وقد يتقدم الحاكم الشرعي لنصب متول على الاوقاف التي
ليس لها متول يقوم برعايتها واصلاحها وصرف وارداتها
التي يعتبر الافراط او التفريط فيها لا يخلو من عقوبة شرعية
دنيوية.
وكانت بعض الحكومات تعين محاسبين وجباة للاشراف على
الاموال الموقوفة، كما وجدت في بعض المقاطع التاريخية
مراكز باسم (ديوان الاوقاف او صدر الصدور) كما ان في بعض
الحكومات صدر امر رسمي بتعيين وزيرللاوقاف((79)).
ورغم هذه النظم الكفيلة بضبط الاوقاف نجد بعض الحكام
يقدمون على غصب الاراضي والعمارات الموقوفة،
فيخلقون
المبررات لمصادرتها وضمها الى املاكهم الخاصة، كما حصل
في ايران ايام العهد البهلوي في محافظتي كيلان
ومازندران.
وتوسعت حدود الاعتداء على الاوقاف من قبل المتنفذين،
ولكن بعد اقصاء رضا شاه عن الحكم ونفيه خارج البلاد عام
(1320 ه . ش : 1941 م) وتنصيب ولده محمد رضا خليفة له -
والذي تميزت حكومته بالضعف في بدء امرها - اعيدت بعض تلك
الاراضي الى حالة وقفيتها السابقة في اطار تنفيذ قانون اعادة
الاراضي الى اصحابها.
وهكذا الامر في اكثر البلدان الاسلامية التي تراسها حكومات
غير دينية وغير ملتزمة، فقد تطاولوا على الاوقاف
وغصبواوافسدوا، وكانت نتيجة امرهم الخسران والهوان، وهذه
نتيجة من لم يلتزم او يخالف احكام شرع الله تعالى..
هوان وخسران في الدنيا والاخرة ، وهذه صحائف اعمالهم
نقرؤها الان مملوءة بالفساد والخزي ومخالفة الشريعة، ولا
زالوافي هوان وذل وخسران ما داموا غير ملتزمين بالقرآن
العظيم وسنة رسوله الكريم. ولكن بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران بزعامة المرجع الديني العظيم الامام الخميني(قدس سره) كانت هناك مساع جادة وحثيثة لصيانة الاوقاف وحفظها وانتزاعها من الايادي الخبيثة التي سيطرت عليها ظلما وزورا، واوقفوامعينها العظيم في اسناد العلم والمجتمع ورقيه في طريق العيش الكريم
1 - فبعد شهرين من انتصار الثورة اتخذت الثورة اول خطواتها
لاستعادة حقوق الاوقاف الى نصابها في تاريخ (الرابع
من ارديبهشت 1358 ه. ش) صوب مجلس الثورة على قانون
الوقف الذي جاء في مادته الاولى:
2 - ومن اجل فسح المجال امام ابناء الشعب لممارسة اشرافهم
على ادارة شؤون الاوقاف في البلاد، صوب مجلس الثورة - في
نفس هذا القانون - ايضا على تشكيل لجنة تسمى «مجلس الامناء
والمشرفين على الاوقاف» وقد كانت هذه المجالس تمارس
ولعدة سنوات مسؤولياتها في ادارة الاوقاف وكيفية انتخاب
لجان الامناء والقيمين على الاوقاف في البلاد.
3 - ثم المادة (49) من الدستور: نصت على ان الحكومة مكلفة -
طبقا لهذه المادة - باستعادة الثروات الحاصلة من عمليات الربا
والاغتصاب والرشوة والاختلاس والسرقة والقمار واستغلال
الوظائف و... واعادتها الى اصحابها.
4 - تنفيذا لفتوى الامام الخميني التي اصدرها جوابا على سؤال
وجه اليه من قبل منظمة الاوقاف عن الاوقاف التي خرجت عن
حالتها الوقفية والتي يقول فيها: «يجب ان تبقى الاراضي
الموقوفة على حالتها الوقفية ويعمل بها طبقاللوقف» صوب
مجلس الشورى الاسلامي عام (1363 ه. ش) على قانون
يشتمل على مادة واحدة وخمس فقرات، وقدنصت مادته
الواحدة على ما يلي: «اعتبارا من هذا التاريخ تعاد جميع
الاوقاف التي بيعت او استملكت بصورة ما من دون مجوز
شرعي الى وقفيتها، وتلغى جميع سندات الملكية الصادرة
بشأنها». ولتحديد مسؤوليات المتصرفين في الاوقاف المذكورة نص هذا القانون على ما يلي:
«الفقرة الاولى: بعد الغاء سندات الملكية، ففي الحالات التي
تكون فيها الموقوفة صالحة للايجار وطلب المتصرف ايجارها،
يبرم عقد الايجار معه مع اخذ مصلحة الوقف والحقوق
المكتسبة للمتصرف بنظر الاعتبار».
وجاء في الفقرة الرابعة من هذه المادة ايضا: ومن أجل الاسراع في استعادة الاوقاف المتصرفة بحث مجلس الشورى الاسلامي في عام (1371 ه. ش) قانون الغاءبيع الاوقاف مجددا، وادخل عليه بعض التعديلات لكي يمتلك ضمانة تنفيذية اقوى من السابق، فقد جاء في الفقرة الرابعة لهذا التعديل القانوني:
«في حالة عدم مراجعة المتصرفين في مثل هذه الاوقاف في
مدة اقصاها (30) يوما من تاريخ ابلاغ منظمة الاوقاف لهم - من
اجل تحديد مصير الموقوفة المتصرف بها - يحق لمنظمة
الاوقاف ان تقوم بتاجير الموقوفة المذكورة الى اشخاص آخرين،
وفي حالة وجود اختلاف بين المتصرفين ومنظمة الاوقاف
حول الحقوق الاكتسابية فعلى السلطات القضائية ان تبحث
مثل هذه الدعاوى وتبت فيها بصورة استثنائية سريعة».
وتنفيذا لهذه القوانين الشرعية قامت منظمة الاوقاف ومتولو
الاوقاف بابرام عقود الايجار مع سبعمئة الف شخص
من متصرفي الاراضي الموقوفة التي خرجت عن وقفيتها في
النظام السابق على الثورة الاسلامية في ايران، وتم احياء
الكثيرمن الاوقاف التي كانت تستخدم خلافا لنية الواقفين.
ويمكن القول: بان هذه الخطوات التي اتخذها مجلس الثورة
ومجلس الشورى الاسلامي بعثت روحا جديدة في اوقاف البلاد
التي كانت مشرفة على الاضمحلال التام، وبعثت الامل في
قلوب الاخيار، وشجعت المؤمنين في ايران الاسلامية على
القيام باعمال البر في اطار الوقف.
وبعبارة اخرى: ان تلك الخطوات احيت الوقف الاسلامي من
جديد. المزايا القانونية التي تهدف الى مساعدة الاوقاف وتشجيع الاخيار على الوقف: هناك بعض القوانين التي تقوم بها الدولة لاعانة ادارة الاوقاف على ادارة شؤونها، وتساعد الخيرين على ممارسة هذه السنة الحسنة، فمن تلك القوانين:
1 - ما طبق في سنة (1371 ه. ش) في الجمهورية الاسلامية في
ايران، حيث اعفيت الاوقاف العامة من الضرائب السنوية، طبقا
للفقرة الثالثة من المادة الثانية من قانون الضرائب، حيث نصت
الفقرة المذكورة فقالت: «تعفى من الضرائب السنوية الاوقاف
العامة التي تنفق عائداتها طبقا للموازين الشرعية في امور من
قبيل: الاعلام الاسلامي، الدراسات الثقافية والعلمية والدينية
والفنية والتحقيقية، والاكتشافات، والتربية والتعليم، والصحة،
وتشييد واعمار المساجد واماكن الصلاة ومدارس العلوم
الاسلامية ومجالس العزاء، والاطعام، واعمار الاثار التاريخية
وشؤون الاعمار، والنفقات او القروض الدراسية للطلاب
والجامعيين، واعانة المستضعفين والمتضررين من الكوارث
كالسيول والزلازل والحروب والحرائق والكوارث الطارئة
الاخرى...».
2 - وطبقا للفقرة الواردة في ذيل المادة التاسعة من قانون
انظمة وصلاحيات منظمة الاوقاف والشؤون الخيرية
لعام(1363 ه. ش) اعفيت الاوقاف العامة والعتبات المقدسة
والاماكن الدينية الاسلامية ومدارس العلوم
الاسلامية والمؤسسات الخيرية من دفع نفقات التحكيم في
المحاكم القضائية، ونفقات السجل في الدوائر الرسمية،
ونفقات تفكيك الاملاك الموقوفة، ونفقات تنفيذ الاحكام.
3 - وطبقا للفقرة الثالثة من المادة (26) من قانون اعادة البناء
والاعمار البلدي اعفيت الاوقاف العامة من دفع ضرائب البناء
للبلديات. مميزات قانون الاوقاف في الجمهورية الاسلامية في ايران:
1 - ان ادارة الاوقاف منصب شرعي، فقد صرح القانون بضرورة
ان يكون المشرف على الاوقاف مجازا من قبل الولي الفقيه
(قائد الثورة) في التصدي للامور المتوقفة على اذن الولي
الفقيه.
2 - لكل موقوفة شخصية اعتبارية به، والمتولي او منظمة
الاوقاف هو الممثل لتلك الشخصية. والمتولي او المنظمة تقوم
بالدفاع عن منافع الوقف، وهذا الدفاع القانوني له دور كبير في
استيفاء حقوق الاوقاف اثناء طرح الدعوى في المحاكم.
3 - تقوم منظمة الاوقاف بالاشراف على جميع اعمال وتصرفات
المتولين والقيمين الذين تحوم حولهم شبهات التفريط في
اصل الاوقاف ومنافعها، وفي حالة عدم قيامهم بمسؤولياتهم
الشرعية تطالب المنظمة - وعن طريق السلطات القضائية -
عزلهم او منعهم من التدخل في شؤون الموقوفة. وبعد اثبات
جرم المتولي وبت المحكمة في ذلك تدار شؤون الاوقاف
المذكورة طبقا لسندات الوقف حتى يتعين متول او قيم جديد.
4 - الزام قانون الاوقاف بتاجير الاملاك الموقوفة باعلى الاسعار
عن طريق الاعلان والمزاد. وفي بعض الحالات الاستثنائية
يجوز للمشرف على المنظمة فقط التخلي عن عملية المزاد
في تاجير الاملاك.
5 - جاء في الفقرة الرابعة من المادة السابعة من قانون الاوقاف:
«ان جميع المشرفين على الاوقاف - من متولين وقيمين وامناء
ومدراء للمؤسسات المذكورة في هذا القانون - هم بحكم الامين
عليها، وفي حالة تعديهم وتفريطهم او قيامهم بمخالفات
قانونية اخرى يلزمون باداء الحقوق والاموال وتسديد الخسائر
الناتجة من تصرفاتهم، واذا ما كانت تلك التصرفات مشمولة
بقانون العقوبات فانهم يلاحقون من قبل السلطات القضائية
ويحكم عليهم بالعقوبات المقررة.
6 - تقرر ان يدخر (20%) من مجموع عوائد كل موقوفة لعمليات
اصلاحها وصيانتها لكي تصرف في ذلك عند اللزوم،او تستثمر
في موقوفات اخرى مؤهلة لذلك.
7 - قامت منظمة الاوقاف في ايران عام (1365 ه. ش : 1986 م)
بانشاء «مؤسسة صندوق اعمار اوقاف البلاد»وتتلخص اهداف
هذه المؤسسة بما يلي:
8 - ان منظمة الاوقاف والشؤون الخيرية في ايران مخولة قانونيا
ايضا بانشاء شركات او مؤسسات اقتصادية اعتماداعلى المصادر
المالية للاوقاف.
وقد قامت المنظمة استنادا الى هذا التخويل القانوني بتاسيس
شركات في مجالات الزراعة وتربية المواشي ونشرالكتب.
ومن النشاطات الثقافية لشركة الطباعة والنشر، تاسيس
المطبعة الكبرى لطباعة القرآن الكريم.
هذا خلاصة خاطفة لبعض القوانين التي تشجع القائمين على
اعمال البر والوقف وتدفعهم الى الاقدام على هذه
السنة الحسنة، وهي بدورها تحافظ على الوقف وتنميه باحسن
الوجوه الممكنة؛ ليدر النفع الكامل على هذا المجتمع المسلم
وينتفع بهذه المنافع العظيمة في سبيل الرقي والوصول الى
الكمال الذي ينشده الاسلام من كل تشريعاته العظيمة. الاستاذ السيد محسن الموسوي الاراضي العامرة بالاصل
تقسم الارض باعتبار العمران والبوار - سواء كان بالاصل او
بالعارض - الى اربعة اقسام، كان احدها الارض الموات بالاصل،
وقد تقدم البحث فيه مفصلا في عدد سابق.
وسوف نبحث في هذا المقال القسم الثاني من تلك الاقسام،
وهو بحسب ترتيبنا عبارة عن: الارض العامرة بالاصل.
ويقصد الفقهاء بهذا القسم: الارض العامرة من دون ان يتصدى
محي لاحيائها، سواء كانت عامرة خلقة، او انها كانت مواتا خلقة
ثم احتيت بمرور الزمان ونزول الامطار وما شابه.
وحكم الارض العامرة بالاصل - وكما تقدم ذلك - انها قسم من
الانفال؛ لما ورد في موثقة ابان بن عثمان: «... وكل ارض لا رب
لها، والمعادن منها، ومن مات وليس له مولى فماله من
الانفال»((80)).
وما ورد في رواية ابي بصير عندما سال الامام الباقر(ع) عن
الانفال، فقال(ع): «منها المعادن، والاجام، وكل ارض لا
رب لها..»((81)).
فقد دلتا على ان كل ارض لا رب لها فهي للامام(ع) ومن
مصاديق الانفال. وبما انا قد استوفينا البحث في ذلك ولا
نرى فرقا بين هذا القسم وبين الموات بالاصل، فانه لا شك ولا
ترديد في ان هذا القسم هو من الانفال وملك لامام المسلمين. ولذا فان الخوض فيه ثانية يعتبر تكرارا لما تقدم، ومن هنا فسوف نركز البحث حول حكم هذا القسم، فنقول:
انه اذا كانت الارض العامرة المشار اليها من الانفال وانها
للامام(ع) - وهو مما لا شك فيه ولا شبهة وان ظن البعض
انهامن المباحات الاصلية - فان من الواضح ان التصرف فيها
وتملكها يتوقف على اذن الامام، وقد مر انه(ع) قد اذن في احياء
الارض الموات، وان كنا قد شككنا في كون هذا الاذن اذنا عاما.
ولا يستفاد من الروايات المتقدمة تحقق الملكية بالاحياء، الا اذا
حصل من الاجماعات المنقولة الاطمئنان بان مسالة تحقق
الملكية كانت ولا تزال امرا مسلما، بحيث يكون ذلك كاشفا عن
رضا المعصوم(ع). ومن هنا نرجع كرة اخرى الى روايات احياء الموات والانفال لنلاحظ ان الائمة(ع) هل اذنوا بالتملك او التصرف في الاراضي العامرة، ام لم ياذنوا بذلك؟ لم يرد في باب احياء الموات ما فيه تعرض للاراضي العامرة بالاصل، ولكن هناك ثلاث روايات يمكن ان يستفاد منهاحكم هذا القسم من الارض، وهي:
1 - ما رواه محمد بن مسلم قال: سالته عن الشراء من ارض
اليهود والنصارى، قال: «ليس به باس.. وايما قوم احيوا شيئامن
الارض او عملوه فهم احق بها، وهي لهم»((82)).
2 - ما رواه السكوني عن ابي عبد الله(ع) قال: «قال رسول
الله(ص): من غرس شجرا او حفر واديا بديا لم يسبقه اليه احداو
احيا ارضا ميتة فهي له؛ قضاء من الله ورسوله»((83)).
3 - ما رواه الشيخ صحيحا بسنده الى الحسين بن سعيد، عن
فضالة، عن جميل بن دراج، عن محمد بن مسلم، عن الباقر(ع)
قال: «ايما قوم احيوا شيئا من الارض او عمروها فهم احق
بها»((84)).
4 - رواية مسمع بن عبد الملك المتقدمة التي بحثنا - في العدد
السابق - عن جهتها السندية مفصلا وقلنا انه يمكن القبول بها مع شيء من التسامح. وهي تدل على المطلوب بشكل واضح
وصريح، حيث يقول(ع) في هذه الرواية المفصلة نسبيا: «يا ابا
سيار، الارض كلها لنا، فما اخرج الله منها من شيء فهو لنا...
وكل ما كان في ايدي شيعتنا من الارض فهم فيها محللون،
ومحلل لهم ذلك الى ان يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان
في ايدي سواهم؛ فان كسبهم من الارض حرام...»((85)).
فانها تدل بشكل صريح وقاطع لا يقبل الشك على ان الارض
العامرة هي للائمة(ع) ومن موارد الانفال، وقد احلوالاتباعهم
الارض، وهي حلية مستمرة الى وقت ظهور الامام المهدي -
عجل الله فرجه الشريف - لانه قد ورد في نقل الكليني - الذي
اخترناه - قوله: «فيجبيهم طسق ما كان في ايديهم وترك
الارض في ايديهم».
وواضح ان نقل الشيخ الكليني هو الاصح من نقل الشيخ الذي
نقلناه اولا، كما ان ما نقله الكليني موافق في
المضمون لصحيحة محمد بن مسلم التي حكم الامام فيها بحق
الاختصاص للذي حاز ارضا عامرة او احيا ارضا مواتا. ولا
يستفادمنها الا حق الاولوية والاختصاص.
والخصوصية التي في هاتين الروايتين - اي صحيحة محمد بن
مسلم ومعتبرة مسمع بن عبد الملك - في اثبات ذلك هي عدم
وجود اي مزاحم لهما، كما كان في القسم الاول، حيث لا يوجد
الا مضمرة محمد بن مسلم الوارد فيها عبارة «هي لهم» بعد
قوله: «فهم احق بها»، وقد ذكرنا انها لا اعتبار لها بسبب
الاضمار، ورواية السكوني الوارد فيها عبارة «فهي له»، فانها -
مضافا الى ضعفها بالسكوني والنوفلي - لا دلالة واضحة فيها
على المطلوب؛ حيث لم يعرف مرجع الضميرفي «هي».
فيتضح من ذلك ان الاراضي العامرة التي بيد من حازها ليست
ملكا له وان كانت حلالا لاتباع اهل البيت(ع) ولهم حق الانتفاع
بها، الا انه لا تترتب على ذلك آثار الملكية، ولذا فللامام العادل
الجامع للشرائط - سيما بناء على ولاية الفقيه وما يشخصه من
مصالح المسلمين والمجتمع الاسلامي - نزعها من ايديهم او
اخذ طسقها منهم.
فان قيل: انه قد ورد ايضا: «وما كان لنا فهو لشيعتنا»((86))،
وهو وارد في الاراضي؛ لان الراوي قد سال الامام الصادق(ع)
عن حقهم(ع) في هذه الاراضي، فقال(ع) في جوابه: «ان
الارض جميعا لنا»، ثم قال: «وما كان لنا فهو لشيعتنا»، فيكون
اللام في «لشيعتنا» للملكية لا لمجرد الاختصاص.
فانه يقال:
ثانيا - انه قد تقدم ان رواية مسمع بن عبد الملك صريحة في
افادة حق الاولوية، فيشكل ذلك قرينة للتصرف في ظهوراللام.
وهنا تاتي جميع الاجوبة المتقدمة في القسم الاول من الارض
فلا نعيد.
ان قيل: ان اخبار التحليل قد اشتملت على تعابير لا يمكن
الاغماض عنها وانكار الملكية، كقولهم(ع): «فهو في حل ممافي
ايديهم من حقنا»((87))، وايضا «الا انا احللنا شيعتنا من
ذلك»((88))، وغير ذلك من الاخبار الواردة في ذلك. فيجب
حينئذ المصير الى القول بافادة الحيازة للارض الملكية لا حق
الاختصاص فحسب.
فانه يقال: وثانيا - انها لا علاقة لها من حيث الدلالة بالاراضي، بل هي واردة في خمس آل محمد(ع)؛ فالحديث الاول - مثلا - وارد في الغلات والتجارات، والحديث الثاني في مظلومية اهل البيت(ع)؛ ولذا فانه لا يعلم شمولها للاراضي العامرة. وثالثا - ان قوله: «احللنا شيعتنا من ذلك» او «فهو في حل مما في ايديهم» ونحوه غير ظاهر في الملكية البتة، بل لايبعد ان يكون ظهورها في الاباحة والانتفاع المؤقت اقرب من ظهورها في الملكية.
وعلى ضوء ذلك، فانه لا شك في ان الاراضي العامرة التي لا
يقصد باعمارها الانتفاع هي كالاراضي الموات بالاصل التي
تقدم بحثها سابقا، وكل ما ذكرناه هناك من الشواهد على عدم
افادة الملكية فيها جار هنا ايضا في هذا القسم.
فنخلص: الى ان جميع تلك الشواهد هناك وجميع ما ذكرناه
هنا يورث الاطمئنان بل القطع بان الحيازة لا توجب
الملكية لهذه الاراضي، الا ان يقوم اجماع قطعي على خلاف
ذلك بحيث يحصل الاطمئنان بان احياء الموات وحيازة
الارض العامرة بالذات موجب للملكية، وقد تقدم ان هذا لا يعدو
كونه وهما.
وتمسك بعض الاكابر هنا لاثبات الملكية بالسيرة القطعية،
وبالنبوي: «من سبق الى ما لا يسبقه اليه المسلم فهو
احق به»((89)). وقد اتضح مما تقدم الخدشة في مثل هذه الاستدلالات، وذلك: أولا - لوجود رواية معتبرة تدل على ثبوت الاختصاص وحق الاولوية في التصرف، ومع وجود مثل هذه الرواية لا يبقى مجال للبحث. وثانيا - ان السيرة العقلائية حجة فيما لو احرز اتصالها بعصر المعصومين(ع) مع عدم انكارهم لها، ولسنا نفقد ما يثبت وجودها في عصرهم وامضاءهم لها فحسب، بل عندنا من الروايات المعتبرة ما يدل على خلافه. وثالثا - انه كيف يمكن الاستناد الى السيرة في المباحات في تملك مال الغير؟! ورابعا - ان النبوي المذكور مرسل لا سند فيه. وخامسا - ان نفس النبوي يدل على حق الاولوية دون الملكية؛ لانه قد دل على ان من سبق الى شيء فهو احق به لاانه مالك له.
اشكال مهم: قد يشكل على ما ذكرناه: بان الاجماع قائم على
خلافه، فان جميع فقهائنا متفقون على ان الارض
تملك بالحيازة والاحياء، وهكذا الاخبار، فليس لاحد ان يفتي
في مقابل ذلك وعلى خلافه، ومن هنا فلابد حينئذ من
القول بحصول الملكية بالاحياء والحيازة.
ومن تلك الاخبار الدالة على الملكية: «من حاز شيئا ملكه» و «من استولى على شيء فهو له» و «للعين ما رات ولليد
مااخذت»، وواضح انها تدل على الملكية بسبب الحيازة. كما انه
قد ورد في باب الاحياء: «من احيا ارضا فهي له» مما يدل على
حصول الملكية ايضا.
الا ان التامل جيدا فيما ذكرناه لا يبقي مجالا لهذا الاشكال؛ لما
قدمنا سابقا من ان تحصيل الاجماع بمعنى الاتفاق التام ليس
ممكنا، وعلى فرض تماميته وامكانه فلا يعلم كاشفيته عن نظر
المعصوم ورايه لكونه مدركيا؛ لورود الروايات المختلفة في
ذلك، وقد تمسك بها نفس الفقهاء المجمعين!
واما الاخبار المذكورة فهي لا علاقة لها فيما نحن فيه، والاخبار
الواردة عن الائمة(ع) في المسالة هي التي ذكرناهاوبحثناها.
واما هذه الروايات فهي: السيد علي عباس الموسوي مقدمة:
يشكل النص عنصرا اساسيا مقوما لعملية الاستنباط الفقهي،
فالنص سواء كان قرآنيا او نبويا او ولويا هو العنصر الاول
في استجلاء الحكم، ولكن حيث كانت النصوص متناهية
والوقائع لا متناهية كان لابد وان تخرج هذه النصوص
عن خصوصيتها في مواردها لتشكل عنصرا مشتركا في استنباط
احكام لوقائع متعددة. والغاء خصوصية النص هو احدعوامل
التعميم في النص لغير المورد الذي ورد فيه هذا التعميم الذي
يعتمد على الظهور العرفي بشكل اساسي وعلى عوامل اخرى
ناتي على ذكرها دون ان يكون هذا التعميم معتمدا على وسائل
التعميم المتعارفة التي درسها الاصوليون بشكل مستقل، فلا
تعتمد على ادوات العموم ولا على الاطلاق اللفظ ي او المقامي،
بل هي عوامل اخرى غريبة عن كلا الامرين.
ذكر الفقهاء في الكثير من موارد استدلالاتهم في ابحاثهم
الفقهية مصطلح الغاء الخصوصية ويريدون به بشكل
اجمالي تعميم الحكم الى المورد المراد اثبات الحكم له عبر
الخروج عن مشكلة تخصيص الحكم بالمورد الذي ورد فيه،
ولم يذكر الفقهاء لالغاء الخصوصية ضابطا معينا يمكن فيه
الرجوع اليه، بل يختلف الذوق الفقهي لكل فقيه عن الاخر،
ففي مورد واحد قد يتعدى بعض الفقهاء عن المورد متمسكا
بالغاء الخصوصية، فيما يتمسك فقيه آخر بخصوصية
الموردنافيا الغاء الخصوصية، ويظهر بوضوح في بعض الموارد
ان الخصوصية ملغاة، ولكن في موارد اخرى يحتاج
الغاءالخصوصية الى قرائن لا تكون واضحة بتلك الدرجة.
ونسعى في هذه المقالة الى محاولة دراسة العوامل التي توجب
الغاء الخصوصية لدى الفقهاء ومعرفة كيفية تطبيق الفقهاء لهذا
الامر في ابحاثهم الفقهية، وهذه العوامل متعددة، ومن خلال
دراسة هذه العوامل نخلص الى معرفة الفارق الذي يمكن ان
يكون بين مصطلح الغاء الخصوصية وبين سائر المصطلحات
التي تشترك معه بنحو ما، مثل: تنقيح المناط، ومناسبة الحكم
والموضوع، وكون الحكم واردا مورد الغالب... الى ما هنالك. عوامل الغاء الخصوصية العامل الاول - تنقيح المناط او مستنبط العلة: تنقيح المناط: هو مصدر من نقح؛ اي ازال الزائد.
وعرف بانه:
«ابعاد الاوصاف التي لا دخل لها في الاعتبار عن العلة»((90)).
كما عرف ب: «ان يفتش عن ملاك الحكم، فيعمم الحكم لما
توفر فيه الملاك والمناط؛ فان كان قطعيا جاز التعميم
والافلا»((91)).
ويشير التعريف الثاني الى الخلاف بين الاصوليين من الامامية
وغيرهم، حيث لا يرضى هؤلاء بتنقيح المناط الا ما كان منه
قطعيا، فيما يعمم اولئك تنقيح المناط حتى في موارد الظن.
وفي مراجعة لما ذكره الاصوليون من التعريف لمسالة تنقيح
المناط نلاحظ ما ذكره المحقق الحلي، حيث عرف
تنقيح المناط بانه: «الجمع بين الاصل والفرع قد يكون بعدم
الفارق، ويسمى: تنقيح المناط، فان علمت المساواة من كل
وجه جاز تعدية الحكم الى المساوي، وان علم الامتياز او جوز لم
تجز التعدية الا مع النص على ذلك؛ لجواز اختصاص الحكم
بتلك المزية، وعدم ما يدل على التعدية. وقد يكون الجمع بعلة
موجودة في الاصل والفرع، فيغلب على الظن ثبوت الحكم في
الفرع، ولا يجوز تعدية الحكم - والحال هذه - بما سندل عليه. فان
نص الشارع على العلة وكان هناك شاهد حال يدل على سقوط
اعتبار ما عدا تلك العلة في ثبوت الحكم، جاز تعدية الحكم،
وكان ذلك برهانا((92)).ثم يذكر المحقق الحلي مسائل يمكن
الالتزام بالتعميم فيها وعدمه.
ويعرفه الفاضل التوني بانه: «اذا علم عدم مدخلية بعض
الاوصاف فحذف وعلل بالباقي»((93)).
ويعرفه الحكيم ب: «ان يضيف الشارع الحكم الى سببه فتقترن
به اوصاف لا مدخل لها في الاضافة، فيجب حذفها عن الاعتبار
ليتسع الحكم»((94)).
ومثلوا له بقصة الاعرابي الذي قال للنبي(ص): هلكت يا رسول
الله! فقال له: «ما صنعت؟» قال: وقعت على اهلي في
نهار رمضان، قال: «اعتق رقبة». حيث استفادوا عدم الخصوصية
في كونه اعرابيا، فالحقوا به جميع المكلفين، ولا في كون المراة
التي وقع عليها اهلا له فالحقوا به الزنا، ولا خصوصية لخصوص
شهر رمضان الذي وقع فيه على اهله فالحقوا به جميع اشهر
الصيام.. الى ما هنالك من الخصوصيات التي يعلم بعدم
مدخليتها.
ومصطلح تنقيح المناط اعم لدى المدرستين الاصوليتين
الشيعية والسنية من القياس، فالقياس المشهور في مدرسة
ابي حنيفة لا يعتمد عليه فقهاء الشيعة؛ لانه لا يفيد الا الظن. واما تنقيح المناط فقد يستفاد من لسان الرواية او العلم
بسبب امر من الامور الخارجية بعدم مدخلية الخصوصية في
الحكم او نحو ذلك؛ ولذا يلتزم به فقهاء الشيعة مع افادته
القطع دون ما لو افاد الظن.
كما يفترق تنقيح المناط عن منصوص العلة: بان مورد
منصوص العلة عبارة عما اذا كان عموم العلة صالحا لان
يجعل كبرى كلية لو انضم الى الحكم المعلل بها لحصل منهما
قياس بصورة الشكل الاول، كما في قوله: «الخمر حرام
لانه مسكر» حيث قال: «الخمر مسكر وكل مسكر حرام»، ولابد
من ان تكون صحة الاستدلال به متوقفا على قابليته
لهذاالانضمام بحيث لولاها لم يكن الاستدلال به صحيحا، وهو
لا يتحقق الا فيما اذا كان الحكم المعلل عاما ولم يكن فيه جهة
اختصاص بالموضوع المذكور في الخطاب((95)).
ويختلف الفقهاء صغرويا في تنقيح المناط؛ فيلتزم بعضهم
بالتعميم اعتمادا على تنقيح المناط، وينكر عليه آخر ذلك،ولذا
اشتهر لدى الفقهاء القول بان «دعوى تنقيح المناط عهدتها
على مدعيها»، فهم مع تسليمهم بكبرى حجية تنقيح المناطيختلفون في ثبوتها صغرويا في
الكثير من الموارد. ولاجل الخروج بشيء محدد يمكنه ان يكون معيارا للتمسك بتنقيح
المناط صغرويا نلاحظ موارد الاختلاف بين الفقهاء، ففي مسالة
الديون المالية المترتبة على الميت غير الحج التزم السيد
اليزدي بوجوب الاخراج على من بيده مال للميت باي نحو من
الانحاء سواء الوديعة او العارية او الغصب اوغير ذلك، واستند في
ذلك الى تنقيح المناط؛ لان الحكم ورد بذلك في الحج من
مال كان وديعة. واستشكل عليه السيدالخوئي بان ذلك من
باب القياس ولا نقول به؛ وذلك لان الحج اهم من سائر الديون
حتى الديون المتعارفة، فلا مجال للتعدي بتنقيح
المناط((96)).
ومن الموارد الاخرى في الحاق اللاصق بالجبيرة، فقد ذهب
الشيخ الانصاري الى الحاق اللاصق الذي هو في مواضع الوضوء
بالجبيرة في الوضوء، والروايات الواردة في الجبيرة مختصة
بالجراحة والقرحة والكسر. والشيخ لاجل الغاءخصوصية ذلك
تمسك بتنقيح المناط، وان المناط في اجراء احكام الجبائر
ليس هو وجود الجرح والخرقة عليه، وانما المناط عدم التمكن
من ايصال الماء الى البشرة، وهو متحقق في اللاصق.
وأورد عليه السيد الخوئي: بان تنقيح المناط اشبه شيء
بالقياس، بل هو هو بعينه؛ وذلك لعدم علمنا بمناطات
الاحكام وملاكاتها، فترى انا نحكم بكفاية غسل اطراف الجرح
المشكوك في صحة الوضوء مع عدم غسل تمام الاعضاء،
اومسحه؛ لعدم وجوب غسل الجرح ولا مسحه، ولا نلتزم بكفاية
الوضوء الناقص فيما اذا توضا واعضاؤه سليمة ولم يف الماء لتمام اعضائه بل بقي
منها شيء ولو بمقدار موضع الجرح او اقل في
الجريح، كما ان شيخنا الانصاري ولا غيره لايلتزمون بكفاية
الوضوء حينئذ، وليس هذا الا لعدم علمنا بالمناط، فليكن الامر
في المقام ايضا كذلك((97)). العامل الثاني - تعطيل الخصوصية للاحكام: ان الغاء خصوصية الواقعة والسائل والمسؤول عنه انما هو باعتبار استلزام الالتزام بالخصوصيات هذه تعطيل الاحكام،والوجه في ذلك العلم بعدم خصوصية المسالة.
وينقل صاحب الحدائق عن المحقق في المعتبر انه لابد من
الالتزام بذلك؛ لان مدار الاستدلال في جل الاحكام الشرعية
على ذلك؛ اذ لو لوحظ خصوصية السائل او الواقعة لم يثبت
حكم كل ي في مسالة شرعية الا نادرا((98)).
ولعل الغاء خصوصية السائل في كثير من الاحكام يكون واضحا،
ولكنه في بعضها لا يكون كذلك.
ومن الموارد التي لاحظ الفقهاء فيها خصوصية السائل ما ورد
عن بريد العجلي عن ابي عبد الله(ع)، قال: سالته عن
رجل استودعني مالا، فهلك وليس لولده شيء، ولم يحج حجة
الاسلام؟ قال: «حج عنه، وما فضل فاعطهم»((99)).
وقد وقع الخلاف بين الفقهاء في اشتراط اذن الحاكم الشرعي
ليحج عنه من بيده الوديعة، والشهيد الثاني استبعد اعتباراذن
الحاكم من جهة ان خصوصية السائل غير ملحوظة في الاحكام،
فكان الامام قال: «فليحج عنه من بيده الوديعة»،فيكون الخبر
مطلقا شاملا لكل من بيده الوديعة سواء تمكن من الاذن من
الحاكم او لا((100)).
والسيد صاحب المدارك منع من اطلاق الرواية؛ بدعوى ان
الرواية تضمنت امر الصادق(ع) بريدا بالحج، وهو
اذن وزيادة((101)).
وأجاب عنه صاحب الحدائق بان الظاهر من الخبر وسائر الاخبار
الواردة في الاحكام انما هو افادة قانون كلي وحكم عام، وانه لو
خصت الجوابات الخارجة عنهم(ع) باشخاص السائلين لم
يمكن ان يستنبط من اخبارهم حكم عام الا نادرا.
والمثال الاخر الذي يمكن ذكره لالغاء خصوصية المسؤول عنه
ما ذكره الفقهاء في مسالة انفعال الماء القليل بالملاقاة،فقد ورد
في رواية العفو عن الدم القليل المروية عن علي بن جعفر عن
اخيه موسى(ع) انه قال: سالته عن رجل رعف فامتخط، فصار
ذلك الدم قطعا صغارا، فاصاب اناءه، هل يصلح الوضوء منه؟
قال: «ان لم يكن شيئا يستبين في الماء فلاباس، وان كان شيئا
بينا فلا يتوضا منه»((102)).
فالشيخ عمم الحكم في الرواية لغير دم الانف، واعترض عليه
بعض الفقهاء بان التعدي لا يخلو من اشكال، واجاب عنه صاحب
الحدائق: بانه لو خصت الاحكام بخصوص الوقائع المخصوصة
ومشخصاتها الخارجية لم يكد يتفق وجودحكم كلي في احكام
الفقه الا القليل، ولاجل ذلك لابد من التعدي عن خصوصية
الانف الى سائر افراد الدم من باب تنقيح المناط
القطعي((103)). العامل الثالث - خروج الحكم مورد التمثيل: ذكر الفقهاء ان الحكم لو ورد خاصا ولكن علم انه قد ورد في المورد الخاص من باب التمثيل فلابد من التعميم لاجل تنقيح المناط القطعي، ومثاله: ما ذكره في الحدائق((104)) من تعميم وجوب اعادة الصلاة على من صلى في النجاسة عامدا او ناسيا مهما كانت النجاسة، مع ان الذي ورد في النصوص انما هو عن نجاسات مخصوصة، ولم يلتزم احد من الفقهاء بتخصيص الاعادة بها بخصوصها، بل عدوا الحكم الى كل نجاسة؛ نظرا للاشتراك في العلة وهي النجاسة، ويعلل صاحب الحدائق ذلك بتنقيح المناط القطعي.
والمثال الاخر على ذلك: لو ورد السؤال من السائل عن حكم
الصلاة في القميص النجس فانه من المعلوم انه لاخصوصية
للقميص وانما ورد مورد التمثيل فقط، فيتعدى الحكم الى
مطلق اللباس.
ولعل ما تقدم هو من الموارد المتفق عليها عند الفقهاء انها
خرجت مخرج التمثيل، وقد وقع الخلاف في بعض المسائل؛
مثل ما تقدم من صحيح بريد العجلي فيمن مات وعليه حجة
الاسلام، فقد امر الامام بريدا بالحج عنه، وقدذكر السيد اليزدي
في العروة الوثقى انه نتعدى من خصوصية حجة الاسلام الى
مطلق الحج الواجب، بل وغير الحج من الواجبات كالخمس
والزكاة والمظالم والكفارات والدين، بل الغى صاحب العروة
خصوصية الوديعة الى مثل العارية والعين المستاجرة
والمغصوبة والدين الذي في ذمته، ويبرر صاحب العروة ذلك
بامرين اما لامكان فهم المثال من الصحيحة او دعوى تنقيح
المناط((105)).
ونفى السيد الخوئي الريب بكون الوديعة وردت مورد المثال
وان الخصوصية غير محتملة، ولكن في مسالة التعدي من الحج
الى سائر الواجبات المالية من الخمس والزكاة انكر السيد
الخوئي على صاحب العروة فهم كون الحج من باب المثال، بل
قال: ان ظاهر النص هو الاختصاص بالحج، وكونه من باب
المثال يحتاج الى قرينة وهي مفقودة((106)). العامل الرابع - العلم بعدم الخصوصية من الخارج: ومثاله: خروج الاحكام كلها عن الرجال؛ لان السؤال انما وقع عن حكم الرجال، مع انه لا خلاف في دخول النساء في جميع الاحكام ما لم تعلم خصوصية الرجال، فاذا يكفي العلم بعدم الخصوصية للتعميم. العامل الخامس - عدم ظهور الخصوصية: ورد في الرواية ان الماموم لو هوى من الركوع قبل الامام فلابد له من الرجوع((107))، والرواية وان وردت في حكم الركوع ولكن الاصحاب التزموا بالتعميم للسجود من باب بنائهم على عدم ظهور الخصوصية في الركوع((108)).
ومثله ما ذكره السيد الخوئي من الحكم بثبوت خيار الرؤية
للبائع في الثمن من جهة ان نسبة البيع الى البائع
والمشتري والى الثمن والمثمن على حد سواء، فاذا ثبت الحكم
بالنسبة الى المثمن لخصوص المشتري في مورد مع عدم
ذكرخصوصية له فيما دل على ثبوت ذلك الحكم له فنجزم من
ذلك ان الحكم يعم البائع ايضا((109)).
ولكن صاحب الحدائق يرفض في مورد آخر كون عدم ظهور
الخصوصية كافيا في التعميم، وذلك في مسالة حج الودعي عن
الميت الوارد في رواية بريد العجلي المتقدمة حيث قال: «ان
عدم ظهور الخصوصية لا يدل على العدم؛ اذ يجوز ان يكون
للحج خصوصية في ذلك ليست لغيره»((110)). العامل السادس - منصوص العلة: تقدم منا ذكر تعريف منصوص العلة، وانه اذا كان عموم العلة صالحا لان يجعل كبرى كلية لو انضم الى الحكم المعلل بهالحصل منهما قياس بصورة الشكل الاول، كما في قوله: «الخمر حرام لانه مسكر» حيث يقال: الخمر مسكر وكل مسكرحرام، ولابد من ان تكون صحة الاستدلال به متوقفة على قابليته لهذا الانضمام بحيث لولاها لم يكن الاستدلال به صحيحا((111)).
وذهب بعض اعلام علماء الشيعة الى انكار حجية منصوص العلة،
ولعل اقطاب هذا المنع مثل السيد المرتضى وصاحب الحدائق
والسيد نعمة الله الجزائري((112)).
ولعل دراسة حجج المانعين وحجج المثبتين تدلل على اتفاق
الفريقين وعدم اختلافهم. وقد ذكر صاحب الحدائق((113))
حجج المانعين نقلا عن المرتضى وعما حكاه العلامة؛ اما
المرتضى فحجته: «ان علل الشرع انما تنبئ عن الدواعي الى
الفعل او عن وجه المصلحة فيه، وقد يشترك الشيئان في صفة
واحدة ويكون في احدهما داعية في فعله دون الاخر مع ثبوتها فيه، وقد يكون مثل
المصلحة مفسدة، وقد يدعو الشيء الى
غيره في حال دون حال وعلى وجه دون وجه - الى ان قال: - فاذا صحت هذه الجمل لم يكن
في النص على العلة ما يوجب التخطي والقياس، وجرى النص على العلة مجرى النص على
الحكم في قصره على موضع».
واما ما حكاه العلامة من حجج المانعين فهو: «بان قول الشارع:
حرمت الخمر لكونها مسكرة، يحتمل ان تكون العلة هي الاسكار،
وان تكون اسكار الخمر بحيث يكون قيد الاضافة الى الخمر
معتبرا في العلة، واذا احتمل الامران لم يجزالقياس. ثم اجاب
بالمنع من احتمال اعتبار القيد في العلة». والصلح الذي يوقعه
العلامة بين الطرفين - المنكر والمثبت - من جهة «ان النزاع هنا
لفظ ي؛ لان المانع انما يمنع من التعدية؛ لان قوله: حرمت
الخمر لكونه مسكرا، محتمل لان يكون في تقدير التعليل
بالاسكار المختص بالخمر فلا يعم، وان يكون في تقدير التعليل
بمطلق الاسكار فيعم، والمثبت يسلم ان التعليل بالاسكار
المختص بالخمر غير عام، وان التعليل بالمطلق يعم، فظهر
انهم متفقون على ذلك». والتمسك بمنصوص العلة لاجل الغاء الخصوصية، وتعميم الحكم يشترط بامور: أولا - ان تكون العلة غير مضافة الى الموضوع؛ بان تكون وردت لافادة كبرى كلية، وهذا ما اشار اليه اكثر الاعلام فهو ماتقدم من كلام العلامة، وانه لابد من عدم احتمال كون الموضوع قيدا للعلة، وعليه فالتعميم تام اذا لم يكن في الحكم المذكور في الكلام ما يوجب اختصاصه بالموضوع المذكور فيه، ولا في علة الحكم المذكورة في الكلام ما يوجب احتمال دخل اضافتها الى خصوص المورد المعلل - نظير ما اذا ورد مثلا: الخمر حرام لانه مسكر؛ حيث انه ليس في الحكم؛ اعني الحرمة، ما يوجب اختصاصه بالخمر، بل كلمة «حرام» في هذه القضية تحمل على كل حرام في العالم في قضايا اخر كحمله على الخمر في تلك القضية - ولا في العلة اضافة الى الموضوع بحيث يصير منشا لاحتمال اختصاص اسكار الخمر في كونه علة للحرمة، ففي مثل هذه القضية تكون العلة المذكورة من قبيل المنصوص العلة الموجب لتعدي الحكم عن تلك القضية الى كل ما يحقق فيه العلة، فيقال مثلا: النبيذ مسكر بالوجدان وكل مسكر حرام فالنبيذحرام، فتكون النتيجة: قضية مركبة من موضوع اخذ من صغرى القياس - اعني قولنا: النبيذ مسكر - ومحمول اخذ من كبراه؛ اعني قولنا: وكل مسكر حرام، هذا. واما مع اضافة العلة الى الموضوع - كما اذا كان في المثال المذكور «الخمرحرام لاسكارها» بدل قوله: لانه مسكر - فلا يخلو اما ان يستفاد الغاء خصوصية اسكار الخمر في كونه علة للحرمة، بل الاسكار بما هو اسكار ولو مع عدم اضافته الى الخمر يكون علة للحرمة، فيدخل في المنصوص العلة كالقسم الاول،واما الا يستفاد من الخارج الغاء خصوصية اسكار الخمر في دخله في العلة فيخرج عن باب منصوص العلة، ولا يمكن اسراء الحكم بهذه العلة المحتمل اختصاصها بالمورد عن موردها الى غيره من الموارد((114))، وهذا كله ما يعبر عنه بان تكون العلة وردت لافادة كبرى كلية((115)).
والضابط في معرفة ذلك هو: «ان تكون العلة على وجه يصح
ورودها والقاؤها الى المكلفين ابتداء بلا ضم المورد اليها،كما
في قوله(ع): «فان المجمع عليه مما لا ريب فيه»؛ فانه يصح ان
يقال: «خذ بكل ما لا ريب فيه»((116)).
بل ولاجل ذلك لم يلتزموا بالتعميم في مثل قوله(ع): «فان
الرشد في خلافهم»؛ فانه لا يصح ان يقال: «خذ بكل ما
خالف العامة»؛ لان كثيرا من الاحكام الحقة توافق قول العامة،
فلا يمكن ان يرد قوله(ع): «فان الرشد في خلافهم» دستورا
كلياللمكلفين بحيث يكون بمنزلة الكبرى الكلية، بل لابد وان
يكون التعليل بذلك لبيان حكمة التشريع، وليس من
العلة المنصوصة، فلا يجوز التعدي عنها الى كل مزية تقتضي
اقربية مضمون احد المتعارضين للواقع. ثانيا - ان تكون العلة المنصوصة تامة؛ بمعنى ان نعلم بان الحكم يدور معها كيفما دارت((117)).
ثم ان المدرك في حجية منصوص العلة انما هو كونها صغرى
لكبرى حجية الظهور؛ لانه بظهور النص في كون العلة
عامة ينقلب موضوع الحكم من كونه خاصا بالمعلل الى كون
موضوعه كل ما فيه العلة، فيكون الموضوع عاما يشمل
المعلل(الاصل) وغيره، ويكون المعلل من قبيل المثال للقاعدة
العامة، لا ان موضوع الحكم هو خصوص المعلل
(الاصل)
ونستنبط منه الحكم في الفرع من جهة العلة
المشتركة((118)). |