فتوضيحه: ان شان الدين يكون باتباع القرآن والسنة، فاذا كانت
السنة تفرق بين شيئين بان احدهما يختلف عن الاخرفليس لنا
الا اتباع السنة، فقد ورد مثلا المخالفة بين المتماثلات،
كتفضيل ليلة القدر والاشهر الحرم والجمعة على غيرهامن
الازمنة، وتفضيل مكة والمدينة وكربلاء على غيرها من الامكنة،
كما ورد من الشارع الجمع بين المتخالفات، حيث جعل التراب
في التيمم طهورا كالماء عند عدم الماء او عند المرض، مع ان
الماء ينظف الاعضاء بخلاف التراب.
كما اوجد الشارع احكاما لا مجال للعقل فيها من قبيل انه
اوجب في صحة الطلاق حضور شاهدين يسمعان صيغة الطلاق،
دون الزواج، واوجب قطع اليد في سرقة النصاب، ولم يوجبه
في غصب المال الكثير، واوجب الجلد على من قذف غيره بالزنا
ولم يوجبه على من قذف غيره بالكفر مع ان الكفر اشد واعظم،
وشرط في الشهادة على الزنا اربعة شهود عدول واكتفى في
الشهادة على القتل باثنين مع كون القتل اغلظ من الزنا،
واوجب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، مع ان كلا منهما
عبادة، واوجب القصر في الصلاة الرباعية دون غيرها مع ان
الصلوات عبادة، وكذا اختلاف احكام الشك في اعداد الصلاة
الرباعية دون غيرها، واوجب الغسل من نجاسة البول بالماء
القليل مرتين دون الدم،واوجب لتطهير بعض النجاسات كيفية
مختلفة عن غيرها كما في ولوغ الكلب او تطهير آنية الخمر،
وغير هذه الموارد ممايجده المتتبع كثيرا في طيات كتب
الفقه. يتبين من التعليق السابق ان ما بصدده المعترض عليه ليس هو انتقاد الفقهاء على الوقوف عند المورد الذي يشكل استثناء لقاعدة ما، بل ما بصدده هو انتقاد الفقهاء في النظرة التجزيئية التي اشار اليها السيد الشهيد، وذلك لمجردالاحتمال ولو الضعيف الذي وصفه هنا بالاحتمال الطائر في الهواء. وقد ذكرنا عدة امثلة على ذلك، كما في مثال ثوب المربية وحكم الربا بين الولد ووالده.. فما هو بصدده هو هذا الاهتمام البالغ باحتمال الخصوصية لمجرد خطوره في البال مع ان مثل هذه الاحتمالات تبقى واردة دائما.
ومما سبق تبين مراده من الفقرة التي نحن بصددها، اذ ان
الوجدان العملي والواقعي بل الدليل بنفسه ايضا يشهد على عدم
الخصوصية للولد الذكر في حكم ثوب المربية بحيث يقتصر
عليه كما هو الموقف عند بعض الفقهاء، مع ان الدليل جاء بصيغة
مولود وهو شامل للانثى. فلماذا توقف بعض الفقهاء في ذلك
كما نقلنا عنهم. اليس هذا للجهة التي ذكرهاالمعترض عليه؟!
ولذلك لا يرد عليه كل ما ذكره المستشكل من عدم جواز
العمل بالظن فانه لا اشكال في ذلك، وقد اكده نفسه.
اما ما ذكره من الامثلة كما في الطلاق والزواج بالنسبة للشهود
وغير ذلك فان بعضه مما اشار اليه المعترض عليه في المقال
الذي اعتمده المستشكل، كما في قضاء الصوم للحائض وعدم
قضاء الصلاة، وقد ذكر ان مثل هذه الاحكام لايمكن معرفة
سرها.
وكذلك اشار الى البعض الاخر في غير المصدر المذكور كما في
(تاملات في آفاق الامام موسى الكاظم(ع)) فقد ذكران اختلاف
حكم الطلاق والزواج من حيث الشهود حكم تعبدي وقد نقلناه
سابقا فراجع.
نعم، ثمة مناقشة في بعض الامثلة، كما في اشتراط تعدد الغسل
في البول وعدم تعدده في الدم، فان ثمة مجالا للبحث،ولذلك
فقد مال بعضهم الى عدم اشتراط التعدد ولو في البول. بل قال
بعضهم بالتعدد في غير البول لكونه اشد((106)).واختار بعضهم
التعدد من باب الاحتياط. فاقول: بالنسبة الى هذه الدعوى المتقدمة كان الافضل ان تقدم هذه الدراسة والحركية، وتقدم نظرية استنطاق الحكم، ثم ما معنى اقتراب المسالة من الاطمئنان؟! فهل الاقتراب من الاطمئنان حجة مع انه لا اطمئنان؟! التعليق:معظم ما ذكره المعتر ض عليه من اشارات منهجية في هذا المقال له تطبيقات في كتبه الاستدلالية، لكن يبدو انه لم يلحظها المعترض هنا. قال المعترض:
«ان المشكلة هي ان الدراسة الاصولية والفقهية تؤطر ذهنية
الانسان في هذه الدائرة الضيقة، ومن هنا ينشا الانسان
وفي قلبه وحشة من ان يمد الحكم الثابت لموضع الى امثاله؛
لان ما اسميه لغة القياس التي تانفها الذهنية الشيعية تجعل
كل شيء قياسا عندهم حتى ولو كان الاحتمال بعيدا جدا؛
لانهم اذا لم يستطيعوا ان يشيروا الى خصوصية الاحتمال
في مضمونه فانهم يطلقون الاحتمال في المطلق ويقولون: ان
الله اعلم بالخصوصيات ونحن لا طريق لنا الى معرفتها،
بحيث يغلقون الباب على اي استيحاء واستلهام للملاك
الشرعي».
اقول: ان ما تقدم من الباحث لم يكن سوى دعوة للبحث من
جديد ولابدية التعمق والدقة والحركية واستنطاق
الحكم الشرعي وامثال هذه الامور. وهذا الكلام يوحي بعدم
وجود الدقة والتعمق في ابحاث العلماء - رضوان الله عليهم -
وهذا
امر غير صحيح.
بالاضافة الى ان هذه الدعوى لم تطرح شيئا جديدا ليرى ما هي
المشكلة عند الباحث حتى تحل حسب الموازين
العلمية الصحيحة، ومن المحتمل - وان كان بعيدا - ان تكون
المشكلة ناشئة عنده من عدم العمل بالقياس الظني الذي
لم يدل عليه دليل، وهو ما يسم يه باستيحاء واستلهام الملاك
الشرعي؛ والا فقد تقدم ان قياس منصوص العلة وقياس الاولوية
ومستنبط العلة على وجه القطع واليقين يجب العمل به، وهو
حجة عند الجميع.
وقد بحثت هذه الابحاث في كتب الاصول بصورة دقيقة
ومفصلة، فلا جديد في البين سوى ما يوهم من ضيق
الدراسة الاصولية والفقهية، وهو امر يكون الصحيح خلافه. ما يذكره هنا من انه من المحتمل، وان كان بعيدا على حد تعبيره، ان تكون المشكلة عند المعترض عليه ناشئة عنده من عدم العمل بالقياس الظني.. ليس في محله، بعد ان ذكر المعترض عليه نفسه، وكما هو في المصدر الذي اعتمد هناان القياس لا يفيد الا الظن، سوى منصوص العلة، وان لا حاجة للعمل بالقياس بعد توفر النصوص الشرعية والتي تفي بالمطلوب، ولذلك فما ذكره مفارقة.
واما ما ذكره من ان المعترض عليه يسمي الاستيحاء واستلهام
الحكم الشرعي وهو العمل بالقياس، فانه غير صحيح،لان ما
ذكره المعترض عليه مما ورد بخصوص الاستيحاء فانه ورد
مرادفا لما يعرف بمناسبات الحكم والموضوع كماهو تعبير
المعترض عليه، وفي المصدر الذي اعتمده اذ قال:
بحيث ان علينا ان نحاول استيحاء المسالة مما قد يسمى في
بعض التعابير الفقهية مناسبة الحكم للموضوع التي هي حالة
ظهورية من مصاديق الظهور، ولذلك لا يعمل السيد الاستاذ
بما اسماه بالاستيحاء المجرد الذي لا يرقى الى
عالم الظهورات((107)).
اما قول المناقش انه لا يعرف ما هي المشكلة عند المعترض
عليه لتحل له حسب الموازين العلمية، فانه مناقش جدا،
لان المشكلة ليست في الكبريات، بل هي في التطبيقات، وقد
ذكرنا عدة امثلة ليس لها ضابط واضح، ولذلك المح
المعترض عليه الى هذه المشكلة، وما يقال عن حلها وفق
الموازين العلمية فانه مقال يتغاضى عما هو واقع. * الدعوى الرابعة - قال المعترض عليه:«حتى اننا نجد بعض الاصوليين عندما يتحدثون عن مورد من الموارد التي كانت متعلقة بالامر الذي يكشف عن وجودملاك ملزم في الموضوع، فاننا نراهم انهم اذا حدث هناك اي عنوان يسقط الامر اما من جهة عدم القدرة او اي جانب من الجوانب، او من جهة التزاحم بامر آخر اهم مثلا بحيث يصبح الموضوع من دون امر؛ فانهم يقولون: انه لا يمكنناان نتقرب - اذا كان المورد مما يتقرب به الى الله - بالملاك عينه؛ لاننا لا نحرز وجود الملاك الا من خلال الامر، فاذاسقط الامر - ولو من خلال اشياء طارئة خارجية عن ذات الموضوع - فاننا لا نحرز الملاك، ولذلك فنحن لا نستطيع ان نعتبر هذا الموضوع واجدا للملاك الشرعي بحيث نرتب عليه آثار اي موضوع وارد من ملاكه فيما هي من آثارالملاك».
اقول: ان الظاهر من هذه الدعوى الاعتراض على ما هو متعارف
لدى المحققين المتاخرين من حصر طريق اكتشاف الملاك
بالامر سواء كان عرضيا او بالترتب او غير ذلك؛ فلو انتفى الامر
بعجز او بفرض عدم الايمان بالترتب او بعدم اجتماع شرائط
صحة الترتب او غير ذلك، لم يكن للفقهاء طريق الى كشف
الملاك. وهذا يكون - بزعم الباحث - جموداآخر لدى الفقهاء
يؤدي الى جمود الفقه، وهو يؤدي الى العجز عن حل مشكلات
الحياة المتطورة. والجواب: *
الدعوى الخامسة - قال المعترض عليه:
اقول: ان هناك خلطا في روايات النهي عن القياس، فبعضها -
كرواية ابان - تنهى عن القياس بالمعنى الاول المتقدم الذي هو
عبارة عن اخضاع الاحكام الشرعية لعقل الانسان؛ فما قبله
العقل اخذ به، وما رفضه العقل رفض.
ونتيجة لهذه المعركة الفكرية بين الامام الصادق(ع) وابي
حنيفة تضاءل استعمال هذا المصطلح على السنة
المتاخرين،وقالوا بقياس من نوع آخر؛ وهو الاستواء بين الفرع
والاصل في العلة المستنبطة من حكم الاصل.
وقد قلنا سابقا: ان القياس انما رفض من قبل مدرسة اهل
البيت(ع) لانكار قدرة العقل على اصابة الدين بالقياس
الذي يراه الكاتب مفيدا للعلم او الاطمئنان؛ فيكون مفاد
الروايات الواردة من الائمة(ع) الاخبار عن عدم قدرة العقل
على اصابة دين الله تعالى بالقياس، وهذا الاخبار يجعلنا
مبتعدين عن اصل حصول العلم او الاطمئنان بذلك.
قال المعترض:
*
الدعوى السادسة - قال المعترض عليه:
«انني اتصور ان ثمة مسلمات درج عليها الاصوليون والفقهاء في
الحكم الشامل بالنسبة الى القياس، ويمكننا ان نعيدالنظر فيها،
فلعلنا نكتشف شيئا جديدا، وفي هذا الاطار لابد من الالفات
الى احد محفزات العمل بالقياس عند بعض المذاهب، وهو
انطلاقه من ضرورة معرفة الاحكام مع قلة الاحاديث الصحيحة،
فلجا هذا البعض الى القياس لمل ء الفراغ،
كما حصل مع الامام
ابي حنيفة الذي كان اول من نظر الى القياس وعمل به؛ اذ لم
يصح عنده من احاديث النبي(ص)الاثمانية عشر حديثا - حسب
ما اذكر - بمعنى انه لا يملك اي مصدر لاستنباط الحكم
الشرعي، وهذا ما نعبر عنه بدليل انسداد باب العلم والعلمي -
ومن الطبيعي انه اذا انسد باب العلم بالاحكام او باب الحجج
الخاصة - اي ما يعبر عنه بالعلمي - فاننا لابد ان نرجع الى حجية
الظن على بعض المباني كحجية الكاشفية؛ بمعنى ان العقل
يحكم بذلك عند فقدان كل الوسائل لمعرفة الحكم الشرعي مع
وجود علم اجمالي بوجود حكم شرعي لم يسقط.
واذا كان الامر كذلك فلابد ان يجعل الله حجة ويكون الظن
حجة، وعند ذلك يكون القياس اقرب الحجج من هذاالموضوع. ومن خلال هذا نفهم ان مسالة رفض القياس لدى ائمة اهل البيت قد يكون منطلقا من ان هناك احاديث في السنة الشريفة واردة بشكل واسع جدا لا يحتاج فيه الى القياس؛ لان باب العلم مفتوح من جميع الجهات مثلا، سواء اكان من خلال القواعد العامة ام من خلال النصوص الخاصة» اقول:اولا - ان المسلمات التي درج عليها الفقهاء والاصوليون هي مسلمات قرآنية وروائية تتلخص في نكتتين:
الاولى: عدم اخضاع الاحكام الشرعية للعقل البشري لاخذ ما
قبله وترك ما لم يقبله؛ لان دين الله لا يصاب بالعقول كماورد
في الحديث الشريف.
الثانية: عدم حجية الظن الا ان يدل عليه دليل خاص؛ كما في
قوله تعالى: (ان الظن لا يغني من الحق شيئا)((110)).
وهذه المسلمات لا يمكن ردها الا بمناقشة القرآن والسنة
بحيث نفترض ان النبي(ص) والائمة(ع) مجتهدون، ولااحسب
ان هذا الامر مقبول عند احد. ان المعترض عليه لم يكن بصدد المناقشة في المسلمات الفقهية والاصولية التي تستند الى القرآن الكريم والسنة الشريفة بما لا لبس فيه. بل هو في وارد ما درج عليه البعض من الفقهاء في الحكم الشامل بالنسبة للقياس على حد تعبيره، وهذاصحيح، لان هناك وحشة من القياس وله ما يبرره، ولذلك لم يكن الموقف من القياس واحدا من علمائنا، فقد ذكرت فيماسبق ان هناك من كان يناقش في حجية قياس منصوص العلة، وقياس الاولوية.. بل الكلام ايضا في التطبيقات لا يزال كما هو اذ لم يحدد بضابط صارم، ومن اراد التفصيل فليراجع ما تقدم من الامثلة التي ذكرتها.
اما كون النهي الصادر عن اهل البيت(ع) يرجع الى الاحاديث
في السنة الشريفة التي تفي بالمطلوب وعندئذ لا يحتاج
الى القياس فهو امر دل عليه بعض الاحاديث، وقد تقدمت
الاشارة الى ذلك، وقد استظهره بعض المحققين والعلماء،
ومنهم المحقق القمي((111))، ونقله الشيخ الانصاري عن
المحدث الاسترابادي، اذ افاد ان الاهتمام بالاصول الاربعمائة
وكتابة الحديث كان لئلا يحتاج الشيعة الى سلوك طريق
العامة((112)).
واما كون المحفز عند العامة الى القياس وكون ذلك اعوازهم
للنصوص فانه صحيح، وذلك ما اشار اليه المعترض نفسه من
المنع عن كتابة الحديث مثلا وعدم سؤال الائمة، وهذا لا يبتعد
عما ذكره المعترض عليه، على انه كان ذكره في كتابه(تاملات
في آفاق الامام موسى الكاظم) اذ يقول: «فنحن نلاحظ ان
المسالة هي عدم وجود فراغ في الشريعة يدعو الى اللجوء
للقياس.. واذا كان الناس لا يجدون لديهم مصدر ذلك فان
الاساس في هذا الشعور بالفراغ هو ابتعادهم عن سؤال ائمة اهل
البيت الذين يملكون علم ذلك كله...»((113)).
هذا ولكن كاتب المقال هو ممن اتبع الرسول(ص) في وصيته
باتباع الائمة الاثني عشر(ع)، وهذا الخط هو الذي
احتفظ باحاديث رسول الله (ص) بعد موته، ووصل الى رواة
الحديث عن طريق الائمة(ع)، ووصل الينا عن طرق
رواة الاحاديث. اذا فلا يكون الطريق مسدودا للوصول الى حكم
الله تعالى من طريق العلم او العلمي، ولا تكون حجية
مطلق الظن مورد قبول هذا المسلك، كما هو عليه علماؤنا
اجمع. وعلى ما تقدم فاي حاجة الى اعادة النظر في حجية مطلق الظن بناء على الانسداد؟! التعليق:* الدعوى السابعة - قال المعترض عليه:«اننا في ملاحظتنا المتنوعة في هذه النقطة نحاول توجيه التجربة الاجتهادية في البحث اللغوي الى ان عنصر الثبات في قواعد فهم اللغة لا يخدم قضية الاجتهاد المستندة الى وعي النص، بل قد يجحدها ويعطلها؛ لانها سوف تقف عند فهم القدماء الذين قد يمنحهم القدم قداسة خاصة يرتجف المحدثون امامها فلا يملكون الجراة على مخالفتهم فيما يرتؤونه،او يجدون حرجا في الاعلان عن ذلك الخلاف بطريقة فتوى او بحث او نحو ذلك. وربما يرجع الى هذه الذهنية التقليدية في تقديس القديم او المشهور من الفقهاء والاصوليين التي قد تكون متطورة في الشكل ولكنها متجمدة في المنهج والمضمون، وقد تكون متحركة في المفردات ولكنها تبقى في افق التجريد العقلي الذي يقع تحت تاثيرات الفرضيات الخيالية او التكلفات العقلية التي لا تتمخض عن ثمرات عملية على مستوى الواقع العام للانسان، فقد تجد هناك ابحاثاتحمل الكثير من الدقة لذلك كله لتستدل بالبرهان على ما يستقل به الوجدان».
اقول: ان مقصود الكاتب توسع دائرة الاشكال على فقهاء
الامامية، وبيان عدم انحصار الاشكال بانكار القياس،
فتوهم الباحث ايضا بان الاخذ بعنصر الثبات في اللغة يكون
اساسا آخر لجمود الفقه.
وتنحل هذه الدعوى الى نكتتين:
فكان الذي يخدم وعي النص هو عدم الالتزام بالثبات في قواعد
فهم اللغة؛ بمعنى ان الانفلات من قواعد فهم اللغة هوالذي
يخدم الاجتهاد.
وهذا امر عجيب ادع التعليق عليه لغيري.
وكمثال على اختلاف الرؤى في فهم اللغة وما يتصل بها،
اختلاف الاصوليين في الدلالة في المنطوق والدلالة في
المفهوم من حيث القوة، فقد كان يرى القدماء قوة دلالة
المنطوق وضعف المفهوم في مقابله، في حين ان المتاخرين لا
يرون ذلك ويرونهما في رتبة واحدة في القوة.
ويحسن ان اشير الى مسالة جواز استعمال اللفظ في عدة معان،
او لا؟! اذ ذهب الاكثر - بل هو المعروف - الى عدم الامكان، في
وقت اقترح السيد السيستاني مؤخرا ان يكون البحث في وقوعه
او عدم وقوعه في اللغة، والوقوع - كما يرى - اقوى دليل على
الامكان((115)).
ومضافا الى ما تقدم فان المعترض هنا لم يلتفت الى ما يقوله
الطرف الاخر صراحة وبكل وضوح اذ يقول ما نصه:«فمن
الممكن حينئذ الاستفادة من المستجد من علوم اللغة
كالالسنية اذا ما تبين عدم تعارض المستجد مع الخط
العام للغة..»((116)).
ولذلك لا حاجة لكل هذا التساؤل المثار هنا لان الاخرين لا
ينكرون هذا الثبات بل يؤكدون عليه.
وهذه الدعوى لم نجد لها في الواقع شيئا تستند اليه؛ فان
الفقهاء المحدثين قد يخالفون القدماء فيما اذا ملكوا
الدليل المعتبر من القرآن والسنة والعقل طبقا لقواعد فهم
اللغة التي يسند اليها الاجتهاد، وامثلته كثيرة لا مجال لذكرها
هنا.
وما يذكره صحيح، ولكن ما يذكره المعترض عليه صحيح ايضا
بل اكثر صحة، فكثيرا ما يرى الفقيه رايا علميا وانه مقتضى
القواعد العلمية ثم يفتي على خلافه - ولو من باب الاحتياط -
خشية مخالفة المشهور، ويمكن ان اشير الى عدة مفردات فقط:
1 - في مسالة وجوب قراءة سورة كاملة في الفريضة مضافا الى
سورة الفاتحة يرى المشهور ذلك، في مقابل راي عددغير قليل
من الاقدمين والمتاخرين الى عدم الوجوب. وفي مقام البحث
العلمي راى السيد الخوئي ان المتبع في المسالة هوالدليل، ثم
انه استعرض ادلة الطرفين وراى ان مقتضى الصناعة هو حمل
الروايات الدالة على الاتيان بسورة كاملة على الاستحباب،
وعندئذ فان الترجيح - عنده - علميا لما هو عليه الراي المقابل
للمشهور، ولكنه رغم ذلك لم يفت به مخالفاالمشهور((117)). 2 - في مسالة ان الزنا بذات الزوج يوجب الحرمة مؤبدا بين الزاني والمراة بحيث لو طلقها زوجها الاول او مات فانه لا يحق للزاني الزواج منها، وهذا هو راي المشهور، وقد ناقش السيد الخوئي الراي المذكور ولم يجد عليه دليلا صالحا،ورغم ذلك لم يشا مخالفة المشهور، واختار الاحتياط. لماذا((118))؟!
3 - في مسالة عدم جواز التظليل للرجال في حالة الاحرام اثناء
المسير، ناقش السيد محمد الروحاني الادلة وراى عدم صلاحية
ما استدل به من روايات على ذلك، وانه لا يظهر منها سوى
الكراهة، ورغم ذلك فانه لم يشا المخالفة في الفتوى((119)).
4 - في مسالة تحديد الغروب وانه يتحقق بسقوط القرص
وغيبوبته عن النظر فقط ام لابد مع ذلك من ذهاب
الحمرة المشرقية؟ يقول السيد الخوئي: «وقد استبان لك من
جميع ما قدمناه لحد الان ان القول المنسوب الى الاشهر او
الاكثر لايسعنا الالتزام به، اذ لا سبيل الى اتمامه بدليل تركن
اليه النفس، بل الدليل قائم على خلافه، ومقتضى الصناعة
هو
المصير الى القول المشهور من دخول الوقت بسقوط القرص
واستتار الشمس تحت الافق الذي اختاره جماعة
من المحققين»((120)) ومع هذا فانه لم يفت بذلك بل احتاط
احتياطا وجوبيا((121)).
ولولا خشية الاطالة واتعاب القارئ لذكرت الكثير من هذه
المفردات. ان فهم المشهور والقدماء للنص وان لم يكن مقدسا بما هو فهم للمشهور، الا انه قد يكشف في كثير من الاحيان عن ظهور للنص اذا عرفنا انهم ملتفتون الى نواحي الكلام وقواعد فهم اللغة، وحينئذ يكون هذا الظهور للنص هو المقدس الذي تكون مخالفته حرجة. الاعتراض الذي ذكره المعترض عليه على الفقهاء هو الوحشة من مخالفة المشهور مع وضوح الدليل على خلافه، كما في الامثلة التي ذكرناها، وليس مراده مخالفة المشهور كما في ما يذكره صاحب المقالة هنا لانه لو حصل الظهور الذي يذكره فانه لا اشكال في اعتباره حجة، هذا لو حصل للفقيه مثل هذا الظهور، ولذلك خالف المعترض نفسه المشهور في مسالة جواز التذكية بغير الحديد، بحيث لم يجد باسا في مخالفة المشهور بعد مساعدة الدليل على مثل هذه المخالفة، ولم يحتمل ان يكون ثمة قرينة التفت اليها الفقهاء بحيث جعلت من الحديدة هي الفلز الخاص لا الاعم منه اي كل ما كان قاطعا وان لم يكن منه((122)).
ثم ان لنا تعليقا بخصوص فهم المشهور فان فتواهم - مثلا -
بانفعال البئر بالنجاسة ايضا يكشف - بما هم متقدمون -عن وجود
قرائن حالية او لفظية في الروايات جعلتهم يفتون بذلك ولكنها
ضاعت علينا نحن المتاخرين. بل ان الفتوى المعروفة بنجاسة
الكتابي - تكشف هي الاخرى عن وجود مثل هذه القرائن
جعلتهم يفتون بالنجاسة ولكنها ضاعت وخفيت على
المتاخرين.. واذا قلنا بذلك فلا يبقى حق للمتاخرين في اعادة
قراءة النصوص او مخالفة المشهور في آية مسالة لاحتمال ان
فتوى المشهور كانت مستندة الى قرائن في النصوص وصلتهم
وضاعت على المتاخرين. * الدعوى الثامنة - قال المعترض عليه:«ولعل هذه الحيوية التي نريد تحريكها في البحث الاصولي هي التي قد تبعدنا عن الوقوف جامدين امام العناوين الاصولية التي استهلكناها في مذهبياتنا الفقهية والاصولية، فلم نتقدم خطوة واحدة نحو الاخر... اذ لا يزال القياس والمصالح المرسلة والاستحسان وغيرها مقبولة بالمطلق من مذهب معين ومرفوضة بالمطلق من مذهب آخر؛ لان القضية هنا وهناك في الايجاب والسلب قد وصلت في الوعي الاصولي الى مستوى الحقيقة الحاسمة التي لا تملك في الواقع يقيناحاسما يلغي امكانات الحوار، ويطور مسالة السلب الكلي الى الايجاب الجزئي، والايجاب الكلي الى السلب الجزئي؛ لان الادلة التي يقيمها هؤلاء على القبول او يقيمها اولئك على الرفض ليست ادلة يقينية بالمعنى الوجداني البديهي، بل هي ادلة فكرية بالمعنى النظري البرهاني التحليلي. فاذا كانت الاسس التي قد يعتمدها اهل السنة في حجية القياس والاستحسان والمصالح المرسلة هي اعتبار الظن بالعلة المشتركة بين الموضوعات، او بالمصالح الكامنة في داخل هذه الواقعة المنفتحة على الخط العام للمقاصد الشرعية التي تخضع لها المصالح والمفاسد التي هي ملاكات الاحكام، او بالاساس الذي يقوم به حكم على آخر، فقد يفرض علينا البحث العلمي الدخول في حوار حول مدى حجية الظن في الخط العام اوفي الخطوط التفصيلية، وفي طبيعة الادلة العقلية المنفتحة على العمق الشرعي في ادراكات العقل، او الادلة الشرعية المباشرة؛ لنكتشف اساس الحجية في هذا او ذاك من خلال وجدان عقلي وشرعي.
وربما نجد في هذه التجربة بعض ما نكتشف فيه اننا قد نلتقي
بالقياس في العلة المنصوصة او المستنبطة بطريقة يقينية، كما
قد نكتشف الوسائل اليقينية او الشرعية المعتبرة لاكتشاف
مقاصد الشرع القطعية في هذا الموضوع او ذاك لمعرفة
ملاكات الاحكام التي يمكن من خلالها وعي الاهمية في ملاك
هذا الحكم في هذا الموضع بالدرجة التي يقدم بهاالحكم الاخر
في موضوع آخر بحيث يتجمد احدهما في دائرة الاهم والمهم.
وفي ضوء ذلك، قد نجد اكثر من مجال للالتقاء في بعض هذه
العناوين ما قد يخفف عنا الكثير من العقد الشعورية التي تتحول
الى عقدة مذهبية في الانفصال الفكري والفقهي والاصولي
بالمستوى الذي لا مجال فيه للقاء».
اقول: ان الكاتب يبرز مشكلة اخرى بسبب انكار الشيعة للقياس
انكارا مطلقا، وهي: عدم امكانية التقريب بين الشيعة والسنة؛
لان احدهما ينكر القياس مطلقا والاخر يثبته مطلقا، في حين
ان الباحث يتخيل ان الافضل تنازل كل من الطرفين عن اطلاق
كلامه كي يلتقيا في الطريق.
اما العمل بالقياس فلا يصح نسبته الى من يدعو الى اعادة النظر
في القياس من ناحية البحث الاصولي، خصوصا وقدصرح في
كتابه (النكاح) بقوله: «... واما القياس فليس من مذهبنا ولا
نعتبره دليلا شرعيا؛ لانه قد ثبت في علم الاصول عدم حجيته
في اثبات الاحكام الشرعية الفرعية». الاستاذ الشيخ احمد المبلغي
يقسم الانصراف الى قسمين رئيسين:
القسم الاول: الانصراف الناشئ من الامور الخارجية. القسم الاول: الانصراف الناشئ من الامور الخارجية
وينقسم بدوره الى اقسام اربعة، هي:
أ - الانصراف الناشئ من غلبة الوجود.
ولم يشر العلماء الا الى القسمين الاولين، مع ان هناك موارد
للانصراف لا تندرج تحتهما، بل تندرج اما تحت القسم الثالث او
الرابع، فلابد من اعتبارهما والبحث عنهما ايضا، ولا يمكن ذلك
الا بذكرهما في عداد اقسام الانصراف وذكرما لهما من الضوابط
والنكات.
ومن الجدير بالذكر ان سر اعتبار هذه الاقسام الاربعة من
الانصراف الناشئ من الامور الخارجية سياتي ذكره عندتوضيح
الفروق الموجودة بين هذا القسم الرئيسي وبين القسم الذي
عبرنا عنه بالانصراف الناشئ من الارتكاز. وفيما يلي نتعرض
للاقسام الاربعة المشار اليها: والمقصود من هذا القسم ما اذا كان للفظ مصاديق تكون لها غلبة وجودية بالنسبة الى مصداق او مصاديق اخرى للفظ،فحينئذ توجب هذه الغلبة انصرافا للفظ الى تلك المصاديق الغالبة.
وقد جرى البحث في اعتبار هذا الانصراف، فذهب الاصوليون
المتقدمون - كصاحب المعتبر ومن جاء بعده - الى اعتباره، بينما
اصر المتاخرون الذين جاؤوا بعد حركة تجديد علم الاصول
على عدم اعتباره وصرحوا بانه بدوي لاعبرة به.
وقد استدل المتقدمون على اعتباره: بانه لو لم يكن هذا
الانصراف معتبرا فلماذا يحمل الامر بالامر بالغسل على
الغسل بالماء المطلق مع ان الغسل بالماء المضاف ليست
مشكلته الا ندرة الوجود؟! فاجماع الفقهاء على عدم صحة
الغسل بالماءالمضاف يرشدنا الى ان هذا الانصراف صحيح
ومعتبر.
وبعبارة اخرى: انه يعني اجماعا على اعتبار مثل هذا الانصراف.
ويلاحظ عليهم: بان هؤلاء لم يتفطنوا الى قسم آخر للانصراف -
وهو الانصراف الناشئ من مناسبة الحكم والموضوع والذي
سنذكره في محله - وهذا ما جعلهم يتصورون ان الحكم بعدم
صحة الغسل بالماء المضاف قد تم على اساس النظر الى
الانصراف الناشئ من الغلبة بعين الاعتبار، مع ان هذا الحكم
نشا عن ذلك القسم الاخر؛ حيث ان الانسان يحس بالوجدان ان
الماء الذي يصح الغسل به ليس هو الا الماء المطلق، فالحكم -
وهو الغسل - يتناسب مع حصة من الماء وهي الماء المطلق
فحسب.
اما المتاخرون المعاصرون فقد حاولوا اثبات عدم كون
الانصراف الناشئ من الغلبة معتبرا بوجوه في كلماتهم ترجع
في الحقيقة الى امر واحد، وان اختلفت هذه الوجوه بعضها مع
البعض من حيث الصياغة ومن حيث الوفاء بالمقصود:
اما السيد الامام فقد ذكر في اثبات عدم اعتبار هذا الانصراف ما
حاصله:
ان الطبيعة التي اخذها المتكلم في كلامه لا تحكي عن الافراد،
بل لا يعقل ان تحكي عنها، وعليه يكون تمام الموضوع هونفس
الطبيعة بلا قيد، فنفس الافراد وغلبتها بما انهما خارجتان عن
الطبيعة المفروغ عنها عند القاء الكلام، فالنتيجة ان الاطلاق لا
تضره غلبة الافراد.
وهذا البيان يتضمن ايضا بعض ما نحتاج في البرهنة على عدم
اعتبار هذا الانصراف، وسوف نشير الى ذلك.
وهناك بيان آخر وهو للشهيد الصدر، وحاصله: ان الغلبة لا تؤثر
على اطلاق اللفظ شيئا؛ وذلك لان الانصراف الناشى ءمنها انس
ذهني بالحصة مباشرة.
وهذا البيان يتضمن ايضا بعض ما نحتاجه في مقام الاستدلال
على المدعى.
والصحيح في المقام ان يقال: انه بالنظر الى ما يلي يتضح عدم
اعتبار الانصراف الناشئ من الغلبة؛ وذلك:
ثانيا - ان فهم مراد
المتكلم يتم على اساس احد شيئين: اما الوضع واما قيام القرينة، فلو وضع شيء لمعنى فلابد من اخذ
الموضوع له مرادا لمن تكلم بذلك اللفظ بشرط الا تكون هناك
قرينة تدل على انه اراد معنى آخر؛ وهذا يعني ان كلامن الوضع
والقرينة طريق الى فهم مراد المتكلم.
وبعبارة اخرى: ان الذهن في انصرافه وتوجهه الى فرد اما ان
يتاثر بالعلاقة القائمة بين اللفظ والحصة، او لايتاثر.
وبعبارة ثالثة: ان توجه الذهن الى الفرد قد يتم بشكل مباشر
من دون وساطة علاقة اللفظ بالحصة، وقد يتم عبر تلك العلاقة
المشار اليها.
ومن المعلوم انه عندما يتم بشكل مباشر ومن دون وساطة تلك العلاقة ليس امامنا حينئذ
شيء يدل على انه
المرادللمتكلم؛ لان المراد يتم كشفه عبر تلك العلاقة
وبسببها، بل الدليل قائم على ان ذلك الفرد الجائي الى الذهن
لم يكن مراداللمتكلم من اطلاقه اللفظ، وهو ان المتكلم لا
ينظر الا الى الطبيعة ولا نظر له الى الافراد، وبما ان غلبة
الافراد شان مرتبط بالافراد فلا نظر للمتكلم اليها، فتحصل ان
الانصراف الناشئ من غلبة الافراد لا عبرة به.
ومن هنا يمكن ان نفهم مكان كل من بياني الصدر
والامام (قدس سرهما)، فان كلام الشهيد ناظر الى ذلك
المطلب الذي اشرنا اليه من انه لو لم يتم الانصراف على اساس علاقة اللفظ بالحصة فلا
يبقى امامنا شيء يدل على ان هذه
الحصة هي المرادة للمتكلم؛ لان المراد يحصل على اساس هذه
العلاقة.
واما كلام السيد الامام(قدس سره) فهو ناظر الى ما ذكرنا من
انه يوجد امامنا دليل على عدم ارادة المتكلم للحصة المشار
اليها فحسب.
فكلام الشهيد(قدس سره) ناظر الى عدم الدليل على كونها
المرادة للمتكلم؛ وكلام الامام الى وجود الدليل على عدم
كونهامرادة له.
ومن الجدير ذكره ان السيد الخوئي(قدس سره) استدل لاثبات
عدم حجية هذا القسم بما يشبه كلام الامام.
وبهذا البيان نتمكن من تقييم كل البيانات الواردة في اثبات
عدم حجية هذا القسم؛ بمعنى ان نجعل كل بيان في
موضعه اللائق به.
هذا، ولكن السيد المرتضى(رحمه الله) استدل لاثبات عدم
اعتبار الانصراف في مورد من موارد الانصراف الى العادة -وهو
مسالة: هل الامر بالغسل ينصرف الى الماء المطلق او يشمل
مثل ماء الكبريت ايضا؟ - بقيام الاجماع على كون الغسل بماء
الكبريت جائزا وصحيحا، ومن ذلك نعلم عدم الاشتراط بالعادة
وعدم الانصراف اليها، بل المراد بالغسل مايتناوله اسمه حقيقة.
وقد اجاب عنه بعض العلماء - ومن جملتهم السيد العاملي في
مدارك الاحكام -: بان الغسل لا ينصرف الى المعتاد،واما عدم
تناوله لماء الكبريت - لو سلمناه - فانما قد تم على اساس انعقاد
الاجماع.
وهذا الجواب يرجع الى ان حصول الاجماع على خلاف ما
اقتضاه الانصراف لا يدل على عدم اعتبار ذلك الانصراف،
بل يدل على ان موردا من الموارد المندرجة تحت المنصرف
عنه خارج بسبب قيام الاجماع.
وبعبارة اخرى: ان الاجماع بما هو دليل من الادلة لو قام على
مورد لم يشمله الدليل الاخر، فلابد من اعتباره من حيث الحكم
كالذي شمله الدليل الاخر، وهنا النص لا يشمل ماء الكبريت
لمكان الانصراف؛ غير ان قيام الاجماع على صحة الغسل به
يكفي للحكم بالصحة وان لم يشمله النص.
والحقيقة اننا وان لم نكن مع السيد المرتضى في المدعى لكننا
لا نرتضي الدليل الذي اقامه، بل نرى ان ما قاله صاحب المدارك
في محله؛ بمعنى ان قيام الاجماع على ثبوت الحكم المنصرف
اليه بالمنصرف عنه -كما في المقام - لا يدل على عدم اعتبار
الانصراف، بل انما يكون قيامه بمعنى قيام دليل آخر على ان
ثبوت الحكم لما لا يشمله الدليل الاولي. اللهم الاان يقال: ليس
مقصود السيد المرتضى من التمسك بالاجماع في المقام
لاثبات عدم الانصراف هو التمسك بالاجماع الرائج المعهود
بيننا، بل بمعنى اجماع العلماء بعنوان انهم عقلاء ومن ابناء
العرف. ومن المعلوم ان العقلاء لو فهموا شيئا من لفظ فانما
يكون فهمهم هذا هو الحكم، فلابد من الرجوع اليه.
ولما لم يعبا العلماء بالانصراف المتصور في المقام فنستكشف
حينئذ ان العقلاء والعرف لا يرون لمثل هذا الانصراف وزنا،
فيرجع حينئذ ما قاله الى الوجه الذي تمسك به المعاصرون في
اثبات عدم حجية الانصراف الى الفرد الشائع والغالب.
والاختلاف بينهما يعود الى الصورة والقالب، حيث اننا نقول في
اثبات عدم حجيته: بان الانصراف الى الافرادالغالبة يعني
الانصراف الذي لم يرده المتكلم - كما شرحنا ذلك سابقا - لان
المتكلم يجعل حكمه للطبيعة بما انه من العرف. ان المتاخرين المعاصرين وان ذهبوا الى عدم حجية الانصراف الناشئ من الغلبة، غير انهم اعتبروه في بعض المواردالفقهية حجة، كما انهم حكموا بالاجمال في موارد اخرى من مصاديق هذا الانصراف؛ اي لم يحكموا لا بالانصراف ولابالاطلاق.
ان مشاهدة هذا الوضع تجعل وضعية هذا الانصراف مبهمة لدى
الانسان، فيتساءل: لو لم يكن الانصراف المذكورمعتبرا فلماذا
اعتبروه في بعض الموارد حجة وفي بعضها الاخر مجملا
وضعه؟ ولكي نخرج هذا الانصراف من وضعه المبهم هذا نرى
ضرورة تقسيمه الى ما يلي: وهذا القسم هو الذي لابد من اعتبار الانصراف فيه غير حجة؛ فان كلام الفقهاء والاصوليين حول عدم حجية الانصراف الناشئ من الغلبة ناظر الى هذا القسم. |