الصفحة التالية

الصفحة السابقة

«لا يلاحظ النسبة بين ادلة نفيه وادلة الاحكام، وتقدم ادلته على ادلتها، مع انها عموم من وجه، حيث انه يوفق بينهماعرفا بان الثابت للعناوين الاولية اقتضائي يمنع عنه فعلا ما عرض عليها من عنوان الضرر بادلته، كما هو الحال في التوفيق بين سائر الادلة المثبتة او النافية لحكم الافعال بعناوينها الثانوية، والادلة المتكفلة لحكمها بعناوينها الاولية»((238)).

وعلى ضوء ذلك فان العرف يحمل - بعد عرض الدليلين عليه - دليل نفي الضرر على الفعلية، فيحكم بعدم وجوب الوضوء الضرري وسقوطه عن المكلف، لان المصلحة فيه اقتضائية لم تصل الى مرحلة الفعلية. وهذا هو معنى تقديم ادلة الاحكام الثانوية بنكتة الفعلية على ادلة الاحكام الاولية التي هي بنحو الحكم الاقتضائي.

وللسيد الحكيم(قدس سره) بيان قريب من البيان المتقدم للاخوند الخراساني في فكرة الجمع العرفي، مع فارق انه يرى النسبة بين الدليلين هي الاقتضاء واللااقتضاء فقد استند(قدس سره) في بحثه عن نجاسة بول الحيوان الذي حرم بالعارض كالجلال الى مصححة ابن سنان ثم قال: «ودعوى معارضته بما دل على طهارة بول الغنم والبقر ونحوهمالشموله لحال الجلل او الموطوئية، والمرجع في مورد المعارضة اصالة الطهارة. مندفعة بان موضوع دليل النجاسة من قبيل العنوان الثانوي، وموضوع دليل الطهارة من قبيل العنوان الاولي، وفي مثل ذلك يكون دليل الاول - عرفا - مقدماعلى دليل الثاني، فيحمل الثاني في المقام على كون الطهارة لعدم المقتضي في العنوان الاولي، فلا ينافيه ثبوت النجاسة لوجود المقتضي في العنوان الثانوي»((239)).

المناقشة:
ان المحقق الخراساني(قدس سره) قد فسر الجمع العرفي هنا - في قاعدة لا ضرر - بحمل الاحكام الاولية على الاقتضائية، والاحكام الثانوية على الفعلية. لكنه في باب تعارض الادلة والامارات فسره بتصرف العرف في احد الدليلين او كليهما ويرتفع حينئذ التعارض الظاهري بينهما «اذا عرضا على العرف وفق بينهما بالتصرف في خصوص احدهما... اوبالتصرف فيهما»((240)).

وعليه فانه بناء على التفسير الاول فان الجمع العرفي بين الدليلين هو فيما لو كانا متزاحمين، وقواعد باب التزاحم تقتضي تقديم الاهم وهو الفعلي على المهم وهو الاقتضائي. واما اذا لم يكونا متزاحمين فلابد من اعمال قواعد اخرى للجمع غير قواعد باب التعارض.

واما بناء على التفسير الثاني للجمع العرفي فليس ثمة فرق حينئذ بين الجمع العرفي بهذا المعنى وبين الحكومة، بل هماشيء واحد، لان النكتة فيهما مشتركة وهي تصرف الدليل الحاكم في الدليل المحكوم، فيتقدم الدليل الحاكم.

ومن هنا فقد افاد المحقق ابو الحسن المشكيني(قدس سره) في تعليقته على راي صاحب الكفاية في الجمع العرفي:«وهو (الجمع العرفي) في النتيجة مشترك مع الحكومة، وقد يسمى حكومة عرفية».

5 - القول بالتفصيل:
انه وبعد ملاحظة الاشكالات المتقدمة، فلابد من القول حينئذ بالتفصيل بين نوعين من الادلة الثانوية:

النوع الاول: هو ما تقدم بيانه، وهي الادلة التي يكون لسانها لسان النظر والتفسير بنحو التضييق او التوسيع، مثل قاعدة لا حرج (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)((241))، و (وما جعل عليكم في الدين من حرج)((242)) التي فيها نظر وتضييق لادلة وجوب الصلاة والوضوء والصوم في الحالات غير الحرجية. ومثل قاعدة الاضطرار التي فيها نظر الى ادلة حرمة لحم الخنزير...

والنوع الثاني: ما كان من قبيل ادلة وجوب الوفاء بالنذر، والعهد، والقسم، والشرط، وطاعة الوالدين، التي ليس فيها نظرلادلة الاحكام الاولية، بل هي - ادلة الاحكام الاولية - عبارة عن المقتضي كما ان ادلة الاحكام الثانوية عبارة عن حالة اللامقتضي، فمثلا الادلة على استحباب صلاة الليل كحكم اولي لا تقتضي بذاتها الوجوب، ولكن اذا تعلق بها امر الوالد كان المقتضي فيها هو الوجوب.

وعلى ضوء ذلك، فانه لا يمكن تحديد نسبة ثابتة بين ادلة الاحكام الاولية والثانوية بل هي مختلفة من دليل الى آخر،ففي بعضها تكون نسبة الحاكم والمحكوم وفي بعضها نسبة المقتضي واللامقتضي، او نسبة العام والخاص، فلابد من دراسة العلاقة بينهما في كل مورد لمعرفة النسبة بينهما.

ومن اجل تعيين النسبة بين ادلة الاحكام الاولية والثانوية بملاك احراز المقتضي وعدم احرازه كتب السيد الحكيم(قدس سره):

«فهما - ادلة الحكم الاولي وادلة الحكم الثانوي - مع احراز المقتضي لكل منهما في مورد التنافي يكونان متزاحمين،ومع عدمه يكونان متعارضين، فعلى الاول ينظر في المقتضيين فان كان احدهما اقوى يؤخذ به، ويحكم بثبوت مقتضاه،ومع التساوي يتخير المكلف في العمل على احدهما، وعلى الثاني يرجع الى قواعد التعارض»((243)).

وبناء على ما افاده(قدس سره) فانه يمكن تصور احدى حالتين بين الاحكام الاولية والاحكام الثانوية: التزاحم اوالتعارض، وكل واحدة منهما تقتضي جريان القواعد المقررة في بابها:

الحالة الاولى: ان يحرز المقتضي في كلا الحكمين الاولي والثانوي وان يكون فيهما على حد واحد من الضعف والقوة والاهمية.

الحالة الثانية: عدم احراز المقتضي، وقواعد باب التعارض انما تجري في الموارد التي يتعذر فيها الجمع العرفي بين المتعارضين، وكلامه(قدس سره) وان كان يرتبط بحالة التزاحم، الا ان فيه اشارة الى التفصيل الذي ذكرناه.

كما يمكن استفادة التفصيل ايضا من بعض كلمات السيد الامام الخميني(قدس سره) في بحث الخيارات من كتاب البيع،حيث يقول:

«القول بان قضية الجمع بين ادلة الاحكام الاولية والثانوية حمل الاولي على الحكم الاقتضائي في مورد التنافي؛لان الميزان في باب الحكومة والجمع العقلائي هو مساعدة العرف لذلك، والا فمجرد كون الدليل متكفلا للاحكام الثانوية لا يوجب الحكومة ولا الحمل المذكور. نعم بعض ادلة الاحكام الثانوية حاكم على ادلة الاحكام الاولية لخصوصية فيها،نحو دليل نفي الحرج ودليل نفي الضرر على مسلك المشهور، ودليل الرفع بالنسبة الى ما هي ناظرة اليها عرفا وتقدم عليها عند العقلاء، ودليل الشرط على فرض كونه من ادلة الاحكام الثانوية ليس بهذه المثابة، لان وزان مثل قوله: «من شرط شرطا فليف بشرطه» وزان قوله تعالى: (اوفوا بالعقود)((244)) بل ليس الشرط من الاحكام الثانوية بالمعنى المتقدم، ولوسلم فلا حكومة له على غيره((245)).

واما البحث في موارد تقدم الحكم الاولي على الحكم الثانوي، وتعيين المعيار في التقدم وعدمه في الاحكام الثانوية في الواجبات والمحرمات والمباحات والمستحبات والمكروهات وغيرها من المسائل المرتبطة بهذا البحث فذلك موكول الى محله.

الاثبات القضائي
اليمين: تعريفه، حقيقته، اقسامه

الشيخ قاسم الابراهيمي

تعريف اليمين:

تاتي اليمين في اللغة بمعنى الحلف والقسم، كانها ماخوذة من اليد اليمنى حيث قيل: ان المتحالفين كان احدهما يصفق بها على يمين صاحبه عند التحالف والتعاهد، اعتبارا بما تعبر اليد اليمنى عنه من احترام ومنزلة عندهم حيث كانت تمثل اليمن والبركة.

والظاهر ان وصف اليد باليمنى او اليمين لهذا السبب.

وعلى هذا فاليمين بمعنى القسم استعارة في استعارة.

حقيقة اليمين:

وحقيقة اليمين العرفية هي ان اليمين تصديق وتوثيق للمخبر بامر محترم.

والظاهر ان التصديق والتوثيق الحاصل بسببها ليس على غرار التوثيقات الحقيقية، بل هي الى الاعتبارية اقرب، وبهااشبه، فهي تشبه تصديق الوثائق والسندات بالمهور والاختام المتعارفة.

والفرق بينهما: ان التصديقات والتوثيقات الاعتبارية ترتبط قيمتها واعتبارها بصحة ما وثقته وصدقته، بخلاف التوثيقات الحقيقية. ولذلك فهي تزداد قيمة واعتبارا كلما زادت الدقة والعناية المبذولة في تحري صحة ما توثق به، وتتضاءل قيمة واعتبارا ايضا كلما تضاءلتا.

واما التوثيقات الحقيقية فلها قيمتها الحقيقية التي لا تزداد او تنقص بحسب زيادة او نقصان قيمة ما توثق به.

وهذا الضابط الكلي جار فيما نحن فيه؛ اذ ان انكشاف بطلان المخبر به في القسم واليمين وفساده سبب لدخول النقص على المقسم به والحاق الاهانة به؛ لاستعمال ما هو محترم ومقدس وعزيز وسيلة وآلة لغرض فاسد.

ولهذا السبب كان القسم بالله او بصفاته مستوجبا لاشتغال الذمة في اليمين العهدية، وللحرمة واستحقاق العقاب والكفارة مع الحنث بها. كما يحرم الحلف كاذبا ويستحق العقوبة في اليمين الخبرية ايضا.

واذا كان المقسم به الذات الربوبية او موجودا ذا قدرة كونية، فقد يتصور استلزام القسم به كذبا وقوع غضبه ونزول عقابه ونقمته على الحالف.

ومن هنا كان القسم باعثا على حصول الاطمئنان للمقسم له والوثوق بصحة كلام الحالف وصدقه فيما يحلف عليه.

قال السيد الطباطبائي في تفسير الميزان: «فالقسم ايجاد ربط خاص بين شيء من الخبر او الانشاء، وبين شيء آخر ذي مكانة وشرف بحيث يبطل المربوط اليه ببطلان المربوط بحسب الدعوى، وحيث كان المربوط اليه ذا مكانة وشرف عند الجاعل مثلا لا يرضى باذهاب مكانته والاهانة بمقامه فهو صادق في خبره، او مطاع فيما يامر به او ينهى عنه، اوماض في عزيمته من غير فسخ لا محالة ونتيجة التاكيد البالغ»((246)).

وقد اتضح مما قدمناه: ان اليمين العرفية لا تختص بكون المحلوف به هو الله او صفاته الخاصة به او غيره، بل تعم كل ما له مكانة عزيزة واحترام في نفس الحالف.

لكن اكثر من عر ف اليمين لاحظ فيها كون المحلوف به هو الله سبحانه، ورتب عليها اقترانها بالخوف والهيبة والخشية من عقابه وعذابه، بل ربما جعل استنزال العقاب داخلا في مفهومها.

ويمكن الذب عنهم باحتمال كونهم بصدد تعريف اليمين الواقعة موضوعا للاحكام الشرعية، بل بعضها كالصريح في ذلك.

قال ابن حجر العسقلاني في كتاب فتح الباري في اليمين: «انها توكيد الشيء بذكر اسم او صفة الله»((247)).

وعن البغوي في روضة الطالبين في تعريفها انها: «تحقيق الامر او توكيده بذكر اسم الله تعالى او صفة من صفاته»((248)).

وعرفها النووي في مغني المحتاج بانها: «تحقيق امر غير ثابت؛ ماضيا كان او مستقبلا»((249)).

وجاء في تعريف صاحب العناية ان اليمين: «عقد قوي به عزم الحالف على الفعل او الترك»((250)).

وعرفها السنهوري في الوسيط قائلا: «اليمين: قول يتخذ فيه الحالف الله شاهدا على صدق ما يقول، او على انجاز ما يعد،ويستنزل عقابه اذا ما حنث»((251)).

وفي نظرية الحق: «يقصد باليمين قيام شخص طبيعي معين بالاخبار عن واقعة معينة مع الاستشهاد بالله تعالى على صدق ذلك الخبر»((252)).

وفي الوجيز في شرح قانون الاثبات، قال: «تعرف اليمين بانها: قول يتخذ فيه الحالف الله شاهدا على صدق ما يقول اوعلى انجاز ما يعد، ويستنزل عقابه اذا ما حنث. او: هي اخبار عن امر مع الاستشهاد بالله تعالى على صدق الخبر»((253)).

وفي التعليق المقارن على مواد قانون الاثبات جاء: «ولفظ (اقسم) يتضمن معنى استشهاد الله على صدق القول، مع الشعور بهيبة المقسوم به وجلاله، والخوف من بطشه وعقابه»((254)).

وفي ادلة القانون غير المباشرة: «وتفيد توكيد الفعل او الترك بان يركن الحالف الى الله رقيبا عليه في توكيد صدقه بالقول او الفعل، فينشا عنها شعور اطمئنان يحمل المقابل على التصديق به... والقسم واليمين والحلف الفاظ مترادفة، والقسم ضرب من ضروب التوكيد يؤتى به لتقوية الخبر وتحقيقه وتقريره في النفس، وهو بمثابة الاشهاد والاستشهاد، فكان المقسم يشهد المقسم به على صدق قوله وثبوت خبره»((255)).

وفي رسالة الاثبات: «اليمين: هي استشهاد الله عزوجل على قول الحق مع الشعور بهيبة المحلوف به وجلاله، والخوف من بطشه وعقابه»((256)).

واما فقهاؤنا فقد عرف الشيخ الطوسي(رحمه الله) القسم بانه: «قول عقد بالمعنى لتاكيده وتغليظ الامر فيه»((257)).

وفي موضع آخر قال: «القسم: تاكيد الخبر بما يجعله في حيز المتحقق»((258)).

وقال العلامة الحلي في القواعد: «اليمين: عبارة عن تحقيق ما يمكن فيه الخلاف بذكر اسم الله تعالى اوصفاته»((259)).

وقيد في التحرير الصفات بالمختصة بالله او الغالبة((260)). ونحوه ما في المهذب البارع((261)).

وفي الايضاح: «ان اليمين الشرعية: هو لفظيقتضي تحقيق امر او توكيده بذكر اسم من اسماء الله تعالى او صفة من صفاته المختصة به»((262)).

وفي كشف اللثام: «اليمين في عرف الشرع: عبارة اي لفظينبئ عن تحقيق ما يمكن فيه الخلاف ماضيا او مستقبلا، وتثبيته وتبعيده عن احتمال الخلاف بذكر اسم من اسمائه تعالى، او صفة من صفاته»((263)).

وقال في بيان معنى اليمين في الرياض: «وشرعا: الحلف بالله تعالى او اسمائه الخاصة لتحقيق ما يمكن فيه المخالفة امكانا فعليا»((264)).

وربما اتضح لك من خلال ذلك جملة امور:

الاول: ان كثيرا من هذه التعريفات وارد لبيان معنى خاص لليمين، هي اليمين العهدية التي موردها الوعد، لا اليمين المختصة في باب القضاء، ولا الاعم منها ومن العهدية، ولا العرفية الاعم من الجميع.
الثاني: ان اليمين العرفية لا تختص بكون المحلوف به اسم الله او صفاته الخاصة به، بل مطلق ما له مكانة عزيزة واحترام في نفس الحالف، ولذلك فان ربطها باستنزال العقاب والعذاب لا معنى له.
الثالث: ان التوكيد والتحقيق والتقرير للخبر - بل وحتى الاستشهاد واستنزال العذاب والعقاب والاقتران بالهيبة والخوف والخشية - من لوازم اليمين الدائمة او المفارقة، وليست بيانا لحقيقة اليمين وماهيتها في شيء.
الرابع: ان اليمين الشرعية -سواء ما كان موردها العهد والوعد او الاخبار- لا تعتبر اجراء مدنيا فحسب وانما هي عمل ديني ايضا.

وهذا المعنى صرح به اهل القانون انفسهم((265)).

اقسام اليمين:

لليمين تقسيمات عدة يدخل بعضها في اقسام التقسيمات الاخرى، منها:

الاول: تقسيم اليمين الى يمين مناشدة ويمين وعد او عهد، ويمين اخبار:

واساس هذا التقسيم الداعي والغرض لليمين؛ فقد يكون الداعي للقسم طلب ايقاع الفعل من المخاطب فيقسم عليه بمايعز عليه بفعله، فهو يمين المناشدة. كما قد يكون الداعي له عزم الحالف على الفعل او الترك في المستقبل، فهو يمين الوعداو العهد. كما قد يكون الداعي لليمين توكيد ما اخبر بوقوعه في الماضي او الحال او المستقبل.

قال السيد الخميني(رحمه الله): «وهي على ثلاثة اقسام:
الاول: ما يقع تاكيدا وتحقيقا للاخبار بوقوع شيء ماضيا او حالا او استقبالا.
الثاني: يمين المناشدة: وهي ما يقرن به الطلب والسؤال يقصد بها حث المسؤول على انجاح المقصود، كقول السائل:اسالك بالله ان تفعل كذا.
الثالث: يمين العقد: وهي ما يقع تاكيدا وتحقيقا لما بنى عليه والتزم به من ايقاع امر او تركه في الاتي»((266)).

واهل القانون لم يذكروا يمين المناشدة وذكروا الاولى والاخيرة، قال في الوسيط: «تكون اليمين اما لتوكيد قول (Probatoir, affirmatif) او لتوكيد وعد (Promissoire)، فاليمين لتوكيد قول: هي اليمين التي تؤدى لتوكيد صدق الحالف فيمايقرره.

واليمين لتوكيد وعد: هي اليمين التي تؤدى لتوكيد انجاز وعد اخذه الحالف على نفسه، مثل ذلك اليمين التي يحلفهاالقضاة ورجال النيابة والخبراء والشهود وبعض الموظفين (كموظفي السلك الدبلوماسي والقنصلي) على ان يؤدوااعمالهم بالامانة والصدق او ان يقرروا الحق فيما به يشهدون»((267)).

ومن الواضح ان ما يبحث عنها في باب القضاء هي يمين القول والاخبار.

الثاني: تقسيم يمين القول الى يمين قضائية ويمين غير قضائية:

فاليمين القضائية: هي اليمين المؤداة في مجلس الحكم وبسؤال القاضي واشراف المحكمة، دون اليمين غيرالقضائية.

واليمين القضائية هي التي سنبحث عنها فيما ياتي، دون غير القضائية وان ترتبت عليها بعض الاحكام الفقهية بل القضائية؛ كما لو ادخلها طرفان في عقد ملزم فانها يترتب عليها وجوب الالتزام بما اتفقا عليه وحرمة المخالفة، ويلاحق المتخلف منهما قضائيا.

قال في ادلة القانون غير المباشرة: «واليمين اما ان تكون قضائية اذا اديت امام المحكمة اثناء انعقادها للنظر في الدعوى، او تحت اشرافها في محل انعقادها عندما تنتقل خارج المحكمة - كما هو جار اثناء الكشف الموقعي - حيث يتم تحليف الخبير او الشاهد.

وكذلك الحال عندما تكون قد اديت في محل عبادة الخصم الموجهة اليه اذا انتقلت المحكمة هناك لاجراء التحليف وفق الطقوس الدينية المعتقدة؛ كالصابئة مثلا عندما يطلب التحليف بكتابها المقدس (السيدره) او (الكنزه) ويحتفظ به عالمهم الديني في محل عبادتهم (المنده).

واما ان تكون اليمين غير قضائية اذا اديت في غير جلسات المرافعة الخاصة بالدعوى او اديت خارج المحكمة؛ كان يتفق الخصوم فيما بينهم على ان تؤدى في مكان معين او محل عبادة او امام شخص او اشخاص يختارونهم، فتكون تلك اليمين غير منتجة ولا اثر لها في سير الدعوى»((268)).

الثالث: تقسيم اليمين القضائية الى يمين حاسمة ويمين متممة:

قسم القانونيون اليمين القضائية الى حاسمة ومتممة((269)):

فاليمين الحاسمة: هي اليمين التي تحسم مادة النزاع وتفصل الخصومة، وانما يوجهها الحاكم الى احد المتخاصمين بعدفقد الخصم الاخر الدليل، او بعد نكوله وطلبه ذلك منه.

واما اليمين المتممة: فهي اليمين التي يطلبها الحاكم ابتداء من احد المتخاصمين تتميما لادلته.

قال السنهوري: «واذا وقفنا عند اليمين القضائية - وهي اليمين الغالبة - وجدناها نوعين:

1 - اليمين الحاسمة (Sermpnt lihs - decis oire): وهي يمين يوجهها الخصم الى خصمه يحتكم بها الى ضميره لحسم النزاع.

2 - اليمين المتممة (Serment supple): وهي يمين يوجهها القاضي الى اي من الخصمين ليستكمل بها الادلة التي قدمها هذا الخصم»((270)).

وهناك اقسام اخرى لليمين تصنف في عرض هذه الاقسام:

منها: يمين الاستيثاق: وهي اليمين التي تستوثق بها المحكمة من صحة الادعاء عندما تكون القرينة قائمة لصالحه، كمافي الحقوق التي يثبت التقادم لها بمرور مدة معينة كمرور سنة واحدة مثلا على العمل؛ مثل حقوق الاطباء والصيادلة والاساتذة والمعلمين واصحاب الفنادق والمطاعم وحقوق العملة والخدم والاجراء وغيرهم.

ومنها: يمين الاستظهار: وهي اليمين التي تطلبها المحكمة من المدعي اضافة الى بينته في صورة كون المدعى عليه هوالمتوفى، وقد صرحت بها المادة (124) من قانون الاثبات، والمادة (484) من القانون المدني العراقيين، وكذا المادة (123) من قانون البينات السوري.

ومنها: يمين التقويم: وهي اليمين التي تطلب من المدعي في تقويم التالف الذي يدعيه اذا كان شيئا يمتنع تحديد قيمته الا بواسطته. وقد نصت عليها المادة (417) من القانون المدني المصري، والمادة (122) من قانون البينات السوري، والمادة (483) من القانون المدني العراقي، وغيرها.

وهناك أيمان اخري ذكرها القاضي مهدي صالح محمد أمين في كتابه أدلة القانون غير المباشرة((271)).

من فقهائنا 11

محمد بن ابي عمير الازدي

الشيخ صفاء الدين الخزرجي

مرت حركة الفقه والاجتهاد منذ ان انطلقت في عصر النص بمراحل من النمو الطبيعي والتدريجي حتى آلت الى ما عليه اليوم من ازدهار علمي ونضج ملحوظ في المنهجية والمضمون.

وقد ساهمت في تاسيس وبناء كل مرحلة من مراحل سير الفقه طبقة من الفقهاء، وكان لمرحلة الانطلاقة دور تاسيسي من حيث تكوين المادة الاولى لصناعة الفقه؛ فقد جهد السابقون من اصحاب الائمة(ع) انفسهم في ضبط وتكميل هذه المادة ونقلها الى الجيل اللاحق بامانة ودقة. ولم يكن يتلخص دورهم في الضبط والتدوين والتكميل فحسب، بل امتد للنظر في مفاد الاحاديث ومضامينها وترجيح بعضها على بعض، وابداء الفتوى والراي على ضوئها، فكان دور الفقاهة ملحوظا في مجمل مجهودهم العلمي والفقهي.

وقد كان الائمة الطاهرون يشيدون بدور البعض من رموز مدرستهم في تدعيم حركة الفقه وتقوية ركائزه، وفي حفظ الاحكام ونشرها، وكانوا يامرون بعضهم بالتصدي للفتيا في بعض المراكز العلمية، فيما كان لبعض هذه الرموزوالشخصيات ثقل علمي معترف به في الاوساط العلمية عند المسلمين كافة كما نلاحظ ذلك في امثال محمد بن مسلم،وزرارة بن اعين، ويونس بن عبد الرحمان، وابان بن تغلب، وغيرهم من كبار فقهاء اصحاب الائمة(ع).

وهذه الكوكبة وان عرفت بالحديث ايضا باعتبار انه كان يمثل اللغة الرسمية لجميع العلوم والمجالات، كالتفسير والفقه والكلام والاخلاق وغير ذلك، الا ان هذا لا يلغي ان يكون لكل علم ومجال آنذاك منهجه وقواعده التي تتناسب ودرجة المقياس العلمي الذي كانت تعيشه تلك المرحلة، فالمفسر مثلا له طريقته الخاصة وذوقه الخاص اللذان يميزانه عن الفقيه مثلا.

ولعلنا يمكن ان نتلمس الدور الفقهي لاصحاب الائمة(ع) بشكل عام كفقهاء لا محدثين من خلال امرين:

الاول: كل ما يدل على نشاطهم الفقهي كالاثار الفقهية التي تركوها، او تخريج جماعة على ايديهم في الفقه، او محاوراتهم ومناظراتهم الفقهية مع نظائرهم من فقهاء العامة او الخاصة، او آرائهم التي يتداولها الفقهاء ويعتنون بها.

الثاني: المؤشرات والدلائل العامة الدالة على فقاهتهم، مثل شهادات الائمة(ع) بحقهم، او شهادات معاصريهم من الاصحاب او الرجاليين، او غير ذلك من الوقائع والشواهد الدالة على الامر المذكور.

وهذا هو منهجنا الذي اتبعناه في الدراسات السابقة عن بعض الرموز والشخصيات من طبقة السابقين من اصحاب الائمة(ع) الذين اتسمت مرحلتهم بخصائص الفقه الماثور، وعرفوا بالفقهاء المحدثين.

وقد يتفاوت تطبيق الامرين المشار اليهما قوة وضعفا من شخصية الى اخرى، فقد تكون ثمة شخصية كبيرة يقطع بفقاهتها من خلال المؤشرات والدلالات العامة ولكن يندر او يكاد يعدم في ايدينا تراثها الفقهي بشكل ملموس، فلا نكاد نعلم منه الا اسمه، بل قد تضن مصادر ترجمته بذلك ايضا. وشخصية هذه الدراسة وان كان قد يطغى عليها البعدالحديثي، ولكن ثمة ما يدل ويؤكد الدور الفقهي الذي اضطلعت به، كما سنلاحظ ذلك عند الحديث عن البعد الفقهي، وما قاله العلماء في حقه من شهادات.

جوانب من شخصيته:

هو الفقيه الجليل، والمحدث الكبير ابو احمد محمد بن ابي عمير زياد بن عيسى الازدي، البغدادي اصلا ومقاما، من موالي الازد.

قد عاصر ثلاثة من ائمة اهل البيت(ع)، هم: الامام موسى بن جعفر(ع)، وابنه الامام علي الرضا(ع)، وحفيده الامام محمد بن علي الجواد(ع)((272))، كما انه قد عاصر من خلفاء الدولة العباسية الرشيد وابنه المامون.

كلمات المدح والاطراء فيه:

قد عرف العلماء لابن ابي عمير فضله ومنزلته، فشهدوا لشخصه بمعالي الصفات وكريم السجايا، من العلم والوثاقة والعبادة والجهاد وحسن السيرة.

واليك شطرا من اقوالهم فيه:

* قال الحسن بن فضال: انه كان افقه من يونس، واصلح، وافضل((273)).

* وقال فيه النجاشي: جليل القدر، عظيم المنزلة فينا وعند المخالفين.. لقي ابا الحسن موسى(ع)، وسمع منه احاديث، كناه في بعضها، فقال يا ابا احمد((274)).

* ووصفه الجاحظ بانه كان وجها من وجوه الرافضة((275))، وانه كان واحد زمانه في الاشياء كلها وكان من اوثق الناس عند الخاصة والعامة، وانسكهم نسكا، واورعهم واعبدهم((276)).

* وعده الكشي من الذين اجمع اصحابنا على تصحيح ما يصح عنهم، وتصديقهم، واقروا لهم بالفقه والعلم((277)).

* ووصفه الزراري بانه من الاجلة، ومن اصحاب الاجماع((278)).

* وقال الشهيد: ان الاصحاب اجمعوا على قبول مراسيله((279)).

* وقال عنه السيد ابن طاووس: الشيخ المتفق على علمه وورعه وصلاحه محمد بن ابي عمير رضوان اللهعليه((280)).

* وقال العلامة المامقاني: محمد بن ابي عمير.. الذي اجمع الاصحاب على تصحيح ما يصح عنه وعد مراسيله مسانيد((281)).

* وقال صاحب مستدركات علم الحديث: ثقة جليل القدر، عظيم الشان فينا وعند المخالفين((282)).

* ووصفه الحجة السيد حسن الصدر بانه: احد اعلام مشايخ الامامية((283)).

* وقال في معجم المؤلفين: محمد بن ابي عمير بن عيسى الازدي، البغدادي، الشيعي، ابو احمد، محدث، فقيه، امامي، من اهل بغداد((284)).

صفاته وخصاله:

1 - عبادته وورعه:
لقد جسدت شخصية محمد بن ابي عمير قمة الورع والنسك والعبادة، فكانت المثال الذي يحتذى به، حتى قال السيد ابن طاووس في حقه: الشيخ المتفق على علمه وورعه وصلاحه((285))، وقد كان هذا امرا معروفا وذائعا في زمانه، فقد حدث الفضل بن شاذان، قال: دخلت على محمد بن ابي عمير، وهو ساجد فاطال السجود، فلما رفع راسه ذكر له الفضل طول سجوده، فقال: كيف لو رايت جميل بن دراج؟ ثم حدثه انه دخل على جميل فوجده ساجدا فاطال السجود جدا فلما رفع راسه قال محمد بن ابي عمير: اطلت السجود، فقال: كيف لو رايت معروف بن خربوذ((286))؟!

وقال الفضل ايضا: دخلت العراق فرايت واحدا يعاتب صاحبه ويقول له: انت رجل عليك عيال وتحتاج ان تكتسب، وماآمن ان تذهب عيناك لطول سجودك، فلما اكثر عليه، قال اكثرت علي، ويحك لو ذهبت عين احد في السجود لذهبت عين ابن ابي عمير، ما ظنك برجل سجد سجدة الشكر بعد صلاة الفجر فما يرفع راسه الا عند زوال الشمس((287)). وقد تقدم ان الفضل عندما دخل مع شيخه على ابن ابي عمير ولم يكن الفضل يعرفه سال استاذه هل هو ذاك الرجل الصالح العابد؟مما يدل على ان الصلاح والورع هي ابرز صفاته التي كان يعرف بها.

2 - جهاده وصموده:
من المعروف ان الحقبة التي مرت بها الشيعة في زمن الرشيد كانت تمثل احلك الظروف واشدها، حيث ضيق على القيادة المتمثلة بالامام موسى بن جعفر(ع) عندما اودع السجن مرارا حتى آل الامر الى شهادته، وعلى القاعدة حيث المطاردات والسجون والتنكيل، كما تعرضت النخبة الصالحة من رجالات الشيعة ورموزهم الى مثل ذلك، ومن بين من طالته اجراءات السلطة العباسية فقيهنا المترجم، حيث اودع السجن بعد ان سعي به وقد استمرت مدة سجنه على ما في بعض النصوص سبعة عشر عاما((288)) وفي بعض آخر اربعة اعوام((289))، ولعل ذلك في مرات عديدة.

وقد طلب منه في السجن ان يعرف اسماء عامة الشيعة في العراق، واصحاب الامام الكاظم(ع)، فامتنع عن ذلك وذكران السبب في سجنه كان للضغط عليه في تولي القضاء، وقد تكرر سجنه في ايام المامون حتى ولاه قضاء بعض البلاد، وكان لما امتنع في المرة الاولى من سجنه من قبل هارون من الادلاء باسماء الشيعة والدلالة على موضعهم او لامتناعه من تولي القضاء - كما هو السبب الاخر الذي ذكر، وان كان الاول لعله الارجح، وقد يكونا صحيحين معا؛ لتكررالسجن في زمن هارون - قد تعرض للتعذيب، فجرد وعلق بين القفازين وضرب مئة سوط او مئة وعشرين خشبة، ولعله في مرة اخرى، وقد قام بضربه وتعذيبه على التشيع السندي بن شاهك بامر من هارون الرشيد.

قال الفضل بن شاذان: سمعت ابن ابي عمير يقول: لما ضربت فبلغ الضرب مئة سوط، ابلغ الضرب الالم الي، فكدت ان اسمي، فسمعت نداء محمد بن يونس بن عبد الرحمان، يقول: يا محمد بن ابي عمير، اذكر موقفك بين يدي الله تعالى، فتقويت بقوله فصبرت، ولم اخبر، والحمد لله، ثم انه ادى مئة واحدى وعشرين الف درهم حتى خلي عنه وكان متمولا تقدر ثروته بخمسمئة الف درهم((290)).

3 - مواساته لاخوانه:
لقد تركت مضايقات السلطة العباسية اثرا سلبيا على حياة محمد بن ابي عمير ادى الى تدهور حالته المالية والمعاشية،والظاهر ان السلطة قد صادرت جميع ممتلكاته، فقد ذكر نصر بن الصباح ان محمد بن ابي عمير اخذ وحبس واصابه من الجهد والضيق والضرب امر عظيم واخذ كل شيء كان له((291)).

وقد عبر هو عما آل اليه امره، فقد روى الشيخ الصدوق عن ابراهيم بن هاشم: ان محمد بن ابي عمير كان رجلا بزازا،فذهب ماله وافتقر، وكان له على رجل عشرة آلاف درهم، فباع دارا له كان يسكنها بعشرة آلاف درهم، وحمل المال الى بابه، فخرج اليه فقال: ما هذا؟ قال: بعت داري التي اسكنها لاقضي ديني، فقال محمد بن ابي عمير(رحمه الله): حدثني ذريح المحاربي عن ابي عبد الله(ع): «لا يخرج الرجل من مسقط راسه بالدين» ارفعها فلا حاجة لي فيها، والله اني محتاج في وقتي هذا الى درهم، ولا يدخل ملكي منها درهم((292)).

وفي الحكاية دلالات كبيرة تدل على ايثاره ومواساته والتزامه بتعاليم الشرع في احلك الظروف واصعبها.

مشايخه:

قد روى شيخنا المترجم عن جمهرة كبيرة من المشايخ والرواة، وقد عد منهم بعض الباحثين (415) شيخا، وهي احصائية ليست نهائية لانها اعتمدت - على ما صرح به الباحث المذكور - بعض المصادر الحديثية لاجميعها((293)).

واما المشايخ الذين روى عنهم فان فيهم من ادرك الامام السجاد والامام الباقر(ع)، وهم تسعة، منهم ابان بن تغلب وابوحمزة، كما انه روى عن (51) شخصا من اصحاب الامام الباقر(ع) غير اؤلئك التسعة، وعن (264) راويا من اصحاب الامام الصادق(ع)((294)).

ونذكر من ابرز مشايخه:
1 - ابان بن تغلب.
2 - زرارة بن اعين.
3 - حريز.
4 - هشام بن سالم، وقد روى عنه كثيرا وتبلغ رواياته عنه (225)((295)).
5 - هشام بن الحكم.
6 - يونس بن يعقوب.
7 - معاوية بن عمار.
8 - حماد بن عثمان.
9 - الحسين بن ابي العلاء.
10 - الحسن بن راشد، وحديثه عن الاخيرين كثير. وغير هؤلاء من اجلاء
الاصحاب كثيرون جدا((296)).

تلامذته:

وهم كوكبة كبيرة ايضا ممن اخذ وروى عنه. وقد ورد في معجم رجال الحديث منهم اربعة واربعين شخصا. نشير الى بعضهم، وهم:
1 - ابراهيم بن هاشم.
2 - الحسين بن سعيد.
3 - علي بن مهزيار.
4 - محمد بن خالد البرقي.
5 - الفضل بن شاذان. وقد تتلمذ عليه نحو خمسين سنة((297)).
6 - علي بن الحكم، ويعتبر من اشهر تلامذته((298)).
7 - محمد بن اسماعيل.
8 - محمد بن عيسى الاشعري.
9 - يعقوب بن يزيد.
10 - احمد بن محمد بن عيسى((299)).

كتبه وآثاره:

وهي كثيرة وغزيرة، قد بلغت اربعا وتسعين كتابا، ولا ريب فان في هذا العدد دلالة كبيرة على سعة علمه واطلاعه،سيما وانها قد شملت علوما عديدة كالفقه، والحديث، والكلام، والتاريخ وغيرها، ومما يشهد لتضلعه في العلوم وموسوعيته في المعارف والفنون كلام الجاحظ المعبر عن ذلك خير تعبير حيث قال: انه كان واحد اهل زمانه في الاشياء كلها. بيد انه لم يصل الينا شيء منها، وظاهر الشيخ الكليني((300)) النقل من بعض كتبه مباشرة، كما ذكر ابوغالب الزراري انه روى نوادر ابن ابي عمير وهي ستة اجزاء((301)).

والظاهر وصول بعض كتبه الى السيد ابن طاووس (المتوفى 664 ه) كما يفهم من نقله عنه في جمال الاسبوع((302)) وقد روى عنه الشيخ في الفهرست كتبه بطريقين((303)).

المكانة العلمية والاجتماعية:

ولد فقيهنا المترجم ببغداد عاصمة الحضارة والعلم في العالم الاسلامي آنذاك، ومركز الدولة العباسية، وقد عاصر من خلفائها الرشيد وابنه المامون.

وقد كان ابن ابي عمير يتمتع بوجاهة علمية واجتماعية مرموقة في مجتمعه البغدادي الذي كان يشهد حركة علمية وثقافية عنيفة وشاملة شاركت في صياغة معالمها مختلف التيارات. وصنوف الطبقات من الفقهاء والقضاة والمحدثين والادباء وغيرهم.

وقد اعرب الجاحظ عن مكانة المترجم بقوله: «كان وجها من وجوه الرافضة»((304)). كما وصفه الشيخ الطوسي بانه كان اوثق الناس عند الخاصة والعامة((305)). مما يدل على عظيم مقامه ومركزه الاجتماعي، ومما يعزز ذلك معرفته الواسعة بالشيعة واسمائهم وعلاقاته بشخصياتهم، وكان الهدف من حبسه، لكي يدل على مواضع الشيعة وعامة اسمائهم في العراق.

هذا وقد كان الى جانب مركزه الاجتماعي ثريا مليا، حتى انه - كما اسلفنا - ادى حين حبس من قبل هارون مئة واحدى وعشرين الفا فخلي عنه. واما مكانته العلمية فقد كان واحد اهل زمانه في الاشياء كلها كما يصفه الجاحظ((306))، وكانت داره موئلا للعلماء ورجالات الفقه والحديث، فقد ذكر الفضل بن شاذان انه اخذ شيخي يوما بيدي وذهب بي الى ابن ابي عمير فصعدنا اليه في غرفة، وحوله مشايخ يعظمونه ويبجلونه، فقلت لابي: من هذا؟ قال: هذا ابن ابي عمير، قلت الرجل الصالح العابد؟ قال: نعم((307)).

ومما يدل على مكانته ومقامه العلمي الشامخ طلب الرشيد وولده المامون منه تولي القضاء((308))، كما يدل على ذلك ايضا ان هشام بن سالم رضي ان يتكلم ويناظر هشام بن الحكم في نحو خمسة عشر رجلا من اصحاب الائمة(ع) فيما اختلفوا فيه من التوحيد والصفات عند محمد بن ابي عمير، وهو اعتراف واضح منهما مع ما لهما من التقدم والتفرس في الكلام بشخصية ابن ابي عمير العلمية.

كما يدل على عظيم شانه قبول مراسيله وسكون الاصحاب لها، وعد في اصحاب الاجماع الذين يعرف وثاقة الراوي بروايتهم عنه. بل انه يجبر ضعف الرواية برواية ابن ابي عمير لها((309)).

ومما يكشف بشكل جلي عن مقامه العلمي الشامخ كثرة مؤلفاته التي ناهزت المئة.

وقد ذكرت مصادر ترجمته من تراثه العلمي الكتب التالية:

الفقه:
1 - كتاب الصلاة.
2 - كتاب مناسك الحج.
3 - كتاب الصيام.
4 - كتاب النكاح.
5 - كتاب الطلاق.
6 - كتاب الرضاع.
7 - كتاب المتعة.
8 - كتاب الحج.
9 - كتاب فضائل الحج.
10 - كتاب يوم وليلة.
11 - مسائله عن الرضا(ع).

الكلام:
12 - كتاب التوحيد.
13 - كتاب الاستطاعة والافعال والرد على اهل القدر والجبر.
14 - كتاب الامامة.
15 -
كتاب البداء.
16 - كتاب المعارف.

الحديث:
17 - النوادر، قال عنه ابن بطة انه حسن كبير((310))، وهذه النوادر كثيرة لان الرواة لها كثيرون، فهي تختلف باختلافهم((311)). وقد حدث بها عن ظهر قلب بعد فقد كتبه. قال ابو عمر الكشي: «وذهبت كتب ابن ابي عمير، فلم يخلص كتب احاديثه فكان يحفظ اربعين جلدا فسماه نوادر؛ فلذلك يوجد احاديث منقطعة الاسناد»((312)).
18 - اختلاف الحديث.

البعد الفقهي:

ويمكن استيحاء معالم هذا البعد - بالرغم من ضئالة الدلالات والمؤشرات التي تمكن الباحث من الخوض بتفصيل في هذا المجال - من خلال تراثه الفقهي الذي تركه، والذي لم يصلنا من اسمائه سوى عشرة عناوين من اصل مئة عنوان من مؤلفاته، ولا شك انها اكثر من هذه العشرة ومما يعزز قوة فقاهته وتضلعه في هذا المضمار شهادة احد معاصريه -على ما نقله الكشي عنه - وهو علي بن الحسن بن فضال حيث كان يرجحه في الفقاهة ويقدمه على يونس((313)).

الا ان الكشي الذي نقل هذا عن ابن فضال قد ذكر في اصحاب الاجماع وتسمية الفقهاء من اصحاب الامامين الكاظم والرضا(ع) ان افقه هؤلاء الستة يونس((314))، ويمكن ان يستشكل على كلام الكشي بالتهافت فيه، ولكن يمكن الاجابة باحد توجيهين:

1 - ان الظاهر ان الاصل في كلام الكشي هو قوله: «وافقه هؤلاء ابن ابي عمير ويونس» لانه نقل اولا عن علي بن فضال ان ابن ابي عمير افقه من يونس. وقد ذكر هذا التوجيه المحقق التستري(قدس سره)((315)).

2 - انه لا تعارض اصلا في كلام الكشي؛ لان ما نقله عن ابن فضال يعبر عن رايه الشخصي، وما ذكره الكشي ايضاعبر فيه عن رايه، فالتعارض هنا نظير التعارض بين شهادة اهل الخبرة في تعيين الافقه والاعلم. فلا اشكال على الكشي، وان كان التعارض واقع في نفسه.

وقد تعرض بعض الفقهاء لبعض آرائه في كتاب الخمس وتعيين موارده، كما في مورد المعادن والبحار.

قال المحقق النراقي في تحديد موارد الخمس: «العاشر: المعادن، وهي من الانفال على الاظهر، وفاقا لجماعة من اعيان القدماء، كالكليني والقمي والشيخين والقاضي.. وهو مذهب ابن ابي عمير للمرويين في تفسير القمي والعياشي، ورواية جابر المروية في الكافي: «خلق الله تعالى آدم، واقطعه الدنيا قطيعة، فما كان لادم فلرسول الله(ص)، وما كان لرسول اللهفهو للائمة(ع) من آل محمد» ورواية محمد بن ريان: «ان الدنيا وما عليها لرسول الله(ص)»»((316)).

وقال ايضا: «الحادي عشر: البحار، وهي على الاظهر من الانفال، وفاقا لصريح الكليني، وظاهر ابن ابي عمير...»((317)).

ويستند رايه في هذين الموردين الى رايه بشكل عام في ملكية الامام الواسعة المستفاد من ظواهر بعض الاخبار، فقدذكر صاحب الجواهر بعد ان سرد الروايات الواردة في ذلك:

«عن السندي بن الربيع عن ابن ابي عمير حمل هذه الاخبار على ظاهرها لا باطنها، قال: انه - اي ابن ابي عمير - لم يكن يعدل بهشام بن الحكم شيئا، وكان لا يغب اتيانه ثم انقطع عنه وخالفه، وكان سبب ذلك ان ابا مالك الحضرمي كان احد رجال هشام وقع بينه وبين ابن ابي عمير ملاحاة في شيء من الامامة، قال ابن ابي عمير الدنيا كلها للامام على جهة الملك، وانه اولى بها من الذين هي في ايديهم، وقال ابو مالك كذلك املاك الناس لهم الا ما حكم الله به للامام من الفيء والخمس والمغنم، فذلك له، وذلك ايضا قد بين الله للامام اين يضعه وكيف يصنع به، فتراضيا بهشام بن الحكم وصارا اليه فحكم هشام لابي مالك على ابن ابي عمير، فغضب ابن ابي عمير وهجر هشاما بعد ذلك، مع احتمال عدم ارادته اي ابن ابي عمير ما عساه ينساق الى الذهن من المحكي من كلامه مما ينافي ضرورية الحكم المذكوروبداهته وان ساعده ظاهر الاخبار السابقة المقطوع بعدم ارادته منها»((318)).

ولكن ومع كل ما ذكر عن مقامه الفقهي والعلمي الشامخ فانه لا توجد صورة تفصيلية كما المحنا لذلك عن البعد الفقهي في شخصية ابن ابي عمير لفقدان جميع كتبه ومصنفاته وعدم وصول شيء منها الينا، وعدم تعرض الفقهاء لاراءه وآثاره، وسنواصل البحث فيما يلي عن البعد الروائي والكلامي.

البعد الروائي:

ويعتبر هذا البعد من اهم الابعاد في شخصية المترجم، وذلك من جهات عديدة:

1 - معاصرته لاربعة او ثلاثة من ائمة اهل البيت(ع)، وهم: الامام الصادق (على خلاف في ذلك) والامام الكاظم، والامام الرضا، والامام الجواد(ع). وهذه خصوصية لها اهميتها الكبيرة حيث ترفد الراوي باكبر عدد ممكن من الروايات.

2 - كتبه ومصنفاته التي ناهزت المئة، وهي بلا شك ثروة روائية عظيمة.

3 - كثرة مشايخه ومن حدث عنه، ويربو عددهم في احصائية غير نهائية على الاربعمئة شيخ ومحدث((319)). وقد وقع اسمه في (645) رواية على ما في معجم رجال الحديث((320)).

ولا شك في ان الملحوظ في هذه الاحصائية هو المقدار الواصل من تلك الثروة العظيمة التي قد تبددت ايام محنته وسجنه حيث قامت اخت ابن ابي عمير بدفنها فتلفت، وقيل انها تركتها في غرفة فسال عليها المطر، فحدث من حفظه،ومما كان قد سلف له في ايدي الناس، ولذا عرفت رواياته بالمراسيل، ولكن الاصحاب يسكنون الى مراسيله((321)) لوثاقته وجلالته.

ومما يلاحظ في البعد الروائي عند ابن ابي عمير عدة نقاط:

* النقطة الاولى:
انه مقل في الرواية بشكل مباشر عن الائمة الذين عاصرهم، فان المتتبع لرواياته يجد انه يروي بالواسطة كثيرا، وهذا ما يدل على عدد شيوخه وكثرتهم، وهذا بعكس بعض اصحاب الائمة(ع) كزرارة ومحمد بن مسلم حيث ان اكثر رواياتهم هي عنهم(ع) بلا واسطة.

ومن هنا فقد كان رحمه الله مكثرا للرواية عن كتب الاصحاب واصولهم، وسنشير الى نماذج منها. ولعل ذلك يرجع الى وجوده في بغداد حيث قضى فيها الامام الكاظم(ع) شطرا كبيرا من عمره في السجون، مما لا يتيح الفرصة للقائه، هذامضافا الى انه(ع) كان يخضع في داره للرقابة من قبل السلطة، وكذا رموز شيعته، ولكنه مع ذلك قد روى عنه بضعة احاديث، كما ان امامة الامام الجواد(ع) قد تزامنت مع ايام شيخوخته حيث يقدر عمره آنذاك في الثمانين.

وقد يكون من عوامل عدم روايته بالمباشرة هو قلة اسفاره الى المدينة المنورة وزيارته للائمة(ع)، حيث لم ينقل ذلك عنه في الاخبار ومصادر ترجمته.

ومن هنا فان الملاحظيجد ظاهرة الرواية عنده لاصول الاصحاب وكتبهم، وقد كان هو الاصل في روايتها كما نجد ذلك في كتاب الفهرست للشيخ الطوسي حيث انه ذكر اكثر من خمسين كتابا واصلا قد رواها ابن ابي عمير. ونحن نشيراليها.

* النقطة الثانية:
انه لم يحدث عن الجمهور بالرغم من اختلاطه ولقائه بهم بحكم بيئته ببغداد. وقد اقتصر في الرواية على ما ورد من طريق اهل البيت(ع). وقد اجاب رحمه الله عن ذلك عندما ساله والد الفضل بن شاذان فقال له: انك لقيت مشايخ العامة فكيف لم تسمع منهم؟ فقال: قد سمعت منهم غير اني رايت كثيرا من اصحابنا قد سمعوا علم العامة، وعلم الخاصة، فاختلط عليهم حتى كانوا يروون حديث العامة عن الخاصة، وحديث الخاصة عن العامة، فكرهت ان يختلط علي،فتركت ذلك، واقبلت على هذا((322)).

واما الاصول والكتب التي كان له دور في نقلها وروايتها الى الطبقة التي تليه فقد اشار الشيخ الطوسي في الفهرست الى بعضها بشكل متناثر بمناسبة التعريف بكتب الطائفة وتراثهم. ونحن نوردها لنلاحظ من خلالها الجهد العلمي الذي بذله ابن ابي عمير في هذا المجال والدور الذي نهض به.

1 - اسماعيل بن محمد، له اصل.
2 - اسحاق بن عمار الساباطي، له اصل.
3 - اسباط بن سالم، بياع الزطي، له اصل.
4 - بشار بن يسار، له اصل.
5 - جعفر الازدي، له كتاب.
6 - جميل بن دراج، له اصل.
7 - الحسن بن موسى الحناط، له اصل.
8 - الحسن العطار، له اصل.
9 - الحسن بن صالح بن حي، له اصل.
10 - الحسن بن زياد العطار، له كتاب.
11 - الحسين بن ابي العلا، له كتاب يعد في الاصول.
12 - الحسين بن نعيم الصحاف، له كتاب.
13 - الحسين بن عثمان، له كتاب.
14 - الحسين بن احمد، له كتاب.
15 - الحسين بن ابي حمزة، له كتاب.
16 - الحسين الاحمسي، له كتاب.
17 - حميد بن المثنى العجلي، له اصل.
18 - حماد بن عثمان الناب، له كتاب.
19 - حفص بن البختري، له اصل.
20 - حفص بن سالم، له اصل.
21 - الحكم بن ايمن، له اصل.
22 - الحكم الاعمى، له اصل.
23 - حريز بن عبد الله السجستاني. له كتب تعد في الاصول.
24 - حبيب الخثعمي، له اصل.
25 - خالد بن صبيح، له اصل.
26 - خلاد بن خالد المقري، له كتاب.
27 - خلاد السندي، له كتاب.
28 - داود بن زربي، له اصل.
29 - ذريح المحاربي، له اصل.
30 - ربعي بن عبد الله بن الجارود، له اصل.
31 - ربيع الاصم، له اصل.
32 - رفاعة بن موسى النخاس، له كتاب.
33 - زيد النرسي، له كتاب.
34 - زيد الزراد، له كتاب.
35 - سعيد بن غزوان، له اصل.
36 - سعيد بن مسلمة، له اصل.
37 - سفيان بن صالح، له اصل.
38 - شعيب بن اعين الحداد، له اصل.
39 - شعيب بن يعقوب العقرقوفي، له اصل.
40 - شهاب بن عبد ربه، له اصل.
41 - صالح بن رزين، له اصل.
42 - علي بن ابي حمزة البطائني، له اصل.
43 - علي بن الحسن الصيرفي، له كتاب.
44 - علي بن عطية، له كتاب.
45 - علي بن احمد بن علي الخزاز، له كتاب.
46 - عبد الله بن مسكان، له كتاب.
47 - عبد الله بن يحيى الكاهلي، له كتاب.
48 - عبد الرحمان بن الحجاج، له كتاب.
49 - العلاء بن المقعد، له كتاب.
50 - عمر بن اذينة، له كتاب.
51 - عمر بن عاصم، له كتاب.
52 - عباد بن صهيب، له كتاب.
53 - العيص بن القاسم، له كتاب.
54 - كليب بن معاوية الاسدي، له كتاب.
55 - محمد بن قيس البجلي، له اصل.
56 - محمد بن حمران بن اعين، له كتاب.
57 - محمد بن ابي حمزة، له كتاب.
58 - محمد بن ميسر، له كتاب.
59 - محمد بن يحيى الخثعمي، له كتاب.
60 - محمد بن قيس، له كتاب
61 - محمد بن مارد، له كتاب.
62 - محمد بن مبشر، له كتاب.
63 - منصور بن حازم، له كتاب.
64 - معاوية بن عمار الدهني، له كتب.
65 - معاوية بن وهب البجلي، له كتاب.
66 - معاوية بن شريح، له كتاب.
67 - مثنى بن الحضرمي، له كتاب.
68 - مالك بن انس، له كتاب.
69 - هشام بن سالم، له اصل.
70 - هشام بن الحكم، له اصل.
71 - يحيى اللحام، له كتاب.
72 - يونس بن يعقوب، له كتاب.
73 - ابو عبد الله الفراء، له كتاب.
74 - ابو اسماعيل البصري، له كتاب.
75 - ابو مالك الجهني، له كتاب.
76 - ابو محمد الفزاري، له كتاب.
77 - ابو حنيفة، سائق الحاج، له كتاب.
78 - ابو الصباح مولى آل سام، له كتاب.