الصفحة التالية

الصفحة السابقة

4 - الاحكام الشرعية التي يبلغها الانبياء في وقتهم ثم تستمر من بعدهم((159)).

5 - القوانين اللزومية التي تؤسسها الدولة او اي سلطة اجتماعية اخرى، بحيث يجري عليها الجميع حتى العقلاء، فتكون عرفا جاريا في المجتمع((160)).

6 - ما تمليه حاجات المجتمع ومتطلباته، بنحو يقتضي طبع المجتمع بنفسه وجود العرف، وتتفاوت هذه المتطلبات بحسب الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والطبيعية والنظم والقوانين، وخصائص الناس الخلقية والوطنية وميزان تمدنهم((161)).

7 - التعصبات العرقية، والمعتقدات الدينية((162)).

8 - تقليد الاخرين سواء كانوا من المتقدمين او المعاصرين؛ فان بعض الاعراف يمكن الاستغناء عنها والغاؤها؛ لانعدام الحاجة اليها، ولكنها تقر في المجتمع وتبقى من باب التقليد للسلف، او المجاراة مع راي غيرهم من المعاصرين((163)).

9 - العلاقات الاقتصادية والثقافية والرياضية المتبادلة مع الدول المجاورة او غير المجاورة التي تؤثر وبشكل طبيعي في تشكل العرف وايجاده.

10 - الغزو الثقافي الذي تقوده الدول الاستعمارية لتخريب القيم الخلقية لدى شعوب الدول الاخرى، واحلال ثقافتهاالمتحللة مكانها. وبالمال الغاء عرف وايجاد عرف جديد.

11 - التسامح، فان بعض الاعراف تنشا من التسامح الذي يبديه الناس في بعض الامور، فمثلا نراهم ومن باب التسامح يدعون الوصول الى محل او مكان ما مع انه لم يحصل الوصول حقيقة.

او يتسامحون فيدعون حصول القدر المعين الذي يفرض حصوله حقيقة مع انه غير حاصل كذلك((164)).

12 - الجهل، فانه مصدر من مصادر الافراط والتفريط في السلوك الاجتماعي، بحيث يتحول ذلك السلوك وبالتدريج الى عرف رائج في المجتمع.

وبعد ملاحظة هذه العوامل وتاثيرها في العرف تتجلى حينئذ ضرورة البحث في انواع العرف.

انواع العرف: يمكن تقسيم العرف من جهات مختلفة الى انواع عديدة:

ا - العرف العام والخاص:
العرف العام: هو العرف الذي يشترك فيه الاكثرية الساحقة من الناس((165))، على اختلاف الوانهم وقومياتهم، ولغاتهم وثقافاتهم، واقطارهم وازمانهم((166)) وينتظم في هذا القسم:

1 - المتفاهم العرفي (: الفهم العرفي)، وهو عبارة عن الفهم العام لدى عموم الناس من الالفاظ على اختلاف اللغات بينهم، مثل المتفاهم العرفي من لفظ: ماء، و (آب) بالفارسية، و (Water) بالانجليزية و...
2 - سيرة العقلاء في الاخذ بظهور الكلام، التملك بالحيازة، امارية اليد على الملكية، رجوع الجاهل الى العالم، وغير ذلك من بناءات العقلاء.
3 - تشخيص المصداق، فان العرف العام يحكم بعدم صدق الدم كمفهوم على مجرد اللون((167)).

والعرف الخاص: هو العرف الذي ينشا عند طبقة خاصة تجمعهم وحدة من لغة او دين او مكان او زمان اومهنة((168)).
وينضوي تحته:

1 - عرف المتشرعة الحاصل من استمرار المسلمين في استعمال لفظ في معنى ما، او فعل او ترك، على نحو يكون المنشا فيه هو الشرع((169)). ويشمل هذا: الحقيقة المتشرعية في الالفاظ، وسيرة المتشرعة في السلوك والافعال،وسيرتهم الاستنكارية في باب ترك الفعل. وسياتي توضيحها لاحقا((170)).
2 - عرف اهل بلد معين او محل خاص((171)).
3 - عرف بعض الاعصار والازمنة. كما في استعمال صيغ الوقف والوصايا التي تختلف من زمان الى زمان، كما انهاتختلف باختلاف الامكنة ايضا((172)).
4 - عرف اهل صنف معين، كعرف اهل اللغة في استعمال اللفظ في معنى خاص بدون نصب قرينة - المعبر عن ذلك العرف بالحقيقة اللغوية - او كعرف الخياطين مثلا في كون الخيط والازرار عليهم في خياطة الثوب((173)).

ب - العرف القولي والعملي:
العرف القولي: هو العرف الحاصل من شيوع استعمال لفظ في معنى معين، بحيث ينصرف الذهن الى ذلك المعنى بدون قرينة تدل عليه((174)). ويشمل هذا العرف: العرف القولي العام، والعرف القولي الخاص:

1 - العرف القولي العام: وهو عبارة عن المتفاهم العرفي في باب استعمال الالفاظ في معانيها، المعبر عنه بالحقيقة العرفية. وقد يشترك في هذا العرف جميع الناس على اختلاف لغاتهم كما تقدم توضيحه في تقسيم العرف الى عام وخاص، وقد يختص باهل لغة خاصه كاختصاص العرب في اطلاق لفظ الدابة على حيوان خاص مع انه عام وضعا لكل ما يدب على الارض((175)).
2 - العرف القولي الخاص: الشامل للحقيقة الشرعية والحقيقة المتشرعية، والفرق بينهما هو ان الاولى بلغ استعمال المتشرعة للفظ في معناه حدا بحيث يتبادر المعنى من اطلاقه بلا قرينة في عصر النبي(ص)، كما في لفظ الصلاة والصوم والزكاة والحج وغيرها، واما الثانية فانه يتبادر المعنى من الاطلاق فيه، ولكن في العصر المتاخر عن زمانه(ص)((176)).

والعرف العملي: عبارة عن منهج عملي في سلوك الناس، وليس المنشا فيه العامل الطبيعي، وتطبيقاته هي:

1 - سيرة العقلاء، وهي عبارة عن العمل العقلائي الذي يمارسه العقلاء، كالتعاطي في المعاملات مثلا((177)).
2 - سيرة المتشرعة، وهي عبارة عن السلوك الذي يسلكه المتشرعة - بما هم متشرعة - المعاصرون لزمن الائمة(ع).نظير سيرتهم في غسل الوجه في الوضوء من الاعلى الى الاسفل((178)).
3 - السيرة العملية المختصة ببعض البلاد، كسيرة اهل بعض البلاد في بيع بعض المبيعات بالعدد((179)).
4 - الانصراف اللفظي القائم على اساس البناءات العرفية، كانصراف الذهن عند سماع لفظ الخبز الى الخبز المتخذ من الدقيق، ولفظ اللحم الى خصوص لحم الشاة. فلو قال القائل: اشتر خبزا ولحما، انصرف الى هذين الفردين من باقي الافراد الاخرى للفظ الخبز واللحم، وليس ذلك الا من باب المتعارف العملي بين الناس.

ج - العرف المطرد، الغالب، والمشترك:
العرف المطرد: هو العرف العام والشامل لكل ما تحته من مصاديق، على نحو يكون هو المتبع في جميع البلاد بين عامة الناس.

العرف الغالب: هو العرف الذي يراعى في اكثر الاعمال والوقائع الجارية((180)).
وهذا العرفان لا يختصان بالعرف العام، بل قد يكونا في العرف الخاص ايضا، فانه قد يكون في بعض الحالات مطردا، كقيام العرف بشكل مطرد في بعض المناطق على اخذ قسم من المهر معجلا وبعضه الاخر مؤجلا. وقد يكون ايضاغالبا كقيام العرف في بعض البلاد على التعامل بالدينار او الدولار((181)).
والعرف المشترك: هو الذي يتساوى العمل به او تركه بين الناس، وقد يصطلح عليه بالمتساوي ايضا((182)).

د - العرف المقارن وغير المقارن:
العرف المقارن: هو الذي يقترن وجوده مع شيء آخر((183)).
وهو على ضربين:

1 - العرف المقارن لظهور الاسلام وصدر التشريع، سواء كان قبل ذلك ثم بقي معاصرا له، او اقترن وجوده بالعصرالاول للاسلام، بحيث يكون شاملا للعرف المقارن القولي والعملي.
2 - العرف المقارن لانعقاد العقود والمعاملات، وصيغ الوصايا، والاقرار وامثالها.

والعرف غير المقارن: هو العرف المتاخر عن حدوث الشيء. وهو على ضربين:
1 - العرف الحادث، وهو الحاصل بعد تشريع الاحكام((184)).
2 - العرف المتاخر، وهو الحاصل بعد انعقاد العقد، او بعد الاقرار، او بعد الوصية.
 

ه - العرف الدقيق والمسامحي:
العرف الدقيق: هو العرف الناشئ عن دقة التحقيق((185)). فمصداق كل مفهوم ينبغي تشخيصه بشكل دقيق. ولا ينبغي الخلط هنا بين العرف الدقيق، والدقة الفلسفية، فالعرف يحكم - مثلا - بعدم وجود الدم مع بقاء لونه، ولكن العقل يحكم بوجوده لعدم امكان التفكيك بنظره بين بقاء اللون وعدم وجود الدم((186)).

والعرف المسامحي: هو العرف الناشئ عن التسامح وعدم التدقيق، المصاحب لحالة التخمين والتقريب.

و - العرف الصحيح والفاسد:
العرف الصحيح: هو العرف الموافق للموازين الشرعية، كالعرف القائم بين الناس على استعمال الالفاظ في معانيهاومصاديقها، او قيام بعض المعاملات في بعض المناطق بالنقود الرائجة فيها((187)).
والعرف الفاسد: هو العرف المخالف للموازين الشرعية، كمخالفته لنص الكتاب او ظاهره، كالعرف القائم على المعاملات الربوية، او الانشغال باللهو واللعب، وكذا العرف المخالف للاجماع اذا كان كاشفا عن راي المعصوم(ع)، فانه من المخالفة للسنة كما لا يخفى.

الامر الثالث: العرف والشرع

أ - العرف وطريقة الشارع:
يعتبر الاسلام - من حيث الزمان - آخر الاديان، كما انه - من حيث المضمون - يعتبر من اكمل الاديان، قال عز من قائل: (ان الدين عند الله الاسلام)((188)).

واحكام الاسلام على نوعين: الاحكام التاسيسية، والاحكام الامضائية. والاولى هي الاحكام التي اسسها الشارع ولم تكن الى قبل تشريعه، كوجوب الصلاة، والحج بخصوصياته التي في الاسلام((189)). والثانية هي الاحكام التي كانت موجودة قبل الاسلام في الاديان والمجتمعات السابقة عليه، ثم جاء الاسلام وامضاها.

كما ان ثمه اعراف قد منعها الشارع ولم يقرها. ونشير فيما يلي الى طريقة الشارع في انكار العادات والاعراف السابقة عليه:

1 - اقرار العادات والاعراف الدخيلة في حفظ المجتمع وبقائه، والتي تنسجم ومقاصد الاسلام ومصالح المكلفين الواقعية. ومن ذلك باب المعاملات والعقود والايقاعات التي كان تشريعها عبارة عن امضاء الشارع لها واقرارها. كما في آية (واحل الله البيع)((190)) ((191)).

2 - اقرار بعض الاعراف مع تهذيبها واجراء بعض التعديلات عليها، من قبيل احكام القصاص، والديات، والطلاق،والعدة، وغيرها من الاعراف التي امضاها الاسلام.

3 - رفض كثير من العادات التي لا تنسجم وتشريعات الاسلام، كالمعاملات الغررية والربوية، وظاهرة تبني الاولادالتي كانت سائدة في المجتمع العربي. وقد اوصى النبي(ص) معاذ بن جبل عندما وجهه الى اليمن قائلا: «وامت امرالجاهلية الا ما سنه الاسلام»((192)).

ب - الشروط المعتبرة في العرف:
ذكر الفقهاء لحجية العرف شروطا، نشير لها:

1 - ان يكون العرف عاما وغالبا: وهذا الشرط لازم في جميع الاقسام المتقدمة للعرف، اللفظي والعملي، الخاص والعام. ولا ينبغي الخلط بين هذا الشرط وبين العرف العام والخاص، لان العرف الخاص واجد للشرط المذكور في مورده ودائرته((193)).

2 - ان يكون العرف دقيقا: يشترط في العرف الدقة والوضوح للكشف عن مراد الشارع او تشخيص مصداق الموضوعات بدقة. كما في موارد الاوزان، والمقادير، والمسافات الشرعية، فاذا نقص الكر او المسافة الشرعية شيئا قليلا، لم يلتفت الى الصدق العرفي للكر والمسافة عليهما. بل لابد من مراعاة الدقة في ذلك((194)).

3 - عدم مخالفة العرف للعقل العملي: بان يكون مطابقا للعقل والذوق السليم والراي العام((195)). فالاعراف الفاسدة والضررية والمخالفة للعقل العملي غير مشمولة لدليل الحجية، وهذا الشرط هو غير البحث في اتصاف العقل النظري وتميزه عن العرف بالدقة، حيث يتقدم العرف (او الدقة العرفية) ولا يعتنى بالدقة العقلية، كما تقدم بيانه في الشرط الثاني.

4 - ان يكون العرف مقارنا: يشترط في التمسك بالعرف - في الموارد التي نفتقد الدليل فيها على الحكم الشرعي،ونلجا لاثباته من طريق سيرة العقلاء، او المتشرعة، او للاستدلال به على قاعدة اصولية - اتصاله بزمن المعصوم(ع)؛ ليكون كاشفا عن صدور الردع او عدم صدوره، وبالتالي ثبوت كاشفيته عن الحكم الشرعي في الصورة الثانية. واما اذالم يحرز اتصالها وامتدادها الى زمن المعصوم(ع) فلا يمكن حينئذ اعتماد كلا هاتين السيرتين في الكشف عن الحكم الشرعي. كما انه ينبغي ايضا عند مراجعة العرف لتحديد معاني الالفاظ ان يكون مقارنا لزمن صدور الخطاب، فالمدارلدى الشارع هو عرف زمن الصدور، من دون ملاحظة ما يطرا على الالفاظ في الازمنة المتاخرة، وعلى المكلفين في عصر الحضور والخطاب - سيما اصحاب الائمة(ع) وتلامذتهم - نقل تلك المعاني التي فهموها الى المتاخرين عنهم.

5 - احراز عدم ردع الشارع: يشترط في اعتبار العرف مضافا الى ما تقدم - من لزوم مقارنته واتصاله بعصرالمعصوم، لكي يثبت حكما شرعيا، او قاعدة اصولية - احراز عدم صدور الردع عنه((196)). فلا يكفي مجرد عدم العلم بصدوره، او احتماله حتى يقال: ما لم يصدر الردع فان سلوك العقلاء وسيرتهم حجة يلزم العمل بها شرعا، بل لابد من احراز عدم الردع كشرط كاشف عن تقرير الشارع. ولاحراز عدم الردع يشترط:

* ان تكون السيرة العقلائية بمرئى ومنظر من المعصوم(ع)، اي متصلة بزمانه.
*
ان لا يكون ثمة معذور من الردع كالتقية؛ ليكتشف من سكوته الامضاء والرضا، وعليه فاذا لم يتمكن الشارع من الردع من السيرة فلا كاشفية عن الامضاء((197)).
*
عدم وجود ما يصلح للردع في الكتاب والسنة؛ فاذا وجد ما يصلح للردع فيهما كان كافيا في الردع، ولا يشترط اكثر من ذلك، بان يبرز الشارع بيانا خاصا للردع عن العرف((198)).

ومنه يعرف انه لو كان العرف مخالفا للاجماع الكاشف عن راي المعصوم(ع)، فلا عبرة به حينئذ، واما اذا لم يكن الاجماع كاشفا اخذ بالعرف((199)).

6 - عدم التصريح بالخلاف: لا شك انه يرجع الى العرف في فهم مراد المتكلم، الا اذا كان هناك معنى خاصا مقصوداعند الطرفين، فلا يرجع اليه حينئذ((200)). وذلك لان دلالة العرف دلالة ظنية وظهورية، والتصريح بالخلاف متيقن، فيتقدم على الظني ولا ينعقد للكلام ظهور بحسب الفهم العرفي. ومثاله ما لو كان العرف قائما على تقسيط الثمن، واتفق المتبايعان على خلافه((201)).

ج - عدم استقلال العرف في الدليلية:
اتضح مما تقدم ان العرف ليس دليلا مستقلا بنفسه، بل هو بحاجة الى امضاء الشارع او عدم ردعه. وقد اتضح هذا مماذكرناه في شرطية احراز عدم صدور الردع من الشارع، حيث ثبت هناك ان السيرة العقلائية تستمد حجيتها من سكوت الشارع وتقريره((202))؛ اذ العرف حجة ظنية كاشفة كشفا غير تام عن الحكم الواقعي، والمتمم لحجيتها هو تقريرالشارع((203)). وهذا بخلاف حكم العقل فانه حجة قطعية مستقلة لا يمكن للشارع رفعها، كحكم العقل بوجوب العدل وحرمة الظلم، وايضا بخلاف سيرة المتشرعة، فانها ناشئة من الشارع نفسه.

فالمتحصل هو عدم اعتبار العرف حجة مستقلة في مقابل الكتاب والسنة، بل هو كاشف عن السنة او داخل فيها((204))كماهو الامر في الاجماع وسيرة المتشرعة.

د - مراتب حجية العرف:
لا شك ان العرف العام هو المرجع في فهم مداليل الخطابات الشرعية، فيما اذا لم يكن هناك عرف شرعي مفسر للخطاب(: الحقيقة الشرعية). فالعرف الشرعي مقدم على العرف العام. والعرف العام (: الفهم العرفي) مقدم في حال الاختلاف على العرف الخاص (العرف اللغوي)؛ اذ الثاني طريق وكاشف عن العرف العام. كما ان المرجع في تحديد مصاديق الالفاظ بعداتضاح معانيها، هو العرف العام الدقي (غير المسامحي)، ومع فقده واختلاف الاعراف بلحاظ الزمان والمكان، فالمرجع هوالعرف المكاني او الزماني الخاص، دون العرف المعاصر لزمن الشارع كما تقدم بيانه في شروط حجية العرف. فاذا كان -مثلا - شيء كالحنطة من المكيلات عند بعض المكلفين، فلا يصح عده من الموزونات اذا كان كذلك بلحاظ عرف بلد الاخر((205)).

واما مداليل الخطابات غير الشرعية، فالمرجع في فهمها وتعيين مصاديقها هو العرف الخاص لا العرف العام، الا اذاكان العرف الخاص مفقودا. كما ان المقدم حال الاختلاف بين سيرة العقلاء والمتشرعة هو الثاني؛ لانه كاشف قطعي عن الردع عن الاول.

الامر الرابع: مجالات العرف

أ- العرف والمسالة الاصولية:
يختلف العرف باختلاف موارده. فقد يمكن عده مسالة اصولية فيما لو كان كاشفا عن حجية الظواهر او قول الثقة،ونظائرهما مما يقع ممهدا في طريق الاستنباط، واما لو كان كاشفا عن راي المعصوم(ع)، او مراد المتكلم((206))، اولاثبات موضوع الحكم، فلا يمكن حينئذ عده من مسائل الاصول.

ب - دخالة العرف في الاستنباط:
وينتظم فيه الموارد التالية:

1 - فيما لو لم يوجد دليل على الحكم الشرعي سوى كاشفية العرف. ويشترط فيه ان يكون عاما غير خاص بزمان اومكان معين، وذلك لكي يتم احراز اتصاله بعصر المعصوم(ع)، واحراز السكوت والتقرير وكونه من السنة التقريرية، وتعتبر سيرة العقلاء والمتشرعة من هذا القبيل((207))، ولنذكر مثالين على ذلك:
(1) - البيع المعاطاتي: قال الامام الخميني(قدس سره) في وجه صحته: «يدل على صحتها - المعاطاة - السيرة المستمرة العقلائية من لدن تحقق المدنية والاحتياج الى المبادلات الى زماننا، بل الظاهر ان البيع معاطاة اقدم زمانا واوسع نطاقامن البيع بالصيغة، فلا ينبغي الشبهة... وقد كانت متعارفة في عصر النبوة وبعده بلا شبهة، فلو كانت غير صحيحة لدى الشارع... لكان عليه البيان القابل للردع»((208)).
(2) - التصرف في مثل الاراضي الوسيعة والانهار الكبيرة: حيث قامت السيرة القطعية على ذلك وهي براي ومنظر من الشارع. قال المحقق السيد الخوئي(قدس سره) في بيان ذلك: «فالعمدة هي السيرة القطعية المستمرة حيث ان الناس يتصرفون في الاراضي الوسيعة بمثل الاستراحة، والتغذي او الصلاة فيها، وفي الانهار الكبيرة بالشرب، والاغتسال، والتوضؤ، كما هو المشاهد في الماشين الى زيارة الحسين(ع) راجلا»((209)).

2 - موارد الخطابات الشرعية المتضمنة للالفاظ التي ليس لها حقيقة شرعية، فان المرجع في فهم معانيها هو العرف العام، المعبر عنه بالتبادر المنساق الى الذهن، او الانصراف والظهور العرفي، كانصراف لفظ الدابة لذوات الاربع خاصة،مع انه للاعم منها وهو كل ما يدب على الارض.

3 - الموارد التي اناط الشارع المقدس امرها بالعرف، كالموضوعات الخارجية المعبر عنها بالموضوعات العرفية،فان تشخيصها سعة وضيقا بيد العرف((210)). ولم يتدخل الشارع في تحديدها. ويشكل هذا القسم اهم موضوعات الاحكام الشرعية، مثل:
*
احياء الارض الموات، فانه موضوع لحكم التملك. قال المحقق السبزواري: «الاحياء ورد في الشرع مطلقا من غير تفسير،فلابد فيه من الرجوع الى العرف، فالتعويل على ما يسمى في العرف احياء»((211)).
*
مفهوم المؤونة المستثناة من الخمس، ومفهوم العيال الواقع موضوعا لاحكام عديدة. فانها مما يرجع في تحديدها الى العرف، قال صاحب الجواهر: «فالاولى ايكاله الى العرف كايكال المراد بالعيال اليه»((212)).
*
الزيادة والنقيصة غير المتسامح فيهما، حيث تقعان موضوعا لخيار الغبن، قال في الجواهر: «والمرجع في ذلك - بعد ان لم يكن له مقدر في الشرع - الى العرف»((213)).
*
الاستحالة والانقلاب، فانهما موضوعان لطهارة الاعيان النجسة، كاستحالة الكلب الى الملح، وانقلاب الخمر خلا.فان الملاك في صدقهما هو العرف.
*
بقاء الموضوع في الاستصحاب، حيث يشترط في جريان الاستصحاب اتحاد القضية المتيقنة والقضية المشكوكة حال الشك، بمعنى بقاء القضية المتيقنة سابقا وكونها عين القضية المشكوكة فعلا حال الشك، وعليه فان بقاء الموضوع وتشخيص سعته وضيقه بيد العرف. وقد صرح بذلك صاحب الكفاية حيث ذكر: ان المعيار في بقاء الموضوع هو اتحادالقضية المتيقنة والمشكوكة((214)).

4 - الموارد التي يرجع فيها - لتعيين مراد المتكلم في حال الاطلاق - الى العرف سواء كان المتكلم هو الشارع او غيره.اما الكشف عن مراد الشارع وفهمه فانه يدخل فيه كل ما يرتبط بالمداليل الالتزامية لكلامه، شريطة ان تكون الملازمات العرفية هي المنشا في الدلالة المذكورة. كما لو حكم الشارع بطهارة الخمر بعد انقلابه خلا؛ فان العرف يحكم بطهارة ظرفه. ومثله ايضا الموارد التي يصلح فيها العرف ان يكون قرينة لتحديد مراد الشارع.
واما الكشف عن مراد غير الشارع فانه يدخل فيه جميع ما يدخل في صيغ الوصايا والشروط والاوقاف وغيرها اذاكانت لها مداليل ومعان عرفية، عرفا عاما او خاصا((215)).

5 - موارد القواعد الاصولية المستخدمة في الفقه وللعرف دور الكشف عنها، كالعرف القائم على الاخذ بظواهر الكلام،او بقول الثقة وغير ذلك((216)). فقد ذكر المحقق النائيني: ان العمدة في حجية خبر الثقة هو السيرة العقلائية. وافادالمحقق السيد الخوئي - في حجية الظواهر -: ان حجيتها مورد اتفاق العقلاء في محاوراتهم، حيث لم يؤسس الشارع طريقة جديدة في ذلك فيظهر منه حينئذ الامضاء لطريقتهم.
وذكر السيد البجنوردي - في حجية الاستصحاب -: ان مما لا شك فيه ان سيرة العقلاء وبناءهم - سواء كانوا متدينين ام لا - على العمل بالحالة السابقة، وعدم الاعتناء بالشك فيها، وهذا امر مشهور وملحوظ في كافة اعمالهم ومعاملاتهم، وحيث ان الشارع لم يردع عن هذه السيرة فانه قد اجازها وامضاها.
وقال المحقق الخراساني في قاعدة تقدم الامارات على الاصول: ان تقدمها مما يؤيده العرف.

ج - حدود دائرة العرف:
بناء على ما تقدم من حجية العرف بالشروط السابقة فانه يطرح ههنا سؤالان:

الاول: انه هل يمكن للفقيه الاستناد الى العرف في استنباط الحرمة او الوجوب؟
الثاني: انه هل يمكن التعدي من بناء العقلاء في زمن المعصوم(ع) الى بناء العقلاء في زماننا لاستنباط الحكم في المسائل المستحدثة؟

وعليه فالبحث يقع في امرين:

أولا - استنباط العرف للحكم الشرعي:
والمقصود بالعرف هنا عبارة عن: سيرة العقلاء، وسيرة المتشرعة، والعرف اللفظي.
فلابد من ملاحظة الضابط في دلالة كل واحد منها، فنقول:
* ان سيرة العقلاء مجملة لا بيان فيها على الوجوب ولا على الاستحباب، ولا الحرمة ولا الكراهة، الا اذا اقترنت بقرائن حالية او مقالية، فالسيرة اذا تحققت في مورد فهي لا تثبت اكثر من المشروعية وعدم ثبوت الحرمة في تلك الموارد، كماانها لا تثبت اكثر من عدم الوجوب ومشروعية الترك في المورد الذي تنعقد فيه على الترك.
*
واما سيرة المتشرعة فهي قد تدل على عدم لزوم الاتيان بفعل، كمسح القدم في الوضوء ببعض الكف، حيث تدل على عدم وجوب المسح بتمامها، وقد تدل وتقوم على الفعل او الترك، فتدل حينئذ على جوازهما. نعم لو احرز الوجه في عمل المتشرعة وانه على الاستحباب مثلا، ثبت بذلك الاستحباب حينئذ.
*
واما العرف اللفظي فانه عين البيان، وهو تابع لدليله وخطابه.

ثانيا - استنباط العرف لحكم المسائل المستحدثة:
قد تقدم ان من شروط حجية العرف كون السيرة العقلائية بمراى ومنظر من الشارع. وعليه فان تقريره منحصر بخصوص السيرة القائمة في عصره - دون المتاخر عنه - على نحوالقضية الخارجية، فلا اطلاق فيه لجميع السير المتاخرة، بحيث يكون على نهج القضية الحقيقية؛ وذلك لان التقريروالامضاء السكوتي ليسا من قبيل الالفاظ ليقال انهما ظاهران في القضية الحقيقية. بل قد يقال باختصاص السيرة المعاصرة للشارع في الامضاء اللفظي ايضا، فلا يعم غيرها. فلو امضى الشارع العقود المعاصرة لزمانه ب(اوفوا بالعقود) اقتصر في دلالتها عليها حسب، دون العقود المتاخرة من زمانه كما عليه جماعة من الفقهاء. وعليه فلابد من درج العقودالمستحدثة تحت واحد من العقود الممضاة لتتم مشروعيتها.

نعم، ذهب جماعة الى شمول عموم (اوفوا بالعقود) للعقود المستحدثة (كعقد التامين مثلا) حيث ان الشارع قد امضى جميع اصناف السير العقلائية بنظير العمومات المذكورة، فلا وجه حينئذ للانصراف.

وقد ذهب الى هذا الراي المحقق القمي في جامع الشتات، وصاحب العروة، حيث يرون صحة كل معاملة تقع مشمولة للعمومات، الا اذا ثبت فسادها بدليل خاص، وذكر الامام الخميني في خصوص عقد التامين انه عقد عقلائي وان التعهدوالالتزام الحاصلين فيه محترمان عند العقلاء.

وثمة بحث جانبي آخر في تحليل الامضاء الصادر من الشارع للتملك الحاصل بالحيازة. هل انه امضاء لذات العمل الصادر عن العقلاء - الناشئ من الارتكازات والحيثيات العقلائية - او انه امضاء لاصل الارتكاز العقلائي وبنائهم؟فيشمل حينئذ التملك بالحيازة بواسطة الاليات الثقيلة الحديثة.

والذي يبدو هو ان المنشا من قبل الشارع هو العموم؛ لتوفر ملاك الامضاء فيه مع صدق تنبيه الغافل عليه((217)).

يقول السيد محمد باقر الصدر(قدس سره): «ان سكوت الشارع وامضاءه لا يشمل العمل الخارجي الناشئ من الارتكازات العقلائية فحسب، بل يشمل اصل الارتكاز والبناء العقلائي وان لم يترتب عليه اثر في الخارج».

ان مما لا شك فيه هو كون الحكم تابعا للموضوع، وان بين الاثنين علاقة السببية والمسببية، بنحو ان كل تغير في الموضوع يستدعي تغيرا في الحكم ايضا، وتغير الموضوع ناشئ من تبدل العرف وتغيره.. فاذا لا اشكال في تغير الحكم بسبب تبدل الموضوع عرفا، فان مثل هذه التغييرات - سواء كانت عامة او خاصة، مخالفة للفتوى ام لا - مما تؤخذبنظر الاعتبار ويترتب عليها الاثر؛ كما في موارد تغير النقد الرائج، وتجدد المالية لما ليس له مالية بسبب الانتفاع به في بعض الحالات، واكراه غير السلطان، وتبدل المكيل الى الموزون وبالعكس.

واليك مثالين تطبيقيين على ما ذكرناه من تاثير تبدل الموضوع على الحكم:

1 - قد ورد النهي عن المعاملات الخالية من الاغراض العقلائية، كما يستفاد ذلك من النهي عن اكل المال بالباطل((218)). ولذا افتوا بحرمة بيع الدم والبول مثلا؛ لانعدام المنفعة العقلائية فيهما... والمقصود بالمنفعة العقلائية، المنفعة الغالبة عندالعقلاء لا النادرة، والا لجاز بيع كل شيء؛ اذ ما من شيء الا ويتصور له منفعة ما، فتلغو حينئذ شرطية المنفعة الغالبة((219)). فالمدار اذا في التحريم والجواز هو اعتبار المنفعة العقلائية وعدمها. وهذا مما تؤثر فيه شرائط المكان والزمان، فقد يجوز بيع شيء بعد تحريمه لتحقق المنفعة العقلائية فيه، بعد ان لم تكن، كما في بيع الدم في عصرنا((220)).
وللمحقق الخوانساري بحث مفصل في ذلك محصله: ان الملاك في جواز المعاملة على شيء وجود الغرض العقلائي،وعدم ورود النهي عنه، كما في بيع الدم في عصرنا وتزريقه في بدن المريض المشرف على الموت فانه يشتمل على فائدة عظيمة لا تخفى((221)).

2 - لقد نهى الاسلام عن الربا كما هو صريح القرآن الكريم((222))، وموضوع الحرمة فيه هو كل مكيل وموزون كما ورد تحديد ذلك في قول الامام الصادق(ع): «لا يكون الربا الا فيما يكال او يوزن»((223)).
والمرجع في تشخيص المكيل والموزون هو العرف، وهو مختلف بحسب الازمنة والامكنة، فقد يكون شيء في زمان اومكان معينين ليس من المكيل والموزون، كالمعدودات، فيجوز فيها التفاضل، كبيع شاة بشاتين، وبيضة باثنتين، حيث سئل الامام الصادق(ع) عن ذلك فاجازه وقال: «لا باس ما لم يكن كيلا او وزنا»((224)) واما اذا كانا يباعان بالوزن فلايجوز التفاضل حينئذ ويدخلان في موضوع حرمة الربا، والعكس صحيح كما لو كانا سابقا من الموزونات ثم صارا من المعدودات، جاز فيهما التفاضل وكانا موضوعان للحلية والجواز.

نتائج البحث:

1 - تنشا اهمية البحث عن (العرف والفقه) من الامور التالية:

* طرح بعض الشبهات والتصورات المتطرفة والشاذة في وسائل الاعلام كالصحف.
* كثرة الاسئلة حول الموضوع والتطلع الى البحث فيه من قبل طلاب العلم.
* عدم وفاء البحوث الموجودة.
* افتقار البحث الى المنهجية والاستيعاب.

2 - ان العرف هو عبارة عن رواج فعل او قول او تركهما في جميع الازمنة والامكنة او بعضها.

3 - اركان العرف هي: القول او الفعل الخاصين او تركهما، استمرارهما وشيوعهما، نشوؤهما من العوامل غيرالطبيعية.

4 - ينقسم العرف باعتبارات مختلفة الى: العرف العام والخاص، العرف العملي والقولي، العرف المطرد والغالب والمشترك، العرف المقارن والمتاخر، العرف الدقيق والمسامحي، العرف الصحيح والفاسد.

5 - تتفاوت شرائط حجية العرف واعتباره بحسب اختلاف الاعراف ومجالاتها، وهذه الشروط بشكل عام هي: الغلبة والشمول، الدقة، عدم المخالفة لاحكام العقل العملي، المقارنة والمعاصرة لعصر الشارع، احراز عدم الردع، عدم التصريح بالخلاف.

6 - عدم اعتبار السيرة العقلائية دليلا مستقلا في قبال الكتاب والسنة، بل حجيتها منوطة بكاشفيتها عن تقرير الشارع،وعليه فان مرجعها الى السنة، كما هو الحال في الاجماع والسيرة المتشرعية.

7 - يعتبر العرف الشرعي هو المعيار من بين سائر انحاء العرف، كالعرف العام - فضلا عن الخاص - في فهم معاني الالفاظ وتحديد مداليل الخطابات، فاذا لم يوجد عرف شرعي فان المرجع هو العرف العام، واما في مثل موارد الوصايا، والوقوف، فالمرجع في تحديد مفاداتها هو عرف بلد المتكلم فان لم يكن رجع الى العرف العام.

8 - يوظف العرف في خمسة موارد في عملية الاستنباط الشرعي وهي:
أ - الكشف عن الحكم الشرعي.
ب - تحديد معاني الالفاظ.
ج - تشخيص حدود الموضوعات.
د - الكشف عن مراد المتكلم ومعرفته.
ه - معرفة ادلة الاحكام، كالاخذ بخبر الثقة مثلا.

9 - ان المرجع في حالات التعارض بين العرف والعقل لتشخيص موضوعات الاحكام وتحديدها او بقائها وارتفاعها،هو العرف لا العقل؛ لابتناء خطابات الشارع على الفهم العرفي.

10 - يعتبر العرف العلمي دليلا لبيا عار عن البيان، فلا يدل على حكم خاص بعينه، الا اذا اقترن بقرائن حالية او مقالية تدل على المقصود، وهذا بخلاف العرف اللفظي فان بيانه معه، وهو تابع لدليله اللفظي.

11 - انه لا يمكن اعتماد العرف دليلا للاستنباط في المسائل المستحدثة، اذا كان امضاؤه ثابتا عن طريق عدم الردع عنه، ومثل هذا الامضاء اذا ثبت فانه يثبت بنحو القضية الخارجية الناظرة لخصوص العرف القائم زمن الامضاء وهذابخلاف ما لو كان الامضاء ثابتا ببيان لفظي فانه يكون حينئذ بنحو القضية الحقيقية، فيشمل كافة العقود والمعاملات حتى الجديد منها.

12 - ان لتغير الاعراف وتبدلها اثرا مهما في تغير موضوعات الاحكام الشرعية وتبدلها في موارد وجود العلة المنصوصة او تنقيح المناط - الثابتان بملاحظة مناسبات الحكم والموضوع - وهذا هو السر في ديمومة الاسلام وخلوده.

العلاقة بين ادلة الاحكام الاولية والثانوية

الدكتور اسد الله لطفي

نبذة:

من المسائل الهامة في موضوع الاحكام الثانوية والتي تناولتها المصادر الاصولية والفقهية هو علاقة تلك الاحكام بادلة الاحكام الاولية، وقد طرحت حول ذلك عدة آراء: راي يرى ان العلاقة بينهما هي التعارض، وآخر ذهب الى انهاالحكومة، وثالث فسرها بالتخصيص، و رابع يرى الجمع العرفي بينهما.

ونبدا اولا قبل عرض هذه الاراء بتعريف الاحكام الاولية والثانوية، ثم نعرج على توضيح وتفسير العلاقة بينهما طبقاللاراء المذكورة.

الاحكام الاولية والثانوية:

التعريف الاول:
1 - الاحكام الاولية: هي عبارة عن تلك الاحكام التي شرعها الشارع طبقا للمصالح والمفاسد الكامنة في موضوعاتها،من غير ملاحظة للحالات الاستثنائية الطارئة على المكلف من قبيل حالات العسر والحرج، والضرر، والاضطراروغيرها.

2 - الاحكام الثانوية: وهي الاحكام المشرعة بلحاظ الحالات الطارئة على المكلف من قبيل: الاكراه، العجز، الخوف،الضرر، الاضطرار، العسر والحرج، التقية، المرض وغير ذلك.
وفي مثل هذه الحالات فان الحكم الاولي - الذي موضوعه العنوان الاولي - يكون منتفيا والحكم الثانوي موجودا.
ويبتني وجود الحكم الاولي على وجود المصلحة او المفسدة الدائمة. فيما يبتني وجود الحكم الثانوي على المصلحة اوالمفسدة الفعلية، فقوله تعالى - مثلا - في التيمم (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا)((225)) هو حكم ثانوي في حال عدم وجود الماء كحالة استثنائية، يرتفع بارتفاعها، ويعود الحكم الاولي الى حاله اذا وجد عنوانه الاولي مرة ثانية.

التعريف الثاني:
1 - الاحكام الاولية: هي الاحكام التي تحمل على موضوعاتها بنحو الاطلاق والدوام على نهج القضية الدائمية التي تنطبق على مصاديقها الخارجية في كل زمان ومكان وحال.

2 - الاحكام الثانوية: هي الاحكام التي تكون موضوعاتها عامة ولكن لا على وجه الاطلاق بل مقيدة بقيد ووصف ما، وبذلك تخرج عن حال الاطلاق والدوام، وتكون على نهج القضية الحينية الوصفية.

التعريف الثالث:
ان عنواني الاولية والثانوية وصفان نسبيان، وعليه فان:

1 - الاحكام الاولية: هي الاحكام التي تتعلق بموضوعاتها بدون لحاظ امر او وصف آخر فيها.

2 - الاحكام الثانوية: هي الاحكام التي تتعلق بموضوعاتها لكن مع لحاظ وصف آخر منطبق على متعلق تلك الموضوعات.
فالوضوء مثلا - الذي هو مستحب في نفسه، وواجب بالغير - متعلق بالمكلف من دون لحاظ امر آخر، وهو حكم اولي في هذه الحال. ولكن اذا لوحظ في الموضوع عنوان آخر كالضرر مثلا كان حكمه حينئذ التيمم.

علاقة ادلة الاحكام الثانوية بادلة الاحكام الاولية:

سوف نبحث فيما يلي عن الملاك الذي تتقدم به ادلة الاحكام الثانوية على ادلة الاحكام الاولية، وقد تقدمت الاشارة بشكل موجز الى النظريات والاراء الموجودة في المسالة، واليك تفصيلها:

1 - نظرية التخصيص:
ترى هذه النظرية - التي ذهب اليها جماعة من الفقهاء - ان نسبة الاحكام الثانوية الى الاحكام الاولية هي نسبة الخاص الى العام، فالاحكام الثانوية مخصصة للاحكام الاولية.

قال المحقق السيد الخوئي(قدس سره) في بحث التيمم:
«ان ادلة نفي الضرر والحرج دلتا على ان مشروعية التيمم عامة لما اذا تمكن المكلف من استعمال الماء عقلا وشرعا،بان كان الماء مباحا، الا ان استعماله حرجي وعسري في حقه، فلابد من التيمم حينئذ، وهذا في الحقيقة تخصيص في ادلة الوضوء والغسل»((226)).

وقال السيد الحكيم(قدس سره) في بحثه عن قاعدة لا ضرر:
«انه لو بني على تقديم ادلة الاحكام الاولية لم يبق لادلة الاحكام الثانوية مورد فيلزم الطرح، ولو بني على تخصيص ادلة الاحكام الاولية لم يلزم الا التخصيص، واذا دار الامر بين التخصيص والطرح، كان الاول اولى»((227)).

والذي يبدو ان السبب في تعبيرهم عن ذلك بالتخصيص دون الحكومة، هو التشابه بينهما، فان التخصيص وان كان يعني التنافي بين مدلولي الدليل العام والخاص الامر الذي لا يوجد في الحكومة، اذ هي تعني ان احدهما ناظر ومفسرللاخر من دون تناف او تعارض بينهما، الا انهما يشتركان معا في النتيجة وهي التضييق.

والى هذا يشير المحقق الخوئي(قدس سره) في بحث التيمم في مسالة ما اذا لزم من استعمال الماء حرج على المكلف، حيث يقول:

«وهذا في الحقيقة تخصيص في ادلة الوضوء، لان ادلة نفي الضرر والحرج حاكمة على ادلة وجوب الوضوء او الغسل،وقد اوضحنا في محله ان الحكومة هي التخصيص واقعا، غاية الامر انها نفي الحكم عن موضوعه بلسان نفي الموضوع وعدم تحققه»((228)).

ومن هنا فان الخلاف بين نظريتي التخصيص والحكومة في المقام ليس الا في التعبير حسب، وليس في البين قولان حقيقة.

2 - نظرية الحكومة:
ويؤمن اصحاب هذه النظرية - وهم جملة من الفقهاء ياتي على راسهم الشيخ الاعظم الانصاري(قدس سره)، صاحب هذه النظرية في البحوث الاصولية - بتقديم ادلة الاحكام الثانوية على ادلة الاحكام الاولية.

وقد كتب الشيخ الانصاري في قاعدة لا ضرر باعتبارها من ادلة الاحكام الثانوية قائلا:
«ان دليل هذه القاعدة (قاعدة نفي الضرر) حاكم على عموم ادلة اثبات الحكم الشامل لصورة التضرر بموافقتها، وليس معها من قبيل المتعارضين، فليلتمس الترجيح لاحدهما ثم يرجع الى الاصول، خلافا لما يظهر من بعض من عدهما من المتعارضين»((229)).

وقال البجنوردي ايضا بحكومة جميع ادلة الاحكام الثانوية على ادلة الاحكام الاولية في جميع الموارد، ومن تلك الموارد التقية حيث نفى حصول التعارض بين دليلها ودليل الواجبات والمحرمات معللا ذلك بقوله:

«لحكومة دليل وجوب التقية على تلك الادلة كما هو الشان في سائر ادلة العناوين الاولية، وذلك كادلة نفي العسروالحرج، والضرر بالنسبة الى الادلة الثانوية حيث انها حاكمة على الادلة الاولية»((230)).

وقال(قدس سره) في قاعدة نفي السبيل وحكومتها على ادلة الاحكام الاولية: «فتكون هذه القاعدة (قاعدة السبيل) حاكمة بالحكومة الواقعية على الادلة الاولية مساقها في ذلك مساق حديث لا ضررولا ضرار، وقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)»((231)).

تعريف الحكومة: المستفاد من تعريف الاصوليين والفقهاء للحكومة انها: عبارة عن تصرف احد الدليلين في موضوع او محمول الدليل الاخر على نحو التوسعة والتعميم، او بنحو التضييق والتخصيص.

وبعبارة ثانية: انها نظر احد الدليلين الى الاخر بنحو يكون شارحا ومفسرا له، سواء كان نظره الى الموضوع اوالمحمول، وسواء كان بنحو التوسعة او التضييق، متقدما كان على ذلك الدليل او متاخرا، فان الدليل الناظر يسمى حاكما، والدليل المنظور اليه محكوما.

وهناك اربع حالات في كيفية نظر الدليل الحاكم على الدليل المحكوم، سواء كان موسعا في موضوعه او مضيقا،وهي:

1 - تصرف الدليل الحاكم في موضوع الدليل المحكوم بنحو التوسعة، ومثاله قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وايديكم الى المرافق)((232)) فانه يدل - بحسب المتبادر الاولي - على وجوب الوضوء في الصلاة المعهودة، فاذا ورد دليل آخر يدل على ان (الطواف في البيت صلاة) فانه يوسع في موضوع الصلاة، ويكون الطواف منها، فتجب له الطهارة ايضا.

وهكذا قوله(ع): «الفقاع خمر» بالنسبة لدليل حرمة الخمر.

2 - تصرف الدليل الحاكم في موضوع الدليل المحكوم على نحو التضييق، كما في حديث: «لا ربا بين الوالد وولده»بالنسبة لقوله تعالى: (احل الله البيع وحرم الربا)((233)) فانه يضيق من موضوع الربا الوارد في الاية ويخرج منه ما كان بين الوالد وولده. وكما في حديث: «لا شك لكثير الشك» بالنسبة لادلة الشكوك المبطلة في الصلاة فانه يحكم عليها ويضيق موضوعها.

3 - تصرف الدليل الحاكم في محمول الدليل المحكوم على نحو التضييق في دائرة الحكم. كما نلاحظ ذلك في ادلة العناوين الثانوية كنفي الضرر والحرج الدالة على نفي الاحكام الحرجية والضررية، فهذه الادلة حاكمة على دليل وجوب الوضوء او الصوم، بمعنى ان العرف يحمل الاحكام الاولية على الاقتضائية، ويحمل احكام العناوين الثانوية على الفعلية.

ومما يترتب على هذه النظرية - كثمرة مهمة تظهر فائدتها في مقام الاستنباط - هو تقدم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم. وان كان بين متعلقيهما نسبة العموم والخصوص من وجه، هذا ان آمنا بهذه النظرية، واما اذا انكرناها فان النسبة بين الدليلين هي التعارض، ثم التساقط ويرجع الى دليل آخر، بعكس ما لو اجريناها فان الدليل الحاكم يقدم حينئذ على الدليل المحكوم وان لم يكن اخص دلالة منه، وهو الفرق بين الحكومة والتخصيص.

ويعلل العلامة السيد محمد تقي الحكيم تقدم الخاص على العام، والحاكم على المحكوم قائلا:

ان التقديم في التخصيص انما كان لاجل ان ظهور الخاص في مصاديقه اقوى من ظهور العام في مصاديق الخاص، اوان الخاص نص فيها والعام ظاهر، والنص والاظهر يقدمان على الظاهر عادة، او ان الخاص بمنزلة القرينة على المرادالجدي والظهور لا يتجاوز الكشف عن المراد الاستعمالي للامر، ومن عدم القرينة على تغاير المراد الاستعمالي للمرادالجدي نستفيد تطابقهما، فاذا جاءت القرينة على المغايرة لم يبق مجال للاستدلال على المراد الجدي.. ولكن لسان الحكومة لما كان لسان شرح وبيان للمراد من الادلة الاولية، كان قرينة على كل حال فلابد ان ينزل ذو القرينة عليها عرفا؛ ومن هنالم يلحظ العلماء النسبة بين ادلة العناوين الثانوية مع العناوين الاولية ولا ادلة الرخصة مع العزيمة، فيعارضون بينها مع ان النسبة بينهما في الغالب هي نسبة العموم من وجه، فادلة حرمة الاكل تقول: يحرم اكل الميتة على المضطر وغيره، وادلة نفي الاضطرار تقول: ان الحكم المضطر اليه مرتفع عن اكل الميتة او غيره، وموضع الالتقاء الميتة المضطر الى اكلها((234)).

3 - نظرية التعارض:
قد ذهب الى هذه النظرية جمع من فقهائنا كما نسبه اليهم الشيخ الانصاري(قدس سره)((235))، حيث حكموا بوقوع التعارض بين ادلة الاحكام الاولية وادلة الاحكام الثانوية، فتطبق حينئذ قواعد باب التعارض. ومن اصحاب هذا الراي المولى احمد النراقي في قاعدة لا ضرر من عوائده حيث كتب يقول:

«من موارد تعارض نفي الضرر مع دليل آخر ما لو استلزم تصرف احد في ملكه تضرر الغير، فانه يعارض ما دل على جواز التصرف في المال مثل قوله(ص): الناس مسلطون على اموالهم، والتعارض بالعموم من وجه، فقد ترجح ادل ة نفي الضرر بما مر من المعاضدات، وقد يرجح الثاني»((236)).

وهو ناظر الى قاعدة نفي الضرر حسب، واما غيرها من ادلة الاحكام الثانوية ونحو علاقتها بادلة الاحكام الاولية، فلم نعثر على بحث له فيها.

المناقشة:
ويناقش في هذه النظرية بانكار صغرى التعارض، فلا تعارض اصلا بين الدليل الحاكم والدليل المحكوم، فان التعارض المصطلح في الاصول هو عبارة عن التنافي بين مدلولي الدليلين المتعارضين على نحو يوجب التكاذب بينهما ولا يمكن الحكم بصحتهما معا، لان مركز التعارض في الحقيقة هو مقام الجعل فلا يمكن ان يكون شرب الخمر واجبا وحراما معافي نفس الامر للزوم التناقض او التضاد، ولازمه ان يكون الفعل مطلوبا وغير مطلوب في آن واحد ولا تكاذب ولا تنافي بين الدليل الحاكم والدليل المحكوم في مقام جعلهما بوجه، بل ان موضوع كل منهما مستقل عن الاخر، فموضوع وجوب الصوم كحكم اولي هو المكلف الصحيح، فيما موضوع عدم وجوبه كحكم ثانوي هو المكلف المريض، كما ان موضوع النهي عن اكل لحم الخنزير كحكم اولي هو المكلف في حال الاختيار، فيما موضوع جواز اكله هو المكلف في حال الاضطرار.

اذن، لا يمكن ان تكون النسبة بين ادلة الاحكام الاولية وادلة الاحكام الثانوية التعارض، اذ التعارض فرع وقوع التنافي والتكاذب بين الدليلين، فقاعدة لا ضرر ولا ضرار كحكم ثانوي لا تتنافى مع قاعدة السلطنة كحكم اولي، بل هي مقدمة عليها. وفيما يلي نشير باختصار الى موارد التقدم - والتفصيل في محله - فنقول:

ان مقتضى قاعدة السلطنة هو جواز اي تصرف عقلائي من قبل المالك في ملكه، وليس لاحد مزاحمته فيه، كماان مقتضى قاعدة نفي الضرر هو عدم جواز الاضرار بالاخرين، فتتعارض القاعدتان، فان قاعدة نفي الضرر تحدد من الاختيارات المالكية الناشئة من قاعدة السلطنة. وهذا ما يشير اليه كلام الامام الخميني(قدس سره) حيث ذكر ان حديث لا ضرر ولا ضرار قد ورد لكسر سورة قاعدة السلطنة، فانها اذا استلزمت الضرر والحرج على الغير واوقعه في المشقة والمضيقة فهي غير جائزة ولا نافذة((237)).

وللفقهاء في مقام حل التعارض بين هاتين القاعدتين عدة آراء واقوال، ويمكن تقسيم موقفهم في ذلك الى حالتين:

أ - ان لا يوجب تصرف المالك ضررا على الغير، بل يسبب تفويت نفع عليه، فيكون تصرفه في ملكه موجبا لعدم انتفاع الغير، وفي مثل هذه الحالة فان المقدم هو قاعدة السلطنة؛ لتصحيح تصرف المالك.

ب - ان يكون تصرفه موجبا لضرر الغير، ويشمل هذا ثلاثة صور:

الصورة الاولى: ان يدور الامر بين ضرر نفس المالك اذا ترك التصرف في ملكه او ضرر غيره اذا تصرف في ملكه،فيتعارض الضرران ويتساقطان، وتبقى قاعدة السلطنة بلا معارض.

الصورة الثانية: ان يؤدي امتناعه من التصرف في ملكه الى عدم انتفاعه لا تحقق الضرر عليه. وفي هذه الصورة خلاف بين الاعلام، فمنهم من يرى جريان قاعدة السلطنة، ومنهم من يجري قاعدة نفي الضرر.

الصورة الثالثة: ان لا يؤدي عدم التصرف في ملكه الى الضرر على نفسه او عدم الانتفاع به. ولا خلاف في جريان قاعدة نفي الضرر هنا حينئذ.

4 - نظرية الجمع العرفي:
حيث ان مقتضى الجمع العرفي بين ادلة الاحكام الاولية وادلة الاحكام الثانوية هو تقديم ادلة الاحكام الاولية، وقد ذهب الى ذلك المحقق الخراساني(قدس سره)، رافضا نظرية الحكومة.

قال(قدس سره) في قاعدة لا ضرر: