الثاني: ما اذا كانت الندرة شديدة بحيث تلحق بالعدم، ومثل هذا الانصراف لا يصح القول بعدم حجيته بل انه لما كان بحيث يمكن عده كقرينة على المراد فهو من قبيل الانصراف الذي يسبب حصول علاقة للفظ في الحصة، ومثل هذا الانصراف حجة كما هو معلوم، وسر كون هذا الانصراف بالغا الى حد يعد كقرينة على الانصراف يكمن في ان الفردالنادر بحسب الفرض يكون منسيا تماما لدى الذهن العرفي؛ فمدلول اللفظ - وكما قال الشهيد الصدر - حصل فيه ضيق بسبب هذا الانصراف.
ولا يخفى ان الفرد النادر في هذا القسم قد يشترك مع
المنصرف اليه في الحكم على اساس تنقيح المناط او
المناسبات القائمة بين الموضوع والحكم، فحينئذ لابد من
تسرية حكم المنصرف اليه الى المنصرف عنه، ومثاله: ما ورد
من انه «يجزيكم اذان جاركم»، فان لاذان الجار مصداقين: اذان
الرجل والمراة، وبما ان هذا المصداق الثاني يعد فردا نادرا
يلحق بالعدم، فاللفظ ينصرف الى المصداق الاول، وحسب
القاعدة لابد ان نعتبر هذا الانصراف حجة؛ لان ندرة المصداق
الثاني ندرة شديدة ملحقة بالعدم، ومقتضى هذا الانصراف عدم
تسرية الحكم - اي الاجزاء - الى المنصرف عنه اي المصداق الثاني،
غير ان الفقيه عندما ينظر الى النص المزبور ويدقق فيما بين
الحكم والموضوع من المناسبات يحصل له التاكد من ان
موضوع الحكم يكون اعم ويشمل اذان المراة، وبعبارة اخرى:
يتضح امامه ان المناط هو شيء يشمل كلا الفردين.
ومن المعلوم ان هذا لا يعني ان ما ادعيناه - من كون الانصراف
الناشئ من الندرة الشديدة حجة - في غير محله. فاذا هذه النكتة
تبدو كتتمة لذلك المدعى المذكور والذي برهنا على اتيانه
سابقا.
ومن المعلوم ان القاعدة هنا تقتضي عدم اجزاء الاتيان بالمسح
المعاكس؛ لان الذمة مشغولة بتكليف ولابد من
اليقين بخروجها عن هذا التكليف.
وهذه النتيجة هي نفس النتيجة المترتبة على فرض اعتبار الانصراف في المقام، وربما
تكون النتيجة المترتبة على القاعدة -
في بعض الموارد - نفس النتيجة المترتبة على الاطلاق.
واما القسم الثاني فهو: ان تكون الغلبة - التي ينشا عنها الانصراف
-بمعنى كون الحصة ابرز مصاديق العنوان واكملها، ومثل هذه
الغلبة غلبة كيفية تتبعها غلبة كمية؛ بمعنى ان المصداق
يتمتع بكيفية عالية ومطلوبة لدى العرف ممايسبب ان تكون
هذه الحصة اكثر كمية بعد توجه العرف اليها.
ومثاله: المسح باليد في مقابل المسح بالرجل، فاذا جاء الدليل
على وجوب المسح فانه وان شمل المسح بالرجل ايضاغير ان
العرف لا يلتفت الى مثل هذا المصداق للمسح، بل يرى ان
المصداق الكيفي المطلوب لعنوان المسح هو المسح باليد،
فالمصداق هذا ابرز المصاديق واكملها، وهذه الابرزية من حيث
الكيفية توجب الانصراف للفظ «المسح».
والحق ان هذا الانصراف حجة، وسره ان العرف عندما يطلق
لفظ «المسح» ينصرف الى ذهنه ذلك المصداق ككونه
مراداللمتكلم.
والفرق بين هذا القسم وبين الانصراف الناشئ من الغلبة
الوجودية: ان الندرة الحاصلة في جانب الفرد المنصرف عنه في
هذا القسم تسبب حصول عنصر الندرة في مجال الاطلاق،
فالندرة الحاصلة في هذا القسم كانها عبارة عن ندرتين:ندرة
للفرد من حيث الكيفية وبتبعها ندرة كمية، وندرة في جانب
اطلاق اللفظ، وهذه الندرة الحاصلة في مجال اطلاق اللفظ
تنشا عن الندرة الاولى؛ اي الندرة من حيث الكيفية والتي
تتبعها ندرة وجودية وكمية، وهذا هو السبب في كون الانصراف
في هذا القسم معتبرا، فان العرف لو اعتبر اطلاق لفظ في حصة
ما امرا نادرا فهو يعني ان اطلاقه عليه غيرمتعارف، ومن
المعلوم انه لا يعبا بالاطلاقات غير المتعارفة، والانصراف في
محله.
وغير خفي ان هذا القسم يشترك مع القسم الاول في نقطة؛ الا
وهي:
انه توجد في كليهما ندرة وجودية - اي كمية - غير ان الفرق
بينهما يكمن في ان الندرة الوجودية في القسم الثاني تنشا عن
وضع كيفي للحصة، بخلاف القسم الاول، فان الندرة الوجودية
الكمية فيه ليست حاصلة بهذا اللحاظ، بل ربمايكون الفرد
النادر ابرز من حيث الكيفية غير انه لا يوجد في عالم الخارج الا
نادرا.
وخلاصة القول في بيان دليل كون هذا القسم من الانصراف
حجة هي ان في هذا القسم يكون اطلاق اللفظ على الفردالنادر
اطلاقا غير متعارف، بخلاف اطلاق اللفظ على الفرد النادر في
القسم الاول، فانه - مثلا - لو انصرف لفظ «الماء»
في العراق عن
غير ماء الفرات فانه لا يكون اطلاق اللفظ على غيره غير
متعارف، بل العرف في نفس الوقت الذي يتحقق له الانصراف
يذعن بان اطلاق اللفظ على غير ماء الفرات يكون متعارفا، وهذا
هو السبب في عدم كون الانصراف في القسم الاول حجة.
وجدير بالذكر ان هذا القسم توجد له ملاحظة لابد من الالتفات
اليها: وهي انه لو امكن تسرية الحكم من الفرد المنصرف اليه
الى الفرد المنصرف عنه على اساس قاعدة تنقيح المناط او
المناسبات الحكمية فلابد من هذه التسرية، ومثاله: ماورد في
مبطلية الاكل والشرب، فانهما ينصرفان الى ما يوصله الانسان
الى حلقه من طريق الفم بلحاظ ان هذا الفرد هوالذي يعد لدى
العرف اكمل المصاديق وابرزها؛ فانه بحسب هذا الانصراف -
والذي برهنا على اعتباره - لابد من جعل شان المبطلية مختصا بما يوصله الانسان الى
الحلق من طريق الفم والحكم بعدم مبطلية ما يوصله من طريق الانف بعدكونه منصرفا عنه،
غير ان العرف نفسه يرى ان المناط هو صرف ايصال الشيء الى الحلق وان طريقية الفم
ملغاة، اويرى انه حسب المناسبات القائمة بين الموضوع والحكم؛ فان الموضوع عبارة عن
اصل ايصال الشيء الى الحلق لاايصاله عن طريق الفم، فلا يعبا
بالانصراف؛ بل يحكم بتسرية حكم المبطلية الى الفرد النادر
وهو الايصال عن طريق الانف. وهذا القسم قد صرح باعتباره الاصوليون، ومثاله: انصراف لفظة «الدرهم» الى النقد الغالب، وانصراف لفظة «الدابة» الى ذات الاربع، كما يمكن ان يمثل لذلك بمثال فقهي، وهو انصراف لفظ «المطر» عن القطرات اليسيرة النازلة، والدليل الواردفي مطهرية المطر لا يشمل مثل هذا المطر وان صدق عليه عنوان المطر من حيث اللغة.
ودليل اعتبار هذا القسم هو ان كلا العنصرين - اللذين ذكرنا
انهما لو توفرا يصبح الانصراف معتبرا - متوفر هنا في هذا القسم،
وهما حضور فرد من الافراد في الذهن اولا، وكون حضوره في
الذهن انه المراد ثانيا، ووجه توفر هذين العنصرين هنا ان العرف
لما كثر استعماله للفظة في مصداق خاص فلا محالة يريد من
استعمالها ذلك المصداق، ولواراد مصداقا آخر فانه يستعين
بقرينة تدل عليه، فكثرة الاستعمال توجب ان تتحقق علاقة
للفظ بتلك الحصة فلا يستعمل اللفظ، الا انه ينتقل الى كل من
ذهن المتكلم والمستمع تلك الحصة، فاذا استمع المستمع
اللفظ من المتكلم تنتقل الحصة في ذهنه كانها المرادة
للمتكلم، والمتكلم ايضا يلتفت الى هذا الذي يتحقق لمستمع
كلامه، فهذا الوضع وضع عرفي في عالم المحاورات.
وجدير بالاشارة ان هذا الذي ذكرنا من كون هذا الانصراف
معتبرا يختص بما اذا كانت كثرة الاستعمال حاصلة في عصر
التشريع، اما لو واجهنا لفظة لم يكثر استعمالها في حصة في
عصر التشريع، غير انه بعدما مضى ذلك العصركثر استعمالها
في حصة فاوجبت هذه الكثرة في الاستعمال انصرافا الى تلك
الحصة، فمثل هذا الانصراف لا يكون حجة.
ومثاله: انصراف لفظ «الكراهة» الى ما لها من المعنى
الاصطلاحي، فان ذلك قد حصل بعد عصر التشريع ولم يكن له
اثرفي ذلك الامر، بل كان يطلق هذا اللفظ على الاعم من
الكراهة الاصطلاحية والحرمة. فما دامت هذه الوضعية قائمة فانصراف اللفظ الى تلك الحصة قائم.
ويمكن ان يمثل لذلك بانصراف لفظ «الجائزة» في زمن
الائمة(ع) الى ما كان يعطيه الخلفاء، او انصراف لفظ «الغناء»
الى ما كان لبني العباس من مجالس لهوية خاصة.
وبالامكان ان نعبر عن هذا القسم بالانصراف الناشئ من
صيرورة الحصة كشان لنزول الحكم، وهذا القسم يمثل
حالة متوسطة بين القسمين اللذين ذكرا، فانه من ناحية يشبه
الانصراف الناشئ من الغلبة من حيث ان الفرد المنصرف عنه لا
يخرج عن دائرة الاستعمال العرفي للفظ تماما؛ وذلك لان
المفروض ان اللفظ اصبح في ظروف خاصة وزمن
خاص منصرفا الى الحصة فحسب، اما في غير تلك الظروف فانه
يرجع الى ما كان عليه قبل تلك الظروف؛ اي اصبح يطلق على
الفرد المنصرف عنه ايضا، هذا اولا.
وهذا وجه شبه هذا القسم بالقسم الناشئ من الغلبة والذي
وجدنا فيه ايضا ان الاستعمال العرفي كان حاصلا بالنسبة الى
الفرد النادر ايضا، هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى يشبه هذا
القسم الانصراف الناشئ من كثرة الاستعمال من حيث ان الفرد
المنصرف عنه يصبح فيه مهجورا تماما عند المتكلم
والمخاطب؛ بمعنى ان كليهما يريدان ويفهمان من اللفظ
تلك الحصة التي اكتنفتها ظروف خاصة، ولا يلتفتان الى غير
تلك الحصة.
ومن هنا يتبين انه لا مجال لتوهم ضرورة جعل هذا القسم من
اقسام الانصراف الناشئ من الغلبة بدعوى انه توجد في هذا
القسم غلبة وندرة ايضا؛ فان اللفظ عندما اصبح بحيث ينصرف
في ظروف خاصة الى حصة فهو يعني ان هذه الحصة حصلت
فيها غلبة كما انه حصل في غيرها ندرة، وعليه يحسن ان يجعل
هذا القسم قسما من الانصراف الناشئ من الغلبة. ووجه عدم
المجال لهذا التوهم ما نجده من الفرق بين هذا القسم والقسم
الناشئ من الغلبة.
ولا يخفى ان الندرة الموجودة في القسم الاول عبارة عن ندرة
كمية في قبال غلبة كمية، مع فرق بين القسمين اللذين لهذا
القسم الاول؛ فانه في قسم منه كانت الغلبة والندرة كميتين
من البداية، وفي قسم آخر منه كانت الندرة والغلبة كيفيتين
في البداية الا انهما تصيران كميتين في المال.
وهذا القسم هو الذي عبرنا عنه بالانصراف الناشئ من اكملية
المصداق؛ فان الاكملية امر كيفي الا ان هذه الكيفية
تسبب حصول وضع كمي؛ بمعنى ان المصداق الاكمل سيصبح
بلحاظ اكمليته مصداقا اكثر كمية من غيره، مع ان القسم
الذي نحن فيه - وهو الناشئ من حصول وضعية خاصة للمصداق -
لا نجد فيه الا غلبة كيفية من دون ان ينظر الى حيثية الكمية
لو اتفق حصول هذه الكمية له، مع انه لا يتفق حصول هذه
الاوفرية من حيث الكمية للمصداق احيانا؛فان المصداق الذي
ينصرف اليه اللفظ بلحاظ كونه ذا وضعية خاصة قد يكون من
حيث الكمية اقل وجودا من غيره،
وعليه لا ينظر في هذا القسم
الى حيثية الغلبة الكمية اصلا، ولو نظر الى الغلبة الكمية في
مورد فانصرافه الى الحصة يكون من سنخ القسم الاو ل، وليس
من هذا السنخ الذي فرضنا فيه ان سبب الانصراف هو توفر
وضعية خاصة للمصداق بحيث تجعله كشان لنزول الحكم. قد يقال: بعدم اعتبار هذا القسم بلحاظ ان المورد لا يخصص ما ورد كعام، ولذلك لا يصار الى اعتبار الحكم الوارد في الدليل مختصا بمورده الذي يعتبر كشان النزول. والوضعية التي فرضنا حصولها للمصداق لا تزيد على انها تجعل المصداق كشان للنزول، ومن المعلوم - كما قلنا - ان شان النزول لا يمكنه تخصيص او تقييد الحكم.
الا اننا نقول: هناك فرق بين ما نحن فيه وذلك الذي يعبر عنه
بشان النزول - والذي حكمه انه لا يقيد الحكم ولايخصصه - وهو:
انه هناك ينزل الحكم بصيغة عامة بحيث لا يستفيد العرف
اختصاصه بالمورد، مع ان الذي هنا هوان اللفظ بعد ان كان عاما
في استعماله يصبح لدى العرف ناظرا الى حصة بلحاظ توفر
وضعية خاصة في هذاالمصداق، فهنا يوجد انصراف للفظ الى
الحصة، بينما الانصراف غير موجود هناك، بل ان العرف هناك
ليحكم بالعمومية وان المورد لا يخصص الحكم ولا يقيده.
لا يقال: بانه صحيح ان شان النزول هنا شيء غير شان النزول
هناك، الا ان الذي يوجد هنا ليس ازيد من وجودانصراف للفظ
الى حصة، ومن المعلوم ان صرف الانصراف لا يكون كقرينة
على ان المتكلم اراد هذه الحصة في كلامه،
كما ان الانصراف
الناشئ من الغلبة لا يمنع - كما قلنا - من ثبوت الاطلاق للحكم
مع انه موجود حقيقة؛ فان الملاك هوحصول العلاقة بين اللفظ
والحصة بحيث اذا ذكر اللفظ تحضر الحصة في الذهن بعنوان
كونها المرادة للمتكلم، وهذا مفقودفي المقام؛ حيث ان مثل
هذه العلاقة لا تحصل الا اذا كثر استعمال اللفظ في الحصة،
ومن المعلوم ان كثرة الاستعمال غيرحاصلة في المقام؛ والا
لكان من الواجب الحاق هذا القسم بقسم الانصراف الناشئ من
كثرة الاستعمال.
فاننا نقول: ان كثرة الاستعمال تكون سببيتها لحصول العلاقة
بين اللفظ والحصة حاصلة بلحاظ توفر عنصر خاص فيها، وهو:
اعتداد العرف واعتناؤهم باطلاق اللفظ في تلك الحصة وعدم
اعتدادهم واعتنائهم باطلاقه في غيرها بحيث يكون اطلاقه
فيها عرفيا واطلاقه في غيرها غير عرفي، وهذا العنصر هو
السبب الاساس في حصول العلاقة بين اللفظ والحصة، ومن
المعلوم ان هذا العنصر كما ينشا عن كثرة الاستعمال فكذلك
من الممكن ان ينشا عن سبب مناسب،
والمدعى هنا ان الوضع
الخاص الذي حصل لحصة ما في زمن التشريع قد يكون بامكانه
ان يسبب حصول ذلك العنصر؛ اي اعتداد العرف واعتنائهم
بارادة الحصة الخاصة من اللفظ، وان كان هذا حاصلا لعرف
المتشرعة، وسيما اذاكان مثل حصول هذا الوضع الخاص
للحصة في برهة متاخرة من زمن التشريع ولم يكن للشرع قبل
هذه البرهة هذاالدليل الذي كان البحث في انصرافه الى حصة
خاصة، مثل مفهوم «الغناء» و «الجائزة» فانهما وان شملا بحسب
اللغة والعرف مجالس غير بني العباس وجوائزهم الا انهما
ينصرفان اليهما بلحاظ وضع خاص كان متوفرا فيهما، سيما
واننانجد ان كثيرا من النصوص الواردة في الغناء والجائزة - لو لم
نقل جلها بل كلها - وردت في زمن بني العباس.
وعلى اي حال فان للعرف اعتناء بان يراد ذلك المصداق الخاص
من اللفظ عند استعماله، وهذا هو السبب في صيرورة انصراف
ما معتبرا، وعلى الاقل يكون مثل هذا الانصراف صالحا للقرينية،
ومع وجوده لا يمكن التمسك بالاطلاق، وهذابخلاف الانصراف
الناشئ من الغلبة - مثل انصراف الماء في العراق الى ماء الفرات -
فانه لا يصح تصور كونه ممايصلح للقرينية حتى يدفع بسببه
الاطلاق. وهذا القسم يتصور له شقان:
ومثال ذلك: «الدم» فانه في زمن التشريع كان لمصرفه مورد
واحد وهو اكله، ولم تكن قابليته لقبول مصارف جديدة واضحة
معلومة لدى العرف آنذاك، وعليه لابد من حمل ما ورد من
تحريمه على ذلك المصرف الموجود آنذاك وهوالاكل، اما ما
حدث بعد عصر التشريع من موارد جديدة لمصرفه فاللفظ
ينصرف عن مثل هذه الموارد. القسم الثاني: الانصراف الناشئ من الارتكاز
وهو ما اذا كان الانصراف ناشئا من حكم ارتكازي موجود في البين والارتكاز ليس من
الامور الخارجة، ولذلك جعلناالانصراف الناشئ منه في قبال الانصراف الناشئ من الامور
الخارجية، وهذا الانصراف ينقسم الى اقسام ثلاثة: أ
- الانصراف الناشئ من وجود حكم ارتكازي على خلاف النص
الشرعي فيما اذا اصبح مصداق من مصاديق موضوع الدليل
الشرعي موضوعا للحكم الارتكازي المخالف، فحينئذ ينصرف
عنوان الموضوع للحكم الشرعي عن هذاالمصداق. وغير خفي
انه لتحقق هذا القسم لابد من توفر امور ثلاثة: ثالثا - ان يكون موضوع الحكم الارتكازي مصداقا من مصاديق موضوع الحكم الشرعي.
وهذا القسم ينقسم بدوره الى قسمين، هما:
1 - ما اذا كان الحكم الارتكازي عقلائيا، ومثاله: ما ورد في الشرع
من اثبات الولاية للاقرب بالنسبة الى امور مثل التكفين والدفن،
فان هذا الدليل الشرعي ينصرف عما اذا نصب الميت وصيا
لنفسه للاتيان بهذه الامور، فانه بناء على مالدى العقلاء من
الارتكاز القائل بان الوصي بمنزلة الميت فلابد من عدم الرجوع
الى الاقرب الى الميت، غير ان الرجوع الى الاقرب مما دل عليه
الشرع، فماذا نفعل في المقام؟
الجواب: هو ان دليل الشرع ينصرف عن هذه الحالة التي نصب
فيها وصي من قبل الميت، فيرجع الى الاقرب فيما اذا لم تكن
هذه وصية من قبل الميت في جعل شخص كوصي لنفسه.
ولا يخفى ان هذا الانصراف معتبر فيما اذا لم يكن للشرع
تنصيص بالنسبة الى ذلك المصداق، اما لو وجد مثل
هذاالتنصيص فلا عبرة بالانصراف، ومثاله: تنصيص الشارع على
حرمة الخمر حتى فيما اذا امكن التداوي بها، فانه من المعلوم
انه لولا هذا التنصيص الشرعي لحكمنا بحلية الخمر بلحاظ ان
دليل تحريمها ينصرف عن مورد التداوي الذي هو موضوع الحكم الارتكازي القائل بالحلية،
فان العقلاء يرون بارتكازهم ان كل شيء يحرم التصرف فيه يرتفع قبحه فيما اذا اصبح وسيلة.
2 - ما اذا كان الحكم الارتكازي موجودا لدى المتشرعة، ومثاله:
ب - ما اذا كان الانصراف ناشئا من وجود حكم ارتكازي للعقلاء
جاء النص الشرعي على وفقه، فعندئذ لابد الا يعبا بما لعنوان
الموضوع من الشمول من حيث اللغة، بل يحمل على ما اصبح
موضوعا لحكم العقلاء.
ومثاله: «الماء مطهر»، فان عنوان الموضوع - وهو الماء - يشمل
الطاهر وغير الطاهر من حيث اللغة، الا ان ه لما كان للعقلاء
حكم بان الماء الطاهر هو المطهر فلابد من حمل الماء الوارد في
النص على الطاهر منه.
ج - ما اذا كان الانصراف ناشئا من مناسبة يجدها الشخص
بارتكازه قائمة بين الموضوع والحكم، فيحكم على اساسه بان لفظ الموضوع ينصرف الى ذلك
الشيء الذي وجده مناسبا
للحكم.
ومثاله: ما ورد من ان الظرف الذي يلغ فيه الكلب يجب
تعفيره؛ فان عنوان «الظرف» من حيث اللغة كما يشمل
الاناءيشمل الظروف المصنوعة من القماش، غير ان هذا العنوان
ينصرف الى الاناء؛ وذلك بسبب ان الارتكاز يحكم بان الظرف
الذي يتناسب معه حكم التعفير هو الاناء فحسب.
وهنا نكات لابد من الالتفات اليها:
وثانيا: يوجد فيه حكم للعقلاء بعدم المطهرية لمصداق من
المصاديق اللغوية لموضوع النص الشرعي، وهو حكمهم بان الماء
النجس غير مطهر.
وثالثا: ان الانسان عندما يواجه هذا النص القائل بان «الماء
مطهر» يرى بحسب ارتكازه ان المطهرية حكم يتناسب مع الماء
الطاهر ولا يتناسب مع الماء النجس.
وجدير بالالتفات ان هذه الاقسام الثلاثة المتوفرة في هذا
المثال ترجع كلها الى نقطة واحدة؛ وهي ما للعقلاء من الارتكاز
الذي يوجد بالنسبة الى مسالة المطهرية.
كما يمكن الا تجتمع هذه الاقسام الثلاثة، كما في الامثلة التي
ذكرناها سابقا، غير انه لو وجد القسم الثاني - وهوالانصراف
الناشئ من وجود ارتكاز جاء الدليل على وفقه - فيوجد حتما
القسم الاول ايضا؛ وذلك لان العقلاء عندمااقتصروا في حكمهم
على مصداق من الموضوع فطبعا يحكمون بان غير ذلك
المصداق ليس له هذا الحكم، ولكن ليس بالعكس؛ فانه ان كان
الانصراف من القسم الاول فليس من الواجب توفر القسم
الثاني.
غير ان هذه القاعدة الثابتة لدينا - من لزوم حصول اليقين بالعلة -
يختلف تطبيقها في قضية الحكم بالمناسبة؛ وذلك لانه لو كان
الموضوع والحكم بحيث تبرز مناسبة خاصة بينهما في رؤية
الذي ينظر اليهما، فان مثل هذا البروز وان تحقق للشخص
بشكل ظني فانه لابد ان ينظر الى هذه المناسبة بعين الاعتبار،
ولكن بشرط الا يكون بروز المناسبة حاصلاعلى اساس سليقة
الشخص، بل حاصلا على اساس رؤية عامة للجميع وان كانت
هذه الرؤية ظنية.
ولتوضيح ذلك نقول: ان اعتبار وجود مناسبة بين الموضوع
والحكم قد يكون ناشئا من السليقة، فاذا يمكن تصورالتعددية
للمناسبة؛ بمعنى ان السلائق بما انها متعددة فلا محالة تبرز
مناسبات متعددة بين الموضوع والحكم الواردين في نص ما،
ومن المعلوم ان الشارع لا يراعي في محاوراته مع الناس الا
تلك القواعد العامة السائدة في المحاورات العرفية.
وقد يكون بروز المناسبة بين الموضوع والحكم على اساس
ثبوت حكم ارتكازي حصل للعقلاء بالنسبة الى ذلك الذي اصبح
كموضوع للنص، مثل: «الماء مطهر»، فان الشخص عندما يواجه
هذا النص يرى ان المطهرية حكم يتناسب مع الماء الطاهر
فحسب، اما النجس فلا يتناسب معه هذا الحكم. ومن المعلوم
ان بروز هذه المناسبة تكمن جذوره فيماللعقلاء من الحكم بان
الماء الطاهر مطهر، وهذا خارج عن محل بحثنا؛ فانه من قبيل
القسم الثاني الذي مر ذكره.
وهناك قسم ثالث في قضية بروز المناسبة بين الموضوع
والحكم - وهذا هو محط بحثنا - وهو ان يكون عروض المناسبة
على اساس رؤية ارتكازية للاشخاص جميعهم من دون ان
يوجد هناك للعقلاء حكم مثل الحكم الوارد في النص بالنسبة
الى الموضوع، وهذا يكون على اقسام:
فتارة تكون الرؤية العامة رؤية قطعية يقينية، ومثاله: ما ذكرناه
سابقا من النص الوارد في ان الظرف الذي يلغ فيه الكلب يجب
تعفيره، فان العرف عندما يواجه هذا النص يحكم بان الموضوع
ليس مطلق الظرف بل الموضوع هو الاناء فحسب؛ حيث ان
الظرف المصنوع من القماش غير قابل للتعفير.
وقد تكون هذه المناسبة ظنية؛ بمعنى ان كل شخص يواجه
النص يظن ان المناسبة لهذا الحكم هي هذا
الموضوع،فلابدللشارع من رعاية هذا الذي للعرف من حصول
الظن لديهم بالنسبة الى نصه بلحاظ ان ه يتكلم حسب ما
لديهم من الاصول والقواعد التي يتحقق على اساسها فهم
النصوص لديهم، فهذا الظن الارتكازي يعد كقرينة متصلة،
وهذا الموردهو الذي لابد من اعتباره كتخصيص واستثناء من
تلك القاعدة العامة لدى الامامية من عدم اعتبار الظن.
وقد تفطن الى هذا الموضوع احد الفقهاء الماضين، وهو الشيخ
فضل الله النوري(رحمه الله) حيث صرح بكفاية الظن
في حصول المناسبة الحكمية، وقد ذكرنا وجه ذلك قبل اسطر.
في القسمين الاولين يتحقق الانصراف حقيقة من الحكم الذي
للعقلاء قبل ان تتحقق المناسبة الحكمية، فان المناسبة
هذه تكون هي مسببة ايضا عن ذلك الحكم الارتكازي، فالمنشا
الاساس ذلك الحكم الارتكازي، فانه بوجوده يتحقق
شيئان وهما: الانصراف وتلك المناسبة القائمة بين الموضوع
والحكم، فكان هناك ترتبا بين الامور الثلاثة بهذه الصورة:
1 - يوجد الحكم الارتكازي.
فالمناسبة ناشئة من الحكم الارتكازي، والانصراف ناشئ من
المناسبة، بخلاف القسم الاخير فانه لا يوجد هناك اي حكم
ارتكازي، بل توجد في المقام المناسبة الحكمية فينشا منها
الانصراف. وسمينا هذا القسم بهذا الاسم لكي يتميز امره عن
القسمين الاولين، والا فانه توجد في جميع الاقسام المناسبة
الحكمية، ومن المعلوم انه لا مشاحة في الاصطلاح. الانصراف البدوي
وهو الذي يمر عليه الذهن سريعا ثم لا يلبث، سواء كان هذا
الذهن عاديا او ذهنا اصوليا يمتلكه المجتهد. وان شئت فقل في
تعريفه: هو الذي يمر على الذهن ولا يبقى فيه بل يزول.
وقد ذكر ان مصداقه هو ذلك الانصراف الناشئ من الغلبة
الوجودية؛ مثل انصراف لفظة «الماء» في العراق الى ماءالفرات
الذي هو الماء الغالب هناك، غير انه لابد ان يذكر هنا شيئان:
فتحصل مما ذكرنا كله الان: ان الانصراف البدوي له اقسام
ثلاثة، كما تبين ان كون الانصراف بدويا قد يحصل لذهن عادي
مثل انصراف الماء في العراق الى الفرات، وقد يحصل لذهن
اجتهادي كمثال الخمس المذكور، فان المجتهد هو الذي يفهم
ان الخمس الرائج لا يكون من الصدقة، فينتقل الى ان انصرافه
الى الخمس الرائج بدوي. الفقه والعرف((125)) السيد محمد الواسعي
في البدء يتعرض المقال الى اهمية العرف ودوره في الاستنباط
من زوايا وجهات عديدة، مؤكدا من خلال ذلك سعة البحث في
هذا المضمار وعمقه.
ثم يعرض وبشكل منهجي للموضوعات التالية:
اولا - تعريف العرف.
البحث عن العرف ودوره في الاستنباطيعد من اكثر البحوث
اهمية في عصرنا الحاضر؛ وذلك:
1 - اهتمام وسائل الاعلام - كالصحف - بطرحه، حيث تعرضت له
وناقشت دوره في عملية التقنين. وطرحت في هذا المجال
بعض التصورات الداعية الى ضرورة التغيير في احكام الشرع
وقوانين الاسلام تبعا لتغير الاعراف وتبدلها، لكي يحافظ
الاسلام على مواكبته للعصر والعرف السائد فيه.
فيما ذهب بعض آخر الى اكثر من ذلك مدعيا حيلولة الدين
دون حركة المجتمع وتطوره، ورائدهم في ذلك ما تصوروه
-خطا او خداعا - عن ثورة الغرب الصناعية في اخريات القرن
التاسع عشر الميلادي وعلاقتها السلبية بالمسيحية المحرفة،
حيث تصوروا ان وقوع تلك الثورة واستمرارها بفعل التطورات،
والاختراعات العلمية، والقوانين المناسبة لها، كان تماما في
النقطة المقابلة لاحكام المسيحية وتشريعاتها الجافة.
ومن هنا تاتي الدعوة الى اهمال قوانين الاسلام والعمل
بالقوانين المتمشية والعرف في كل زمان. الامر الذي
صنعته اورپا حين خلعت سلطنة الكنيسة المتحجرة وانطلقت
الى تطور مذهل وسريع في كافة الصعد العلمية والصناعية
والمدنية والاقتصادية.
لقد تكفل الاسلام - باعتباره الدين الوحيد الذي لم تمسه يد
التحريف - بسعادة الانسان في شتى الابعاد المادية والمعنوية.
وسعى عبر تشريعاته النابعة من حاجات الانسان الواقعية الى
تحقيق كافة مقتضيات التنمية وعوامل التقدم في جميع
المجالات العلمية، والثقافية، والاجتماعية، والسياسية
والاقتصادية. اجل، لقد شرع الله سبحانه الاسلام وقوانينه وهو
المحيط العالم بما تمليه حياة الانسان الفردية والاجتماعية من
مقتضيات وضرورات، فكانت تشريعاته على وفق مصالح الانسان
ونفعه.
ومن هنا فان من واجب الباحثين والعلماء التعريف بالوجه
الحقيقي والمشرق للبعد التشريعي والتقنين في
الاسلام،والتصدي لعمليات التشويه المطروحة في هذا
المجال((126)).
وتاتي دراستنا للعرف وعلاقته بالفقه - بصورة مستوعبة وشاملة -
خطوة في هذا السياق المذكور. 2 - وجود حالة من التطلع الى معرفة دور العرف، فان ثمة اسئلة تثار - وهي تعكس بلاشك انفتاح باب البحث في هذاالموضوع ودراسة علاقته بالفقه - عن مدى حجيته واعتباره دليلا على الاحكام الفرعية، وهل انها ترقى في قيمتهاالدلالية الى مستوى الاستنباط كواحد من الادلة المعتبرة فيه، ام تنحصر حجيته بموارد سكوت الشارع، وما لا نص فيه؟واذا كان الامر كذلك فهل ان حجية العرف الى حد بحيث تقع طرفا في معارضة ادلة الاحكام، او انها تتاطر بحدودتشخيص الموضوع وتحديد دائرته سعة وضيقا، وفهم معاني الالفاظ؟ وهل ثمة اتفاق بين المسلمين على اعتبار العرف وحجيته ام تختلف الاراء في ذلك((217))؟
3 - عدم تعرض كتبنا الاصولية لهذا البحث بصورة مستقلة
بالرغم من اهميته الكبيرة ودوره في جملة من الادلة؛ كدوره
في حجية الظواهر، ومرجعيته في تحديد الموضوعات الفقهية
والاصولية، كما ان البحث فيه يشمل بناء العقلاء،وسيرة
المتشرعة، وغيرها من الادلة الاصولية((218))، وهذا ما يحتم
بحثه بشكل منفرد ومستقل، لاستكشاف دوره في عملية
الاستنباط.
4 - دور العرف في فهم الخطابات الشرعية؛ وذلك لان الفهم
العرفي يعتبر من اهم العناصر المؤثرة في الاستنباط؛ اذمما
لاشك فيه ان بعثة الانبياء انما هي لبيان الاحكام والمعارف
للناس، قال تعالى: (وما ارسلنا من رسول الا بلسان
قومه ليبين لهم)((129))، وهذا يفترض ان يكون بيانهم واضحا
ومفهوما للناس، فما لم يتضح مراد الشارع فانه لا يمكن
اطاعة اوامره.
وعلى ضوء ذلك، فان فهم الاجيال المتاخرة عن عصر التشريع
للادلة والخطابات الشرعية يتوقف على تشخيص العرف القائم
حين صدور الخطابات، كي تحمل مفاداتها على معانيها
العرفية((130))، هذا من جهة.
ومن جهة اخرى فانه لابد من ملاحظة حالة اللااستقرار والتغير
في الاعراف واختلاف الاعراف الموجودة فعلا عن الاعراف
المقارنة زمن الصدور، مما قد يوجب خلطا - كما وقع فيه
كثيرون - في فهم الاخبار((131))، ولذا فانه لابد من دراسة
العلاقة بين العرف المقارن والعرف المتاخر، ودور الاخير في
تشخيص واكتشاف العرف المقارن.
5 - الدور الكبير الذي يضطلع به العرف في عملية الاستنباط؛
اذ قد لا نبالغ اذا قلنا ان الاساس في كثير من الخلافات الفقهية
يرجع الى تعدد الاستظهارات العرفية، وقد يعول الفقيه على
فهمه الشخصي بظن انه مستمد من العرف، كما انه قديعتمد
الدقة العقلية والذوق الفلسفي بدل الفهم العرفي((132)).
ويقول الامام الخميني(قدس سره) فيما يشترط في الاجتهاد:
ومن هنا تتاكد وتتبلور ضرورة البحث في هذا الموضوع
والتحقيق في جميع ما كتب الى الان عنه؛ لنقف على
الفرق الفارق بين العرف والعقل في مجال الاستنباط.
6 - اعتماد العرف وسيرة العقلاء دليلا بوحدهما في كثير من
الموارد، خصوصا بعد رفض جمع من محققي علم الاصول
لجملة مما كان يعتمده القدماء، من قبيل الشهرة الفتوائية،
والاجماع المنقول، وانجبار ضعف الرواية
بعمل الاصحاب((135)).
ولا شك فان الشارع قد اعتبر حجية العرف في كثير من السير
العملية، الا ان المهم هو التمييز بين انواع هذه السيرالعرفية
وتصنيفها، فانها تختلف باختلاف المنشا فيها، فقد يكون المنشا
فيها هو العواطف، او الاخلاق، او العادة، اوالحسن والقبح
العقليين، او الارتكازات والفطريات، فلابد اذا من التمييز بين
هذه المناشئ وعدم الخلط بينها لنصون بذلك عملية
الاستنباط من حالات الافراط او التفريط التي قد يبتلي الفقيه
بها((136)).
وبعد هذه المقدمة في اهمية البحث وضرورة دراسته، فانا
سنعقد البحث هنا في اربعة امور رئيسة، هي: الامر الاول: حقيقة العرف
ونتعرض فيه للمعنى اللغوي واستعمالاته، وكذلك المعنى
الاصطلاحي، ومقارنته بالمفاهيم المشابهة له، ثم نبين
اركانه وعناصره. أ - تعريفه اللغوي:وقد ذكروا له - سيما الاصوليون - عدة تعاريف متقاربة، نذكرها مع حذف المكرر منها: اولا: عدم كونه جامعا ولا مانعا، لانه ان اريد من (العقول) جميعها، فالتعريف غير جامع، وان اريد اجتماع جماعة من العقلاء على امر، فالتعريف غير مانع للاغيار. ثانيا: ان قيد (تقبله الطبائع السليمة) يخرج العرف الخاص من التعريف؛ وذلك لان الطبائع السليمة واحدة وثابتة في جميع الازمنة والامكنة، واما العرف الخاص فهو متغير بلحاظ المكان والزمان والطبقات الاجتماعية. ثالثا: انه يخرج - بقيد (العقول والطبائع السليمة) - العرف الفاسد، مع انهم قسموا العرف الى صحيح وفاسد((140)). ثانيا: عدم شموله لما يعتاد الناس تركه. وعليه فالتعريف غير جامع.
وعرفه ايضا في تعريف آخر: بالفعل الذي يستند الى
العقل العملي، المعبر عنه في المنطق ب - «الاراء المحمودة»
وهي: مجموع القضايا التي يتلقاها عامة الناس بالقبول،
ويجرون عليها بحسب ارتكازاتهم((144)). واما عملية الانصراف الى معنى خاص فهي وان كانت ترتكز على البناءات العرفية كالتمسك باصالة الظهور، واصالة الاطلاق، واصالة الجهة، وهي جميعا من العرف العملي التي يتمسك بها العرف العام ويجري عليها، الا ان المتفاهم العرفي من تلك الالفاظ هو عين العرف القولي كما بيناه. ثالثا: اختصاص التعريف الاول بالعرف الناشئ من الفعل الارادي المتكرر خاصة، كامارية اليد على الملكية، ولا يشمل الاعراف العقلائية الناشئة من الارتكازات الفطرية، كالتملك بالحيازة - مثلا - الذي هو من المرتكزات الفطرية. رابعا: عدم شمول التعريف الثاني للعرف الفاسد، مع انه ينقسم الى الصحيح والفاسد.
وهذا التعريف مطلق يشمل العرف العام والخاص، والصحيح
والفاسد، فلا يتوجه عليه ما تقدم على نظائره. ومن هنا فقدعبر
عنه العلامة السيد محمد تقي الحكيم بانه اقرب الى
الحقيقة((146)).
ومما يهون الخطب في هذه التعاريف انها ليست تعاريف حقيقية يراد بها بيان حقيقة
الشيء، بل هي شرح
للاسم وتوضيح عام للمفهوم((147)). 1 - العرف والعادة: العادة هي من العود، وتطلق على الخلق ايضا، وهي اعم - كما يقول الاستاذ مصطفى الزرقا -من العرف؛ لشمولها للعادة الناشئة من العوامل الطبيعية، ومن العادة الفردية((148)). فان العادات على ثلاثة انواع: الاول: العادات الفردية التي يمارسها الفرد في اعماله وتصرفاته الشخصية كالنوم في ساعة معينة مثلا. والمنشا في هذه العادات مختلف، فقد يكون المنشا هو الارتكازات الفطرية، وقد يكون الاهواء النفسية، او الفكر والارادة او غير ذلك. وجميع هذه العادات هي مما يرادف العرف، بغض النظر عن صحتها او سقمها من حيث المنشا. (1) - يشترط في تحقق الاجماع تحقق اتفاق الامة، او كافة اهل النظر والاجتهاد فيها، او مجتهدي مذهب معين على اختلاف المباني في الاجماع. واما العرف فانه لا يشترط فيه ذلك، بل يكفي سلوك الاكثرية، بلا فرق بين اهل الاجتهادوغيرهم((150)). ( (3) - ان العرف يتصف بالحسن تارة وبالقبح اخرى، واما الاجماع فليس كذلك((151)). ( (1) - ان تحقق العرف واستقراره يستلزم مرور فترة طويلة، وكذلك الامر في نسخ عرف ما بعرف آخر. وهذا بعكس القانون، فان تحققه او نسخه لا يحتاج الى ذلك. ( (
4 - العرف و (الموظة)!: والفوارق بينهما هي: يتبين مما تقدم ان اركان العرف عبارة عن:
1 - القول او الفعل الخاصين، او تركهما. الامر الثاني: انواع العرف
نعرض في البدء للعوامل المؤثرة في ايجاد العرف واستمراره وتغيره، ثم نشير الى
انواعه. لا شك ان للاعراف والعادات التي تظهر بين الناس ويطرا على بعضها التغير والتحول، عللا تتحكم بها - فهي معلولة لتلك العلل -مثلها في ذلك مثل سائر الظواهر المعلولة الاخرى. ويمكن تحديد المنشا والعلة فيها بما يلي:
1 - الفطرة الانسانية يقول المحقق النائيني(قدس سره) في
بيان مناشئ السيرة العقلائية: «... واما ان تكون ناشئة
عن فطرتهم المرتكزة في اذهانهم حسب ما اودعها الله تعالى
في طباعهم»((156)). |