هذا محصل ما ذكره، ولي فيه نظر؛ اذ غاية ما يستفاد من الاخبار ان الزيادة التي تدفع بعنوان الخروج عن عهدة القرض وما يتعلق به من الشرط المشترط في ضمنه محرمة، والزيادة هنا ليست كذلك؛ لانها بعنوان الوفاء بعقد البيع (اوالاجارة) ولا مساس له بالقرض وما يتعلق به؛ فان القرض من متعلقات البيع (او الاجارة) فالوفاء به وفاء بالبيع (اوالاجارة) لا العكس.

هذا، لكن قد يستانس لما ذكره بذيل خبر محمد بن يعقوب - عن محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد، عن علي بن حديد، عن محمد بن اسحاق بن عمار قال: قلت لابي الحسن(ع): ان سلسبيل (سلسيل) طلبت مني مئة الف درهم على ان تربحني عشرة آلاف، فاقرضها تسعين الفا وابيعها ثوبا وشيا تقوم علي بالف درهم بعشرة آلاف درهم؟ قال: «لاباس». قال الكليني: وفي رواية اخرى: «لا باس به، اعطها مئة الف وبعها الثوب بعشرة آلاف، واكتب عليها كتابين»((39))- وهو قوله: «واكتب عليها كتابين»، فتامل»((40)).

ووجه الاستئناس هو التعبير بالكتابين؛ فانه مشعر بان الجواز فيما اذا كانت المعاملتان منفصلتين ولا ارتباط بينهما، فلايجوز اشتراط احداهما في الاخرى.

ولكن الخبر ضعيف؛ لعدم توثيق علي بن حديد. هذا مضافا الى كون الرواية الاخرى التي اشار اليها الكليني مرسلة،على انها معارضة بسائر الروايات.

ادلة الصحة:
وكيف كان، فيدل على صحة هذه المعاملات المذكورة - مضافا الى عمومات ادلة نفوذ المعاملات - اخبار متعددة،
منها:

1 - صحيحة محمد بن اسحاق بن عمار قال: قلت لابي الحسن(ع): يكون لي على الرجل دراهم، فيقول لي: اخرني بهاوانا اربحك، فابيعه جبة تقوم علي بالف درهم بعشرة آلاف درهم - او قال: بعشرين الفا - واؤخره بالمال؟ قال: «لاباس»((41)).
وظاهرها اشتراط التاخير في اداء المال في البيع المذكور؛ لظهور الواو في قوله: «واؤخره» في الحالية.

2 - خبر عبد الملك بن عتبة المروي في الكافي عن محمد بن يحيى، عن احمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبد الملك بن عتبة مضمرا، قال: سالته عن الرجل اريد ان اعينه المال و (او) يكون لي عليه مال قبل ذلك، فيطلب مني مالا ازيده على مالي الذي لي عليه، ايستقيم ان ازيده مالا وابيعه لؤلؤة تساوي مئة درهم بالف درهم فاقول: ابيعك هذه اللؤلؤة بالف درهم على ان اؤخرك بثمنها وبما لي عليك كذا وكذا شهرا؟ قال: «لا باس»((42)).
وظاهر قوله: «على ان اؤخرك» هو الاشتراط، والطريق ضعيف؛ لاشتراك عبد الملك بين الصيرفي الثقة واللهبي غيرالثقة، هذا مضافا الى اعتضاد كونه اللهبي برواية علي بن الحكم عنه؛ فانه يروي عن عبد الملك اللهبي.

3 - ما رواه في الكافي عن علي بن ابراهيم، عن ابيه، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن ابي عبد الله(ع)،قال: سئل [عن] رجل له مال على رجل من قبل عينة عينها اياه، فلما حل عليه المال لم يكن عنده ما يعطيه، فاراد ان يقلب عليه ويربح، ايبيعه لؤلؤا و (او) غير ذلك ما يسوى مئة درهم بالف درهم ويؤخره؟ قال: «لا باس بذلك؛ قد فعل ذلك ابي - رضي الله عنه - وامرني ان افعل ذلك في شيء كان عليه»((43)).
ربما يقال: ان الخبر ضعيف لعدم توثيق مسعدة بن صدقة، ولكن المحكي عن السيد المحقق البروجردي(قدس سره)انه متحد مع مسعدة بن زياد، وهو ثقة، واستدل له بوحدة مضمون عشر روايات مروية عن كليهما بحيث ان من تامل فيها يعلم باتحادهما.
ويؤيد الاتحاد ان المروي في الكافي هكذا: «عن مسعدة بن صدقة عن زياد»، فان الصحيح هو مسعدة بن صدقة بن زياد،فوقع السهو وجعل كلمة «عن» مكان كلمة «بن»، وهو قرينة على ان زيادا جده وحذف الاب واسند الحفيد الى الجد كماهو شائع، فتامل.

4 - ما رواه الشيخ باسناده عن محمد بن احمد بن يحيى، عن ابراهيم بن اسحاق، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن ابيه، عن رجل كتب الى العبد الصالح يساله: اني اعامل قوما ابيعهم الدقيق؛ اربح عليهم في القفيز درهمين الى اجل معلوم، وانهم سالوني ان اعطيهم عن نصف الدقيق دراهم، فهل لي من حيلة لا ادخل في الحرام؟ فكتب(ع) اليه:«اقرضهم الدراهم قرضا، وازدد عليهم في نصف القفيز بقدر ما كنت تربح عليهم»((44)).
والخبر ضعيف؛ لجهالة محمد بن سليمان الديلمي، ولكونه مرسلا.

5 - صحيحة ابي الصباح الكناني قال: سالت ابا عبد الله(ع) عن الرجل يقول للصائغ: صغ هذا الخاتم وابدل لك درهماطازجيا بدرهم غلة؟ قال: «لا باس»((45))، بناء على ان المراد منها هو ان تقع الصياغة في مقابل زيادة الدرهم الطازجي واشترط في ضمن هذه الاجارة تبديل الدرهم الغلة (اي المغشوش) باصل الدرهم الطازجي. واما جعل عوض الصياغة هو تبديل الطازجي بالغلة مع اشتمال الطازجي على الزيادة فهو باطل؛ لان العوض المذكور يكون ربا محضا.
فالمستفاد من مجموع هذه الروايات ان المصالحة على الزيادة او بيعها او الاجارة المحاباتية فيها بحيث لا تقع الزيادة في بيع المتماثل او القرض توجب التخلص من الربا، فتدبر جيدا.

حكم البيع المحاباتي مع الاشتراط:
ومما ذكر يظهر ايضا حكم البيع المحاباتي مع اشتراط الامهال في مدة القرض او مع اشتراط القرض في ضمن البيع المحاباتي، ولكن استشكل فيه الحاج الشيخ المحقق الحائري(قدس سره) حيث قال: «هذا داخل في عنوان القرض الذي جر النفع بتوسط الاشتراط؛ اذ كما ان الاشتراط في ضمن القرض يوجب صدق العنوان المذكور كذلك في ضمن عقد آخر، فيقال: فعل القرض الخارجي بواسطة الاشتراط في ضمن ذلك البيع المحاباتي مع نفس ذلك البيع اوجبا نفعاللمقرض وهو حصول ملكية عشرة توامين، غاية الامر اصل الملك معلول للبيع، ولزومه وعدم انفكاكه بالقرض الخارجي، وهو شيء اتى من قبل الشرط، فان الشرط وان يتعلق بمفاده بهذا المعنى الا ان لازمه العرفي حصول هذه الخاصية للقرض.
فيصح ان الالتزام الواقع بين الشخصين اعط ى هذه الخاصية للقرض، ودعوى انصراف الادلة العامة في باب الربا القرضي الى صورة الاشتراط في ضمن نفس القرض دون خارجه او الى ما اذا كان الالتزام بمفاده الابتدائي متعلقا بالنفع دون لازمه العرفي، كما ترى، ولا اقل من ان يكون احتمالا موجبا للاشكال وعدم الجزم بالصحة، كما هوالمشهور»((46)).

وجوابه واضح مما تقدم؛ من ان الشرط اللبي خارج عن مدلول الروايات، وصدق جر النفع من دون اشتراط لا يجدي في الحرمة.

ثم انه لو شك في الانصراف وعدمه فمقتضى عمومات النفوذ هو الحكم بالصحة جزما؛ لان ادلة حرمة الربا بالنسبة الى العمومات المذكورة كالخاص بالنسبة الى العام، فكما انه مع اجمال الخاص يرجع الى العام فكذلك في المقام، فلاتغفل.

الامر السابع - ان يبيع البائع شيئا ازيد من قيمته نسيئة، ثم يبيعه المشتري من البائع او غيره باقل من قيمته نقدا.

وهو من موارد العينة التي يؤتى بها للفرار من الربا، وقد دلت جملة من الروايات على صحته وجوازه، من قبيل:

1 - صحيحة هارون بن خارجة قال: قلت لابي عبد الله(ع): عينت رجلا عينة فحلت عليه، فقلت له: اقضني، فقال: ليس عندي فعيني حتى اقضيك؟ فقال: «عينه حتى يقضيك»((47)).
وتدل الصحيحة على عينتين، فيكون حيلة في الواقع للفرار من الربا.

2 - صحيحة صفوان الجمال المروية في الفقيه((48)) عن الصادق(ع)، فقال نحو ما ورد في صحيحة هارون بن خارجة.

3 - معتبرة ابي بصير ليث المرادي عن ابي عبد الله(ع) قال: ساله رجل زميل لعمر بن حنظلة عن رجل تعين عينة الى اجل، فاذا جاء الاجل تقاضاه، فيقول: لا والله ما عندي، ولكن عيني ايضا حتى اقضيك؟ قال: «لا باس ببيعه»((49)).

4 - روى في الوسائل عن علي بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى بن جعفر(ع) قال: وسالته عن رجل باع ثوبا بعشرة دراهم الى اجل، ثم اشتراه بخمسة بنقد؟ قال: «اذا لم يشترط ورضيا فلا باس». ورواه عبد الله بن جعفر في قرب الاسنادعن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر، الاانه ليس فيه «الى اجل»((50)).

لدلالة منطوقه على جواز العينة مع انه من مصاديق الفرار من الوقوع في الربا، نعم يدل بمفهومه على عدم الجواز، ولكنه يحمل على الكراهة جمعا بينه وبين ما يدل على الجواز، او يحمل على صورة فقدان قصد الجد بسبب اشتراط الاشتراءفي البيع الاول((51)).

هذا، مضافا الى ضعف الطريق في الثاني، وعدم ثبوت كتاب الجعفريات عندنا((52)).

الامر الثامن - ان يقرضه قرضا حسنا ثم يشتري المقترض به متاعا فيبيعه من المقرض باقل من قيمته السوقية.

ويدل عليه - مضافا الى العمومات - ما رواه الشيخ في تهذيبه باسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة، عن صفوان،عن اسحاق بن عمار، عن معمر الزيات قال: قلت لابي عبد الله(ع): الرجل يجيؤني فيقول: اقرضني دنانير حتى اشتري بها زيتا وابيعك؟ قال: «لا باس»((53))، بناء على دلالة قوله: «حتى...» على ان الداعي من الاقتراض هو البيع من المقرض باقل من قيمته لا الاشتراط.

ولكنه محل نظر؛ لان ايجاد الداعي لا ينحصر في المذكور، بل يكفي له ان يعده المقترض ان يبيعه زيته المشترى بقيمته السوقية العادلة، فيكون ذلك المقرض الزيات على اطمئنان بان الزيت الذي يحتاج اليه في دكته يحصل عنده بواسطة هذا المقترض((54)).

وعليه فلا يكون الخبر مرتبطا بالمقام كما لا يخفى.

هذا، مضافا الى ضعف السند بجهالة معمر الزيات. اللهم الا ان يقال: ان صفوان من اصحاب الاجماع، فالرواية مصححة،ولكن دلالة الرواية غير واضحة.

الامر التاسع - ان يبيع داره من الغير بقيمة اقل مع اشتراط البائع مع المشتري الخيار: ان جاء بثمنها الى سنة ونحوها ردهاعليه، فاعط ى البائع اجارة الدار للمشتري ما دام متصرفا في الدار ولم يؤد ثمنها.

فهذه المعاملة من الحيل، ويدل على جوازها - مضافا الى عمومات نفوذ المعاملات - بعض الاخبار، مثل:

1 - موثقة اسحاق بن عمار عن ابي عبد الله(ع)، قال: ساله رجل وانا عنده فقال: رجل مسلم احتاج الى بيع داره، فجاءالى اخيه فقال: ابيعك داري هذه وتكون لك احب الي من ان تكون لغيرك، على ان تشترط لي ان انا جئتك بثمنها الى سنة ان ترد علي؟ فقال: «لا باس بهذا، ان جاء بثمنها الى سنة ردها عليه». قلت: فانها كانت فيها غلة كثيرة فاخذ الغلة،لمن تكون الغلة؟ قال: «الغلة للمشتري؛ الا ترى انه لو احترقت لكانت من ماله؟!»((55)).
بدعوى ان ذلك حيلة للفرار من الربا؛ فان بائع الدار اخذ ثمنها من المشتري واعط ى للمشتري غلة الدار او اجارتها، فلولم يقع بينهما هذا البيع واخذ البائع من المشتري شيئا من الدراهم والدنانير بشرط اعطاء شيء من الغلة او غيرها كان ربا محرما.
اللهم الا ان يقال: ان الرواية في مقام بيان اصل تجويز البيع المذكور وان نماءها للمشتري، ولا نظر لها بالنسبة الى الربا.نعم تكفي العمومات للدلالة على جواز هذه الحيلة كما لا يخفى.

2 - موثقة سعيد بن يسار قال: قلت لابي عبد الله(ع): انا نخالط اناسا من اهل السواد وغيرهم، فنبيعهم ونربح عليهم للعشرة اثني عشر، والعشرة ثلاثة عشر، ونؤخر (نوجب) ذلك فيما بيننا وبين السنة ونحوها، ويكتب لنا الرجل على داره او على ارضه بذلك المال الذي فيه الفضل الذي اخذ منا شراء (بانه) قد باع وقبض الثمن منه، فنعده ان هو جاء بالمال الى وقت بيننا وبينه ان نرد عليه الشراء، فان جاء الوقت ولم ياتنا بالدراهم فهو لنا، فما ترى في الشراء؟ فقال: «ارى انه لك ان لم يفعل، وان جاء بالمال للوقت فرد عليه»((56)).

بدعوى ان المراد من قوله: «نربح عليهم للعشرة اثني عشر...» هو اعطاء القرض مع ربح، فسال عن الحيلة بان يشتري من المقترض داره ويربح المقترض بعد بيع داره باعطاء اجرة الدار مع الخيار باتيان العوض في الموعد المقرر.

وفيه: انه خلاف ظاهر الرواية؛ اذ المقصود من قوله: «نربح» بقرينة قوله: «فنبيعهم» هو الربح الحاصل من البيع بالمرابحة، وحيث كان المشتري من اهل السواد ولا اعتبار بذمته فان البائع اخذ عليه الوثيقة على المال الذي فيه الفضل والربح، ومن المعلوم ان الرواية ليست بصدد تعليم الحيلة لاخذ الربا. والمراد من قوله: «ونؤخر» او «نوجب» ان البيع نسيئة والثمن ليس بنقد؛ والا فلا حاجة الى اخذ الوثيقة بالكيفية المذكورة. واحتمال ان يكون المقصود من قوله: «نؤخر» ان البيع كان بنقد ولكن توافقا على التاخير واخذ الربح على التاخير بصورة البيع بالشرط واخذ الاجرة من المشتري بعنوان اجرة الدار او الارض، بعيد جدا، فتدبر جيدا.

وكيف كان فهذه عمدة الحيل المذكورة في الروايات، وقد افتى الاصحاب بجوازها، وتتبع آية الله المؤمن اقوالهم، نشيرفيما يلي الى بعضها باقتضاب، قال: «وقد صرح بذلك السيد المرتضى (المتوفى 436) في الناصريات في باب البيع بالضميمة، مسالة 178.

والشيخ الطوسي (المتوفى 460) في باب الصرف من النهاية ونكتها 2: 126 - 127، وفي الخلاف 3: 61 - 62 مسالة 98، وفي المبسوط 2: 92.

وابن ادريس (المتوفى 598) في السرائر 2: 271 و 267.

والقاضي ابن البراج (المتوفى 481) في باب الربا من المهذب 1: 365.

وابن حمزة (المتوفى 570) في الوسيلة - ضمن الجوامع الفقهية -: 706.

وابن زهرة (المتوفى 585) في الغنية - ضمن الجوامع الفقهية -: 588.

والمحقق الحلي (المتوفى 676) في الشرائع.

والعلامة الحلي(قدس سره) (المتوفى 726) في القواعد والارشاد والتذكرة.

والشهيد الاول (المتوفى 786) في الدروس 3: 298.

والشهيد الثاني (المتوفى 965) في المسالك.

والسيد علي الطباطبائي في الرياض حيث قال: بلا خلاف بين الطائفة، بل عليه الاجماع في الخلاف والغنية والمسالك والتذكرة وغيرها من كتب الجماعة، وهو الحجة، مضافا الى الاصل والعمومات.

والشيخ محمد حسن في الجواهر 23: 391 و 396.

والشيخ الاعظم في صراط النجاة - الطبعة الجديدة -: 292.

وغير ذلك من الكلمات - ثم قال المتتبع المذكور -: فالحاصل ان الفتوى بالجواز في التخلص بهذه الحيل متفق عليهابين الاصحاب الى زماننا هذا»((57)).

الا ان سيدنا الاستاذ الامام الراحل(قدس سره) (المتوفى 1409 ه) خالف في ذلك وقال: «ذكروا للتخلص من الربا وجوها مذكورة في الكتب، وقد جددت النظر في المسالة فوجدت ان التخلص من الربا غير جائز بوجه من الوجوه،والجائز هو التخلص من المماثلة مع التفاضل؛ كبيع من من الحنطة المساوي في القيمة لمنين من الشعير او الحنطة الرديئة، فلو اريد التخلص من مبايعة المتماثلين بالتفاضل يضم الى الناقص شيء فرارا من الحرام الى الحلال، وليس هذاتخل صا من الربا حقيقة، واما التخلص منه فغير جائز بوجه من وجوه الحيل»((58)).

استثمار موارد الاوقاف (الاحباس)

الاستاذ: الشيخ حسن الجواهري

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه الميامين.

توطئة: رغم الاختلاف بين الوقف والحبس؛ حيث يكون الاول محتويا على فك الملك او التمليك للغير على نحو غيرطلق لتعلق حق الاخرين به، يكون الثاني عبارة عن عدم التمليك للغير اصلا بل له حق الانتفاع به لمدة معينة او غيرمعينة.

الا أنه رغم اختلاف هذين اللفظين فان المراد منها شيء واحد جامع بينهما؛ الا وهو الفائدة المرجوة من الوقف اوالحبس للاخرين الذي يكون من اعمال البر والاحسان.

وقبل البدء في تفصيل الموضوع نذكر فوائد الوقف العام.

فوائد الوقف العام:

ان الوقف هو احد السنن الدينية المؤكدة التي تعد في زمرة الاعمال الصالحة الباقية، كما يعد ابرز مظهر لتجسيد روح التعاون الاجتماعي من الناحية الاخلاقية، وهو عمل يكشف عن حالة التقوى والتحرر وعلو الهمة لدى الواقف، ويضفي صفة الحسن والخلود على عمله.

وقد جنت المجتمعات الكثير من الثمار الثقافية والصحية والمعاشية عن طريق تلك الاوقاف؛ فالكثير من العلماءوالمفكرين بلغوا المكانة العلمية الرفيعة من خلال الاستفادة من المصادر الموقوفة، وان الخدمات العظيمة التي قدموهامن اجل رقي الحضارة والثقافة الانسانية كانت من خلال ذلك الطريق.

ومن المؤكد: ان من جملة العوامل المهمة لتقدم وازدهار الحضارة الاسلامية وانتظام امر التدريس وطلب العلم ودعم العلماء كان انشاء وتاسيس المراكز العلمية؛ كدور العلم ودور الخزانة وبيوت الحكمة التي انشئت عن طريق المؤسسات الوقفية التي اوقفها الاخيار لتلبية حاجات المحققين والدارسين المسلمين.

وفي الحقيقة: ان الوقف رصيد لا ينضب، وقد استطاع في مختلف الظروف من الحفاظ على مثل تلك المراكز العلمية وتسهيل امر التعليم والتعلم من دون حاجة الى دعم الحكومات.

وقد وردت الروايات المعتبرة المتعددة التي تحث الخيرين على الوقف والصدقة الجارية، فقد جاء في تعبير كثير من الروايات الصحيحة عن الامام الصادق(ع) انه قال: «ليس يتبع الرجل بعد موته من الاجر الا ثلاث خصال: صدقة اجراهافي حياته فهي تجري بعد موته، وسنة هدى سنها فهي يعمل بها بعد موته، او ولد صالح يدعو له»((59)).

اقسام الوقف:

ان الوقف ينقسم الى خمسة اقسام؛ حيث ان الوقف مرة لا يكون له موقوف عليه يقصد عود المنفعة اليه كوقف المساجد، ومرة يكون للوقف موقوف عليه يقصد عود المنفعة اليه.

وهذا القسم الثاني مرة يكون وقفا ذريا ويسمى بالوقف المنقطع، ومرة يكون وقفا عاما ويسمى بالوقف التابيدي.

وهذا القسم الاخير - وهو الوقف التابيدي - ينقسم الى قسمين: اذ مرة تكون المنفعة ملكا لهم، ومرة يكون الانتفاع لهم فيتصرفون وينتفعون بالوقف فقط من دون ملك المنفعة.

فهذه اربعة اقسام، فاذا اضفنا اليها الوقف على الوقف صارت الاقسام خمسة، ناتي الان عليها تباعا:

1 - الوقف التحريري:
كوقف اراضي المساجد واراضي المشاهد المشرفة((60))، حيث الحقها الفقهاء بالمساجد في الاحكام. وهذا الوقف يكون عبارة عن فك الملكية وتحرير الارض منها بعد ان كانت مملوكة لشخص سابقا.

وهذا النوع من الوقف لا يجوز بيعه واستبداله ابدا؛ لان حقيقة البيع هي المبادلة بين المالين (الشيئين) من ناحية الاضافة الى المالك، فتستبدل كل من الاضافتين بتبدل المالين، وبما ان المساجد غير مضافة الى احد من البشر لاباضافة حقيقية ولا باضافة الملكية، فلا يجوز بيعها. لعدم صدق المبادلة، ولانه لا بيع الا في ملك، وقد قلنا: ان هذاالقسم من الوقف هو عبارة عن فك الملك والتحرر من الملكية للاخرين، ولذا لا يجوز بيع ما ليس داخلا تحت الملك كالطير في الهواء والمباحات الاصلية قبل الحيازة.

اذا المساجد يكون وقفها من قبيل تحرير العبيد عند العتق، فهو فك ملك لا تمليك للمسلمين، وعلى هذا فان المساجدوان كانت لله - كما في الاية الكريمة: (وان المساجد لله)((61)) - لكن بمعنى انها معابد للمسلمين يعبدون الله فيهاولا يعبدون فيها غيره. ولاجل عدم الملكية لاحد ذكروا ان الاجرة لاتتعلق بالغاصب لو غصبها وسكنها مدة من الزمن.

2 - الوقف الذري:
وهو ان يوقف شيئا لذريته لتكون منفعته لهم طبقة بعد طبقة وجيلا بعد جيل. وهذا القسم من الوقف هو «تحبيس وتمليك».

اما التحبيس: فهو بمعنى الوقف؛ حيث فسر بتحبيس الاصل وتسبيل المنفعة (الثمرة)، وقد جعل الواقف الوقف الذري كذلك.

واما التمليك: فان السيرة العقلائية قائمة على ذلك؛ حيث لا يشك احد في انه اذا ثبت ما يوجب الضمان في الوقف الذري يكون الضمان لهم، ولو غصبه غاصب يجب رده، وعليه الاجرة، بينما لو لم يكن تمليكا لكان حكمهم حكم المساجد من عدم الضمان وعدم الاجرة على الغاصب للذرية.

على ان معنى الوقف على الذرية هو ذلك، فان الوقف عليهم لا لهم.

اذا يكون الواقف هنا قد ملك العين الموقوفة لهم ولكن مع تضييق السلطنة المطلقة بنفس الوقف، فلا يستطيعون ان يفعلوا بالعين ما شاؤوا، فيملكون المنفعة فقط ملكية مطلقة، واما نفس العين فملكيتهم لها ليست مطلقة.

وهذا القسم من الوقف يجوز بيعه عند طرو احد مسوغاته - كما سياتي - لانه مملوك للذرية، فلا منافاة بين كونه وقفاوبين جواز بيعه في حالة معينة.

3 - الوقف العام:
كالوقف على العلماء والسادات وطلاب العلم والزوار والفقراء وغير ذلك من الجهات العامة.

وهذا الوقف العام ينقسم الى قسمين:
أ - ان يكون الوقف على الجهة العامة كالعلماء والفقهاء والفقراء بنحو تكون المنفعة ملكا طلقا لهم؛ كوقف الحمامات والدكاكين والمعامل والمزارع وامثالها، فالمنافع تكون مملوكة للجهة العامة.

ويكفي في هذا القسم من الوقف الاعطاء لقسم من افراد هذه العناوين؛ لان الوقف للعنوان يتحقق باعطاء واحد او اكثرمن افراد العناوين، بينما يجب الاستقصاء في القسم الثاني من الوقف (الذري) بحيث لو مات احدهم بعد حصول المنفعة فتنقل الى وارثه.

كما ان الوقف في هذا القسم هو تمليك العين للموقوف عليهم، الا انه تمليك ليس بطلق ولكن يملكون المنفعة ملكاطلقا لعين ما تقدم في القسم الثاني.

كما ان هذا القسم من الوقف يجوز بيعه اذا طرا عليه احد مسوغات بيع واستبدال الوقف - كما سياتي - لحصول الملكية التي تجوز البيع وتصححه عند طرو مسوغاته.

ب - ان يكون الوقف على الجهة العامة من دون ان يملك الموقوف عليهم المنفعة، بل لهم الحق في التصرف والانتفاع فقط كالسكن مثلا، ومثاله وقف المدارس والربط والخانات ونحوها على اهل العلم والمجاهدين والزوار، فهو تمليك للجهة العامة على وجه الانتفاع فقط.

وفي هذا القسم من الوقف يضمن المتعدي على الجهة العامة.

كما يجوز بيع هذا القسم من الوقف اذا طرا عليه احد مجوزات بيع الوقف، كما سياتي.

4 - الوقف على الوقف:
وهذا الوقف متعارف عند الناس، فقد جرت السيرة على وقف الدكاكين والحمامات والعقار على المدارس والمساجدوامثالهما.

ولقد ذكر المقريزي في تاريخه: ان ابن الخليفة الفاطمي المسمى (بالحاكم) في مصر بنى مسجدا عرف بجامع الحاكم،وقد طلب من اساتذة ومدرسي جامع الازهر ان يقيموا حلقات دراسية في مسجده الجديد، ولكنه لم يغفل في الوقت نفسه عن الجامع الازهر، حيث اوقف بعض الاوقاف عليه وعلى مؤسسات اخرى بعد اعماره((62)).

وهذا القسم من الوقف يظهر منه انه تمليك على المساجد والمدارس وان كانت المساجد نفسها غير مملوكة - كما تقدم - لان الملكية اضافة بين المالك والمملوك، وهي خفيفة المؤونة؛ فكما يمكن اعتبار الملكية للاحياء وللاموات من ذوي الشعور، يمكن اعتبارها ايضا لغير ذوي الشعور من الجمادات.

وهكذا اذا ملكنا المسجد فراشا واواني وآلات وبناء وادوات تبريد وتدفئة، فان كل هذه الامور تكون ملكا للمسجد، وعليه يجوز بيعها اذا عرض لها ما يسوغ البيع - كما سياتي -، كما انه اذا اخذها احد يكون ضامنا لها وغاصبا ايضا.

ولكن الفرق بين الدكاكين الموقوفة على المسجد وبين قناديل المسجد واثاثه هو ان المنافع الاتية من الدكاكين وامثالهاالموقوفة على المسجد تكون مملوكة ملكا طلقا للمسجد او للمشهد او للمدرسة، فيجوز للمتولي بيع تلك المنافع وتبديلها بشيء آخر من غير عروض مجوز لها من المجوزات التي تجوز بيع الوقف - كما سياتي - كما يجوز بيع المشترى بالمنافع هذه ايضا وتبديله بشيء آخر، بخلاف الاصل وهو الدكان والحمام فانه لا يجوز بيعه الا عند عروض مجوز له، كما سياتي.

الكلام في مسوغات بيع الوقف واستبداله:

ان جواز بيع الوقف في حالات خاصة - كما سياتي - انما يتم في غير وقف ارض المسجد او ارض المشهد من الاوقاف التي تكون للذرية وللجهة على نحو التمليك.

اما نفس ارض المسجد او ارض المشهد المشرف فلا يجوز فيها البيع اصلا؛ لان الوقف عبارة عن فك الملك وتحريرالارض من كل ملكية.

اما المنفعة الحاصلة من الوقف على الوقف - كما اذا وقف على المسجد او المشهد - فانها مملوكة ملكا طلقا للمسجداو المشهد، فيجوز بيعها بلا حاجة الى طرو احد مجوزات بيع الوقف.

حكم الابدال والاستبدال:

ان حكم جواز بيع الوقف في حالات معينة يكون استثناء من القاعدة الاولية القائلة بعدم جواز بيع الوقف، كما ادعي عليه الاجماع ودلت عليه النصوص الشرعية، مثل معتبرة ابي علي بن راشد عن ابي الحسن(ع) (الامام الهادي(ع)) حيث قال: «لا يجوز شراء الوقف، ولا تدخل الغلة في ملكك، ادفعها الى من اوقفت عليه»((63)).

ومثل ما روي من حكاية وقف علي امير المؤمنين(ع) حيث قال: «هذا ما تصدق به علي بن ابي طالب وهو حي سوي؛تصدق بداره التي في بني زريق صدقة لا تباع ولا توهب حتى يرثها الله الذي يرث السماوات والارض»((64)).

فان الظاهر من الوصف «لا تباع ولا توهب» كونها صفة لنوع صدقة الوقف لا لشخص هذه الصدقة، ويبعد كونها شرطاخارجا عن النوع ماخوذا في الشخص؛ لانه لو كان كذلك لاخر الشرط عن ذكر من وقف عليهم.

بالاضافة الى ان الظاهر من معنى الوقف الذي هو تحبيس الاصل وتسبيل المنفعة انه على نحو الدوام، وهو يقتضي الحكم بعدم جواز بيع الوقف؛ لان بيعه ينافي تحبيس الاصل الذي هو دخيل في معنى الوقف.

وهذا الاصل (الذي هو عدم جواز بيع الوقف) لا يجوز الخروج عليه في الوقف التحريري، ولكن يجوز الخروج عليه في الوقف التمليكي المؤبد والمنقطع، وفيما وقف على الاماكن العامة من فرش او اثاث في موارد ذكرها الفقهاء، تم منهاعندنا اربعة موارد وهي:

المورد الاول: ان يخرب الوقف بحيث لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، فان ادلة المنع لا تاتي هنا سواء كانت اجماعالبيا او ادلة لفظية؛ مثل: لا يجوز بيع الوقف، حيث انها منصرفة عن هذا المورد وناظرة الى حالة ما اذا انتفع بها الموقوف عليهم.

اما في حالة عدم الانتفاع بالوقف مع بقاء عينه، فان الامر يدور بين ثلاثة امور:
احدها: تعطيله حتى يتلف بنفسه، وهذا تضييع مناف لحق الله وحق الواقف وحق الموقوف عليهم.
ثانيها: يباع ويستفيد منه البطن الموجود فقط بتقسيم الثمن عليهم.
ثالثها: يباع ويبدل بما يبقى وينتفع به الموجود والذي سيوجد فيما بعد.

وبين الامر الثاني والثالث اتفاق على جواز البيع، لكن الثالث هو الاوجه؛ لان الوقف مؤبد او مشترك بين الموجودوالذي سيوجد فيما بعد حسب وقفية الواقف، فلابد ان يكون بدله ايضا كذلك؛ لانه هو الموافق لقصد الواقف وانشائه،فيكون متبعا، وهو المتعين.

وعلى هذا يشترك الموقوف عليهم (من وجد ومن سيوجد) في الثمن وهو مقتضى المعاوضة الحقيقية؛ اذ لا يعقل اختصاص العوض بمن لم يختص بالمعوض، فيكون حكم الثمن هو حكم الوقف في كونه ملكا للجميع وينتفع به الكل على الترتيب، فان كان الثمن مما يمكن ان يبقى وينتفع منه الموجودون على نحو المبدل وكانت مصلحة الكل(الموجود والذي سيوجد) في ابقائه ابقي، والا ابدل مكانه ما هو اصلح لهم؛ كان يباع بشيء اصلح لهم.

ثم يتفرع على هذه الحالة امور:
1 - لا حاجة الى صيغة الوقف في البدل (الثمن)، بل نفس البدلية تقتضي كونه كالمبدل؛ لانه مملوك على حد الملك الاول، ويستحيل ان يملك لا على حده.

2 - للولي او الناظر ان ينظر في المبدل ويتصرف فيه بحسب مصلحة الجميع ولو بالابدال بعين اخرى اصلح لهم، بل قديجب اذا كان تركه يعد تضييعا للحقوق؛ وذلك: لان هذا البدل ليس كالاصل الذي انشاه الواقف حيث يكون حكمه المنع من البيع الا لعذر؛ لان الاصل المنشا من قبل الواقف كان له حكم شرعي، وقد زال الوقف فزال الحكم الذي يكون له. اما بدل الوقف فليس وقفا منشا من قبل الواقف، فلا تترتب عليه جميع الاحكام الابتدائية للوقف المنشا والتي منهاعدم جواز بيعه.

3 - يظهر عدم وجوب شراء المماثل للوقف، بل ربما قد لا يجوز اذا كان شراء غيره اصلح؛ لان الثمن اذا صار ملكاللموقوف عليهم (الموجودين والمعدومين) فاللازم ملاحظة مصلحتهم؛ وذلك: لان الوقف الابتدائي اذا كان موجودابشخصه فلا يلاحظ فيه الا مدلول كلام الواقف، واما اذا بيع «لجواز ذلك» وانتقل الثمن الى الموقوف عليهم فلا يلاحظ فيه الا مصلحة الموقوف عليهم.

اقول: ان هذه الصورة الدالة على جواز بيع الوقف اذا حصلت وبيع الوقف، فسوف تكون ايدي الامناء والاولياء على الوقف حرة في تبديل الوقف؛ لما فيه تحقيق مصلحة الوقف والواقف بطرق جديدة تراعى فيها المتطلبات العصرية في ضوء المعطيات الشرعية، وبهذا نكون في حرية تامة من صيغة الواقف وانشائه، ولا ياتي هنا الحديث المعروف «الوقوف حسب ما يوقفها اهلها»، بل نخرج عن هذا الضيق الشرعي الى مراعاة مصلحة الوقف الجديد غير المنشا من الواقف، ونراعي مصلحة الموقوف عليهم باتباع الطرق الجديدة العصرية في الاستفادة من هذه الاوقاف التي تبدلت من الوقف الابتدائي الى وقف البدل (الثمن).

المورد الثاني: اذا اشترط الواقف بيع الوقف عند حاجته او حاجة الموقوف عليهم او اذا كان فيه مصلحة لمن هو موجودمن الموقوف عليهم او لجميع الموقوف عليهم، او عند مصلحة خاصة على حسب ما يشترط في ضمن الوقف.

وهذا الشرط راجع الى قطع الوقف وبيعه بالشرط، وليس هو وقفا منقطعا.

ويدل على صحة هذا الوقف والشرط قوله تعالى: (اوفوا بالعقود)((65))، وقوله(ع): «المؤمنون عندشروطهم»((66))، وقوله(ع): «الوقوف تكون على حسب ما يوقفها اهلها»((67))؛ حيث ان اهل الوقف قد وقفوا هذاالشيء كذلك.

وهذا الشرط ليس منافيا لمقتضى الوقف حتى يكون الشرط باطلا فيبطل الوقف تبعا له؛ لان مفهوم الوقف ليس الاتحبيس العين وتسبيل الثمرة (المنفعة)، والواقف انشا هذا المفهوم، فلا يجوز تصرف بعض الموقوف عليهم على نحوالملك المطلق.

واما الشرط: فهو ينافي اطلاق هذا المفهوم لا انه ينافي المفهوم، ولذا يجتمع الوقف مع جواز البيع عند طرو مسوغاته،ولا منافاة بين كونه وقفا وبين جواز بيعه وتبديله بوقف آخر.

ولكن هل هذا الشرط (شرط بيع الوقف) مناف للسنة؟
والجواب: ان ما تقدم من عدم جواز البيع وعدم ادخال الغلة في الملك مقيد بما اذا اشترط الواقف بيع الوقف؛ فان صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج - الواردة في كيفية وقف مال امير المؤمنين علي(ع) في عين ينبع، والتي جاء فيها: «...فان اراد - يعني الامام الحسن(ع) - ان يبيع نصيبا من المال فيقضي به الدين فليفعل ان شاء لا حرج عليه فيه، وان شاءجعله سرى الملك((68))... وان كان دار الحسن غير دار الصدقة فبدا له ان يبيعها فليبعها ان شاء لا حرج عليه فيه، وان باع فانه يقسمها ثلاثة اثلاث: فيجعل ثلثا في سبيل الله، ويجعل ثلثا في بني هاشم وبني المطلب، ويجعل ثلثا في آل ابي طالب، وانه يضعه حيث يريد الله...»((69)) - ظاهرة في جواز اشتراط بيع الوقف لنفس الموجودين، فضلا عن البيع لكل الموقوف عليهم: الموجودين، والمعدومين الذين سيوجدون فيما بعد، ويصرف ثمنه فيما ينتفعون به.

وظاهرها ايضا الوقف لا الوصية؛ لان الموجود في الرواية: «ان الذي كتبت من اموالي هذه صدقة واجبة بتلة، حيا انا اوميتا...».

وقد عمل بهذه الصحيحة جملة من الاعاظم، كما اشار الى ذلك الامام الخوئي(قدس سره)((70)).

وعلى ما تقدم لا يكون اشتراط بيع الوقف عند حالات معينة منافيا للسنة ما دامت السنة القائلة بعدم جواز بيع الوقف قد خصصت بهذه الصحيحة.

المورد الثالث: وهو ما اذا كان الاختلاف بين ارباب الوقف مؤديا علما او ظنا الى تلف خصوص مال الوقف ونفوس الموقوف عليهم. وهذه الصورة هي المتيقنة عند جميع الفقهاء؛ لانها اخص مما وردت فيه روايات تجوز بيع الوقف اذاحصل اختلاف من بقاء الوقف او حصل تلف النفوس او الاموال من دون تقييدها بتلف نفس مال الوقف ونفس الموقوف عليهم.

المورد الرابع: وهو ما اذا كان الوقف على عنوان معين كالبستانية، وخرجت البستانية لغور الماء ويبس الاشجار حتى خرجت عن قابلية ذلك، فقد جوز هنا بعض الفقهاء((71)) بيع الارض وشراء بستان آخر، بل هو المتعين كما افتى بذلك الامام الخوئي(قدس سره)؛ اذ قال: «... نعم اذا فهم من القرائن ان الوقفية قائمة بعنوان البستان كما اذا وقفها للتنزه اوللاستظلال (وانقطع عنها الماء حتى يبس شجرها او انقلع شجرها وبقيت عرصة) فان امكن بيعها وشراء بستان اخرى تعين ذلك...»((72)).

وعلى كل حال: هذه الموارد الاربعة التي تقدمت، او اي مورد آخر يجوز بيع الوقف اذا ثبت بالدليل، يجعل ايدي الناظرين او المتولين او الحاكم الشرعي حرة في التصدي لمصلحة الوقف الذي هو بدل عن الوقف الابتدائي، ومصلحة الموقوف عليهم حسب متطلبات العصر على ضوء الشرع الحنيف.

حق الرجوع في الوقف:

هل يجوز (يصح) للواقف ان يوقف بعض املاكه ويشترط حق رجوعه في الوقف او حقه في بيع الوقف؟

ذكرنا في المورد الثاني من موارد جواز بيع الوقف صحة ذلك، وذكرنا الادلة عليه وعدم منافاته لمقتضى الوقف؛ لان الوقف هو تحبيس العين وتسبيل الثمرة، وقد انشاه الواقف، فاشتراط بيعه وقطع الوقف لا باس به، سواء كان ثمنه بدلاعن العين الموقوفة كما هو في صورة جواز بيع الوقف شرعا، او كان ملكا طلقا للموقوف عليهم او للواقف عند الحاجة كما هو في صورة شرط ذلك في الوقف.

وهذا الامر مما يشجع على الاقبال على الوقف؛ لبقاء علقة المالك بماله بحيث يزول عنه شبح الفقر او الحاجة التي تراوده عند الكبر، فيمكنه ان يوقف املاكه ويشترط بيعها عند حاجته اليها.

كما يمكن للواقف الذي يشترط في صحة وقفه اخراج نفسه عن الوقف - كما ذكر ذلك الفقهاء، اذا اراد ان يتخلص من اشكال الوقف على نفسه وغيره - ان يملك العين لغيره ويشترط عليه ان يوقفها على النحو الذي يريد وقفها على نفسه وغيره، او ادرار مؤونته ووفاء ديونه ونحو ذلك. وبهذا يزول ما يخيف الانسان من احتياجه بعد الوقف ولا ناصر له ولامعين.

كما يجوز له ان يؤجر العين مدة خمسين سنة ويجعل لنفسه خيار الفسخ، ثم يوقف العين التي اجراها تلك المدة مسلوبة المنفعة لتلك المدة، ثم يفسخ عقد الاجارة، فترجع المنفعة اليه لا الى الموقوف عليهم.

كما لا يبعد صحة وقف العين مع اشتراط بقاء منافعها على ملكه مدة معينة او غير معينة (مثل مدة حياته) لان الوقف هوتحبيس العين وتسبيل المنفعة، وقد حصل، واما الشرط - وهو كون منافعها له مدة حياته - فهو نافذ؛ لعموم «المؤمنون عند شروطهم»، ولعموم قوله: «الوقوف حسب ما يوقفها اهلها»، فقد حصل الوقف ووجد الشرط، ويجب العمل به وبشرطه ولا منافاة بينهما((73)).

مبدأ التوقيت في الوقف:

وهو ما يسمى بالوقف المنقطع او الوقف الذري، كما اذا وقف على من ينقرض - بناء على صحته كما هو المعروف -من الاخوة او الاولاد واولاد الاولاد فقط ولم يشترط رجوعه في سبيل الله عند انقراضهم، فهو يبتني على احد مبنيين فقهيين:

الاول: هو البناء على بقاء الوقف على ملك الواقف وعدم انتقاله الى الموقوف عليهم.
الثاني: هو البناء على انتقال الوقف الى ملك الموقوف عليهم ثم يعود الى ملك الوقف بعد انقراض الموقوف عليهم.

وعلى كلا التقديرين يكون ارثا الى ورثة الواقف حين الموت لا حين الانقراض.

فعلى الصورة الاولى: فهل يجوز للواقف بيع هذا الوقف؟

اختلف في ذلك، فذهب جماعة الى عدم جواز البيع للزوم الغرر بجهالة وقت استحقاق التسليم التام على وجه ينتفع المشتري بما اشتراه.

ولكن المحكي عن جماعة: الجواز (صحة البيع)؛ وذلك لانهم جوزوا البيع في السكنى الموقتة بعمر احدهما(العمرى).

ولعل ذلك الجواز: اما لمنع الغرر، او للنص الصحيح الصريح في جواز ذلك، فقد روى المشايخ الثلاثة - في الصحيح اوالحسن - عن الحسين بن نعيم قال: سالت ابا الحسن (الامام الكاظم موسى بن جعفر(ع)) عن رجل جعل داره سكنى لرجل زمان حياته ولعقبه من بعده؟ قال(ع): «هي له ولعقبه من بعده كما شرط». قلت: فان احتاج الى بيعها ايبيعها؟ قال:«نعم». قلت: فينقض البيع السكنى؟ قال(ع): «لا ينقض البيع السكنى، كذلك سمعت ابي يقول: قال ابو جعفر (الامام الباقر(ع)): لا ينقض البيع الاجارة ولا السكنى ولكن تبيعه على ان الذي اشتراه لا يملك ما اشترى حتى تنقضي السكنى كما شرط»((74)).

وهذه الصحيحة صريحة في ان الجهالة للمدة في السكنى لا تبطل البيع.

وبما ان الامر في الوقف المنقطع - بناء على الصورة الاولى - هو كالسكنى مدة العمر، فتكون الصحيحة دليلا لجواز البيع للواقف المالك؛ لتحقق الموضوع نفسه في الجواز.

وهناك صورة يجوز فيها البيع للواقف بلا اشكال: وهي صورة ما اذا نقل الموقوف عليهم حقهم الى الواقف ولم يكن غيرهم له حق في الوقف، ثم باع الواقف، فان البيع صحيح جزما؛ لعدم الغرر قطعا، حيث يمكن للبائع تسليم العين المبيعة الى المشتري بعد نقل الموقوف عليهم حقهم الى الواقف.

اما الصورة الثانية: فبما ان الواقف غير مالك فعلا - لان الشيء ملك للموقوف عليهم ثم يعود بعد انقراضهم ملكاللواقف - الا انه قد يجوز البيع اذا جوزنا بيع ملك الغير مع عدم اعتبار مجيز له في الحال، فان الموقوف عليهم المالكين للوقف فعلا ليس لهم الاجازة؛ لعدم تسلطهم على البيع (النقل)، ولكن اذا انقرضوا رجع الشيء ملكا الى الواقف فيجيزما باعه الان.

فان قلنا بعدم اشتراط وجود مجيز حين العقد بل يكفي وجود مجيز للعقد بعد ذلك، فهنا كذلك.

وهناك صورة ثالثة مختصة بالتحبيس: كما اذا حبس ملكه على سكنى جماعة لمدة خمسين سنة، فبما ان التحبيس لايجعل الملكية للمحبس عليه بل هي باقية على ملك المحبس، فهنا لا اشكال في جواز بيع المحبس داره مسلوبة المنفعة مدة خمسين سنة.

والخلاصة: ان مبدا التوقيت في الوقف الذري يعتبر من الموارد المرنة التي توجب الاقبال على الوقف؛ لكون الشيءالموقوف له علاقة بالواقف يتمكن من الانتفاع به ببعض الصور كما مر.

معالجة الطرق السلبية لتطبيق الوقف الذري او المؤبد:

هناك طرق واسباب تم التذرع بها لاهمال الوقف او الغائه:

منها: ما اذا خرب بعض الوقف بحيث لا ينتفع به، فبناء على جواز بيع ما لا ينتفع به مع بقاء عينه، يباع هذا القسم ويجعل بدله ما يكون وقفا على الجميع (الموجود والذي سيوجد)، كما يجوز صرف الثمن في باقي الوقف الذري ببناءاو غيره بحيث يوجب زيادة منفعته، وكذلك يجوز صرف الثمن على وقف آخر عليهم، وهذا امر واضح اذا رضي به الموجود والمعدوم بواسطة الحاكم او الناظر.

ولكن اذا خرج بعض الوقف عن حيز الانتفاع وبقي بعضه محتاجا الى عمارة لا يمكن بدونها انتفاع البطون اللاحقة، فهل يصرف ثمن المخروبة او منفعة الوقف الى عمارة الباقي وان لم يرض البطن الموجود؟

الجواب: هو ان الواقف اذا كان قد اشترط من اول الامر اخراج مؤونة الوقف من منفعته قبل قسمة المنفعة على الموقوف عليهم، فهنا لا كلام في تقديم مؤونة الوقف والصرف على اصلاحه قبل القسمة على الموجودين.

واما اذا لم يشترط الواقف ذلك فهناك قول بوجوب صرف منفعة الوقف وثمن المخروب في اصلاح الوقف مقدما على حق الموقوف عليهم. لان المتفاهم العرفي من الوقف ابقاءه، وان وصول المنافع الى الموقوف عليهم بعد لحاظ ابقائها.

وقد افتى الامام الخوئي(قدس سره) بهذه الفتوى حيث قال: «اذا احتاجت الاملاك الموقوفة الى التعمير او الترميم لاجل بقائها وحصول النماء منها، فان عين الواقف لها ما يصرف فيها عمل عليه، والا صرف من نمائها وجوبا مقدما على حق الموقوف عليهم، واذا احتاج الى التعمير بحيث لولاه لم يبق للبطون اللاحقة، فالظاهر وجوبه وان ادى الى حرمان البطن السابق»((75)).

وعلى هذا الفهم وعدم الاعتناء بالقول القائل بوجوب صرف المنفعة على الموجودين وعدم لحاظ حق الباقين، يتم الحفاظ على اكبر سبب لاهمال الوقف سواء كان ذريا او مؤبدا.

كما يمكن تنوير الواقفين الى هذه المشكلة وجعلهم يشترطون في الوقف ان تكون المنفعة للموقوف عليهم بعد اخراج مؤونة اصلاح الوقف وصيانته؛ للخروج عن مخالفة من قال بان النماء يصرف على الموجودين ان لم يوافقوا على اصلاح الوقف في صورة عدم الاشتراط، فانهم لا يقولون بذلك في صورة الاشتراط من الواقف.

وقف النقود للاقراض او المضاربة:

قال بعض الفقهاء بعدم صحة وقف الاموال النقدية كالدراهم والدنانير وغيرها؛ وذلك لعدم وجود نفع لها الا بالتصرف فيها، وهو مناف للوقف المقتضي بقاء الاصل.

وهناك من قال بصحة وقف الاموال (كالدراهم والدنانير) حيث يفرض لها نفع مع بقائها؛ كالتزيين بها ودفع الذل ونحوها، فيتناولها حينئذ اطلاق ادلة الوقف، فينتفع بها بواسطة اعارتها مع بقاء عينها.

ولا تنافي بين هذين القولين؛ لان القول الاول افترض ان نفعها يكون بالتصرف بها وهو مناف لبقائها، بينما افترض القول الثاني وجود نفع لها من دون ان يتصرف فيها، وهو لا ينافي البقاء للعين.

هذا ولكن البحث المطروح هو شيء آخر غير ما تقدم، وهو جواز وقف الاموال لاجل القرض او المضاربة، فتكون المالية هي الموقوفة مع تبدل تجسيدها من عين الى عين اخرى، فهل يجوز مثل هذا الوقف مع ان فتاوى الفقهاء صرحت بان الوقف انما يصح في الاعيان المملوكة التي ينتفع بها مع بقاء عينها؟

وبعبارة اخرى: ان مشكلة حرمة تبديل العين الموقوفة تجعلنا نفكر في بديل لوقف العين بحيث يمكننا ان نوقف المالية،ونجعل المتولي على وقف المالية قادرا على التبديل والبيع بما يراه صالحا في اي وقت اراد، وهذا ما يجعل الوقف مواكبا للمناشط العصرية التي تقوم بها السوق المالية، فيدخل المال الموقوف في المعاملات حسب ما يراه المتولي، اويستفيد من مالية المال الموقوف المحتاجون لقضاء حاجاتهم من المال بشرط ارجاعها لتقرض ثانيا.

وهذا الامر جيد ان قام عليه دليل يصحح هذا الموقف، فهل من دليل على ذلك؟

اقول: قد يقال
أولا: اننا نتمسك باطلاق روايات الصدقة الجارية((76)) الوارد في روايات صحيحة متعددة؛ بمعنى ان الجريان ليس مصداقه الوحيد هو انحباس العين وتوقيفها عن البيع (حيث كان هو المصداق الرائج في زمن صدورالنص) بل هناك مصداق آخر للصدقة الجارية؛ وهو مالية الشيء التي يمكن تجسيدها ضمن اعيان مختلفة متعاقبة، وحينئذ يكون قوام الجريان بالتحبيس ولكن المحبوس قد يكون عينا وقد يكون مالية.

وهذا البيان لوقف المالية لا يعارضه ما ورد من تحبيس الاصل وتسبيل المنفعة (الثمرة)؛ حيث ان وقف المالية ايضاتحبيس لها، وقرضها او المضاربة بها مع كون النفع للمحتاجين هو نوع تسبيل للمنفعة المرتجاة من المالية.

وثانيا: ان صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج((77)) - المارة - صرحت بجواز شرط الواقف حق البيع والتبديل للموقوف عليه، وحينئذ يرجع واقع هذا الشرط الى التصدق بالمالية القابلة للتجسيد في الاعيان المختلفة.

ويرد على الدليل الاول: اننا نحتمل ان الصدقة الجارية الواردة في الروايات منحصر مصداقها في مرتكز المتشرعة في الوقف الذي لا يباع ولا يوهب ولا يبدل، وهذا الارتكاز يكون صالحا للقرينية الموجبة لانصراف اطلاق عنوان الصدقة الجارية الى وقف العين.

ويرد على الدليل الثاني: ان في الصحيحة جواز بيع الوقف لوفاء الدين وجواز بيع الوقف وتقسيم الثمن على آل بني المطلب وآل ابي طالب والهاشميين، وهذا معناه ابطال الوقف لا ان الوقف يكون للمالية التي تبقى ثابتة ويكون النفع منها بالقرض والمضاربة، فهي اجنبية عن محل كلامنا.

يبقى اننا نتمكن ان نصل الى نتيجة وقف المال لاجل القرض او المضاربة مع صرف الربح في جماعة الفقراء من المسلمين بالوصية التي تنفذ بعد الموت في خصوص الثلث ان لم يرض الورثة بالزائد عليه، فيوصي الانسان بصرف مقدار معين من امواله في اقراض المحتاجين او المضاربة به على ان يكون الربح للمحتاجين من اهل بلده مثلا، فبهذه العملية نصل الى نتيجة وقف المال على القرض او المضاربة به على ان يكون الربح لجماعة معينة، اما نفس الوقف بالنقود المالية فلم يتم عليه اي دليل((78)).

النظم الكفيلة بضبط الاوقاف:

لابد لنا من نظم تكفل ضبط الاوقاف وحفظها من الضياع والاستيلاء والاندثار فقد قرر الشرع الحنيف لابدية وجود متول للوقف يتعين اما من قبل الواقف او من قبل الحاكم الشرعي، ولابد في تعيين المتولي او الناظر من قبل الحاكم الشرعي من احراز عدالته وامانته على الوقف ومعرفته بما يصلح الوقف. وقد نجد في بعض الاحيان وجود اشراف شرعي بصورة ما على متولي الوقف، فيعزل ان لوحظ عليه خيانة او عدم معرفة بحفظ الوقف واصلاحه، وينصب شخص آخرمكانه.