الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فتوضيحه: ان شان الدين يكون باتباع القرآن والسنة، فاذا كانت السنة تفرق بين شيئين بان احدهما يختلف عن الاخرفليس لنا الا اتباع السنة، فقد ورد مثلا المخالفة بين المتماثلات، كتفضيل ليلة القدر والاشهر الحرم والجمعة على غيرهامن الازمنة، وتفضيل مكة والمدينة وكربلاء على غيرها من الامكنة، كما ورد من الشارع الجمع بين المتخالفات، حيث جعل التراب في التيمم طهورا كالماء عند عدم الماء او عند المرض، مع ان الماء ينظف الاعضاء بخلاف التراب.

كما اوجد الشارع احكاما لا مجال للعقل فيها من قبيل انه اوجب في صحة الطلاق حضور شاهدين يسمعان صيغة الطلاق، دون الزواج، واوجب قطع اليد في سرقة النصاب، ولم يوجبه في غصب المال الكثير، واوجب الجلد على من قذف غيره بالزنا ولم يوجبه على من قذف غيره بالكفر مع ان الكفر اشد واعظم، وشرط في الشهادة على الزنا اربعة شهود عدول واكتفى في الشهادة على القتل باثنين مع كون القتل اغلظ من الزنا، واوجب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، مع ان كلا منهما عبادة، واوجب القصر في الصلاة الرباعية دون غيرها مع ان الصلوات عبادة، وكذا اختلاف احكام الشك في اعداد الصلاة الرباعية دون غيرها، واوجب الغسل من نجاسة البول بالماء القليل مرتين دون الدم،واوجب لتطهير بعض النجاسات كيفية مختلفة عن غيرها كما في ولوغ الكلب او تطهير آنية الخمر، وغير هذه الموارد ممايجده المتتبع كثيرا في طيات كتب الفقه.

التعليق:
يتبين من التعليق السابق ان ما بصدده المعترض عليه ليس هو انتقاد الفقهاء على الوقوف عند المورد الذي يشكل استثناء لقاعدة ما، بل ما بصدده هو انتقاد الفقهاء في النظرة التجزيئية التي اشار اليها السيد الشهيد، وذلك لمجردالاحتمال ولو الضعيف الذي وصفه هنا بالاحتمال الطائر في الهواء. وقد ذكرنا عدة امثلة على ذلك، كما في مثال ثوب المربية وحكم الربا بين الولد ووالده.. فما هو بصدده هو هذا الاهتمام البالغ باحتمال الخصوصية لمجرد خطوره في البال مع ان مثل هذه الاحتمالات تبقى واردة دائما.

ومما سبق تبين مراده من الفقرة التي نحن بصددها، اذ ان الوجدان العملي والواقعي بل الدليل بنفسه ايضا يشهد على عدم الخصوصية للولد الذكر في حكم ثوب المربية بحيث يقتصر عليه كما هو الموقف عند بعض الفقهاء، مع ان الدليل جاء بصيغة مولود وهو شامل للانثى. فلماذا توقف بعض الفقهاء في ذلك كما نقلنا عنهم. اليس هذا للجهة التي ذكرهاالمعترض عليه؟! ولذلك لا يرد عليه كل ما ذكره المستشكل من عدم جواز العمل بالظن فانه لا اشكال في ذلك، وقد اكده نفسه.

اما ما ذكره من الامثلة كما في الطلاق والزواج بالنسبة للشهود وغير ذلك فان بعضه مما اشار اليه المعترض عليه في المقال الذي اعتمده المستشكل، كما في قضاء الصوم للحائض وعدم قضاء الصلاة، وقد ذكر ان مثل هذه الاحكام لايمكن معرفة سرها.

وكذلك اشار الى البعض الاخر في غير المصدر المذكور كما في (تاملات في آفاق الامام موسى الكاظم(ع)) فقد ذكران اختلاف حكم الطلاق والزواج من حيث الشهود حكم تعبدي وقد نقلناه سابقا فراجع.

نعم، ثمة مناقشة في بعض الامثلة، كما في اشتراط تعدد الغسل في البول وعدم تعدده في الدم، فان ثمة مجالا للبحث،ولذلك فقد مال بعضهم الى عدم اشتراط التعدد ولو في البول. بل قال بعضهم بالتعدد في غير البول لكونه اشد((106)).واختار بعضهم التعدد من باب الاحتياط.

قال المعترض:
واما بالنسبة الى الدعوة الى دراسة ما تقدم من امور دراسة اكثر دقة واكثر حركية؛ لاننا نستطيع استنطاق الحكم الشرعي الوارد... بحيث يتمكن من جعل الاختلاف في الحكم في الموردين ضعيفا... بل قد تكون المسالة تقترب من الاطمئنان ان لم تكن اطمئنانا.

فاقول: بالنسبة الى هذه الدعوى المتقدمة كان الافضل ان تقدم هذه الدراسة والحركية، وتقدم نظرية استنطاق الحكم، ثم ما معنى اقتراب المسالة من الاطمئنان؟! فهل الاقتراب من الاطمئنان حجة مع انه لا اطمئنان؟!

التعليق:
معظم ما ذكره المعتر ض عليه من اشارات منهجية في هذا المقال له تطبيقات في كتبه الاستدلالية، لكن يبدو انه لم يلحظها المعترض هنا.

قال المعترض:

* الدعوى الثالثة - قال المعترض عليه:

«ان المشكلة هي ان الدراسة الاصولية والفقهية تؤطر ذهنية الانسان في هذه الدائرة الضيقة، ومن هنا ينشا الانسان وفي قلبه وحشة من ان يمد الحكم الثابت لموضع الى امثاله؛ لان ما اسميه لغة القياس التي تانفها الذهنية الشيعية تجعل كل شيء قياسا عندهم حتى ولو كان الاحتمال بعيدا جدا؛ لانهم اذا لم يستطيعوا ان يشيروا الى خصوصية الاحتمال في مضمونه فانهم يطلقون الاحتمال في المطلق ويقولون: ان الله اعلم بالخصوصيات ونحن لا طريق لنا الى معرفتها، بحيث يغلقون الباب على اي استيحاء واستلهام للملاك الشرعي».

اقول: ان ما تقدم من الباحث لم يكن سوى دعوة للبحث من جديد ولابدية التعمق والدقة والحركية واستنطاق الحكم الشرعي وامثال هذه الامور. وهذا الكلام يوحي بعدم وجود الدقة والتعمق في ابحاث العلماء - رضوان الله عليهم - وهذا امر غير صحيح.

بالاضافة الى ان هذه الدعوى لم تطرح شيئا جديدا ليرى ما هي المشكلة عند الباحث حتى تحل حسب الموازين العلمية الصحيحة، ومن المحتمل - وان كان بعيدا - ان تكون المشكلة ناشئة عنده من عدم العمل بالقياس الظني الذي لم يدل عليه دليل، وهو ما يسم يه باستيحاء واستلهام الملاك الشرعي؛ والا فقد تقدم ان قياس منصوص العلة وقياس الاولوية ومستنبط العلة على وجه القطع واليقين يجب العمل به، وهو حجة عند الجميع.

وقد بحثت هذه الابحاث في كتب الاصول بصورة دقيقة ومفصلة، فلا جديد في البين سوى ما يوهم من ضيق الدراسة الاصولية والفقهية، وهو امر يكون الصحيح خلافه.

التعليق:
ما يذكره هنا من انه من المحتمل، وان كان بعيدا على حد تعبيره، ان تكون المشكلة عند المعترض عليه ناشئة عنده من عدم العمل بالقياس الظني.. ليس في محله، بعد ان ذكر المعترض عليه نفسه، وكما هو في المصدر الذي اعتمد هناان القياس لا يفيد الا الظن، سوى منصوص العلة، وان لا حاجة للعمل بالقياس بعد توفر النصوص الشرعية والتي تفي بالمطلوب، ولذلك فما ذكره مفارقة.

واما ما ذكره من ان المعترض عليه يسمي الاستيحاء واستلهام الحكم الشرعي وهو العمل بالقياس، فانه غير صحيح،لان ما ذكره المعترض عليه مما ورد بخصوص الاستيحاء فانه ورد مرادفا لما يعرف بمناسبات الحكم والموضوع كماهو تعبير المعترض عليه، وفي المصدر الذي اعتمده اذ قال:

بحيث ان علينا ان نحاول استيحاء المسالة مما قد يسمى في بعض التعابير الفقهية مناسبة الحكم للموضوع التي هي حالة ظهورية من مصاديق الظهور، ولذلك لا يعمل السيد الاستاذ بما اسماه بالاستيحاء المجرد الذي لا يرقى الى عالم الظهورات((107)).

اما قول المناقش انه لا يعرف ما هي المشكلة عند المعترض عليه لتحل له حسب الموازين العلمية، فانه مناقش جدا، لان المشكلة ليست في الكبريات، بل هي في التطبيقات، وقد ذكرنا عدة امثلة ليس لها ضابط واضح، ولذلك المح المعترض عليه الى هذه المشكلة، وما يقال عن حلها وفق الموازين العلمية فانه مقال يتغاضى عما هو واقع.

قال المعترض:

* الدعوى الرابعة - قال المعترض عليه:
«حتى اننا نجد بعض الاصوليين عندما يتحدثون عن مورد من الموارد التي كانت متعلقة بالامر الذي يكشف عن وجودملاك ملزم في الموضوع، فاننا نراهم انهم اذا حدث هناك اي عنوان يسقط الامر اما من جهة عدم القدرة او اي جانب من الجوانب، او من جهة التزاحم بامر آخر اهم مثلا بحيث يصبح الموضوع من دون امر؛ فانهم يقولون: انه لا يمكنناان نتقرب - اذا كان المورد مما يتقرب به الى الله - بالملاك عينه؛ لاننا لا نحرز وجود الملاك الا من خلال الامر، فاذاسقط الامر - ولو من خلال اشياء طارئة خارجية عن ذات الموضوع - فاننا لا نحرز الملاك، ولذلك فنحن لا نستطيع ان نعتبر هذا الموضوع واجدا للملاك الشرعي بحيث نرتب عليه آثار اي موضوع وارد من ملاكه فيما هي من آثارالملاك».

اقول: ان الظاهر من هذه الدعوى الاعتراض على ما هو متعارف لدى المحققين المتاخرين من حصر طريق اكتشاف الملاك بالامر سواء كان عرضيا او بالترتب او غير ذلك؛ فلو انتفى الامر بعجز او بفرض عدم الايمان بالترتب او بعدم اجتماع شرائط صحة الترتب او غير ذلك، لم يكن للفقهاء طريق الى كشف الملاك. وهذا يكون - بزعم الباحث - جموداآخر لدى الفقهاء يؤدي الى جمود الفقه، وهو يؤدي الى العجز عن حل مشكلات الحياة المتطورة.

التعليق:
ليس في كلام المعترض عليه ما يوحي بالاعتراض، بل هو في مقام تقرير ما هو واقع من الخلاف بين الاصوليين،ولذلك انصرف الاصوليون الى البحث عن حل مثل هذا الاشكال، ومال بعضهم الى صحة الاتيان بالعبادي ما دام مضافاالى الله تعالى ولو لم يقصد الامر.

قال المعترض:
والجواب:
اولا: ان الكاتب غفل عن سعة دائرة النصوص الواصلة الينا ثم دائرة الاصول العملية، والتي لا تبقي مجالا لعجز الفقه عن الجواب على مشاكل الحياة لمجرد عدم امكان كشف الملاك بغير الامر.

التعليق:
ما نسبه من الغفلة الى المعترض عليه للنصوص الكثيرة الواصلة امر ملفت، اذ كيف يغفل وقد ذكر في المقال الذي اعتمدان النصوص الشريفة واردة بشكل واسع لا يحتاج معها الى القياس((108)).

قال المعترض:

* الدعوى الخامسة - قال المعترض عليه:
«ما نتصوره ان علينا ان نعيد دراسة الاحاديث التي وردت في رفض القياس عن ائمة اهل البيت(ع)؛ لان الواضح ان بعض القضايا التي رفض فيه نقل الحكم من موضوع الى موضوع آخر كانت منطلقة من ان السائل اعتقد الملاك في جانب مقاس، بينما كان الملاك شيئا آخر لا يسمح بهذا القياس؛ لانه لا يحقق عناصر القياس، كما نلاحظ في رواية ابان بن تغلب عن ابي عبدالله الصادق(ع)، قال: قلت له: ما تقول في رجل قطع اصبعا من اصابع المراة كم فيها؟ قال:عشرة من الابل...».

اقول: ان هناك خلطا في روايات النهي عن القياس، فبعضها - كرواية ابان - تنهى عن القياس بالمعنى الاول المتقدم الذي هو عبارة عن اخضاع الاحكام الشرعية لعقل الانسان؛ فما قبله العقل اخذ به، وما رفضه العقل رفض.

التعليق:
ان المعترض عليه ليس بوارد تحديد ما هو من القياس بالمصطلح الاول او الثاني. هذا فضلا عن انه يمكن استظهار كون ابان في وارد القياس بالمعنى الثاني، وهو ما يظهر من بعض الفقهاء كما عن الشيخ الانصاري((109)).

قال المعترض:
وهذا القياس هو القياس الذي قلنا انه خطر على الشريعة بحيث يؤدي الى محقها، كما قالت به رواية ابان: «ان السنة اذاقيست محق الدين»، وكذا الامر في رواية ابن جميع المتقدمة.

ونتيجة لهذه المعركة الفكرية بين الامام الصادق(ع) وابي حنيفة تضاءل استعمال هذا المصطلح على السنة المتاخرين،وقالوا بقياس من نوع آخر؛ وهو الاستواء بين الفرع والاصل في العلة المستنبطة من حكم الاصل.

وقد قلنا سابقا: ان القياس انما رفض من قبل مدرسة اهل البيت(ع) لانكار قدرة العقل على اصابة الدين بالقياس الذي يراه الكاتب مفيدا للعلم او الاطمئنان؛ فيكون مفاد الروايات الواردة من الائمة(ع) الاخبار عن عدم قدرة العقل على اصابة دين الله تعالى بالقياس، وهذا الاخبار يجعلنا مبتعدين عن اصل حصول العلم او الاطمئنان بذلك.

التعليق:
لم يدلنا المعترض هنا على ما نسبه الى المعترض عليه من افادة القياس العلم او الاطمئنان، كيف وقد نقلنا عنه - اي المعترض عليه - وتحديدا عن المصدر الذي اعتمده المستشكل هنا، ما يدل على نفي الحجية عن القياس، وقد اعترف بذلك الشيخ الجواهري. فلماذا هذه النسبة؟!

قال المعترض:

* الدعوى السادسة - قال المعترض عليه:

«انني اتصور ان ثمة مسلمات درج عليها الاصوليون والفقهاء في الحكم الشامل بالنسبة الى القياس، ويمكننا ان نعيدالنظر فيها، فلعلنا نكتشف شيئا جديدا، وفي هذا الاطار لابد من الالفات الى احد محفزات العمل بالقياس عند بعض المذاهب، وهو انطلاقه من ضرورة معرفة الاحكام مع قلة الاحاديث الصحيحة، فلجا هذا البعض الى القياس لمل ء الفراغ، كما حصل مع الامام ابي حنيفة الذي كان اول من نظر الى القياس وعمل به؛ اذ لم يصح عنده من احاديث النبي(ص)الاثمانية عشر حديثا - حسب ما اذكر - بمعنى انه لا يملك اي مصدر لاستنباط الحكم الشرعي، وهذا ما نعبر عنه بدليل انسداد باب العلم والعلمي - ومن الطبيعي انه اذا انسد باب العلم بالاحكام او باب الحجج الخاصة - اي ما يعبر عنه بالعلمي - فاننا لابد ان نرجع الى حجية الظن على بعض المباني كحجية الكاشفية؛ بمعنى ان العقل يحكم بذلك عند فقدان كل الوسائل لمعرفة الحكم الشرعي مع وجود علم اجمالي بوجود حكم شرعي لم يسقط.

واذا كان الامر كذلك فلابد ان يجعل الله حجة ويكون الظن حجة، وعند ذلك يكون القياس اقرب الحجج من هذاالموضوع.

ومن خلال هذا نفهم ان مسالة رفض القياس لدى ائمة اهل البيت قد يكون منطلقا من ان هناك احاديث في السنة الشريفة واردة بشكل واسع جدا لا يحتاج فيه الى القياس؛ لان باب العلم مفتوح من جميع الجهات مثلا، سواء اكان من خلال القواعد العامة ام من خلال النصوص الخاصة»

اقول:
اولا - ان المسلمات التي درج عليها الفقهاء والاصوليون هي مسلمات قرآنية وروائية تتلخص في نكتتين:

الاولى: عدم اخضاع الاحكام الشرعية للعقل البشري لاخذ ما قبله وترك ما لم يقبله؛ لان دين الله لا يصاب بالعقول كماورد في الحديث الشريف.

الثانية: عدم حجية الظن الا ان يدل عليه دليل خاص؛ كما في قوله تعالى: (ان الظن لا يغني من الحق شيئا)((110)).

وهذه المسلمات لا يمكن ردها الا بمناقشة القرآن والسنة بحيث نفترض ان النبي(ص) والائمة(ع) مجتهدون، ولااحسب ان هذا الامر مقبول عند احد.

التعليق:
ان المعترض عليه لم يكن بصدد المناقشة في المسلمات الفقهية والاصولية التي تستند الى القرآن الكريم والسنة الشريفة بما لا لبس فيه. بل هو في وارد ما درج عليه البعض من الفقهاء في الحكم الشامل بالنسبة للقياس على حد تعبيره، وهذاصحيح، لان هناك وحشة من القياس وله ما يبرره، ولذلك لم يكن الموقف من القياس واحدا من علمائنا، فقد ذكرت فيماسبق ان هناك من كان يناقش في حجية قياس منصوص العلة، وقياس الاولوية.. بل الكلام ايضا في التطبيقات لا يزال كما هو اذ لم يحدد بضابط صارم، ومن اراد التفصيل فليراجع ما تقدم من الامثلة التي ذكرتها.

قال المعترض:
ثانيا - ان قياس ابي حنيفة ومحاججات الامام الصادق(ع) له تشير الى ان قياسه يختلف عن القياس بالمعنى الثاني،وقد اشرنا الى هذا مرارا فلا نعيد.

ثالثا - ان المحفز الذي ذكر للعمل بالقياس - على فرض صحته - قد نشا من امور، نشير الى بعضها (سياتي الحديث عنها بعد تعليقنا).

التعليق:
ان ما بصدده - المعترض عليه - تارة هو التماس بعض الاسباب للمنع الصادر من ائمة اهل البيت(ع) اصحابهم من العمل بالقياس، واخرى للاسباب التي دعت اتباع غير مدرسة اهل البيت(ع) الى القياس، وهو ليس بصدد بحثها جملة وتفصيلا.

اما كون النهي الصادر عن اهل البيت(ع) يرجع الى الاحاديث في السنة الشريفة التي تفي بالمطلوب وعندئذ لا يحتاج الى القياس فهو امر دل عليه بعض الاحاديث، وقد تقدمت الاشارة الى ذلك، وقد استظهره بعض المحققين والعلماء، ومنهم المحقق القمي((111))، ونقله الشيخ الانصاري عن المحدث الاسترابادي، اذ افاد ان الاهتمام بالاصول الاربعمائة وكتابة الحديث كان لئلا يحتاج الشيعة الى سلوك طريق العامة((112)).

واما كون المحفز عند العامة الى القياس وكون ذلك اعوازهم للنصوص فانه صحيح، وذلك ما اشار اليه المعترض نفسه من المنع عن كتابة الحديث مثلا وعدم سؤال الائمة، وهذا لا يبتعد عما ذكره المعترض عليه، على انه كان ذكره في كتابه(تاملات في آفاق الامام موسى الكاظم) اذ يقول: «فنحن نلاحظ ان المسالة هي عدم وجود فراغ في الشريعة يدعو الى اللجوء للقياس.. واذا كان الناس لا يجدون لديهم مصدر ذلك فان الاساس في هذا الشعور بالفراغ هو ابتعادهم عن سؤال ائمة اهل البيت الذين يملكون علم ذلك كله...»((113)).

قال المعترض:
الاول: انه نشا من مخالفة الرسول(ص) حينما امر الامة ان تقتدي بالامام امير المؤمنين والائمة الاحد عشر(ع) من بعده، حيث اراد الله للامة ان تتم المسيرة الهادية على ايدي هؤلاء الائمة الاثني عشر، وقد مهد النبي(ص) لذلك؛ حيث اودع عليا(ع) علمه وجميع الاحكام الشرعية التي كان يمليها عليه وعلي(ع) يكتب؛ ويسمى هذا الكتاب في الروايات:«الجامعة».

الثاني: انه نشا من الخطا الكامن في المنع من كتابة احاديث الرسول(ص) بعد وفاته؛ بحجة ان يختلط الحديث بالقرآن.وكان الخط الحاكم يعاقب على كتابة الحديث الذي هو عدل القرآن. وبعد قرن من الزمن حينما سمح بكتابة الحديث دس اتباع الخط الحاكم في الاحاديث الموجودة ما شاء لتثبيت الحكم؛ لذا لم يصح عند من قبل هذا الخط الا احاديث قليلة،كما ذكر الكاتب في احد محفزات القياس.

هذا ولكن كاتب المقال هو ممن اتبع الرسول(ص) في وصيته باتباع الائمة الاثني عشر(ع)، وهذا الخط هو الذي احتفظ باحاديث رسول الله (ص) بعد موته، ووصل الى رواة الحديث عن طريق الائمة(ع)، ووصل الينا عن طرق رواة الاحاديث. اذا فلا يكون الطريق مسدودا للوصول الى حكم الله تعالى من طريق العلم او العلمي، ولا تكون حجية مطلق الظن مورد قبول هذا المسلك، كما هو عليه علماؤنا اجمع.

وعلى ما تقدم فاي حاجة الى اعادة النظر في حجية مطلق الظن بناء على الانسداد؟!

التعليق:
ما يذكره بخصوص استغرابه اعادة النظر في حجية مطلق الظن بناء على الانسداد مناقش فيه، اذ لم يدع المعترض عليه الى ذلك، بل انه اكد على انه لو انسد باب العلم بالاحكام او العلمي لكان من الطبيعي اللجوء الى الظن، الا انه صرح بانه لاحاجة للقياس لان باب العلم مفتوح من جميع الجهات سواء اكان من خلال القواعد العامة ام من خلال النصوص الخاصة((114)).

قال المعترض:

* الدعوى السابعة - قال المعترض عليه:
«اننا في ملاحظتنا المتنوعة في هذه النقطة نحاول توجيه التجربة الاجتهادية في البحث اللغوي الى ان عنصر الثبات في قواعد فهم اللغة لا يخدم قضية الاجتهاد المستندة الى وعي النص، بل قد يجحدها ويعطلها؛ لانها سوف تقف عند فهم القدماء الذين قد يمنحهم القدم قداسة خاصة يرتجف المحدثون امامها فلا يملكون الجراة على مخالفتهم فيما يرتؤونه،او يجدون حرجا في الاعلان عن ذلك الخلاف بطريقة فتوى او بحث او نحو ذلك. وربما يرجع الى هذه الذهنية التقليدية في تقديس القديم او المشهور من الفقهاء والاصوليين التي قد تكون متطورة في الشكل ولكنها متجمدة في المنهج والمضمون، وقد تكون متحركة في المفردات ولكنها تبقى في افق التجريد العقلي الذي يقع تحت تاثيرات الفرضيات الخيالية او التكلفات العقلية التي لا تتمخض عن ثمرات عملية على مستوى الواقع العام للانسان، فقد تجد هناك ابحاثاتحمل الكثير من الدقة لذلك كله لتستدل بالبرهان على ما يستقل به الوجدان».

اقول: ان مقصود الكاتب توسع دائرة الاشكال على فقهاء الامامية، وبيان عدم انحصار الاشكال بانكار القياس، فتوهم الباحث ايضا بان الاخذ بعنصر الثبات في اللغة يكون اساسا آخر لجمود الفقه.

وتنحل هذه الدعوى الى نكتتين:

الاولى: ان عنصر الثبات في قواعد فهم اللغة - كما درج عليه الاصوليين واهل اللغة - لا يخدم قضية الاجتهاد المستندة الى وعي النص وحركية الفقه.

فكان الذي يخدم وعي النص هو عدم الالتزام بالثبات في قواعد فهم اللغة؛ بمعنى ان الانفلات من قواعد فهم اللغة هوالذي يخدم الاجتهاد.

وهذا امر عجيب ادع التعليق عليه لغيري.

التعليق:
ان المعترض عليه اعلن بشكل واضح ان ما بصدده هو قواعد فهم اللغة لا فهم اللغة، وثمة فرق كبير بين الامرين،لان التقعيد يرجع الى تكييفات يسهم فيها هذا او ذاك من المختصين في اللغة العربية، على عكس فهم اللغة الذي لا يحتاج الى كل هذا التكلف، ولذلك نجد الناس العاديين يفهمون المراد من اى ة جملة وفقا لظاهر الكلمات دونما التفات منهم الى كثير من التكييفات التي يطرحها علماء اللغة او علماء الاصول وخاصة المتاخرين منهم الذين اسهموا في ما يتصل بمباحث اللغة بمناسبة بحثهم لها في المباحث الاصولية.

وكمثال على اختلاف الرؤى في فهم اللغة وما يتصل بها، اختلاف الاصوليين في الدلالة في المنطوق والدلالة في المفهوم من حيث القوة، فقد كان يرى القدماء قوة دلالة المنطوق وضعف المفهوم في مقابله، في حين ان المتاخرين لا يرون ذلك ويرونهما في رتبة واحدة في القوة.

ويحسن ان اشير الى مسالة جواز استعمال اللفظ في عدة معان، او لا؟! اذ ذهب الاكثر - بل هو المعروف - الى عدم الامكان، في وقت اقترح السيد السيستاني مؤخرا ان يكون البحث في وقوعه او عدم وقوعه في اللغة، والوقوع - كما يرى - اقوى دليل على الامكان((115)).

ومضافا الى ما تقدم فان المعترض هنا لم يلتفت الى ما يقوله الطرف الاخر صراحة وبكل وضوح اذ يقول ما نصه:«فمن الممكن حينئذ الاستفادة من المستجد من علوم اللغة كالالسنية اذا ما تبين عدم تعارض المستجد مع الخط العام للغة..»((116)).

ولذلك لا حاجة لكل هذا التساؤل المثار هنا لان الاخرين لا ينكرون هذا الثبات بل يؤكدون عليه.

قال المعترض:
ولكن اقول: ان عدم الالتزام بالثبات في قواعد فهم اللغة والتجهم لعلم الاصول والدلالة والدعوة الى فهم جديد للنصوص،سوف تؤدي الى الغاء حاكمية الدين وتجاهل ثوابته ومناراته التي تعصم العقل من الاضطراب. وهذا هو عبارة عن اطراح كل ما اشتمل عليه تراث الامة الاسلامية في مجال التشريع والفكر.

الثانية: يدعي الكاتب ان المحدثين من الفقهاء لا يملكون الجراة على مخالفة القدماء فيما يرتؤونه، او يجدون حرجا في الاعلان عنه بطريقة فتوى او بحث.

وهذه الدعوى لم نجد لها في الواقع شيئا تستند اليه؛ فان الفقهاء المحدثين قد يخالفون القدماء فيما اذا ملكوا الدليل المعتبر من القرآن والسنة والعقل طبقا لقواعد فهم اللغة التي يسند اليها الاجتهاد، وامثلته كثيرة لا مجال لذكرها هنا.

التعليق:
نفيه لما يذكره المعترض عليه من عدم جراة بعض الفقهاء المحدثين في مخالفة الاقدمين مناقش فيه لكن الملفت دعواه انه لم يجد لها في الواقع شيئا لانهم - حسب رايه - اذا ملكوا الدليل المعتبر من القرآن والسنة افتوا بالراي وان كان مخالفا للاقدمين.

وما يذكره صحيح، ولكن ما يذكره المعترض عليه صحيح ايضا بل اكثر صحة، فكثيرا ما يرى الفقيه رايا علميا وانه مقتضى القواعد العلمية ثم يفتي على خلافه - ولو من باب الاحتياط - خشية مخالفة المشهور، ويمكن ان اشير الى عدة مفردات فقط:

1 - في مسالة وجوب قراءة سورة كاملة في الفريضة مضافا الى سورة الفاتحة يرى المشهور ذلك، في مقابل راي عددغير قليل من الاقدمين والمتاخرين الى عدم الوجوب. وفي مقام البحث العلمي راى السيد الخوئي ان المتبع في المسالة هوالدليل، ثم انه استعرض ادلة الطرفين وراى ان مقتضى الصناعة هو حمل الروايات الدالة على الاتيان بسورة كاملة على الاستحباب، وعندئذ فان الترجيح - عنده - علميا لما هو عليه الراي المقابل للمشهور، ولكنه رغم ذلك لم يفت به مخالفاالمشهور((117)).

2 - في مسالة ان الزنا بذات الزوج يوجب الحرمة مؤبدا بين الزاني والمراة بحيث لو طلقها زوجها الاول او مات فانه لا يحق للزاني الزواج منها، وهذا هو راي المشهور، وقد ناقش السيد الخوئي الراي المذكور ولم يجد عليه دليلا صالحا،ورغم ذلك لم يشا مخالفة المشهور، واختار الاحتياط. لماذا((118))؟!

3 - في مسالة عدم جواز التظليل للرجال في حالة الاحرام اثناء المسير، ناقش السيد محمد الروحاني الادلة وراى عدم صلاحية ما استدل به من روايات على ذلك، وانه لا يظهر منها سوى الكراهة، ورغم ذلك فانه لم يشا المخالفة في الفتوى((119)).

4 - في مسالة تحديد الغروب وانه يتحقق بسقوط القرص وغيبوبته عن النظر فقط ام لابد مع ذلك من ذهاب الحمرة المشرقية؟ يقول السيد الخوئي: «وقد استبان لك من جميع ما قدمناه لحد الان ان القول المنسوب الى الاشهر او الاكثر لايسعنا الالتزام به، اذ لا سبيل الى اتمامه بدليل تركن اليه النفس، بل الدليل قائم على خلافه، ومقتضى الصناعة هو المصير الى القول المشهور من دخول الوقت بسقوط القرص واستتار الشمس تحت الافق الذي اختاره جماعة من المحققين»((120)) ومع هذا فانه لم يفت بذلك بل احتاط احتياطا وجوبيا((121)).

ولولا خشية الاطالة واتعاب القارئ لذكرت الكثير من هذه المفردات.

قال المعترض:
ان فهم المشهور والقدماء للنص وان لم يكن مقدسا بما هو فهم للمشهور، الا انه قد يكشف في كثير من الاحيان عن ظهور للنص اذا عرفنا انهم ملتفتون الى نواحي الكلام وقواعد فهم اللغة، وحينئذ يكون هذا الظهور للنص هو المقدس الذي تكون مخالفته حرجة.

التعليق:
الاعتراض الذي ذكره المعترض عليه على الفقهاء هو الوحشة من مخالفة المشهور مع وضوح الدليل على خلافه، كما في الامثلة التي ذكرناها، وليس مراده مخالفة المشهور كما في ما يذكره صاحب المقالة هنا لانه لو حصل الظهور الذي يذكره فانه لا اشكال في اعتباره حجة، هذا لو حصل للفقيه مثل هذا الظهور، ولذلك خالف المعترض نفسه المشهور في مسالة جواز التذكية بغير الحديد، بحيث لم يجد باسا في مخالفة المشهور بعد مساعدة الدليل على مثل هذه المخالفة، ولم يحتمل ان يكون ثمة قرينة التفت اليها الفقهاء بحيث جعلت من الحديدة هي الفلز الخاص لا الاعم منه اي كل ما كان قاطعا وان لم يكن منه((122)).

ثم ان لنا تعليقا بخصوص فهم المشهور فان فتواهم - مثلا - بانفعال البئر بالنجاسة ايضا يكشف - بما هم متقدمون -عن وجود قرائن حالية او لفظية في الروايات جعلتهم يفتون بذلك ولكنها ضاعت علينا نحن المتاخرين. بل ان الفتوى المعروفة بنجاسة الكتابي - تكشف هي الاخرى عن وجود مثل هذه القرائن جعلتهم يفتون بالنجاسة ولكنها ضاعت وخفيت على المتاخرين.. واذا قلنا بذلك فلا يبقى حق للمتاخرين في اعادة قراءة النصوص او مخالفة المشهور في آية مسالة لاحتمال ان فتوى المشهور كانت مستندة الى قرائن في النصوص وصلتهم وضاعت على المتاخرين.

قال المعترض:

* الدعوى الثامنة - قال المعترض عليه:
«ولعل هذه الحيوية التي نريد تحريكها في البحث الاصولي هي التي قد تبعدنا عن الوقوف جامدين امام العناوين الاصولية التي استهلكناها في مذهبياتنا الفقهية والاصولية، فلم نتقدم خطوة واحدة نحو الاخر... اذ لا يزال القياس والمصالح المرسلة والاستحسان وغيرها مقبولة بالمطلق من مذهب معين ومرفوضة بالمطلق من مذهب آخر؛ لان القضية هنا وهناك في الايجاب والسلب قد وصلت في الوعي الاصولي الى مستوى الحقيقة الحاسمة التي لا تملك في الواقع يقيناحاسما يلغي امكانات الحوار، ويطور مسالة السلب الكلي الى الايجاب الجزئي، والايجاب الكلي الى السلب الجزئي؛ لان الادلة التي يقيمها هؤلاء على القبول او يقيمها اولئك على الرفض ليست ادلة يقينية بالمعنى الوجداني البديهي، بل هي ادلة فكرية بالمعنى النظري البرهاني التحليلي. فاذا كانت الاسس التي قد يعتمدها اهل السنة في حجية القياس والاستحسان والمصالح المرسلة هي اعتبار الظن بالعلة المشتركة بين الموضوعات، او بالمصالح الكامنة في داخل هذه الواقعة المنفتحة على الخط العام للمقاصد الشرعية التي تخضع لها المصالح والمفاسد التي هي ملاكات الاحكام، او بالاساس الذي يقوم به حكم على آخر، فقد يفرض علينا البحث العلمي الدخول في حوار حول مدى حجية الظن في الخط العام اوفي الخطوط التفصيلية، وفي طبيعة الادلة العقلية المنفتحة على العمق الشرعي في ادراكات العقل، او الادلة الشرعية المباشرة؛ لنكتشف اساس الحجية في هذا او ذاك من خلال وجدان عقلي وشرعي.

وربما نجد في هذه التجربة بعض ما نكتشف فيه اننا قد نلتقي بالقياس في العلة المنصوصة او المستنبطة بطريقة يقينية، كما قد نكتشف الوسائل اليقينية او الشرعية المعتبرة لاكتشاف مقاصد الشرع القطعية في هذا الموضوع او ذاك لمعرفة ملاكات الاحكام التي يمكن من خلالها وعي الاهمية في ملاك هذا الحكم في هذا الموضع بالدرجة التي يقدم بهاالحكم الاخر في موضوع آخر بحيث يتجمد احدهما في دائرة الاهم والمهم.

وفي ضوء ذلك، قد نجد اكثر من مجال للالتقاء في بعض هذه العناوين ما قد يخفف عنا الكثير من العقد الشعورية التي تتحول الى عقدة مذهبية في الانفصال الفكري والفقهي والاصولي بالمستوى الذي لا مجال فيه للقاء».

اقول: ان الكاتب يبرز مشكلة اخرى بسبب انكار الشيعة للقياس انكارا مطلقا، وهي: عدم امكانية التقريب بين الشيعة والسنة؛ لان احدهما ينكر القياس مطلقا والاخر يثبته مطلقا، في حين ان الباحث يتخيل ان الافضل تنازل كل من الطرفين عن اطلاق كلامه كي يلتقيا في الطريق.

التعليق:
ما يذكره المعترض هنا في هذه الفقرة يصدر عن رؤية معينة، لان ما بصدده المعترض عليه هو الدعوة للحواروان هناك قواسم مشتركة حتى في الموارد التي هي موارد النزاع والخصومة ومن ذلك القياس، حيث اشار الى العمل بالقياس المنصوص العلة مثلا، في اشارة الى ان رفض القياس لم يات من عقدة بل ياتي من كونه ليس حجة، لكونه يفيد الظن فتامل كلامه جيدا.

ثم قال المعترض:
والجواب: ان الباحث قد غفل عن ان ما يدعو اليه المخلصون من الاقتراب والتكاتف بين الشيعة والسنة امام الكفرالعالمي انما هو عبارة عن تكاتفهم ضد العدو المشترك في الاهداف المشتركة، وليس عبارة عن تنازل احدهما عن بعض افكاره في مقابل الاخر، فلا الشيعي مطالب بتنازله عن حجية القياس بالمعنى المالوف، ولا توجد اي مصلحة في الاقتراب بينهما بهذا المعنى الذي يطرحه الكاتب.

التعليق:
لم يغفل المعترض عليه عما يذكره المستشكل هنا، وما يشير اليه من ان الاقتراب بين الشيعة والسنة لا يتاتى بالتنازل من طرف لاخر فهو مما ينادي به المعترض عليه ايضا، فلا صحة لما نسبه من الغفلة ويكفي ان انقل عن المعترض عليه ما يردده كثيرا اذ يقول: «ليست الوحدة ان يقدم هذا الفريق الاسلامي تنازلا عن عقيدته للفريق الثاني او بالعكس، بل ان يلتقي المسلمون على ما اتفقوا عليه وان يرجعوا الى الله والى الرسول فيما تنازعوا فيه.. ولكن الوحدة هي ان نتعاون على ما اتفقنا وان يحاور بعضنا البعض الاخر بالطرق الاسلامية فيما اختلفنا فيه..»((123)).

قال المعترض:
واخيرا: فاننا في هذه المقالة ناقشنا الدعوة الى اعادة النظر في حجية القياس الظني، وهو بحث اصولي.

اما العمل بالقياس فلا يصح نسبته الى من يدعو الى اعادة النظر في القياس من ناحية البحث الاصولي، خصوصا وقدصرح في كتابه (النكاح) بقوله: «... واما القياس فليس من مذهبنا ولا نعتبره دليلا شرعيا؛ لانه قد ثبت في علم الاصول عدم حجيته في اثبات الاحكام الشرعية الفرعية».

التعليق:
اذا كان المعترض عليه باعتراف المعترض لا يعمل بالقياس، فلماذا كل هذا البحث، وبالتالي الايحاء بان هناك من يدعوللعمل بالقياس الذي يوجب تشويش القراء ويوحي لهم بان هناك من يدعو الى العمل بالقياس؟!

قاعدة الانصراف

الاستاذ الشيخ احمد المبلغي

يقسم الانصراف الى قسمين رئيسين:

القسم الاول: الانصراف الناشئ من الامور الخارجية.
القسم الثاني: الانصراف المتكئ على الارتكاز.
وهناك قسم ثالث سنشير اليه في آخر البحث.

القسم الاول: الانصراف الناشئ من الامور الخارجية

وينقسم بدوره الى اقسام اربعة، هي:

أ - الانصراف الناشئ من غلبة الوجود.
ب - الانصراف الناشئ من كثرة الاستعمال.
ج - الانصراف الناشئ من وجود ظروف خاصة سياسية او اجتماعية او غير ذلك.
د - الانصراف الناشئ من ظهور مصداق جديد لعنوان الموضوع بعد عصر التشريع.

ولم يشر العلماء الا الى القسمين الاولين، مع ان هناك موارد للانصراف لا تندرج تحتهما، بل تندرج اما تحت القسم الثالث او الرابع، فلابد من اعتبارهما والبحث عنهما ايضا، ولا يمكن ذلك الا بذكرهما في عداد اقسام الانصراف وذكرما لهما من الضوابط والنكات.

ومن الجدير بالذكر ان سر اعتبار هذه الاقسام الاربعة من الانصراف الناشئ من الامور الخارجية سياتي ذكره عندتوضيح الفروق الموجودة بين هذا القسم الرئيسي وبين القسم الذي عبرنا عنه بالانصراف الناشئ من الارتكاز. وفيما يلي نتعرض للاقسام الاربعة المشار اليها:

أ - الانصراف الناشئ من غلبة الوجود:
والمقصود من هذا القسم ما اذا كان للفظ مصاديق تكون لها غلبة وجودية بالنسبة الى مصداق او مصاديق اخرى للفظ،فحينئذ توجب هذه الغلبة انصرافا للفظ الى تلك المصاديق الغالبة.

وقد جرى البحث في اعتبار هذا الانصراف، فذهب الاصوليون المتقدمون - كصاحب المعتبر ومن جاء بعده - الى اعتباره، بينما اصر المتاخرون الذين جاؤوا بعد حركة تجديد علم الاصول على عدم اعتباره وصرحوا بانه بدوي لاعبرة به.

وقد استدل المتقدمون على اعتباره: بانه لو لم يكن هذا الانصراف معتبرا فلماذا يحمل الامر بالامر بالغسل على الغسل بالماء المطلق مع ان الغسل بالماء المضاف ليست مشكلته الا ندرة الوجود؟! فاجماع الفقهاء على عدم صحة الغسل بالماءالمضاف يرشدنا الى ان هذا الانصراف صحيح ومعتبر.

وبعبارة اخرى: انه يعني اجماعا على اعتبار مثل هذا الانصراف.

ويلاحظ عليهم: بان هؤلاء لم يتفطنوا الى قسم آخر للانصراف - وهو الانصراف الناشئ من مناسبة الحكم والموضوع والذي سنذكره في محله - وهذا ما جعلهم يتصورون ان الحكم بعدم صحة الغسل بالماء المضاف قد تم على اساس النظر الى الانصراف الناشئ من الغلبة بعين الاعتبار، مع ان هذا الحكم نشا عن ذلك القسم الاخر؛ حيث ان الانسان يحس بالوجدان ان الماء الذي يصح الغسل به ليس هو الا الماء المطلق، فالحكم - وهو الغسل - يتناسب مع حصة من الماء وهي الماء المطلق فحسب.

اما المتاخرون المعاصرون فقد حاولوا اثبات عدم كون الانصراف الناشئ من الغلبة معتبرا بوجوه في كلماتهم ترجع في الحقيقة الى امر واحد، وان اختلفت هذه الوجوه بعضها مع البعض من حيث الصياغة ومن حيث الوفاء بالمقصود:

الاول: ما ذكره الشيخ الانصاري حيث قال ما حاصله:
ان هذا القسم من الانصراف عبارة عن صرف حضور الفرد الغالب في الذهن لا على اساس انه المراد. والحقيقة انه لونظرنا الى هذا الكلام بعنوان استدلال على اثبات عدم اعتبار هذا الانصراف فسوف نجد فيه نقصا من حيث الوفاءبالمقصود واثباته وان كان فيه شيء مما لابد ان يقال لاثباته، وسوف نشير الى كل من موردي النقص والكمال في كلامه.

اما السيد الامام فقد ذكر في اثبات عدم اعتبار هذا الانصراف ما حاصله:

ان الطبيعة التي اخذها المتكلم في كلامه لا تحكي عن الافراد، بل لا يعقل ان تحكي عنها، وعليه يكون تمام الموضوع هونفس الطبيعة بلا قيد، فنفس الافراد وغلبتها بما انهما خارجتان عن الطبيعة المفروغ عنها عند القاء الكلام، فالنتيجة ان الاطلاق لا تضره غلبة الافراد.

وهذا البيان يتضمن ايضا بعض ما نحتاج في البرهنة على عدم اعتبار هذا الانصراف، وسوف نشير الى ذلك.

وهناك بيان آخر وهو للشهيد الصدر، وحاصله: ان الغلبة لا تؤثر على اطلاق اللفظ شيئا؛ وذلك لان الانصراف الناشى ءمنها انس ذهني بالحصة مباشرة.

وهذا البيان يتضمن ايضا بعض ما نحتاجه في مقام الاستدلال على المدعى.

والصحيح في المقام ان يقال: انه بالنظر الى ما يلي يتضح عدم اعتبار الانصراف الناشئ من الغلبة؛ وذلك:

اولا - انه لابد لنا من الاخذ بما اراده المتكلم، وانطلاقا من ذلك لا يكون شيء معتبرا لنا الا ان يكون هو طريقا لدى العرف الى تعيين مراده.

ثانيا - ان فهم مراد المتكلم يتم على اساس احد شيئين: اما الوضع واما قيام القرينة، فلو وضع شيء لمعنى فلابد من اخذ الموضوع له مرادا لمن تكلم بذلك اللفظ بشرط الا تكون هناك قرينة تدل على انه اراد معنى آخر؛ وهذا يعني ان كلامن الوضع والقرينة طريق الى فهم مراد المتكلم.
وكما هو معلوم يكون الاخذ بالقرينة متعينا عند قيامها حتى لو احرزنا ان الموضوع له اللفظ ذلك المعنى الفلاني.

ثالثا - ان الانصراف يستمد اعتباره من كونه من مصاديق القرينة، فهو لا يكون حجة الا لانه قرينة على مراد المتكلم،وهذه القرينة تعد بمثابة قيد يلتصق باللفظ فيمنع ان يستفاد من اللفظ تمام الافراد المندرجة تحته بلحاظ المدلول الوضعي، بل لابد ان يحمل اللفظ على الحصة التي ينصرف الذهن اليها.

رابعا - ان الانصراف لا يحتاج في صدقه وتحققه الا الى عنصر واحد؛ الا وهو حضور الحصة في الذهن، فلو حصل هذا المقدار لكفى في صدق عنوان الانصراف، غير ان هذا المقدار لا يكفي في اعتبار الانصراف وحجيته، بل لابد لذلك من تحقق عنصر آخر؛ وهو كون حضور الحصة في الذهن حضورا خاصا، وذلك بان يحضر الفرد في الذهن على اساس انه المراد، وكلام الشيخ الانصاري ناظر الى هذه النقطة.

خامسا - انه لا يحضر الفرد في الذهن على اساس انه المراد الا فيما اذا تحقق هذا الحضور في الذهن بلحاظ حصول علاقة بين اللفظ والحصة.

وبعبارة اخرى: ان الذهن في انصرافه وتوجهه الى فرد اما ان يتاثر بالعلاقة القائمة بين اللفظ والحصة، او لايتاثر.

وبعبارة ثالثة: ان توجه الذهن الى الفرد قد يتم بشكل مباشر من دون وساطة علاقة اللفظ بالحصة، وقد يتم عبر تلك العلاقة المشار اليها.

ومن المعلوم انه عندما يتم بشكل مباشر ومن دون وساطة تلك العلاقة ليس امامنا حينئذ شيء يدل على انه المرادللمتكلم؛ لان المراد يتم كشفه عبر تلك العلاقة وبسببها، بل الدليل قائم على ان ذلك الفرد الجائي الى الذهن لم يكن مراداللمتكلم من اطلاقه اللفظ، وهو ان المتكلم لا ينظر الا الى الطبيعة ولا نظر له الى الافراد، وبما ان غلبة الافراد شان مرتبط بالافراد فلا نظر للمتكلم اليها، فتحصل ان الانصراف الناشئ من غلبة الافراد لا عبرة به.

ومن هنا يمكن ان نفهم مكان كل من بياني الصدر والامام (قدس سرهما)، فان كلام الشهيد ناظر الى ذلك المطلب الذي اشرنا اليه من انه لو لم يتم الانصراف على اساس علاقة اللفظ بالحصة فلا يبقى امامنا شيء يدل على ان هذه الحصة هي المرادة للمتكلم؛ لان المراد يحصل على اساس هذه العلاقة.

واما كلام السيد الامام(قدس سره) فهو ناظر الى ما ذكرنا من انه يوجد امامنا دليل على عدم ارادة المتكلم للحصة المشار اليها فحسب.

فكلام الشهيد(قدس سره) ناظر الى عدم الدليل على كونها المرادة للمتكلم؛ وكلام الامام الى وجود الدليل على عدم كونهامرادة له.

ومن الجدير ذكره ان السيد الخوئي(قدس سره) استدل لاثبات عدم حجية هذا القسم بما يشبه كلام الامام.

وبهذا البيان نتمكن من تقييم كل البيانات الواردة في اثبات عدم حجية هذا القسم؛ بمعنى ان نجعل كل بيان في موضعه اللائق به.

هذا، ولكن السيد المرتضى(رحمه الله) استدل لاثبات عدم اعتبار الانصراف في مورد من موارد الانصراف الى العادة -وهو مسالة: هل الامر بالغسل ينصرف الى الماء المطلق او يشمل مثل ماء الكبريت ايضا؟ - بقيام الاجماع على كون الغسل بماء الكبريت جائزا وصحيحا، ومن ذلك نعلم عدم الاشتراط بالعادة وعدم الانصراف اليها، بل المراد بالغسل مايتناوله اسمه حقيقة.

وقد اجاب عنه بعض العلماء - ومن جملتهم السيد العاملي في مدارك الاحكام -: بان الغسل لا ينصرف الى المعتاد،واما عدم تناوله لماء الكبريت - لو سلمناه - فانما قد تم على اساس انعقاد الاجماع.

وهذا الجواب يرجع الى ان حصول الاجماع على خلاف ما اقتضاه الانصراف لا يدل على عدم اعتبار ذلك الانصراف، بل يدل على ان موردا من الموارد المندرجة تحت المنصرف عنه خارج بسبب قيام الاجماع.

وبعبارة اخرى: ان الاجماع بما هو دليل من الادلة لو قام على مورد لم يشمله الدليل الاخر، فلابد من اعتباره من حيث الحكم كالذي شمله الدليل الاخر، وهنا النص لا يشمل ماء الكبريت لمكان الانصراف؛ غير ان قيام الاجماع على صحة الغسل به يكفي للحكم بالصحة وان لم يشمله النص.

والحقيقة اننا وان لم نكن مع السيد المرتضى في المدعى لكننا لا نرتضي الدليل الذي اقامه، بل نرى ان ما قاله صاحب المدارك في محله؛ بمعنى ان قيام الاجماع على ثبوت الحكم المنصرف اليه بالمنصرف عنه -كما في المقام - لا يدل على عدم اعتبار الانصراف، بل انما يكون قيامه بمعنى قيام دليل آخر على ان ثبوت الحكم لما لا يشمله الدليل الاولي. اللهم الاان يقال: ليس مقصود السيد المرتضى من التمسك بالاجماع في المقام لاثبات عدم الانصراف هو التمسك بالاجماع الرائج المعهود بيننا، بل بمعنى اجماع العلماء بعنوان انهم عقلاء ومن ابناء العرف. ومن المعلوم ان العقلاء لو فهموا شيئا من لفظ فانما يكون فهمهم هذا هو الحكم، فلابد من الرجوع اليه.

ولما لم يعبا العلماء بالانصراف المتصور في المقام فنستكشف حينئذ ان العقلاء والعرف لا يرون لمثل هذا الانصراف وزنا، فيرجع حينئذ ما قاله الى الوجه الذي تمسك به المعاصرون في اثبات عدم حجية الانصراف الى الفرد الشائع والغالب.

والاختلاف بينهما يعود الى الصورة والقالب، حيث اننا نقول في اثبات عدم حجيته: بان الانصراف الى الافرادالغالبة يعني الانصراف الذي لم يرده المتكلم - كما شرحنا ذلك سابقا - لان المتكلم يجعل حكمه للطبيعة بما انه من العرف.

اقسام الانصراف الناشئ من الغلبة:
ان المتاخرين المعاصرين وان ذهبوا الى عدم حجية الانصراف الناشئ من الغلبة، غير انهم اعتبروه في بعض المواردالفقهية حجة، كما انهم حكموا بالاجمال في موارد اخرى من مصاديق هذا الانصراف؛ اي لم يحكموا لا بالانصراف ولابالاطلاق.

ان مشاهدة هذا الوضع تجعل وضعية هذا الانصراف مبهمة لدى الانسان، فيتساءل: لو لم يكن الانصراف المذكورمعتبرا فلماذا اعتبروه في بعض الموارد حجة وفي بعضها الاخر مجملا وضعه؟ ولكي نخرج هذا الانصراف من وضعه المبهم هذا نرى ضرورة تقسيمه الى ما يلي:

القسم الاول: كون الغلبة ناشئة من تعسر حصول الانسان على الفرد الاخر؛ اي الفرد الذي يكون بحسب الفرض منصرفا عنه اللفظ، والذي نعبر عنه بالفرد النادر.
القسم الثاني: ما تكون الغلبة الموجودة فيه ناشئة من كون المصداق المنصرف اليه كمصداق اكمل وابرز للعنوان.

اما القسم الاول - وهو ما اذا كانت الغلبة حاصلة بسبب كون وجود المصداق النادر متعسرا او متعذرا - فهو ينقسم بنفسه الى اقسام ثلاثة:

الاول: ما اذا كانت الندرة من الطرف الاخر ندرة عادية، والمقصود منها انها لم تكن بالغة حدا بحيث نعتبرها ملحقة بالعدم، بل يكون الفرد النادر بحسب رؤية العرف موجودا في الخارج غير انه قليل الوجود، او كان تحصيله يحصل بشكل نادر.
وهذا القسم هو الذي لابد من اعتبار الانصراف فيه غير حجة؛ فان كلام الفقهاء والاصوليين حول عدم حجية الانصراف الناشئ من الغلبة ناظر الى هذا القسم.
والمثال المعروف الذي ذكروه هنا - من انصراف لفظ «الماء» في العراق الى ماء الفرات - يرتبط بهذا القسم، وهذا القسم توجه له امثلة كثيرة في الفقه فلابد للمستنبط ان يرى ان ما بدا له من الانصراف الذي نشا من الغلبة هل هو من هذاالقسم الذي كانت الندرة فيه عادية ام هو من القسمين الاخرين؟ واكثر ما يوجد من اضطراب في كلمات الفقهاء في المسالة انما هو ناشئ عن عدم التفاتهم الى هذه النكتة التي يبرز على اساسها تقسيم الغلبة الى اقسام ثلاثة.