذه الدعوى مما تقدم، فان انطلاق
الاحاديث من اسئلة السائلين في شؤونهم الخاصة لا يمنع
من انعقاد الظهور العرفي للكلام في حمل الشان الخاص -
بمناسبة الحكم والموضوع وبالارتكازات العقلائية - على
مجردخصوصية موردية تلغى عرفا، فيصبح للكلام ظهور في
الاطلاق، فيؤخذ به بلا حاجة الى خرم قاعدة «ان دين الله
لايصاب بالعقول» وان القياس لا ينتج شيئا. على ان لا دليل
على حجية ما يقرب من الاطمئنان ما لم يكن اطمئنانا. التعليق: قوله بانه اجاب على هذه الدعوى بما تقدم لا يفيد شيئا، لانه كما ذكرت ان الاشكال في الصغريات، وليس في اصل مايعرف بمناسبات الحكم والموضوع.
واما قوله بان انطلاق الاحاديث من اسئلة السائلين في شؤونهم
الخاصة لا يمنع من انعقاد الظهور العرفي للكلام في حمل
الشان الخاص على مجرد الخصوصية الموردية عرفا، فانه فضلا
عن الاختلاف في تحديد هذا الانعقادفان المعترض عليه لا
ينفيه.
وقد ذكره في النص الذي اعتمده صاحب المقالة هنا. ولا ادري
لماذا يغفل عنه ولا يؤخذ بالاعتبار وكان ه ينقض بشيءجديد.
فقد قال المعترض عليه: «ولا انكر ان هناك في السنة بعض
التجارب المماثلة للطريقة القرآنية في الحديث عن
الخطوط العامة للانسان، ولكنها ليست بالمستوى الذي نجده
في القرآن..»((98)).
ثم انه ذكر نفسه ان مجرد كونها اجوبة على اسئلة خاصة لا
يمنع من تعميمها، وانما اشار الى ان هناك مشاكل كبيرة في
هذا التعميم، فهل ينفي المستشكل هنا ذلك، وربما يكفي ما
ذكرته من امثلة كما في (ثوب المربية) و (الربا بين
الولدووالده)..
قال المعترض عليه: «اما السنة فقد وردت في غالبيتها لتحاكي
تطبيقات لتجيب عن اسئلة، الامر الذي يجعل الحديث خاضعا
في دائرته الخاصة لافاق السؤال وقرائنه وايحاءاته التي تستلزم
التحليل الدقيق لكل ما يحيط بظرفه، وهو ماقد يوقع الانسان
في متاهات كثيرة من الاحتمالات التي تحول دون الوصول
الى قناعات يقينية في معظم الموضوعات..»((99)).
اليس هذا هو عمل الفقيه وما ينصرف اليه في فحص الادلة
وفهمها؟! واليس هناك من عقبات، ولماذا يختلف الفقهاء
في التعميمات او عدمها؟! لو لم تكن هناك مشاكل، كما اشار
من اعترض عليه صاحب المقالة.
واما تعليق المعترض على ما اسماه المعترض عليه بالاقتراب
من الاطمئنان وهو ليس حجة، فهو غير وارد
لان المعترض عليه ترق ى واضرب منه الى الاطمئنان. علاوة
على ان هذا التعبير نظير قول بعض الفقهاء: له وجه، او لا يبعد
وغير ذلك،وهي من الامور التي يعتبرونها من الفتوى والراي. قال المعترض: أولا - اننا اذا سلمنا ان (اغلب الاحاديث الواردة عندنا في الاحكام الشرعية انطلقت من اسئلة السائلين التي تتحرك في شؤونهم الخاصة وفي اوضاعهم الخاصة التي يسالون عنها كواقع حي من دون ان يلتفت الى السؤال عن القاعدة الكلية». فلا نسلم ان الجواب يكون عن هذه الحالة الخاصة، بل ان المعصوم(ع) قد يجيب بقاعدة كلية عامة، كما ورد في جواب السائل في صحيحة زرارة عن ايجاب الخفقة والخفقتين الوضوء، فقال(ع):
وكذلك صحيحة زرارة الثانية التي يسال فيها الامام(ع) عما اذا
ظن ان الدم قد اصاب ثوبه ولم يتيقن ذلك، ونظر فلم يرشيئا،
ثم صلى فيه فراى فيه الدم، حيث اجاب الامام(ع) فقال:
وكذا في رواية ابي بصير حينما سال الامام الصادق(ع) عن
الشاة تذبح فلا تتحرك ويهراق منها دم كثير عبيط، فقال(ع): التعليق: قوله: «اذا سلمنا ان اغلب الاحاديث..» يوحي بانه ينكر ذلك، مع ان ذلك مما لا يخفى ولكي لا نختلف في ذلك انقل ما كتبه الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر اذ يقول: «... ان القاعدة الفقهية التي وضعها شيخنا الحجة المحقق مغنية لهذا الفهم الاجتماعي تحل مشكلة كبيرة في الفقه، وهذه المشكلة هي: ان كثيرا من الاحكام بينت عن طريق الجواب على اسئلة الرواة ولم تبين بصورة ابتدائية وبلغة تقنينية، والرواة انما يسالون في الغالب عن الحالات الخاصة التي يحتاجون الى معرفة حكمها فيجيء الجواب وفقا لحدود السؤال مبينا للحكم في الحالة المسؤول عنها...»((100)).
وبذلك يتضح قوله ان الامام لابد ان يجيب بقاعدة كلية، لانه لو
كان الامر كذلك فلماذا يختلف الفقهاء؟! ولماذا كل هذاالعناء
والجهد الذي يبذله الفقهاء لحل التعارض، وبعضه يرجع الى ما
ذكره المعترض عليه والشهيد الصدر((101)). قال المعترض:
التعليق:
ولماذا يتحفظ بعض الفقهاء في جواز اقامة صلاة الجمعة للفقيه
بدعوى عدم الاذن وعدم جواز القياس على الفتوى والقضاء،
ويقطع آخرون ومنهم صاحب الجواهر بجواز ذلك بدعوى ان
منصب الفتيا والقضاء اعظم، فيكون الاذن من باب اولى في
صلاة الجمعة((102))؟!
ان المشكلة في حصول هذا القطع، وان المشكلة في الغاء
الخصوصية او عدمها على مستوى التطبيق، ولا يكفي ماذكره
صاحب المقالة من عموميات. قال المعترض:
فتوضيحه: انه اذا كانت القاعدة العامة تقول بالحلية والطهارة
وجاء حديث يقول بنجاسة او حرمة العصير العنبي اذاغلى،
فحينئذ يقال: ان حكم النجاسة او الحرمة ورد على خلاف
الاصل، فيقتصر فيه على مورده، اما بقية الاشياء فهي على
القاعدة العامة التي تقول بالطهارة من دون ان نجعل عصير
العنب نموذجا لعصير الفاكهة. التعليق:
ويبدو لي انه لم يكتف بهذه الملاحظة بل ختمها بوضع علامة
التعجب في اشارة منه الى شدة تعجبه. الا ان ملاحظته غريبة
وذلك لان ما بصدده المعترض عليه هو انتقاد العلماء - ان صح
ذلك - لانه في مقام الملاحظة، وهي انهم - اي العلماء - لا يلتفتون
في احيان كثيرة الى النموذج او (المثال) في الرواية ويكتفون
بالنظر الى ما تقتضيه القواعد ليكون ما ورد في الرواية خروجا
عليها فيقتصر على ذلك ولا يعمم الى غيره، لكونه مما يخالف
القاعدة فيقتصر على مورده.ولم ينظر ما يلاحظه صاحب
المقالة ليقال انه كلام صحيح فلماذا يعترض به على الفقهاء،
لان ما بصدده المعترض عليه بعبارة اخرى هو التطبيقات، وقد
مرت الامثلة على ذلك.. ومنها (ثوب المربية) فان العفو الذي
ورد في الرواية خلاف القاعدة، ولذلك وقع الخلاف بين الفقهاء
بين من يقتصر على مورد الرواية بشكل حرفي بل اكثر من
ذلك فلا يتعدى من الام الى غيرها، في حين يقطع آخرون
بالتعدي الى غيرها من المتبرعة والمستاجرة، بل يقطع آخرون
بالتعدي من مورد الرواية (المراة لها مولود) الى المربي الرجل..
ويمكن ان ننظر بمورد آخر، فقد بحث في مسالة جواز اجارة
العين المستاجرة من قبل المستاجر مع عدم اشتراط المؤجر
عليه الانتفاع الشخصي بها (اشتراط المباشرة) بالمساوي من
الاجرة او اكثر مع احداث حدث اولا، عدا البيت والدار والدكان
والاجير وربما الحق بذلك الرحى والسفينة والارض فانه لا
يجوز اجارتها بالاكثر الا باحداث حدث فيها.
وقد اقتصر الفقهاء على المذكورات وذلك لجهة الروايات التي
وردت مورد السؤال فاعتبر ذلك من قبيل مخالفة
القاعدة.ولكن مع ذلك فان ثمة فقهاء اعتبروا ذلك من قبيل
المثال وانه عندئذ لا يجوز الاجارة بالاكثر الا مع احداث اضافة
في جميع الاعيان، ولذلك جاءت فتوى السيد السيستاني
بالاحتياط الوجوبي((103))، وكذلك السيد الشهيد الصدر في
منهاج الصالحين((104)).
وقد كتب الشهيد الصدر: «.. لم تعالج النصوص - يعني عند
الفقهاء - بروح التطبيق على الواقع واتخاذ قاعدة، ولهذاسوغ
الكثير لانفسهم ان يجزئوا الموضوع الواحد ويلتزموا باحكام
مختلفة له. واستعين على توضيح الفكرة بمثال من كتب
الاجارة، فهناك مسالة هي ان المستاجر هل يجوز له بدوره ان
يؤجر العين باجرة اكبر من الاجرة التي دفعها هوحين الايجار.
وقد جاءت في هذه المسالة نصوص تنهى عن ذلك، والنصوص
كعادتها في اغلب الاحيان جاءت لتعالج مواضيع خاصة فبعضها
نهى عن ذلك في الدار المستاجرة وبعضها نهى عن ذلك في
الرحى والسفينة المستاجرة وبعضها نهى عن ذلك في العمل
الماجور، ونحن حين ننظر الى هذه النصوص بروح التطبيق
على الواقع وتنظيم علاقة اجتماعية عامة على اساسها سوف
نتوقف كثيرا قبل ان نلتزم بالتجزئة، وبان النهي مختص بتلك
الموارد التي صرحت بها النصوص دون غيرها. واما حين ننظر
الى النصوص على مستوى النظرة الفردية لا على مستوى
التقنين الاجتماعي فاننا نستسيغ هذه التجزئة بسهولة((105)). قال المعترض: |