الصفحة السابقة

هؤلاء هم الذين نص الشيخ الطوسي(رحمه الله) في كتابه الفهرست على رواية ابن ابي عمير لاصولهم وكتبهم بالمباشرة، وثمة من روى عنه بواسطة واحدة لم نذكرهم خشية الاطالة، وقد ذكرهم الشيخ في طي ما فهرسه من تراث علمائنا. كما ان ثم ة من لم يرو عنه شيخنا المترجم ولم يورده شيخ الطائفة في الفهرست.

* النقطة الثالثة:
هل ان محمد بن ابي عمير شخص واحد او شخصان؟ وهنا رايان:

الراي الاول: انهما شخصان، معروف وغير معروف، وان المعروف منهما من اصحاب الكاظم والرضا(ع)، وقد توفي في عصر الجواد(ع)، والاخر غير المعروف من اصحاب الصادق(ع)، وتوفي في عصر الامام الكاظم(ع)، والاول يلقب بالبزاز، والثاني بياع السابري.

وقد ذهب الى هذا الراي المحقق الخوئي والمحقق التستري(قدس سرهما)((323))، وهو الظاهر من الشيخ الطوسي((324))، وهو ظاهر الكشي حيث ذكره في الطبقة الثالثة من اصحاب الاجماع((325))، واستدل على ذلك((326)):

* اولا - بثلاث روايات:
1 - خبر حميد بن زياد... عن محمد بن نعيم الصحاف قال: مات محمد ابن ابي عمير بياع السابري، واوصى الي وترك امراة لم يترك وارثا غيرها، فكتبت الى العبد الصالح(ع)، فكتب الي: اعط المراة الربع واحمل الباقي الينا((327))، فانه لاخلاف في بقاء المعروف منهما بعد الامام الكاظم(ع)، وقد تضمن هذا الخبر موته في حياته(ع).
2 - بما رواه الكشي عن بنان بن محمد بن عيسى عن ابن ابي عمير عن هشام بن سالم عن محمد بن ابي عمير قال:دخلت على ابي عبد الله(ع)، فقال: كيف تركت زرارة؟ قال: تركته لا يصلي العصر حتى تغيب الشمس، قال: فانت رسولي اليه فقل له: فليصل في مواقيت اصحابه((328))، فان فيه رواية المعروف بتوسط هشام بن سالم عن هذا.
3 - خبر السيد ابن طاووس في كتاب النجوم: محمد بن اذينة عن ابن ابي عمير قال: كنت انظر في النجوم واعرف الطالع فيدخلني من ذلك شيء فشكوت ذلك الى ابي عبد الله(ع)...
الحديث((329)). والمعروف انما يروي عن ابن اذينة،وهذا روى عنه ابن اذينة.

وقد نوقش في هذه الادلة بعدة مناقشات:
المناقشة الاولى: انه لا تنافي بين وصفي البزاز وبياع السابري في الرواية الاولى في نفسهما؛ لان السابري ثوب رقيق جيد ( نسبة الى سابور احد كور بلاد فارس) والبزاز هو بياع البز وهو الثياب من الكتان او القطن.
وقد ذكر موصوفا بالوصفين معا في بعض نسخ رجال الشيخ هكذا: محمد بن ابي عمير البزاز بياع السابري يروي عنه الحسن بن محمد بن سماعة((330)).
ولكن ناقش المحقق التستري بان الذي يروي عنه الحسن بن محمد بن سماعة هو ابن عمير المعروف لا غير المعروف كما ذكره الشيخ في الرجال((331)).

المناقشة الثانية: ان لقب العبد الصالح الوارد في الرواية الاولى لم يرد في الاخبار تعيين المراد به وانما هو تسمية واصطلاح يراد به الامام الكاظم(ع)، ومن هنا فانه يمكن انطباقه على غيره من الائمة(ع) فانهم جميعا عباد اللهالصالحين، فقد روى زرارة عن ابي جعفر(ع): ان ابي علي بن الحسين كان عبدا صالحا((332)). فيمكن ان يراد به الامام الجواد(ع) حينئذ((333)).
وعليه يكون الحديث مرددا ومجملا بين الامام الكاظم والامام الجواد(ع).

ولكن يمكن دفع هذه المناقشة بملاحظة ما يلي:
1 - ان الظاهر هو ان لقب (العبد الصالح) اطلق على الامام الكاظم(ع) في لسان الاخبار نظرا لظروفه السياسية الخاصة،فكان هذا اللقب رمزا يرمز به الى الامام(ع)، وليس تشريفا حتى يقال ان جميع الائمة(ع) هم عباد صالحون بلا مزية للامام الكاظم(ع)، فاذا الاطلاق المذكور انما هو لخصوص النكتة المشار اليها، فهو نظير كلمة (الرجل) التي يشاراليه(ع) ايضا فيها، وهذه النكتة لم تكن منطبقة على زمان الامام الجواد(ع)، حيث كان الامام(ع) مظهرا لامره ولم يكن مضيقا عليه من قبل السلطة، بل كان يمارس نشاطه العلمي علنا دون تقية.
2 - انه قد ورد في الرواية الاولى ان ابن ابي عمير قد توفي في زمن الامام الكاظم(ع)، ولم يكن له وارث الا امرئته فاوصى الى محمد بن نعيم الصحاف، مع ان ابن ابي عمير المعروف كانت اخته موجودة بعد الامام الكاظم(ع) وهي التي قامت باخفاء كتبه ايام سجن المامون له((334)).

المناقشة الثالثة: ضعف الاسناد في هذه الروايات الثلاث، اما الرواية الاولى فبمحمد بن نعيم الصحاف، واما الثانية فبالوراق والقمي وبنان؛ لانهم لم يوثقوا واما الثالثة فلانها مرسلة ابن طاووس ولا حجية فيه((335)).

* ثانيا - الترتيب الطبقي بين الرواة، بيان ذلك:
ان الذين يروون عن ابن ابي عمير رواياته عن الصادق(ع) هم من طبقة متقدمة يحسبون من اصحاب الامامين الصادق او الكاظم(ع)، ولم يثبت وقوع اشخاص من طبقة احمد بن محمد بن عيسى وامثاله في هذه المرتبة، وعليه فكيف اتفق ان ابن ابي عمير كلما روى عن الامام الصادق بالواسطة كان الراوي عنه شخص من المتاخرين، وكلما روى عنه(ع)
بلا واسطة كان الراوي عنه من المتقدمين لو لم يكن ذلك نتيجة التعدد في شخصية محمد بن ابي عمير؟

قال صاحب هذا الاستشهاد بعد البيان المذكور: وهذا الكلام يتوقف على ملاحظة الراوي عن ابن ابي عمير في الروايات الصحيحة السند التي ثبت فيها نقل ابن ابي عمير عن الصادق(ع) مباشرة وسائر الروايات الاخرى((336)). ثم استعرض طائفة من الروايات في ذلك وقال بعد الفراغ منها:

وهكذا يمكن القول في ضوء ما تقدم انه كلما روى ابن ابي عمير عن الصادق(ع) كانت روايته تقترن مع رواية شخص عنه من المتقدمين في الطبقة ممن يحسب من اصحاب الصادق او الكاظم(ع) ولم يثبت الانفكاك بين هذين الامرين.

وعلى العكس من ذلك روايات ابن ابي عمير التي لم ينقلها عن الصادق(ع) مباشرة فانها تقترن مع رواية شخص عنه من المتاخرين في الطبقة من امثال ابراهيم بن هاشم واحمد بن محمد بن عيسى واضرابهما فلو كان الشخص واحدا فكيف نفسر الاقترانين؟ مع استبعاد كونهما صدفة بحساب الاحتمال فيتقوى احتمال التعدد.

ويقوى ايضا احتمال التعدد استلزام الوحدة لطول عمر ابن ابي عمير وكونه قد ناهز التسعين مع انه لم يشر الى ذلك في ترجمته في كتب الرجال.

ثم قال بعد ذلك: ولكن الانصاف مع هذا ان في النفس شيئا من هذه المقويات الاحتمالية للتعدد فان كون الوحدة مستلزمة للعمر المذكور ليس بمحذور لا لمجرد عدم موجب لاستبعاد هذا العمر في ابن ابي عمير المعروف لقيام قرائن على انه عمر بهذا المقدار. ثم مجرد عدم وجود مقويات معتد بها لاحتمال التعدد لا يكفي لاثبات الوحدة كما هو ظاهر،خصوصا مع اشعار كلامي الشيخ والنجاشي(قدس سرهما) او ظهوره في عدم ادراك ابن ابي عمير المعروف للامام الصادق(ع)، او عدم روايته عنه على الاقل. فاحتمال التعدد لا يوجد اذا دليل حاسم على نفيه، وان كان البناء على الوحدة قريبا في النفس((337)).

الراي الثاني: انهما شخص واحد، ولا تعدد في البين. وقد ذهب الى هذا الراي المحقق الاردبيلي((338))، والعلامة المامقاني((339)).

قال المحقق الاردبيلي بعد نقله رواية محمد بن نعيم الصحاف: «اقول: هذا الخبر دل على ان ابن ابي عمير مات في حياة العبد الصالح، والشيخ(رحمه الله) ذكره في اصحاب الرضا(ع)، والنجاشي والشيخ في الفهرست ذكراه من رواة الرضا والجواد(ع)، وزمان موته ايضا يابى عما ذكر في هذا الخبر، الظاهر ان في الخبر اشتباها او يطلق العبد الصالح على الجواد(ع)»((340)).

وقطع العلامة المامقاني بان «تعدد محمد بن ابي عمير خال عن البرهان»((341)).

وقد تقدمت المناقشة من قبل اصحاب هذا القول في ادلة الراي الاول والرد على بعض ما ناقشوا به.

* النقطة الرابعة:
هل ان محمد بن ابي عمير ادرك الامام الصادق(ع) ام لا؟ ويتحدد الجواب عن هذا السؤال على ضوءالبحث السابق، فان كان الصحيح في النقطة السابقة التعدد وان من يروي عن الامام الصادق(ع) هو محمد بن عمير غيرالمعروف، فالظاهر ان المعروف لم يدرك زمن الامام الصادق(ع)، وان كان الصحيح اتحاده فيكون قد ادرك زمانه(ع)وروى عنه.

النقطة الخامسة:
مما لا شك فيه ان محمد بن ابي عمير قد ادرك عصر الامام الكاظم(ع)، ولكن وقع الكلام في انه قدروى عنه ام لا؟ وقد ذهب الى اثبات روايته عنه النجاشي، حيث ذكر انه لقى ابا الحسن موسى(ع) وسمع منه احاديث كناه في بعضها فقال: يا ابا احمد. وذهب الشيخ الطوسي(قدس سره) الى انه ادركه ولم يرو عنه، وقد رجح المحققون الراي الاول؛ وذلك لوجود رواياته عنه(ع) في كتب الاخبار كما في كتاب اكمال الدين واتمام النعمة للشيخ الصدوق((342))
وغيره.

النقطة السادسة:
انه قد اشتهر بين فقهائنا القول بان مراسيل ابن ابي عمير حجة وهي بنفس الدرجة في الاعتباربالنسبة الى مسانيده. والدليل الذي استدل به لذلك كونه لا يروي الا عن الثقات.
قال الشيخ الطوسي(قدس سره): «سوت الطائفة بين ما يرويه محمد بن ابي عمير، وصفوان بن يحيى، واحمد بن محمد
بن ابي نصر البزنطي وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بانهم لا يروون ولا يرسلون الا عمن يوثق به وبين ما اسنده غيرهم، ولذلك عملوا بمراسيلهم اذا انفرد عن رواية غيرهم»((343)).

ونسب النجاشي الى الاصحاب انهم يسكنون الى مراسيله بعد تلف كتبه حيث كان يحدث من حفظه((344)).

وقال العلامة المامقاني: «ان محمد بن ابي عمير تفرد في تسالم الكل على قبول مراسيله، وعدهم اياها بحكم المسانيدالمعتمدة ونحو ذلك، وان قيل في نفر آخرين ايضا، الا ان القائل نفر، ولم يقع على هؤلاء تسالم الكل مثل ما وقع في ابن ابي عمير»((345)).

وذكر العلامة الكاظمي ان العصابة طاطات رؤوسها لاحاديث ابن ابي عمير((346)).

ولكن مع ذلك فان هناك من رفض ذلك وسوى بين مراسيل ابن ابي عمير وغيرها في عدم الحجية، كما ذهب الى ذلك المحقق الحلي والشهيد الثاني وصاحب المدارك((347)) والمحقق الخوئي((348)).

وقد استدلوا على ذلك:
أولا - بالاجماع الذي ادعاه الكشي على تصحيح ما يصح عنه((349)).
ثانيا - لكون الاصحاب يسكنون الى مراسيله((350)).
ثالثا - بكون هؤلاء لا يروون الا عن الثقات((351)).
رابعا - انا لم نجدهم رووا خبرا شاذا وقع الاتفاق على طرحه كما يتفق لغيرهم، حتى انه لم يوجد ذلك في مراسيلهم،فهذا يورث الاعتماد على ما رووه من الاخبار، وروايتهم له تكشف عن انه جامع لشرائط العمل، وانه لا مانع من العمل به، وذلك لا يكون الا اذا كان محفوفا بقرائن الصدق وصحة الصدور عن المعصوم، ولازمه ايضا كمال التثبت وشدة الاحتياط في رواية الخبر. وقد جعل صاحب التكملة هذا الوجه مؤيدا من المؤيدات((352)).

وليس المنشا في هذا التوثيق اصالة العدالة في كل راو امامي كما ربما قد يتوهم ذلك((353)).

وهناك تطبيقات لهذه الكبرى الكلية في الفقه حيث التزم الفقهاء في مصنفاتهم بذلك، ولكنهم اقتصروا في ذلك على محمدبن ابي عمير فقط، والظاهر انه لا وجه للقصر عليه((354)).

وفيما يلي بعض التطبيقات الفقهية لذلك((355)):

1 - ما رواه ابن ابي عمير مرسلا في تقدير الكر بالوزن وهو الف ومئتا رطل. وقد افتى به كثير من الفقهاء كالشيخ الطوسي، والشيخ الصدوق حيث جعل ذلك من دين الامامية، وقال المحقق في المعتبر: وعلى هذا عمل الاصحاب، ولااعرف منهم رادا لها((356)).

2 - افتى الشيخ الطوسي باستثناء القرشية عن بلوغ المراة الى حد ياسها، وهو الخمسون سنة، وخصها بانها ترى دم الحيض الى ستين سنة، وهو المنسوب الى المشهور بل الى الاصحاب((357)). ودليل الاستثناء منحصر بمرسل ابن ابي عمير((358)).

3 - عدم اجزاء ما عدا غسل الجنابة من الاغسال عن الوضوء، ولم يرد على هذه الكلية دليل سوى مرسل لابن ابي عمير، وقد نسب الشهيد في الذكرى والمحقق في المعتبر ذلك الى الاكثر، وعن امالي الشيخ الصدوق انه من دين الامامية((359)).

البعد الكلامي:

لا شك ان المناخ الفكري والعقائدي الذي عاشته بغداد في القرن الثاني الهجري كان محتدما بصنوف العقائد والاراءالجديدة التي اختلفت حولها المذاهب والفرق اختلافا شاسعا، وكان من بينها مسالة القضاء والقدر، وافعال الانسان، والبداء، وخلق القرآن، اضافة لبحوث التوحيد والامامة، ومن هنا فان مشاركة ابن ابي عمير في هذا التخصص والمجال تاتي كامر لابد منه وضرورة لازمة سيما مع ملاحظة ما يتمتع به من موقع علمي واجتماعي حيث كان يمثل احد ابرزاركان مدرسة اهل البيت(ع) ببغداد الذي تجتمع اليه شيوخ الطائفة كما ورد في عبارة الفضل بن شاذان ويتحاكمون اليه ويتناظرون بحضرته في ادق المسائل الكلامية والعلمية كما اسلفنا نقل ذلك عن الهشامين - ابن سالم وابن الحكم - مع ما لهما من الجلالة والتقدم في علم الكلام.

واما مؤلفاته في هذا المجال فهي متنوعة، قد تطرق فيها الى اكثر من مسالة عقائدية مهمة. والواصل الينا من مجموع مؤلفاته الاربع والتسعين ما يلي((360)):
1 - كتاب التوحيد.
2 - كتاب الامامة.
3 - كتاب الاستطاعة والرد على اهل الجبر والقدر.
4 - كتاب البداء.
5 - كتاب الكفر والايمان.

وفاته:

توفي فقيهنا المترجم في سنة (217) في حياة الامام الجواد(ع) ببغداد، عن عمر يقدر - على فرض ادراكه للامام الصادق(ع) - بالتسعين؛ وذلك لان وفاته(ع) كانت في سنة (148)، ووفاة ابن ابي عمير سنة 217، فتكون الفاصلة بين التاريخين هي (69) سنة فلو اضيف لها عشرين عاما كاقل مدة لتحمل الرواية عنه(ع) كانت مدة عمره ما قلناه.

وقد كان عمره وحياته صورة من صور الجهاد الرائعة في العلم والعمل والسلوك والاخلاص فرحمه الله حيا وميتا.