كلمة التحرير رئيس التحرير
ان اهم نعمة حبى الله بها هذا المخلوق هي العقل .. فقد ورد في
الحديث: «لما خلق الله العقل استنطقه، ثم قال له: اقبل فاقبل،
ثم قال له: ادبر فادبر، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا
هو احب الي منك، ولا اكملتك الا فيمن احب.اما اني اياك آمر،
واياك انهى، واياك اعاقب، واياك اثيب» اذ بواسطة هذه القوة
يتمكن من درك ذاته اولا ودرك ما يحيط به من ظواهر ثانيا
ودرك ما يصبو اليه من طموحات ثالثا.. وهذا يعني ان حلقة
الوصل بين الانسان وبين الواقع هو العقل.. ولولاه لانقطعت
تلك الصلة ولكان لهذا المخلوق شان آخر.. وهذه القوة العقلية
الخلاقة تمتد في آفاق طويلة لا تعرف الحدود وتغطي
مساحات واسعة لا تحدها نهاية وتستمر فاعليتها وتواصل
عطاءها دون توقف.. والواقع الذي نعيشه هوخير دليل يثبت
هذه الحقيقة بوضوح.. فانه ببركة العقل ظلت عجلة العلم في
حركة دائبة وفي نمو متصاعد والانجازات العلمية تتزايد
وتتلاحق يوما بعد يوم حتى بات من العسير علينا متابعة جميع
الكشوفات العلمية ومواكبة التطور.. ثم ان ظاهرة العلم عند الانسان تارة تلحظ بما هي حركة آلية لعقل الفرد تنطلق في سبيل تحصيل صور عن الواقع ضمن مسار معين يتقلب فيه العقل بين المجهول والمعلوم.. وهذا اللحاظ هو الذي تتوفر عليه العلوم العقلية كالمنطق والفلسفة وما يحاذيهما من علوم.. حيث تعكف هذه العلوم على دراسة وتحليل هذه الحركة من حيث هي.. وتعالج الالية التي تحكم مسار هذه الحركة.. وتعطي موقفها تجاه القيمة المعرفية لهذه الحركة والى اي مدى يمكن الوث -وق بها وهل يمكن لنا تحصيل اليقين او لا؟
وتارة اخرى تلحظ ظاهرة العلم البشري بما هي انجاز حضاري
يتجاوز الفرد.. بمعنى لحاظ نمط معين من
المحاصيل والمنتوجات المعرفية للجماعة البشرية تنتظم
ضمن سياق واحد.. سواء كان هذا السياق يمثل بعدا من ابعاد
الواقع الموجود او يمثل تطلعا الى افق منشود.. وهذه الوحدة
السياقية والموضوعية هي التي تميز العلم باللحاظ الحضاري
عن العلم باللحاظ الاول الذي يصدق على المدركات مهما كان
نوعها وان كانت متناثرة ولا جامع مشتركا بينها.. والفرق
بين هذين اللحاظين نظير الفرق بين الكلمات الصادرة من
الانسان بما هي الفاظ واصوات كل منها يحمل مفادا
مفردا
ومستقلا فتكون تلك الكلمات شاهدا على انه عاقل.. وبين
الكلمات التي تعكس عدة مفادات تنتظم في خطاب
واحديشكل مضمونا عاما وتكون شاهدا على انه موجود
اجتماعي وعقلاني..
ونظرا لتراكم المحصولات المعرفية وتناميها المستمر خلال
قرون متمادية برزت الحاجة الى التخصص في العلوم والمعارف
لصعوبة الاحاطة بها طرا او تعذرها.. وعلى اثر ذلك انقسمت
العلوم البشرية الى اقسام كثيرة الا انه بالرغم من كثرتها
وتشعباتها المختلفة حتى في العلم الواحد - كالفيزياء العضوية
والذرية - تتمحور ضمن نوعين او ثلاثة انواع رئيسة.. وهذه
الانواع هي:
فالنوع الاول ينطلق من العقل والتفكير
كنشاط مجرد وتحليل محض يتحقق على صفحة الوجود
الذهني اي التعامل مع عالم المعقولات سواء كانت اولية او
ثانوية..
والنوع الثاني ينطلق من الطبيعة المحيطة بنا ويتعامل
معها بصورة مباشرة كواقع ملموس على اساس التجربة
اوالملاحظة العلمية.. والنوع الثالث ينطلق من الظواهر
النفسية بما هي انفعالات واستجابات لاشراطات خاصة او
ينطلق من الظواهر الاجتماعية بما تمثله من شبكة علاقات
بين البشر وبما تبتني عليها من اعتبارات عقلائية.. ومن
الممكن دمج النوعين الاول والثالث معا وجعلهما واحدا تمشيا
مع ما هو متعارف في المراكز العلمية الحديثة.. ومهما يكن
من امر فان كل واحد من هذه الانواع الثلاثة يتحرك وفق
منطق خاص وفي اطار منهجي معين.. والمنطق المعتمد لا
يخرج عن احد اثنين: اما ان يكون على اساس الاستقراء او على اساس القياس الارسطي.. واما المنطق الوضعي فهو لا يعدو
ان يكون افتراضا نظريا مقترحا ولم نعهد علما من العلوم قد
تبنى هذا المنطق عمليا..
واما المنهجية فان لكل علم منهج يتناسب مع خصوصيات
الموضوع والمحور الذي يدور حوله.. فالعلوم الرياضية لهامنهج
خاص بها فعلم الحساب قائم ومبتن على اساس منهج التركيب
[=
الجمع] والتحليل [=
التوزيع] بين الاعداد بعضهابالنسبة الى
البعض او حسب ادبيات الرياضيات المعاصرة بيان العلاقات بين
عناصر المجموعات.. والنتائج الرياضية مهما بلغت درجة
التعقيد فيها فان البت فيها يدور مدار صدق القضايا وكذبها..
بيد انه بالتامل الدقيق نرى ان التنويع الثلاثي او الثنائي
المتقدم للعلوم ليس تقسيما جامعا وحاصرا.. فثمت
علوم ومعارف لايمكن اقحامها في شيء من تلك الانواع الثلاثة
الا بنحو من المسامحة.. وهذا القسم المغفول نعبر عنه
بالعلوم الدينية الالهية التي تفترق عن تلك الانواع المذكورة
بانها تنطلق من الوحي الالهي والنص المقدس الذي يحمل
جملة من التعاليم لا سبيل لتحصيلها لولاه قال عز من قائل:
(ويعلمكم الله).. واحد هذه العلوم هو علم الفقه الذي ينطلق
من الخطاب الشرعي ويواصل حركته في تحليل هذا الخطاب
الى عناصر وحيثيات ثم يركب منها نتائج جديدة ومعلومات
اضافية تعود نسبا ومنشا الى الشارع المقدس.. وحركة الفكر في
الممارسة الفقهية هذه لا تتجاوز دائرة المنطق الارسطي في
القياس وتعاليمه وربما تكون في بعض الاحايين مبتنية على
اساس منطق الاستقراء.. اذا فثبت ان علم الفقه يعد علما بتمام
المعنى لانه يمتلك منهجية خاصة به ويتحرك وفق منطق
معين..
وبناء على ذلك فان ما يقال في بعض الاحيان من ان الفقه
خارج عن دائرة العلوم كلام بعيد عن الصواب.. اذ ان
مجرد
انطلاق علم الفقه من النص وكون النص مقدسا - لابد من
التسليم به لكونه صادرا من المولى الاعلى - لا يثبت ان المقولة
الفقهية تختلف عن المقولة العلمية بالمصطلح الحديث.. اذ
هناك جملة من العلوم تنطلق من النص ويؤخذالنص كامر
مسلم ومفروغ عنه ويقع البحث في تلك العلوم حول تحليل
النص وربما يستنتج على اساسه نتائج اضافية من قبيل علم
الحقوق والقانون، ففي الحقوق الاساسية او فلسفة الحقوق
يكون المنطلق القواعد التي توافق عليها
العقلاء او القواعد
الفطرية.. وفي علم القانون يكون المنطلق هو القوانين
الاساسية والدستورية.. وكذا الحال بالنسبة الى العلوم الادبية
حيث يكون المنطلق هو النص الادبي شعرا كان او نثرا.. اجل.. ربما يكون الحكم مختلفا بالنسبة الى التعاليم الدينية غير الاسلامية من مسيحية ويهودية او الاديان غيرالسماوية.. حيث لا يوجد وراء النص امر آخر لتعيين المسار المعرفي فيها.. فلا منهج يستند اليه ولا منطق يعتمد.. اذ لاتخضع تلك النصوص الى عملية تحليلية وليس ثمة عملية تركيب ولا معلومات اضافية.. بل حتى لو كان شيء من ذلك فهو لا يخضع لمنهج واضح بل تكون عبارة عن مجموعة تفسيرات يتبرع بها علماء اللاهوت وادعاءات ممزوجة بالابهام والعواطف ومتاثرة بالعناصر الذاتية وغير المبتنية على اسس موضوعية.. ولعل المنظرين الى الهرمونوطيقا كانوا ناظرين الى القضايا النصوصية غير الاسلامية.. ولم يكن لهم نظر الى علم الفقه الاسلامي او لم يكن لديهم اطلاع دقيق حوله.. فان الفقه الاسلامي يستند الى منهج مشروح في علم الاصول ومبرر موضوعيا وعلميا عموما.. وبخاصة علم الفقه في اطار مدرسة اهل البيت(ع) التي تعد مدرسة متشددة في التزاميتها ومصداقيتها المنهجية حيث رفضت بصورة قاطعة كل محاولة لجرالممارسة الفقهية الى خارج الدائرة المنهجية فوقفت بحسم تجاه مسلك اجتهاد الراي ولم تعتن بالاراء الشخصية ولم تفسح المجال امام العنصر الذاتي بالتدخل بل حددت ضوابط دقيقة لكيفية التعامل مع النص الشرعي.. وتدور كل الممارسات الفقهية في مذهب اهل البيت(ع) حول محور الادلة وتعتبر كل عنصر غريب عن تلك الادلة زخرف يضرب به عرض الجدار.. وقد قسمت تلك الادلة الى:
1 - ادلة محرزة وكاشفة للحكم الشرعي.. وهي بدورها تنقسم الى ادلة شرعية وعقلية..
وقد بين بشكل مفصل ما هومقدار دلالة هذه الادلة ومدى حجيتها وكيفية اثبات صغريات
تلك الادلة..
2 - ادلة غير محرزة وغير كاشفة عن الحكم الشرعي بل انها
تعين الوظيفة العملية للمكلف.. وهذا ما يصطلح عليه بالاصول
العملية والتي هي ايضا تقسم الى اصول شرعية واصول عقلية..
والاصول الشرعية تقسم كذلك الى اصول بحتة وتنزيلية
ومحرزة..
كما أنه يبحث في علم اصول الفقه عن القواعد التي تعتمد في
حالات التعارض والتنافي بين الادلة وما هي طرق
معالجة ذلك.. اذ ان عملية الاستنباط في الفقه الامامي لم
يطلق عنانها لكل احد وحسبما يشتهي.. بل قد تم تحديد
ابعادها بصورة دقيقة فانها تسير وفق قوانين مشخصة وطبقا
لمنهجية علمية واضحة المعالم معصومة عن النسبية الذاتية
وبعيدة عن الاضطراب والتشويش..
هذا، وتجدر الاشارة بان هناك بعض الشبهات التي قد تثار بهذا
الصدد نرغب في مناقشتها في اعداد لاحقة ان شاءالله تعالى.. (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب) ولا حول ولا قوة الا بالله آية الله السيد محسن الخرازي
القسم الاول يمكن التخلص من الربا بامور: الامر الاول - ضم الضميمة: قال في الجواهر: «لا خلاف بيننا في انه يجوز بيع درهم ودينار بدينارين ودرهمين، ويكون في الصحة بمنزلة ان يصرف كل واحد منهما الى غير جنسه وان لم يقصدا ذلك.
وكذا لو جعل بدل الدينار او الدرهم شيء من المتاع، وكذا مد
من تمر ودرهم بمدين او امداد ودرهمين او دراهم؛ اذ هووان
لم يكن في كل منهما جنس يخالف الاخر الا ان الزيادة تكون
في مقابل الجنس المخالف في احدهما، فهو في الصحة حينئذ
كذي الجنسين، ولا خلاف بيننا في الجميع، بل الاجماع
بقسميه عليه، بل المحكي منه مستفيض جدا ان لم يكن
متواترا»((1)). ويدل على ذلك طائفة من الاخبار، منها:
1 - صحيحة الحلبي عن ابي عبدالله(ع) قال: «لا باس بالف
درهم ودرهم بالف درهم ودينارين؛ اذا دخل فيها ديناران او
اقل او اكثر فلا باس به»((2)).
2 - صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: سالته عن الصرف
وقلت له: ان الرفقة ربما عجلت فلم نقدر على
الدمشقية والبصرية، وانما يجوز بنيسابور الدمشقية والبصرية
فبعثنا بالغلة((3)) فصرفوا الالف والخمسين منها بالف
من الدمشقية؟ فقال: «لا خير فيها؛ افلا تجعلون فيها ذهبا
لمكان زيادتها؟»، فقلت له: اشتري الالف درهم ودينارا
بالفي درهم؟ قال: «لا باس؛ ان ابي(ع) كان اجرا على اهل
المدينة مني، فكان يفعل هذا فيقولون: انما هو الفرار؛ ولو جاءرجل بدينار لم يعط
الف درهم، ولو جاء بالف درهم لم يعط الف دينار، وكان(ع) يقول: «نعم الشيء الفرار من الحرام
الى الحلال»((4)).
3 - صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج الاخرى عن ابي عبد
الله(ع) قال: «كان محمد بن المنكدر يقول لابي(ع): يا اباجعفر،
رحمك الله، والله انا لنعلم انك لو اخذت دينارا والصرف بثمانية
عشر فدرت المدينة على ان تجد من يعطيك عشرين ما وجدته!
وما هذا الا فرار، فكان ابي يقول: صدقت والله! ولكنه فرار من
باطل الى حق»((5))، بناء على ان المورد هو صورة الانضمام
كما يشعر به قوله: «وما هذا الا فرار»؛ اذ هو لا يفرض الا في
صورة انضمام الجنس المخالف مع الطرف الاقل.
4 - صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج الثالثة قال: سالته عن
رجل ياتي بالدراهم بمئة وخمسة حتى يراضيه على الذي يريد،
فاذا فرغ جعل مكان الدراهم الزيادة دينارا او ذهبا، ثم قال له:
قد راددتك((6)) البيع وانما ابايعك على هذا؛ لان الاول لا
يصلح، او لم يقل ذلك وجعل ذهبا مكان الدراهم؟ فقال(ع):
«اذا كان اجراء البيع على الحلال فلا باس بذلك...»((7)).
5 - موثقة اسماعيل بن جابر عن ابي جعفر(ع)، قال: سالته عن الرجل يجيء الى صيرفي
ومعه دراهم يطلب اجود منها،فيقاوله على دراهمه فيزيده كذا وكذا بشيء قد تراضيا عليه، ثم يعطيه
بعد بدراهمه دنانير، ثم يبيعه الدنانير بتلك الدراهم على ما
تقاولا عليه مرة؟ قال: «اليس ذلك برضا منهما جميعا؟»، قلت:
بلى، قال: «لا باس»((8)).
6 - خبر ابي بصير المروي في التهذيب عن الحسين بن سعيد،
عن القاسم ابن محمد، عن علي، عن ابي بصير، عن ابي عبد
الله(ع)، قال: سالته عن الدراهم بالدراهم وعن فضل ما بينهما؟
فقال: «اذا كان بينهما نحاس او ذهب فلاباس»((9)).
7 - ما رواه الشيخ(قدس سره) في التهذيب باسناده عن حسن
بن محمد بن سماعة عن جعفر رفعه الى معلى بن خنيس انه
قال لابي عبد الله(ع): اني اردت ان ابيع تبر ذهب بالمدينة فلم
يشتر مني الابالدنانير، فيصح لي ان اجعل بينهانحاسا؟ فقال:
«ان كنت لابد فاعلا فليكن نحاسا وزنا»((10)).
8 - ما رواه ايضا الشيخ(قدس سره) في التهذيب باسناده عن
الحسن بن محمد بن سماعة، عن محمد بن زياد، عن عبدالله
بن سنان، عن ابي عبد الله(ع)، قال: سالته عن شراء الذهب فيه
الفضة بالذهب؟ قال: «لا يصلح الا بالدنانيروالورق»((11)).
9 - ما رواه في الكافي عن عدة من اصحابنا، عن احمد بن
محمد، عن الحسين بن سعيد، عن عبد الله بن يحيى، عن
ابن مسكان، عن ابي عبد الله مولى عبد ربه قال: سالت ابا عبد
الله(ع) عن الجوهر الذي يخرج من المعدن وفيه ذهب
وفضة وصفر جميعا كيف نشتريه؟ فقال: «تشتريه بالذهب
والفضة جميعا»((12)). هل ينصرف كل جنس الى ما يخالفه او لا؟ ثم لا يخفى عليك ان المحكي عن غير واحد من الاصحاب هو ان الظاهر من الاخبار المذكورة انصراف كل جنس الى مخالفه، وذهبوا الى ان مقتضاه حينئذ هو الصحة فيما لو باع مد تمر ودرهما بمدين او بدرهمين او بمدين ودرهمين ثم تلف الدرهم او المد قبل قبضه، فيصح البيع في الاول بمداو درهم وفي الاخير بمد ين او درهمين؛ لانفساخ البيع شرعافيما يقابل الزيادة او الجنس المخالف وان لم يكن هو مقتضى المقابلة عرفا.
ويدل عليه قوله(ع) في صحيحة عبد الرحمان الاولى: «افلا
تجعلون فيها ذهبا لمكان زيادتها؟»؛ لظهوره في ان الذهب في
مقابل الزيادة.
ويدل عليه ايضا قوله(ع) في صحيحة عبد الرحمان الثالثة:
«فاذا فرغ جعل مكان الدراهم الزيادة دينارا او ذهبا»،
بل المنساق من قوله(ع) في موثقة عبد الله بن سنان في شراء
الذهب فيه الفضة بالذهب: «لا يصلح الا بالدنانير والورق»
هوجعل الدينار في مقابل الفضة والفضة في مقابل الذهب.
هذا، ولكن اورد عليه في الجواهر بان «دعوى ظهور الادلة في
الانصراف على الوجه المزبور محل نظر او منع، ان ماالمسلم
منها بالنسبة الى حكم الربا؛ بمعنى انه لا يتحقق ويكون كما لو
خصت الزيادة او الجنس المخالف في عدم جريان الربا، لا ان
المراد جريان سائر الاحكام على ذلك حتى لو كانا مثلا لمالكين
اختص كل واحد منهما بما يخالفه وان لم يكن مقابلا لماله،
وكذا بالنسبة الى حكم الصرف؛ فلو بيع مثلا فضة ونحاس
بفضة ونحاس لم يجب التقابض في المجلس؛ للانصراف
المزبور.. الى غير ذلك من الاحكام التي يصعب التزامها مع عدم
ظهور الادلة فيها، بل في نصوص الصرف الاتية ما يشهد
بخلافها، مضافا الى مخالفتها للقواعد المحكمة خصوصا الالتزام
بثمن لم يكن مقصودا انه ثمن على كل حال، بل لعل المقصود
خلافه»((13)). هل ان الحكم على مقتضى القواعد ام لا؟ ثم عدل المحقق النجفي عن كونه امرا تعبديا وذهب الى كونه مقتضى القاعدة حيث قال: «بل ظاهر النصوص السابقة -كبعض العبارات - ان الضميمة على الوجه المزبور من الجانبين او من جانب واحد من الحيل الشرعية للتخلص من الرباجارية على مقتضى الضوابط؛ ليس فيها اثر للتعبد اصلا، وانما نبه الشارع عليها تنبيها، والا فمبناها انه بذلك يخرج عن صدق بيع المتجانسين متفاضلا؛ وذلك لان اجزاء الثمن مقابلة باجزاء المثمن على الاشاعة، فلا تفاضل حينئذ في الجنس الواحد في عقد البيع؛ لانضمام جنس آخر معه. فقول الاصحاب بانصراف كل جنس الى مخالفه او الزيادة اليه يراد به ما ذكرنا، لا ان ذلك حكم شرعي تعبدي؛ اذ عليه لا تكون حيلة كما هو واضح، فلا ريب حينئذ في بطلان القول بالصحة في الفرض على هذا الوجه (اي على تقدير مقابلة اجزاء الثمن باجزاء المثمن على الاشاعة).
ومن هنا احتمل غير واحد البطلان في مفروض المسالة اذا
حصل الربا بعد اسقاط ما يقابل التلف بالنسبة، كما لو باع
مداودرهما بمدين ودرهمين مثلا وتلف الدرهم المفروض انه
نصف المبيع لكون قيمة المد درهما، بطل البيع في
نصف الثمن ويبقى النصف الاخر، وحيث كان منزلا على
الاشاعة كان النصف في كل من الجنسين، فيكون نصف
المدين ونصف الدرهمين في مقابل المد، فيلزم الزيادة الموجبة
للبطلان.
مع امكان منع تحقق الربا لهذه الزيادة التي لم يبن العقد عليها
وانما حصلت بالتقسيط، والا لاتجه البطلان من اول الامر،مع
ان الامامية على خلافه، في مقابل ما حكي عن الشافعي من
البطلان في كل ما اقتضى التقسيط فيه الزيادة.
ورد: بان المعلوم من ادلة الربا حرمة الزيادة في نفس العقد لا
ما اذا كانت بمقتضى التقسيط في العقد الذي قد وقع المقابلة
فيه بالمجموع، وهو بعينه جار فيما نحن فيه؛ ضرورة ان
الزيادة المفروضة انما كانت بحسب التقسيط الذي احتيج اليه
لمكان التلف، والا فالعقد لا زيادة فيه، فصحته
مستصحبة»((14)).
وأورد عليه السيد المحقق اليزدي(قدس سره) بقوله بان «ما
قد يقال من ان الخروج عن الربا بضم الضميمة من الطرفين او
في احدهما ليس من باب التعبد، بل هو بمقتضى القاعدة وان
الشارع نبه عليه تنبيها؛ وذلك لان المجموع في
مقابل المجموع، فكانهما جنسان، فلا يصدق التفاضل في جنس
واحد، او لان اجزاء الثمن مقابلة اجزاء المثمن على الاشاعة،فلا
تفاضل في الجنس الواحد؛ لانضمام جزء آخر معه.
ففيه ما لا يخفى؛ فان في ضمن المجموع يلزم التفاضل في
جنس واحد، مثلا اذا باع مدا ودرهما بمدين ودرهمين يكون
في مقابل كل من الدرهم والمد ازيد من مقداره من جنسه،
وكذا اذا باع درهما ومدا بدرهمين او بمدين وكان المدبنصف
درهم قيمة فان المقابل للدرهم ثلثان من الدرهمين، ولو كان
المد بدرهمين قيمة يكون المقابل له ثلثي المدين.
وايضا لزمه فيما اذا باع درهما بدرهم ومدين الا يكون ربا، مع
انه لا يمكن الالتزام به»((15)).
ولعل المقصود من الفرض الاخير هو بيع المد والدرهم بدرهم
ومدين، فبناء على كون المد بدرهمين قيمة يكون المبيع ثلاثة
دراهم قيمة، فاذا فرض ان الثمن هو الدرهم الواحد والمدان
اللذان بقيمة الدرهمين لزم عدم تحقق الربا في مثل هذه
الحالة؛ لان الثلاثة تقع في مقابل الثلاثة حينئذ.
ولا يخفى الاشكال في قوله: «وكذا اذا باع...» وما بعده؛ فان
المعاملة تقع بين نفس المد لا قيمة المد. اللهم الا ان يقال:ان
المقصود من ذكر القيمة هو تحديد المقدار المقابل من كل
جنس في مقابل جنس آخر. فتحصل من مجموع ما ذكرناه: ان العدول عن ظاهر النصوص في التعبدية لا وجه له، مضافا الى ان جعل اجزاء الثمن في مقابل اجزاء المثمن لا يوجب التخل ص من الربا؛ لما عرفت من ان في ضمن المجموع يلزم التفاضل في جنس واحد،كما اوضحه السيد المحقق اليزدي(قدس سره). اللهم الا ان يقال: ان المقصود هو مقابلة المجموع بما هو مجموع، وهومغاير للمقابل ولو كان من جنس بعض المجموع، ولا يضر التفاضل الضمني مع مغايرة المجموع بما هو مجموع للمقابل، فتامل.
نعم، لا وجه لرفع اليد عما ذكر في الروايات من وقوع كل
جنس قبال مخالفه تعبدا، ولكن هذا الامر التعبدي يختص بباب
الربا والفرار منه، ولا يتعدى منه الى سائر الابواب والاحكام، فاذا
كان الذهب والفضة في الطرفين كان اللازم هوقبضهما في
المجلس؛ لان المعاملة من معاملة الصرف.
ولا يسقط وجوب التقابض بضميمة غيرهما من الاجناس وان
انصرف التعبد الى وقوع كل جنس في مقابل مخالفه؛ فان ذلك
مخصوص بباب الربا لا غير، وكذا لو كانا لمالكين لا يكون لكل
منهما ما يخالف جنسه بل على حسب الحكم العرفي.
هذا، ولكن استشكل فيه المحقق الخنساري(قدس سره) حيث
قال: «يمكن ان يقال: الظاهر ان نفس المعاملة مع قطع النظر
عن حكم الشارع كان فرارا من الربا بنظر اهل المدينة، فاجيبوا -
على ما في الخبر -: «نعم الشيء الفرار...»، فكانهم توجهوا الى انه
في غير هذا المقصد لا يقدم احد على هذه المعاملة، فاقدامه
هنا يكون بقصد الفرار، فاجيبوا بانه: لاباس، فهذا نظير تزويج
الرئيس احدى بناته خادمه لحصول المحرمية مع اهل بيته؛
حيث انه لولا هذه الجهة ما كان يقدم على هذا التزويج، فهذا
حيلة ولا باس به، ولولا هذا لكانت المعاملة ربوية غاية الامر
حكم الشارع بانه لا باس من باب الاستثناء كجواز الربا بين الوالد
والولد، فهذا التخلص نظير التخلص بنحو آخر ذكر في المتن
من بيع سلعته من صاحبه واشتراء الاخرى بذلك الثمن؛ حيث
انه فرار من الربا بحيث لولا قصد الفرار لما اقدم عليه، لكن
تحقق القصدالى البيع والاشتراء، ويكون مطابقا للقواعد، وقد
حصل من قبل الشارع الاذن في الفرار من الحرام الى الحلال.
وعلى هذا فيشكل ما ذكر من انه خلاف قصد المتعاقدين
وخلاف العرف، فاذا كانا لمالكين لا يكون لكل منهما مايخالف
جنسه، ولا يخرج عن حكم الصرف من جهة انه على ما ذكر ما
خرج عن الربا»((16)).
ولا يخفى عليك ان المستفاد من صحيحة عبد الرحمان بن
الحجاج ان اهل المدينة كانوا يقولون - بالنسبة الى ما
ذكره الامام(ع) من التخلص -: ان هذا هو الفرار ولم يتعلق به
القصد، ولذا مثلوا بانه لو جاء رجل بدينار لم يعط الف درهم،ولو
جاء بالف درهم لم يعط الف دينار، ومرادهم مما ذكروا هو
الاعتراض على الامام(ع) بان التخلص المذكور فرار من حكم
الله في الربا بما لا يكون مقصودا في العرف، فاجاب الامام عن
اعتراضهم بان الفرار المذكور هو فرار من الحرام الى الحلال لا
فرار من حكم الله، وحيث ان المقصد هو الفرار المطلوب فانه
يتحقق القصد الى المعاملة المذكورة التي توجب الخروج عن
الربا، وعليه فما ذكره في جامع المدارك محل تامل بل منع. احكام الضميمة: ثم ان الضميمة تكون مؤثرة تعبدا في رفع الربا اذا لم تكن للغير، واما اذا ظهرت مستحقة للغير ولم يجز فينكشف ان المعاملة من اول الامر لا ضميمة فيها، ومع عدم الضميمة لا وجه للتعبد في انصراف كل جنس الى مخالفه بل تقع المعاملة على مقتضى القاعدة، فتقع اجزاء الثمن مقابلة لاجزاء المثمن، وذلك ربما يوجب الربا.
اللهم الا ان يقال: ان وقوع المجموع بما هو مجموع في مقابل
الثمن ولو في مرحلة الانشاء يكفي في خروجه عن موردالربا،
فتامل؛ اذ بعد ظهور استحقاق الضميمة ينكشف عدم كون
المعاملة بين المجموع بما هو مجموع مع مقابله، فلامورد
للتعبد ولا للاخذ بالقاعدة، فاذا باع درهما ومدا من تمر قيمته
درهم بدرهمين ومدين، فظهر ان المد من التمرمستحق
للغير، وقع نصف الدرهمين ونصف المدين في مقابل الدرهم،
وحيث ان نصف الدرهمين هو درهم ونصف المدين هو مد فانه
يقع في مقابل الدرهم درهم ومد، وهو زيادة؛ فكانت المعاملة
ربوية.
وهذا بخلاف ما اذا باع درهما ومدا بدرهمين مع كون قيمة
المد مساوية للدرهم؛ فانه بعد ظهور الاستحقاق يقع في مقابل
الدرهم درهم من الدرهمين، ولا ربا فيه.
ولذلك قال السيد المحقق اليزدي(قدس سره) بانه: اذا ظهرت
الضميمة مستحقة للغير ولم يجز، فان كان التقسيط مستلزما
للربا كالمثال الاول بطل؛ للربا، بل يكشف عن كونه باطلا من
الاول. وان لم يكن التقسيط موجبا للربا - كالمثال الثاني - فالبيع
بالنسبة الى الدرهم صحيح؛ لانه في قبال درهم((17)).
ولو وقعت المعاملة مع الضميمة ولكن تلفت قبل القبض وكان
التقسيط مستلزما للربا؛ فان قلنا بان التلف يوجب الانفساخ من
او ل الامر فالكلام فيه هو الكلام المذكور في صورة ظهور
الاستحقاق للغير من بطلان المعاملة.
وان قلنا بان التلف يوجب الانفساخ من حين التلف - كما هو
الظاهر من الادلة؛ كقوله(ع): «كل مبيع تلف قبل قبضه
فهومن مال بائعه» - فالعقد وقع صحيحا من الاول؛ لوجود
الضميمة حال وقوع المعاملة، ولا يضره حصول الزيادة
بالتقسيط المبتني على القاعدة بناء على اختصاص الانصراف
التعبدي بباب الربا كما عرفت؛ فان المتيقن من الادلة حرمة
الزيادة في نفس العقد لا المتجددة بعده، كما اختاره صاحب
الجواهر والسيد المحقق اليزدي في الملحقات.
ودعوى منع حصول الزيادة؛ لان الباقي يكون في قبال ما
يخالفه على ما مر من ان كل جنس ينصرف الى ما يخالفه،
كمامال اليه المحقق والشهيد الثانيان على ما حكي.
مندفعة بما مر من ان الانصراف التعبدي مخصوص بباب الربا،
ولا يجري بالنسبة الى سائر الاحكام التي منها حكم التقسيط.
وعليه، فمع تلف الدرهم - فيما اذا باع مدا ودرهما بمدين
ودرهمين وتساوت قيمة المد مع الدرهم - يستحق البائع نصف
كل من الدرهمين والمدين - وهو درهم ومد - في مقابل مده؛
لانه مقتضى القاعدة من وقوع اجزاء الثمن في مقابل اجزاء
المثمن على الاشاعة بحسب قيمتها، وحيث يكون المدمساويا
للدرهم في القيمة فان ه يقع في مقابل كل من المد والدرهم
نصف المدين ونصف الدرهمين، فمع تلف الدرهم يقع في
مقابل المد نصف المدين - وهو مد -ونصف الدرهمين وهو درهم،
ويضمن في مقابل الدرهم نصف المدين - وهو مد - ونصف
الدرهمين وهو درهم.
ومما ذكر يظهر انه لا ملزم على اعتبار التقسيط على وجه لا
يستلزم الربا صيانة للعقد من الفساد مهما امكن؛ بان يجعل -
فيما اذا باع مدا ودرهما بمدين ودرهمين وتلف الدرهم - نصف
الدرهم التالف في مقابل مثله من الثمن، ونصفه الاخر في
مقابل مد ونصف من المدين اللذين في الثمن، فيكون نصف
المد في المبيع في مقابل نصف المد والنصف الاخر في مقابل
درهم ونصف من الدرهم في الثمن، وحينئذ فيكون المد في
مقابل ما يساوي درهمين من الجنس معا؛اذ نصف المد ودرهم
ونصف منه في الثمن جمعا يساوي درهمين ولا يلزم منه الربا.
وذلك لما عرفت من ان المتيقن من الادلة هو حرمة الزيادة
في نفس العقد لا المتجددة بعده، والمفروض ان العقد
وقع صحيحا من الاول؛ لان كل جنس ينصرف الى مخالفه
تعبدا، والزيادة المتجددة غير مضرة بالنسبة الى صحة
المعاملة،والتقسيطيلاحظ بحسب القاعدة من وقوع اجزاء
الثمن مقابل اجزاء المثمن.
هذا، مضافا الى ما افاده في الملحقات من ان التقسيط المذكور
خلاف قصد المتعاقدين وخلاف مقتضى المقابلة، والمشتري
يستحق بعد تلف الدرهم نصف كل من الدرهمين والمدين وهو
درهم ومد، فلا وجه لالزامه باخذ نصف مدودرهم ونصف، واذا
كانا سواء بحسب القيمة فيحتاج الى تراضيهما على ذلك او
على احد الوجوه الاخر، بل فلا يتم مع عدم رضاهما، ولا وجه
لاحتمال الرجوع الى القرعة او تخيير الحاكم او البائع او
المشتري، بل مع التراضي ايضا مشكل ومحتاج الى معاملة
جديدة((18)).
والوجه في اعتبار التراضي واضح؛ لان غير ما تقتضيه القاعدة
على الانفساخ محتاج الى التراضي، بل يحتاج الى معاملة
جديدة؛ اذ الانتقال لا يتحقق بدون المعاملة، فاذا عرفت
مقتضى القاعدة فليست ثمة مشكلة حتى يحتاج في رفعها الى
قاعدة القرعة، كما لا وجه لتخيير الحاكم او البائع او المشتري،
فتدبر جيدا. الامر الثاني - ان يبيع احد المتبايعين سلعته من صاحبه بجنس غير جنسها، ثم يشتري من الاخر سلعته بالثمن الذي باع به سلعته:
وحينئذ يسقط اعتبار المساواة؛ ضرورة عدم بيع كل منهما
بالاخر حتى يشترط ذلك تخلصا من الربا، فلو باع مثلا وزنة من
الحنطة بعشرة دراهم ثم اشترى وزنتين بذلك صح، كما ذهب
اليه في الجواهر((19))، وهذا هو المشهور.
ويدل عليه - مضافا الى العمومات المجوزة - روايات، منها:
وفي قبالها عدة روايات، منها: 2 - ورواية الفقيه عن القاسم بن محمد عن عبد الصمد بن بشير قال: ساله محمد بن قاسم الحناط فقال: اصلحك الله،ابيع الطعام من رجل الى اجل فيجيؤني وقد تغير الطعام من سعره فيقول: ليس عندي دراهم؟ قال: «خذ منه بسعر يومه»،قال: افهم، اصلحك الله، انه طعامي الذي اشتراه مني، قال: «لا تاخذ منه حتى يبيعه ويعطيك»، قال: ارغم الله انفي،رخص لي فرددت عليه فشدد علي!((22))
وفيه:
ولعله لتلك الامور حكى الشيخ((23)) الاعظم عن بعض ردها
بعدم الدلالة بوجه من الوجوه.
3 - وصحيحة محمد بن قيس عن ابي جعفر(ع) قال: «قال امير
المؤمنين(ع): من اشترى طعاما او علفا الى اجل فلم
يجدصاحبه وليس شرطه الا الورق؛ فان قال: خذ مني بسعر
اليوم ورقا فلا ياخذ الاشرطه طعامه او علفه، فان لم يجد
شرطه واخذ ورقا لا محالة قبل ان ياخذ شرطه فلا ياخذ الا راس
ماله؛ لا تظلمون ولا تظلمون»((24))، بناء على ظهور
قوله:«خذ مني بسعر اليوم ورقا» في المعاملة لا الرجوع
والفسخ؛ والا فهو اجنبي عن المقام.
4 - وصحيحته الاخرى عن ابي جعفر(ع) قال: «قال امير
المؤمنين(ع) في رجل اعط ى رجلا ورقا في وصيف الى
اجل مسمى، فقال له صاحبه: لا نجد لك وصيفا؛ خذ مني قيمة
وصيفك اليوم ورقا - قال: - فقال: لا ياخذ الا وصيفه او ورقه الذي
اعطاه اول مرة، لا يزداد عليه شيئا»((25))، بناء على ظهور
قوله: «خذ مني قيمة وصيفك اليوم ورقا» في المعاملة والبيع لا
الفسخ والرجوع، والا فقد عرفت انه لا يرتبط بالمقام.
5 - وصحيحة الحلبي عن ابي عبد الله(ع)، قال: سئل عن الرجل
يسلم في الغنم ثنيان وجذعان وغير ذلك الى اجل مسمى؟
قال: «لا باس ان لم يقدر الذي عليه الغنم على جميع ما عليه
ان ياخذ صاحب الغنم نصفها او ثلثها او ثلثيها وياخذ رأس مال ما
بقي من الغنم دراهم وياخذون دون شروطهم ولا ياخذون فوق
شرطهم، والاكسية ايضا مثل الحنطة والشعير والزعفران
والغنم»((26)).
الى غير ذلك من الاخبار.
ويحتمل فيها ان المراد هو الفسخ بمقدار لم يقدر على تحويله،
ولو تمت دلالة هذه الاخبار امكن حملها على الكراهة؛جمعا
بينها وبين ما تقدم من نفي الباس في مفروض المسالة كما
ذهب اليه المشهور. القول بالمنع ومناقشته: ولكن ذهب الشيخ الطوسي(قدس سره) الى المنع، واستدل له بما رواه في التهذيب عن محمد بن يحيى، عن بنان بن محمد، عن موسى بن القاسم، عن علي بن جعفر قال: سالته عن رجل له على آخر تمر او شعير او حنطة، اياخذ بقيمته دراهم؟ قال: «اذا قومه دراهم فسد؛ لان الاصل الذي يشتري به دراهم، فلا يصلح دراهم بدراهم».
قال الشيخ الطوسي في ذيل الرواية: «الذي افتي به ما تضمنه
هذا الخبر؛ من انه اذا كان الذي اسلف فيه دراهم لم يجز له ان
يبيع عليه بدراهم؛ لانه يكون قد باع دراهم بدراهم، وربما كان
فيه زيادة او نقصان وذلك ربا»((27)).
قال الشيخ الاعظم الانصاري(قدس سره): «الظاهر ان
الشيخ(قدس سره) جرى في ذلك على قاعدة كلية تظهر من
بعض الاخبار (اي خبر علي بن جعفر) من ان عوض الشيء الربوي لا يجوز ان يعوض بذلك
الشيء بزيادة، وان عوض
العوض بمنزلة العوض؛ فاذا اشترى طعاما بدراهم لا يجوز ان
ياخذ بدل الطعام دراهم بزيادة، وكذلك اذا باع طعاما بدراهم
لايجوز له ان ياخذ عوض الدراهم طعاما، وعول في ذلك على
التعليل المصرح به في رواية علي بن جعفر عن
اخيه(ع) المعتضد ببعض الاخبار المانعة عن بعض افراد هذه
القاعدة هنا (في النسيئة) وفي باب السلم - الى ان قال: -
فمدارفتوى الشيخ(قدس سره) على ما عرفت من ظهور بعض
الاخبار، بل صراحته فيه من ان عوض العوض في حكم
العوض في عدم جواز التفاضل مع اتحاد الجنس الربوي، فلا
فرق بين اشتراء نفس ما باعه منه وبين اشتراء مجانسه منه، ولا
فرق ايضا بين اشترائه قبل حلول الاجل او بعده كما اطلقه في
الحدائق - الى ان قال: - وظهر ايضا مما ذكرنا ان الحكم مختص
في كلام الشيخ بالجنس الربوي لا مطلق المشاع ولا خصوص
الطعام»((28)).
وكيف كان فيمكن الجواب عما ذكره الشيخ(قدس سره): واما الجواب عن الاخبار العاضدة لخبر علي بن جعفر فبما عرفت من انها على تقدير تماميتها معارضة بجملة من الاخبار الدالة على الجواز، فتحمل على الكراهة، منها:
1 - موثقة ابان بن عثمان عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله(ع)
في الرجل يسلم الدراهم في الطعام الى اجل، فيحل الطعام
فيقول: ليس عندي طعام، ولكن انظر ما قيمته فخذ مني
ثمنه؟ فقال: «لا باس بذلك»((30)).
2 - موثقة يعقوب بن شعيب قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن رجل
باع طعاما بدراهم، فلما بلغ ذلك الاجل تقاضاه، فقال:ليس
عندي دراهم؛ خذ مني طعاما؟ قال: «لا باس؛ انما له دراهمه
ياخذ بها ما شاء»((32)).
3 - موثقة اسماعيل بن جابر عن ابي جعفر(ع)، قال: سالته عن الرجل يجيء الى صيرفي
ومعه دراهم يطلب اجود منها،فيقاوله على دراهمه فيزيده كذا وكذا بشيء قد تراضيا عليه، ثم يعطيه
بعد بدراهمه دنانير، ثم يبيعه الدنانير بتلك الدراهم على ما
تقاولا عليه مرة؟ قال: «اليس ذلك برضا منهما جميعا؟» قلت:
بلى، قال: «لا باس»((34)). حكم اشتراط البيع الثاني في الاول: ثم انه لا فرق فيما ذكر بين ان يشترط البيع الثاني في البيع الاول، وبين الا يشترط؛ وذلك لما في الجواهر من وجودالمقتضي وعدم دليل على المنع. نعم حكى وجوها عن بعض للمانعية ولكنها لم تكن تامة، والاستناد الى حديث الحسين بن المنذر محل منع؛ لضعف الرواية((36)).
ولكن المشهور ذهبوا الى الفرق، ولعلهم اكتفوا في ذلك
بروايات العينة، فتامل. الامر الثالث - ان يهب كل من المتبايعين جنسه للاخر، لكن من غير قصد المعاوضة بين الهبتين واشتراط الهبة في الهبة،والا فتشمله عمومات الربا بناء على عدم اختصاصها بالبيع وشمولها لسائر المعاوضات. الامر الرابع - ان يقرض كل منهما صاحبه ثم يتبارئا مع عدم الشرط؛ اذ مع الشرط تشمله ادلة حرمة الربا القرضي؛ كماورد في رواية خالد بن الحجاج قال: سالته عن الرجل كانت لي عليه مئة درهم عددا قضانيها مئة وزنا؟ قال: «لا باس ما لم يشترط». قال: وقال: «جاء الربا من قبل الشروط؛ انما يفسده الشروط»((37)). وغيرها من الاخبار. الامر الخامس - ان يتبايعا بقصد كون المثل بالمثل وكون الزائد هبة في صورة وقوع معاملتين احداهما البيع وثانيتهماهي الهبة، اذ لا زيادة حينئذ في بيع المتجانسين. نعم، لو اشترط في البيع هبة الزائد كان القول بالحرمة متجها؛ ضرورة حصول الزيادة العينية باشتراط هبة الزيادة؛ لماذهب اليه المشهور من تحقق الربا باشتراط الزيادة العينية، ولذا قيد المحقق في الشرائع صحة التخلص في المقام بعدم الشرط في العقد. الامر السادس - ان يتصالح صاحب مقدار الزيادة مع الاخر ويشترط عليه ان يبيعه كذا بكذا مثلا بمثل، هذا في البيع،وفي القرض ان يتصالح المقترض مع المقرض قبل القرض على المقدار الذي يريد ان ياخذه منه بعوض جزئي او بلاعوض، ويشترط في ضمن هذه المصالحة ان يقرضه مبلغ كذا ويصبر عليه الى كذا مدة.
واذا كان الدين سابقا وحل اجله ويريد ان يؤجله الى مدة يجوز
ان يصالحه بمقدار ويشترط عليه ان يؤجله الى
تلك المدة((38))؛ وذلك لانه مركب من الصلح على الزيادة
والبيع، او الصلح واشتراط الاذن في تاخير اداء ما عليه، ولايكون
نفس البيع او القرض مشتملا على الزيادة حتى يستلزم الربا.
ويكون من هذا الباب ما يكون رائجا في زماننا هذا من الاجارة
مع اشتراط القرض في ضمن عقد الاجارة؛ اذ لا زيادة في نفس
القرض، بخلاف ما اذا عكس الامر بان اقرض المستاجر مبلغا
لشخص لكي يؤجره الدار او الدكان؛ فان القرض حينئذ يشترط
فيه نفع، فتشمله الادلة الناهية عن الاشتراط في القرض. المناقشة في اشتراط القرض: واورد عليه: بان شرط القرض في ضمن عقد الصلح او في ضمن عقد الاجارة لا يخلو من اشكال.
ووجه الاشكال: ان الوفاء بالشرط
يوجب لزوم عقد الاجارة، وهو
نفع عائد للمقرض، فيصير القرض بذلك مما يجرالنفع،
فتشمله الادلة الدالة على حرمة القرض الذي يجر نفعا.
ويمكن الجواب عنه: بان الممنوع هو شرط الزيادة والنفع، وفي
المقام لا يشترط النفع والزيادة لمن اعط ى القرض، بل يترتب
عليه لزوم المعاملة بالوفاء بالشرط.
هذا، مضافا الى امكان منع شمول الادلة الدالة على المنع عن
الشروط في القرض لمثل ذلك، ولا اقل من الشك، فيرجع الى
عموم ادل ة الجواز.
اللهم الا ان يقال: يصدق القرض الذي يجر نفعا على القرض
المذكور بالنسبة الى المقرض، فيكون مشمولا للادلة
الناهية عن القرض الموجب للنفع وان لم يشترط في القرض
النفع، ولكن الانصاف انه محل تامل بل منع؛ لعدم ثبوت
الحرمة الا فيما اذا صدق الشرط، ومجرد انجرار النفع من دون
اشتراط لا دليل على حرمته، فتدبر جيدا. قال شيخنا الاستاذ الاراكي(قدس سره): «وقد اصر الاستاذ في ادراجه بحسب الشرط المذكور في الاخبار ببيان: ان الشرط ليس المراد به معناه المتعارف الان في الالسنة، بل المراد في عرفهم مطلق الالتزام والتعهد ولو لم يكن بلفظ الشرط بل كان بلفظ البيع، وحينئذ نقول في القرض جاء التزام المقترض بدفع الزيادة من قبل امرين:
احدهما: البيع (او الاجارة) والثاني: عمل المقرض بشرطه من الاقراض؛ فانه لو لم يف
به لم يكن المقترض ملتزما؛ لتمكنه من الفسخ بخيار تخلف الشرط، لكن بعد الوفاء يبقى
بلا اختيار وملزما بدفع الزيادة، فيصدق على هذه الزيادة انها زيادة اعطيت بواسطة
منشئية القرض لها في حال كونها ملتزما بها لا محيص للفرار عنها. وان شئت قلت: الزيادة المشترطة في عقد القرض نفسه زيادة اوجبها القرض بواسطة حكم الشارع: (المؤمنون عندشروطهم)، والزيادة المشترطة على هذا الوجه زيادة اوجبها القرض ايضا بواسطة حكم الشارع: (اوفوا بالعقود). |