وبهذا لابد من الالتفات الى امور:

احدها: الفارق بين علة الحكم وعلة التشريع؛ فان الذي يوجب التعميم انما هو الاول دون الثاني؛ لان الثاني قد يكون حكمة لتشريع الاحكام؛ فيمكن ان يكون تحقق الحكمة في مورد عل ة لتشريع حكم كلي، واما علة الحكم فالحكم يدور مدارها ولا يمكن ان يتخلف عنها((119)). ومثال علة التشريع: ما ورد في روايات الترجيح عند التعارض من الترجيح بمخالفة العامة، وتعليل ذلك بقوله: بان الرشد في خلافهم؛ فانه منصوص العلة التي امر تطبيقها في المواردبنظر المكلف.
نعم غاية ما يكون هو غلبة الباطل في احكامهم، ولكن مثله لا يصلح للحكم بالترجيح الا بنظر الشارع، نظير غلبة الايصال الى الواقع في جعل الطرق غير العلمية لا بنظر المكلف الا في فرض احرازه، وعليه فلا يكون التعليل بالرشد الابيانا لعلة تشريع الحكم، لا ضابطا كليا للمكلف كي ينطبق على منصوص العلة فيتعدى منه الى غيرمورده((120)).

ثانيها - الفارق بين العلة المنصوصة والعلة المستنبطة، وهذا الفارق يظهر بملاحظة ما تقدم في تعريف منصوص العلة وانه يتوقف على عدم وجود جهة اختصاص بالموضوع؛ اذ لو كانت هناك جهة اختصاص لخرج عن مورد منصوص العلة؛ فان حصل حينئذ مناط قطعي للتعدي عن مورد الحكم الى غيره دخل في مستنبط العلة بالمناط القطعي، والافيخرج عن تنقيح المناط ايضا، فحكم منصوص العلة هو التعميم بلا حاجة الى مناط قطعي او غيره، لكون الدليل بمدلوله اللفظ ي متكفلا للعموم، وحكم مستنبط العلة هو احتياج التعميم الى القطع بالمناط((121))، وعليه يظهر ان مستنبط العلة هو عبارة اخرى عن تنقيح المناط.
واتفق الاعلام على ان العلل المنصوصة لا تكون عللا حقيقية - اي بالمعنى الفلسفي للعلة((122)) - بل هي حقيقة معرفات للحكم ولكنها تجري مجرى العلل الحقيقية، وهو الاساس في حجية منصوص العلة.

ثالثها - ذكر الشيخ الانصاري(قدس سره)((123)) ان طرح العلة المنصوصة في موردها لا يوجب طرحها كليا، وذلك كما لو ورد النص على علة الحكم في مورد ولم يمكن الالتزام بذلك لسبب ما، فان ذلك لا يعني عدم العمل بالعلة المنصوصة كليا بل يمكن الاعتماد عليها في غير ذلك المورد، والوجه في ذلك هو وجود الفارق بين منصوص العلة وبين قياس الاولوية؛ لانه بعد وجوب طرحه في مورده لا يجوز التمسك به. والمثال الذي يذكره الشيخ الانصاري لهذه الحالة في كتاب الصلاة في مسالة حكم صلاة المامومين مع تبين كون الامام مجنبا، حيث ورد في رواية عن اميرالمؤمنين(ع) حكمه بوجوب الاعادة ، وتعليله ذلك بان الناس بامامهم يركعون ويسجدون، فاذا فسدت صلاة الامام فسدت صلاة الماموم((124))، فان الحكم مع تبين كون الامام مجنبا عدم وجوب الاعادة على المامومين.

ومع وضوح المراد من منصوص العلة وقع الخلاف بين الاعلام في بعض الموارد وانها هل تكون صغرى لمنصوص العلة؟ ومثال ذلك: ما ورد في النبوي من انه لما سئل النبي(ص) عن بيع الرطب بالتمر، فقال: «اينقص اذا جف؟» فقالوا:نعم، فقال: «لا اذن»((125))، وغيره من الروايات الواردة عن ائمة اهل البيت(ع)((126))؛ فمن العلماء من التزم بالتعميم لبيع كل رطب بيابسه، ومنهم من اقتصر على المنصوص((217)).

العامل السابع - اتحاد طريق المسالتين:
عبر الفقهاء في العديد من الموارد عن اعتمادهم في الغائهم لخصوصية المورد باتحاد طريق المسالتين، وعبر عنه المحقق الكركي بانه فرع من فروع الاستصحاب ويخالفه في بعض الاحكام((218)).

وعند تعبير الفقهاء باتحاد طريق المسالتين فرقوا بينه وبين القياس واخرجوه عن القياس الممنوع عنه؛ ولذا عبر عنه بعض الفقهاء بان اتحاد الطريق في المسالتين هو القياس الجلي((129)).

والذي يظهر من المحقق الكركي في مداركه انه: تعدية الحكم من المنطوق الى المسكوت عنه لاجل النص على علية الحكم، ومثل لذلك بالنبوي المتقدم الوارد في بيع الرطب بالتمر لانه ينقص اذا جف، فيتعدى الحكم الى بيع الزبيب بالعنب((130)).

وفي مسالة جواز ان يشتري الوصي على اليتيم ما يملكه اليتيم يذكر صاحب الرياض ان وجه الصحة هو كفاية المخالفة الاعتبارية بين الموجب والقابل، ولاجل ذلك ادعى الشيخ الطوسي اجماع الشيعة على كفاية التغاير الاعتباري في النكاح، والتغاير الاعتباري حاصل هنا بطريق اولى، ثم يقول: ان هذا القياس حرام لو لم يكن من باب اتحاد طريق المسالتين((131)). وكذلك ورد في الجواهر ان المسالة ليست من القياس الممنوع عنه، بل من اتحاد طريق المسالتين((132)).

ومن المسائل التي وقع فيها الخلاف الشديد بين الفقهاء تعدية الحكم عن المورد الى غيره في مسالة الدعوى على الميت، حيث ورد في الروايات انه لابد من ضم اليمين من المدعي الى البينة ولا تكفي البينة بمجردها، وفرعوا على ذلك البحث في ان الصغير والمجنون والغائب هل هم ملحقون بالميت في ذلك؟ ومن الحقهم استدل على ذلك باتحادطريق المسالتين، ومن منع من الحاقهم ذهب الى عدم اتحاد طريق المسالتين، بل الحكم في الاصل - الميت - اقوى من الفرع((133)).

والذي يظهر بتتبع الموارد((134)) - التي ذكر الفقهاء فيها هذه العلة لاجل الغاء خصوصية المورد - يعلم انه لا يكون من باب العلة المنصوصة؛ لان غاية ما ادعاه الفقهاء في بعض هذه الموارد دعوى ايماء النصوص الى العلة، كما لم يتمسك احد منهم بدعوى تنقيح المناط او العلم القطعي بالعلة، فلا ترجع المسالة الى واحد من العوامل السابقة، بل هي عامل مستقل تمسك به جمع من الفقهاء لالغاء خصوصية المورد.

العامل الثامن - الاولوية العرفية او فحوى الخطاب او مفهوم الموافقة:
تمسك الفقهاء في العديد من الموارد بالاولوية العرفية او فحوى الخطاب او مفهوم الموافقة، والذي يظهر كون المؤدى في الجميع واحدا؛ وهو اثبات تعميم الحكم لغير مورد النص، وبعبارتهم: ان يكون المسكوت عنه موافقا للمنطوق به((135)).

ولعل من اوضح مصاديقه قوله تعالى: (فلا تقل لهما اف)((136)) حيث يثبت به حرمة الاذية للوالدين باي نحو كان؛لان المسكوت عنه اولى بالحكم((137))، وعليه فالاولوية في ثبوت الحكم للمسكوت عنه هي الاساس في فحوى الخطاب؛ ولذا كان تفريقهم بين فحوى الخطاب ولحن الخطاب: بان لحن الخطاب هو ما كان ثبوت الحكم للفردالمسكوت عنه مساويا لثبوته للمنطوق لا اولى((138)).

والمدرك في حجية هذه الاولوية العرفية انما هو حجية الظهور؛ لان هذه الاولوية لا تفرض الا حيث يكون للفظ ظهوربالتعدي في الحكم الى ما هو اولى منه((139))، ولاجل هذا يعبر المحقق صاحب الحاشية عن مفهوم الموافقة بانه في حكم دلالة الخطاب الاصلية من جهة اندراجه في المداليل اللفظية((140)). ومنه يظهر انه لا يتوقف الغاء الخصوصية هنا على العلم بالعلة.

نعم، بنى بعض الفقهاء على المنع من التمسك بمفهوم الموافقة الا مع العلم بالعلة والعلم بوجودها في المسكوت عنه((141)). والذي يظهر ان ممن ذهب الى هذا الراي انما هو المحقق الاردبيلي في اكثر من مورد في كتابه مجمع الفائدة، والمحقق الحلي، ولاجل تسليمهم الاولوية في الاية الكريمة: (فلا تقل لهما اف) حاولوا ايجاد طرق خاصة للتعميم هنا، وكذلك صاحب الحدائق حيث ساق الروايات الناهية عن العمل بالقياس لاثبات عدم حجية مفهوم الموافقة، وختم كلامه بالقول: بان ما قاموا به انما هو اجتهاد في مقابلة النصوص، او غفلة عن ملاحظة ما هو في تلك الاخبار مسطور ومنصوص((142)). ويظهر ايضا من بعض الاعلام المعاصرين((143)).

وفي المقابل نجد ان مثل الشهيد الاول في مسالة جواز نقض حكم الحاكم يحكم بالجواز في صورة العلم ببطلان حكمه ويقول: ان ذلك يحصل «بمخالفة نص الكتاب، او المتواتر من السنة، او الاجماع، او خبر واحد صحيح غير شاذ، اومفهوم الموافقة»((144))، فنجد انه يجعل مخالفة الحكم لمفهوم الموافقة من موارد العلم ببطلان حكم الحاكم، على ان المعروف بين المتاخرين من اعلام الاصول حجية مفهوم الموافقة؛ لما ذكرناه من دخوله كصغرى لحجية الظهور.

ولابد من لفت النظر الى امور:
الاول: ذكر كثير من الفقهاء والاصوليين انه يعتبر في مفهوم الموافقة وجود الاولوية في ثبوت الحكم للمسكوت عنه عندثبوته للمنطوق؛ ولكن الذي يظهر ان هذا الشرط اخص من مفهوم الموافقة، بل موارد الاولوية العرفية هي من مصاديق مفهوم الموافقة، فقد ذكر السيد البروجردي ان بعض الكلمات قد توهم خصوصية الاولوية، ولكن ليس مفهوم الموافقة الا عبارة عن الغاء الخصوصية والحكم بعدم دخالتها، سواء وجد في البين اولوية - كما في النهي عن الاف الذي يفهم منه حرمة الضرب مثلا - ام لم توجد، كما اذا سئل الامام(ع) عن حكم الرجل الشاك مثلا فاجاب، فان العرف يلقي خصوصية الرجولية ويحكم بعدم دخالتها في الحكم، وليس مفهوم الموافقة منحصرا فيما اذا كان الفرع اولى من الاصل((145)).

الثاني: اعتبر بعض الاعلام الذين يلتزمون بحجية مفهوم الموافقة ان تعميم الحكم في منصوص العلة هو من مفهوم الموافقة، حيث يستفاد من التعليل دوران الحكم مداره وجودا وعدما، كما في قولنا: «لا تاكل الرمان لانه حامض» حيث يستفاد منه عموم النهي لغير الرمان من افراد الحامض، وعدم النهي في الرمان غير الحامض، ولما كان الاول مطابقاللحكم المنطوق في الايجاب كان من مفهوم الموافقة((146)).
ولكن قد ظهر مما تقدم في توضيح منصوص العلة وتوضيح مفهوم الموافقة انه لا يصدق تعريف مفهوم الموافقة على منصوص العلة؛ فان التعميم يرجع الى نفس العلة لا الى المفهوم.

الثالث: في استعراض بعض الموارد الفقهية التي تمسك فيها الفقهاء بالاولوية العرفية لالغاء الخصوصية:

منها: ما ذكروه عند بحثهم عن طرق ثبوت النجاسة بانها تثبت بالبينة، واستدلوا لذلك بالاولوية، فقد ذكر المحقق الهمداني ان وجه التعدي هو الاولوية او المساواة؛ وذلك لان دليل حجية البينة يقتضي جعل الحجية لبينة المدعي المعارضة دائما للقواعد التي توافق قول المنكر، والتي قد تكون من قبيل قاعدة اليد وامثالها من الامارات العقلائية، فاذاكانت البينة حجة رغم معارضتها لمثل قاعدة اليد ، فحجيتها في امثال المقام - مما لا يكون فيها معارض لها سوى اصالة الطهارة ونحوها - اوضح.
ويعلق الشهيد الصدر على هذا الكلام بانه: لابد ان يرجع هذا البيان الى دعوى الاولوية العرفية التي توجب دلالة التزامية عرفية في دليل حجية البينة في باب القضاء على حجيتها في امثال المقام، لا الى دعوى الاولوية العقلية ليقال بانهاموقوفة على الاطلاع الشامل على الملاكات الواقعية((147)).

ومنها: ما ذكروه ايضا في طرق اثبات النجاسة من انها تثبت بخبر الواحد؛ لان العرف يرى ان المولى اذا كان يعتمدعلى خبر الواحد في ايصال الحكم الكلي او نفيه مع ما يترت ب على ذلك من وقائع كثيرة من الامتثال والعصيان، فهويعتمد عليه في ايصال الموضوع ونفيه الذي لا يترتب عليه الا واقعة واحدة من وقائع الامتثال او العصيان، وهذه الاولوية العرفية تجعل دلالة التزامية عرفية في دليل الحجية يثبت بها حجية الخبر في الموضوعات((148)).

ومنها: ما ذكروه عند بحثهم عن امكان تطهير الماء المضاف اذا حصل استهلاكه بالماء المعتصم، وذلك باستفادة الحكم من الاخبار الدالة على نفي الباس عن الكر اذا وقع فيه البول مثلا((149)). وتقريب ذلك عبر التمسك بالاولوية بان يقال: ان ظاهر نفي الباس في تلك الاخبار هو نفي الباس عن المتحصل بعد الملاقاة لا عما كان ماء قبل الملاقاة فقط،وحينئذيدل باطلاقه على طهارة نفس البول بالاستهلاك؛ لان البول جزء من المتحصل بعد الملاقاة، فاطلاق نفي الباس يشمله، واذا طهر عين النجس بالاستهلاك فيطهر المضاف المتنجس بالاولوية العرفية((150)).

ومنها: ما ذكروه في حكم ما لو لاقى الشيء مع قذرين؛ بان لاقى مثلا الدم اولا ثم البول، فهل يجري عليه في مقام التطهير اشد الوظيفتين فيجب التعدد في هذا المثال نظرا الى ملاقاته للبول، او يجري عليه اضعفهما فلا يجب التعدد؟واستدل للقول بوجوب اشد الوظيفتين بان اطلاق الامر بالغسل مرتين من البول وان كان لا يشمل بلفظه محل الكلام الاانه يستفاد منه الحكم بالاولوية العرفية؛ لان ملاقي البول المسبوق بملاقاة الدم ليس اقل قذارة عرفا من ملاقي البول غيرالمسبوق بملاقاة الدم((151)).

بالاضافة الى موارد اخرى مبثوثة في ابحاثهم الفقهية الاستدلالية((152)).

العامل التاسع - تعميم الحكم بالاولوية القطعية:
 تفترق الاولوية القطعية عن الاولوية العرفية بان التعميم فيها يكون من باب دلالة العقل لا دلالة اللفظ على التعميم،ومثاله دلالة قوله: «اكرم خدام العلماء» على مطلوبية اكرام العلماء انفسهم((153)).

نعم، قد ذكر الفقهاء في بعض الموارد الاولوية القطعية((154)) ومرادهم بها الاولوية العرفية المتقدمة وذلك في صورة القطع بها، ولا يخفى ان الاولوية القطعية لا تتوقف على العلم بالملاك؛ فلذا لم تدخل تحت تنقيح المناط. ولاجل ذلك ففي المثال المتقدم وان لم نعلم الملاك في مطلوبية اكرام خدام العلماء ولكن الاولوية القطعية تكون ثابتة.

والموارد التي استفاد منها الفقهاء التعميم بالاولوية القطعية العقلية متعددة:

منها: تعميم الحكم من العذر الشرعي الى العذر العقلي، بتقريب: انه اذا كان العذر علة لثبوت حكم فلا فرق بين ان يكون العذر عذرا واقعيا حقيقيا او عذرا ناشئا من امر شرعي، ومن المعلوم انه لو ثبت حكم للمتعذر شرعا من حيث كونه متعذرا لثبت ذلك الحكم للمتعذر عقلا بالاولوية القطعية العقلية((155)).

ومنها: ما ذكروه في صلاة الجماعة من تعميم حكم زيادة الركوع الى زيادة السجود بالاولوية القطعية، فقد ورد في موثق ابن فضال قال: كتبت الى ابي الحسن الرضا(ع) في الرجل كان خلف امام ياتم به، فيركع قبل ان يركع الامام وهو يظن ان الامام قد ركع، فلما رآه لم يركع رفع راسه ثم اعاد الركوع مع الامام، ايفسد ذلك عليه صلاته ام تجوز تلك الركعة؟فكتب(ع): «تتم صلاته ولا تفسد صلاته بما صنع»((156)). وعمم الفقهاء الحكم من الركوع الى السجود؛ لان مورده وان كان هو الركوع لكن يلحق به السجود بالاولوية القطعية؛ اذ لو جازت المتابعة المستلزمة للزيادة في الركوع وهو ركن ففي السجود بطريق اولى((157)).

وثمة موارد اخرى في ابواب فقهية مختلفة استدل فيها الفقهاء بالاولوية القطعية((158)).

العامل العاشر - تعميم الحكم بعدم القول بالفصل:
عمم الفقهاء الحكم لغير مورده تمسكا منهم بعدم القول بالفصل في موارد متعددة، وعدم القول بالفصل هو الذي يعبرعنه بالاجماع المركب، وقد عقد المحقق القمي في قوانينه قانونا خاصا شرح فيه موارد الاجماع المركب وعدم القول بالفصل مبينا موارد ذلك، وجعله على نحوين: فانه قد يحصل بملاحظة توارد حكمين او احكام متعددة من الاحكام الشرعية على موضوع واحد بحسب اقوال الامة ثم حكم آخر من آخر، وقد يحصل بملاحظة توارد حكمين من فريقين منها على موضوع كلي، ثم حكم موافق لاحدهما في بعض افراد ذلك الموضوع وحكم آخر موافق لاخر في البعض الاخر من تلك الافراد من فريق آخر. مثال الاول: ان القول من الشيعة منحصر في استحباب الجهر بالقراءة في ظهرالجمعة مثلا والقول بحرمته، فالقول بوجوبه خرق للاجماع المركب، ومثل: ان المشتري اذا وطا الجارية الباكرة ثم وجدبها عيبا، فقيل: لا يجوز الرد، وقيل: يجوز الرد مع الارش؛ وهو تفاوت ما بين الثيبوبة والبكارة، فالقول بردها مجانا خرق للاجماع المركب. ومثال الثاني: ان الشيعة مختلفة في وجوب الغسل بوط ء الدبر، فمن قال بوجوبه في المراة قال به في الغلام ، ومن لم يقل به لم يقل به في شيء منهما، فالقول بوجوبه في بعض افراد الدبر وهو دبر المراة دون الرجل خرق للاجماع المركب((159)).

ويعتبر المحقق القمي الاجماع المركب حجة حيث حكم بعدم جواز مخالفته، وهو ظاهر كثير من الفقهاء حيث يظهرتمسكهم به في موارد مختلفة من ابحاثهم الفقهية، ولكن لابد من النظر الى الراي المخالف في المسالة، فصاحب الحدائق ينكر بشدة تمسك الفقهاء بالاجماع المركب وذلك في مسالة القول بنجاسة ابوال الدواب الثلاث - الخيل والبغال والحمير - حيث استدل الفقهاء على تعميم الحكم بالنجاسة الى الارواث بالاجماع المركب وعدم القول بالفصل.

ويقول المحقق البحراني معلقا على ذلك: «اي مانع عقلي او شرعي يمنع من الفتوى في المسالة اذا قام الدليل على ذلك وان لم يقل به قائل من السابقين؟! واشتراط القول بوجود قائل من المتقدمين وان قال به شذوذ منا الا ان المحققين على خلافه، كيف؟! ولو اشترط ذلك لم تتسع دائرة الخلاف في المسائل والاحكام، ولا انتشر فيها النزاع والخصام الى ماعليه الان من الاختلاف، حتى انك لا تجد حكما من الاحكام الا وقد تعددت فيه اقوالهم الى ثلاثة او اربعة او خمسة فزائدا، وهي تتجدد بتجدد العلماء»((160)).

والسيد الشهيد الصدر حيث بنى على حجية الاجماع من باب حساب الاحتمالات لم ير حجية الاجماع المركب؛ لان حجية الاجماع انما هي باعتبار كشفه الناشئ من تجمع القيم الاحتمالية لعدم الخطا، وفي المقام نعلم بالخطا عند احدالفريقين المتنازعين، فلا يمكن ان تدخل القيم الاحتمالية كلها في تكوين الكشف للاجماع المركب؛ لانها متعارضة في نفسها((161)).

ولعل انصف الاقوال ما التزم به جماعة من الاعلام من التفرقة والتفصيل بين عدم القول والقول بعدم الفصل؛ بالالتزام بان مجرد عدم القول بالفصل لا يكفي للمنع من احداث قول ثالث، بخلاف القول بعدم الفصل، ولعل المرجع في ذلك الى رجوع القول بعدم الفصل الى الاجماع البسيط. وهذا الكلام يظهر من جماعة من الاعلام كالخنساري((162)) والسيد محسن الحكيم((163)) وغيرهم((164)).

ولابد من لفت النظر الى امور:

الاول: ان الاجماع المركب انما يصح التمسك به لالغاء الخصوصية في صورة عدم كون الاجماع مدركيا والا لم يصح التمسك بالاجماع. ومثال ذلك: ما ذكروه في المتنجسات التي لم يرد فيها امر مطلق بالغسل؛ وذلك كما اذا استفدنانجاسته من الامر باعادة الصلاة الواقعة فيه، وكما في ملاقي المتنجس بالبول او غيره مما يجب فيه الغسل متعددا، فقديقال بكفاية المرة الواحدة ويستدل له بالاجماع المركب. ولكن استشكل عليه السيد الخوئي: بانه ليس اجماعا تعبديا كاشفا عن راي المعصوم(ع)؛ لاحتمال استنادهم في ذلك الى احد الوجوه المذكورة في البحث((165)).
وثمة موارد اخرى مبثوثة في الابحاث الفقهية((166)).

الثاني: ذكر المحقق القمي في قوانينه ان النسبة بين الاجماع المركب وعدم القول بالفصل هي العموم من وجه؛ فقديجتمع خرق الاجماع المركب مع القول بالفصل، كما في مسالة الفسخ بالعيوب فان الام ة مختلفة فيه؛ فقيل: يفسخ بهاكلها، وقيل: لا يفسخ بها كلها، فالقول بالفسخ في بعض العيوب دون بعض خرق للاجماع المركب قد يسمى هذابالفصل. ومادة الافتراق من جانب خرق الاجماع المركب هو مسالة الجهر في ظهر الجمعة، فان القول من الشيعة منحصر في استحباب الجهر بالقراءة في ظهر الجمعة او القول بحرمته، فالقول بوجوبه خرق للاجماع المركب، واما مادة الافتراق من جانب خرق القول بعدم الفصل فهو في الموارد التي نصوا فيها على عدم الفصل((167)).

الثالث: في استعراض بعض الموارد التي تمسكوا فيها لالغاء الخصوصية بالاجماع المركب وعدم القول بالفصل:
فمنها: ما ذكروه في حرمة المزني بها على اب الزاني وابنه؛ من جهة ان النص في التحريم وان ورد في المعقود عليهاولكن التعميم للمزني بها للاجماع المركب؛ فان كل من اثبت التحريم في السابق اثبته هنا، ومن نفى ثم نفى هنا، فالفرق احداث قول ثالث((168)).

ومنها: ما ذكروه من انه قد دلت الرواية على عدم الباس في تزويج البنت باذن ابيها اذا كان باس بما صنعت - اي كانت فاسدة العقل - ويثبت الحكم في الابن بضميمة عدم القول بالفصل((169)).

الرابع: ذكر الميرزا النائيني ان الاجماع المركب انما يكون حجة اذا كان راجعا الى الاجماع على القدر المشترك بحيث يصير القدر المشترك بين القولين موردا للاجماع((170)). والمثال الذي يذكره لذلك - وان عاد فناقش في كونه كذلك - هو اتفاق الفقهاء على عدم اللزوم فيه، مع ان بعضهم يقول بذلك من جهة القول بعدم الملك - وبعضهم يقول بذلك مع التزامه بالملك، فهذا يعني ان بعضهم يلتزم بعدم اللزوم من جهة السالبة بانتفاء الموضوع وهو الذي لا يرى الملك، وبعضهم يلتزم بعدم اللزوم من جهة السالبة بانتفاء المحمول وهو الذي يرى الملك، والاتفاق على القدر المشترك بين السلب المحمولي والسلب الموضوعي لا يفيد.

العامل الحادي عشر - مناسبة الحكم والموضوع:
تشكل مناسبة الحكم والموضوع قرينة توجب ظهورا في الكلام يوجب الغاء الخصوصية وتعميم الحكم لغير موردالنص، وقد توجب مناسبة الحكم والموضوع التخصيص في موارد اخرى، وتشكل مناسبة الحكم والموضوع صغرى لحجية الظهور؛ فحجيتها تنبع من حجيته((171)).

وقد تمسك الفقهاء في العديد من الموارد بمناسبة الحكم والموضوع للتعميم والغاء الخصوصية، على ان بين الغاءالخصوصية بمناسبة الحكم والموضوع اشتراكا في كلمات الفقهاء؛ فقد يعبر عن الاولوية القطعية بانها من المناسبة العقلية بين الحكم والموضوع مقابل المناسبة العرفية في موارد اخرى((172)).

والموارد التي تمسك فيها الفقهاء بمناسبة الحكم والموضوع للتعميم متعددة جدا، ولكن الذي يظهر ان اعتماد مصطلح «مناسبة الحكم والموضوع» والتعبير به اشتهر لدى الفقهاء المتاخرين من امثال السيد بحر العلوم في كتابه بلغة الفقيه ومن تلاه من الفقهاء. وثمة نماذج تمسك بها الفقهاء للتعميم بمناسبة الحكم والموضوع:

منها: تعميم الحكم الوارد في روايات كثير الشك للوسواسي، مثل معتبرة محمد بن مسلم عن ابي جعفر(ع): «اذا كثرعليك السهو فامض على صلاتك»((173))، بتقريب: انه لا يبعد مساعدة العرف على الغاء الخصوصية في روايات كثيرالشك بمناسبة الحكم والموضوع، خصوصا بلحاظ جعل ذلك من الشيطان في مقام تقريب الحكم وتعليله الى سائرالموارد؛ لان ما كان من الشيطان لا يفرق في رفضه بين مورد ومورد((174)).
ومنها: ما ذكروه من الاكتفاء بالتسبيحة الصغرى - سبحان الله - الواحدة في ذكر الركوع او السجود عند الضرورة،وتمسكوا لاثبات ذلك بصحيحة معاوية بن عمار((175)) عن ابي عبد الله(ع) قال: قلت له: ادنى ما يجزي المريض من التسبيح في الركوع والسجود؟ قال: «تسبيحة واحدة»، وتقريب الاستدلال لتعميم الحكم لغير المريض ممن يشق عليه الذكر الكامل: ان مناسبة الحكم والموضوع تقضي بان ذكره من باب المثال، وان موضوع السؤال مطلق من يشق عليه الثلاث اما لمرض او لغيره من سائر الضرورات((176)).

العامل الثاني عشر - ترتيب الحكم الواحد على الموارد المتعددة:
ذكروا ان ترتيب الحكم الواحد على موارد متعددة يكشف عن الغاء الخصوصية لهذه الموارد، ويرجع هذا العامل الى ايجاب تكرار الحكم الواحد على الموارد المتعددة ظهورا عرفيا بان هذه الموارد ماخوذة بنحو المثالية لا الموضوعية والذاتية، وهو الذي يوجب الغاء الخصوصية. والنموذج الفقهي الذي يمكن ذكره هنا هو ما تمسك به لاثبات حجية خبرالثقة في الشبهات الموضوعية، الا وهو الروايات الخاصة الواردة في الموارد المتفرقة؛ فان الروايات وردت بحجية خبره في بيع الزيت لمن اشتراه ليستصبح به((177)) والثوب المستعار للصلاة فيه((178)) وعن شراء الجبن المشكوك((179)).. الى ما هنالك من موارد، وعليه يستكشف ان الحكم ورد في هذه الموارد من باب المثال، وعليه تلغى الخصوصية ويلتزم بتعميم الحجية لخبر الثقة لجميع الموضوعات. والغاء الخصوصية بالفهم العرفي هنا قد يدعى بلحاظ كل رواية بمفردها وقد يدعى بلحاظ مجموع الروايات؛ بمعنى ان العرف بعد ملاحظة الروايات في المواردالمتعددة يستظهر بلحاظ المجموع مثالية تلك الموارد، وان كان ربما لا يستظهر المثالية لو اقتصر على ملاحظة بعض الروايات في مورد واحد او موردين؛ لان احتمال دخل خصوصية مورد واحد او موردين قد يكون احتمالا عرفيا، بينمالا يكون احتمال دخل خصوصيات الموارد المتفرقة جميعا احتمالا عرفيا وان كان موجودا ثبوتا، وهذا مبني على ان حجية الظهور تشمل الظهور المتحصل من مجموع ادلة متفرقة عند ملاحظتها جميعا كخطاب واحد.

العامل الثالث عشر - العناوين الطريقية:
اذا ورد الحكم مرتبا على عنوان ما وكان ذلك من العناوين الطريقية لا الموضوعية كانت الخصوصية ملغاة. ومثال ذلك:ما ورد من الروايات في باب الملاعنة عن الصادق(ع): «اذا قذف الرجل امراته فانه لا يلاعنها حتى يقول: رايت بين رجليها رجلا يزني بها»((180))، حيث التزم بعض الفقهاء بتعميم الحكم لغير مورد المشاهدة والتعدي الى مورد العلم وان لم يكن هناك مشاهدة؛ بتقريب يرجع الى ان العناوين التي لها طريقية اذا اخذت في الموضوع تكون ظاهرة في انه لا خصوصية لها بل انما اخذت فيه بما انها طريق الاثبات، نظير العلم والتبين وما شاكل، وهذا هو الاساس في بنائهم على قيام الامارات مقام العلم الماخوذ في الموضوع((181)).

العامل الرابع عشر - ورود الحكم مورد الغالب:
من الموارد التي تلغى فيها الخصوصية كون الحكم واردا مورد الغالب، وقد كثر من الفقهاء التعبير عن ذلك. ولعل المثال المشهور لذلك هو قوله تعالى: (وربائبكم اللاتي في حجوركم) فقد ذكر الفقهاء ان وصف «اللاتي في حجوركم» واردمورد الغالب، ولذا لا يكون موجبا للتخصيص، بل الحكم يكون عاما حتى للربيبة التي لا تتصف بالوصف((182))،على ان الغلبة لابد وان تكون بنحو توجب كون المتفاهم من اللفظ ذلك؛ ولاجل ذلك قالوا بعدم كفاية الغلبة الخارجية بل لابد من غلبة الاستعمال، بل حتى لو ورد التعليل في النص وكان التعليل واردا مورد الغالب فلا يمكن ان يستفاد منه كبرى كلية.

ولابد من ذكر امور:
منها: ان الاصل في القيود الاحترازية((183)) الا ترد مورد الغالب، فلابد عند الشك من التمسك بالخصوصية وعدم الغائها((184)).
ومنها: ان الغلبة لابد من كونها غلبة في استعمال اللفظ لا غلبة في الوجود الخارجي، فغلبة الوجود الخارجي لا توجب الانصراف، واما في محل البحث فالغلبة هي غلبة في الوجود الخارجي، ومن هنا يفترق هذا المورد عن الغلبة المانعة من الانصراف في بحث الظهور.

العامل الرابع عشر - الغاء الخصوصية بالتعبد الشرعي:
ذكر بعض الفقهاء ان الخصوصية قد تلغى بالتعبد الشرعي، وذلك كخصوصية الزمان حيث تلغى وبه يثبت وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة. ولكن اثبات الغاء خصوصية الزمان انما هو بتوسط التعبد الشرعي، وبيانه: انه ان لوحظ متعلق اليقين والشك بالنظر الدقي فلا يصدق نقض اليقين بالشك حتى في موارد الشك في الرافع؛ لان متعلق اليقين انما هوحدوث الشيء والمشكوك هو بقاؤه؛ لانه مع وحدة زمان المتيقن والمشكوك لا يمكن ان يكون متعلق الشك هو متعلق اليقين الا بنحو الشك الساري الذي هو خارج عن محل الكلام، فبعد كون متعلق الشك غير متعلق اليقين لا يكون عدم ترتيب الاثر على المشكوك نقضا لليقين بالشك، ففي مثل الملكية - وغيرها من امثلة الشك في الرافع - متعلق اليقين هو حدوث الملكية، ولا يقين ببقائها بعد رجوع احد المتبايعين في المعاطاة، فعدم ترتيب آثار الملكية - بعد رجوع احدهما - لا يكون نقضا لليقين بالشك، وهكذا سائر امثلة الشك في الرافع. وان لوحظ متعلق اليقين والشك بالنظرالمسامحي العرفي والغاء خصوصية الزمان بالتعبد الشرعي - على ما اشرنا اليه سابقا من ان تطبيق نقض اليقين بالشك على مورد الاستصحاب انما هو بالتعبد الشرعي وان كان اصل القاعدة من ارتكازيات العقلاء - فيصدق نقض اليقين بالشك حتى في موارد الشك في المقتضي، فان خيار الغبن كان متيقنا حين ظهور الغبن، وهو متعلق الشك بعد الغاءالخصوصية، فعدم ترتيب الاثر عليه في ظرف الشك نقض لليقين بالشك، وحيث ان الصحيح هو الثاني -لان متعلق اليقين والشك ملحوظ بنظر العرف والخصوصية من حيث الزمان ملغاة بالتعبد الشرعي - فتستفاد من قوله(ع): «لاتنقض اليقين بالشك» حجية الاستصحاب مطلقا((185)).

الامام علي(ع)
واصول الحكم والقضاء

آية الله السيد محمود الهاشمي الشاهرودي

هذه الدراسة عبارة عن كلمة القاها سماحته في الندوة التي انعقدت في دمشق بتاريخ 13 - 15 تموز 2002م/ الموافق 2-4 جمادى الاولى 1423 ه تحت عنوان الامام علي(ع) العطاء الحضاري المتواصل...

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

والسلام عليك يا مولاي يا اباالحسن يا علي بن ابي طالب، ايها الامام الشهيد الذي مات شهيد عظمته والصلاة بين شفتيه وفي قلبه الشوق الى ربه وهو ساجد في محرابه.

وما احسن ما قاله المعري:
وعلى الدهر من دماء الشهيدين علي ونجله شاهدان
فهما في اواخر الليل فجران وفي اولياته شفقان
ثبتا في قميصه ليجيء الحشر مستعديا الى الرحمان
والسلام عليكم ايها الاخوة والاخوات ورحمة الله وبركاته.

الحديث عن اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب(ع) صعب مستصعب لا يتمكن منه الانسان مهما بالغ في الحديث فانه اعجز من ان يصل الى ابعاد هذه الشخصية العظيمة او يتوفر على تعريفه او يحصي فضائله ومناقبه. من هنالايتاح للباحث - اي باحث - عن شخصية الامام الا ان يقتصر على جانب من جوانب عظمته وشخصيته ليقف خاضعاعلى اعتاب هذه العظمة ويتطلع الى المشاهد والاضواء المحيرة للعقول والالباب من انوار هذا الوجود الرباني المقدس.

ونحن فيما يلي ايضا نقتصر في الحديث عما اثر من قبل الامام علي(ع) في اصول القضاء والحكم لنلج الافاق التي فتحها الامام امام اجهزة القضاء والمعالم التي رسمها وارسى قواعدها للقضاء العادل. ولا غرو فان الامام علي هو اقضى الامة واعلمهم بصريح الروايات المستفيضة لدى الفريقين وبالسيرة التاريخية الثابتة بالقطع واليقين من زمن النبي(ص)والصحابة.

ففي تاريخ دمشق عن ابن عباس عن النبي(ص) انه قال: «علي اقضى امتي بكتاب الله، فمن احبني فليحبه، فان العبد لاينال ولايتي الا بحب علي»((186)).

وفي فضائل الصحابة لابن حنبل عن حميد بن عبد الله بن يزيد المدني انه ذكر عند النبي(ص) قضاء قضى به علي بن ابي طالب فاعجب النبي(ص) فقال: «الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة اهل البيت»((187)).

وفي شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد: ان عليا جلس الى عمر في المسجد وعنده ناس فلما قام عرض واحد بذكره ونسبه الى التيه والعجب. فقال عمر: حق لمثله ان يتيه، والله لولا سيفه لما قام عمود الاسلام، وهو بعد اقضى الامة وذوسابقتها وذو شرفها((188)).

وفي المناقب لابن شهر آشوب عن ابن عباس: ان عمر بن الخطاب قال له: يا ابا الحسن انك لتعجل في الحكم والفصل للشيء اذا سئلت عنه. قال: فابرز علي كفه وقال له: كم هذا؟ فقال عمر: خمسة. فقال عجلت يا ابا حفص. قال: لم يخف على، فقال علي: و انا اسرع فيما لا يخفى علي((189)).

وقد حدث الامام علي(ع) عن نفسه فقال: «بعثني رسول الله الى اليمن قاضيا، فقلت يا رسول الله ترسلني وانا حديث السن ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: ان الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك، فاذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الاخر كما سمعت من الاول؛ فانه احرى ان يتبين لك القضاء. قال فمازلت قاضيا وما شككت في قضاءبعد»((190)).

وايضا قال: «لو ثني لي الوساد لحكمت بين اهل التوراة بتوراتهم وبين اهل الانجيل بانجيلهم واهل الزبور بزبورهم، واهل القرآن بقرآنهم حتى يزهر كل كتاب من هذه الكتب، ويقول يا رب ان عليا قضى بقضائك»((191)).

الى عشرات من الروايات والاحاديث الواردة بهذا الشان.

ثم ان الماثور عن علي(ع) في فقه القضاء واصوله شيء كثير وثروة عظيمة، كما ان الوقائع والمرافعات التي عرضت عليه وقضى فيها بين الناس سواء في زمن النبي(ص) او بعده او في زمن خلافته مشهورة وكثيرة ايضا، وهي من معاجزه ومثره. ولا يسعنا في المقام الا الاشارة الى جملة من الاصول العامة للقضاء والمحاكمات التي جاءت في الماثور عنه، وهي تضارع بل تفوق احدث النظريات الحقوقية والقضائية المعاصرة.

1 - مبدا شرعية القضاء:

وهذا اول اصل من اصول القضاء؛ فان القضاء سلطة وولاية يراد لها ان تكون نافذة وجارية على الاخرين، فلابد وان تكون مشروعة لتكون سلطة عادلة لا جائرة.

وقد جاء عن علي(ع) انه قال لشريح: «يا شريح هذا مجلس لايجلسه الا نبي او وصي او شقي»((192)).

وهذ الحديث يفصح عن مبدا هام يؤكده بعض الايات القرآنية ايضا كقوله تعالى (يا داود انا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق)((193))، وهو ان مصدر السلطات كلها التشريعية والتنفيذية والقضائية لابد وان تنتهي الى الله سبحانه المولى الحقيقي للانسان؛ لكونه الخالق والمالك له، وهو العالم بمصالحه وما يصلح له وما لا يصلح، فلاولاية لاحد على احد ولا حتى لجماعة على فرد الافيما امر به الله واجازه، فالقضاء فرع من الولاية العامة وغصن منهافي النظرية الاسلامية، فلا تكون ولاية القضاء لاحد بالذات، وانما تكون من خلال الوصاية والنصب العام او الخاص من قبل النبي(ص) والامام(ع) المنصوبين بدورهما من قبل الله سبحانه وتعالى.

2 - مصدر الحكم والقضاء:

واصل آخر هو انه لايكون القضاء الا بكتاب الله عزوجل وسنة نبيه والائمة المعصومين واجتهاد امام المسلمين والفقهاء، ولا يصح الحكم بغير ذلك. وهذا المبدا قد اوضحه الامام علي(ع) في اكثر من حديث من اوضحها ما جاء في عهده المعروف الى مالك الاشتر: «واكتب الى قضاة بلدانك فليرفعوا اليك كل حكم اختلفوا فيه على حقوقه، ثم تصفح تلك الاحكام، فما وافق كتاب الله وسنة نبيه والاثر من امامك فامضه واحملهم عليه، وما اشتبه عليك فاجمع له الفقهاءبحضرتك فناظرهم فيه ثم امض ما يجتمع عليه اقاويل الفقهاء بحضرتك من المسلمين؛ فان كل امر اختلف فيه الرعى ة مردود الى حكم الامام. وعلى الامام الاستعانة بالله والاجتهاد في اقامة الحدود وجبر الرعية على امره. ولا قوة الابالله»((194)).

3 - شروط القاضي وصفاته:

واوضح عهد الامام(ع) الى مالك الاشتر اصلا آخر من اصول القضاء يرتبط بالشروط التي لا بد من توفرها في القاضي ليصح للوالي نصبه وانتخابه للقضاء، فقد جاء في هذا العهد المبارك:

«ثم اختر للحكم بين الناس افضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الامور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة،ولا يحصر في الفيء الى الحق اذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بادنى فهم دون اقصاه، اوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، واقلهم تبرما بمراجعة الخصم، واصبرهم على تكشف الامور، واصرمهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه اطراء، ولا يستميله اغراء»((195)).

ويكشف هذا النص الشريف عن عدة شروط لا بد من توفرها في القاضي:

منها - عدالته وتقواه الفائقة.
ومنها - فضله واستيعابه للاحكام والعلوم المرتبطة بالقضاء.
ومنها - قوة شخصيته وصلابته.
ومنها - تحريه للحق وموضوعيته، فلا يصر على الخطا بعد اكتشافه.
ومنها - صموده امام اغراء المال والجاه والسمعة.
ومنها - دقته وتثبته وتوقفه في الشبهات.
ومنها - سعة صدره في مقابل الناس و مراجعة الخصوم.
ومنها - حسن سمعته واصالته بين الناس.

4 - استقلال القضاة ومتانتهم:

وفي قبال ذلك يجب على الحاكم متابعة عمليات القضاء و تولي امور القضاة وحفظ حرمتهم وشانهم واستقلالهم. وهذااصل آخر من اصول القضاء. قال الامام في مقطع آخر من هذ العهد: «ثم اكثر تعاهد قضائه، وافسح له بالبذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته الى الناس، واعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك ليامن بذلك اغتيال الرجال اياه عندك، واحسن توقيره في صحبتك، وقربه من مجلسك، وامض قضاءه، وانفذ حكمه، واشدد عضده...»((196)).

5 - اصول الاثبات وادلة الحكم:

وقد امتازت اقضية اميرالمؤمنين(ع) في اعتماده(ع) للادلة الشرعية والعلمية معا حيث كان يقضي بالبينات والايمان والقسامة وهي ادلة شرعية، كما كان في القضايا المشتبهة يستخدم التحقيق والاساليب العلمية المتنوعة لاستكشاف الحقيقة والوصول الى الواقع. وبهذا فتح الامام آفاقا جديدة امام القضاء في توظيف العلوم والاستفادة منها ومن الامارات والقرائن التي توجب اليقين بالواقع وكشف الحقيقة، فقد وظف الامام الوزن النوعي للحليب في الفصل بين امراتين ادعتا معا الصبي وتبراتا من البنت، فامر بان يوزن لبن المراتين فايتهما كانت اثقل لبنا فالابن لها((197)).

وقد وظف معطيات علم النفس في قضية الشاب الذي ترافع الى شريح القاضي حول وفاة والده التاجر دون ان يترك مالا وقد حدثت الوفاة في سفر له مع اربعة من التجار. وقد تعامل شريح مع هذه المرافعة بصورة اعتيادية حيث اكتفى باستحلافهم فحلفوا واخلى سبيلهم، لكن الامام امر باستئناف الحكم واجراء تحقيق جديد فقام بعزل التجار الاربعة فوزعوا على اسطوانات المسجد وغطيت وجوههم بحيث لا يرون شيئا، ثم استدعى واحدا منهم وحقق معه بسرية ثم امر الناس ان يكبروا فكبروا، فنجحت هذه الطريقة في زعزعة الافادات الكاذبة، فقد تصور الاخرون بعد ان سمعواالتكبير المهيب ان الاخرون قد اعترفوا واقروا بالحقيقة، فاقروا جميعا بقتل ذلك الرجل والد ذلك الشاب((198)).

وهكذا تظاهره(ع) باقدامه على قد الطفل نصفين لملاحظة مدى انعكاس هذا الاجراء على وجه المراتين اللتين تنازعتاصبيا واستكشاف الام الحقيقية له من خلال شفقتها على الطفل وتركها لمطالبتها بغية حفظ سلامته. الى غير ذلك من عشرات الامثلة والقضايا الماثورة عن الامام(ع) سواء ما كان منها استخداما للاساليب العلمية والحيل التحقيقية في مجال استكشاف الحق والاقرار به او في مجال اجراء الاحكام والحدود.

6 - حق النقض والاستئناف:

والمأثور عن الامام(ع) انه كان يحفظ لنفسه حق نقض الحكم واستئناف المحاكمة رغم صدور حكم القاضي فيه كمااشرنا الى موارد منه آنفا، وهذا يعطي ان للحاكم حق الاستئناف او التمييز للحكم كما انه ورد في رواية عنه(ع) ان القاضي اذا علم بخطا حكمه رد او رد قضاؤه. وهذا ايضا منشا آخر لجواز النقض واستئناف الحكم في اصول القضاء.

7 - حق الدفاع والتوكيل للمتهم:

وقد كان الامام(ع) في جميع اقضيته يستمع الى دفاع المتهمين ويعطيهم الحق في الدفاع، بل كان يامر شريح في ان يتاكد في القضاء بان يرد اليمين على المدعي حتى مع بينته حفظا لحق المدعى عليه، وايضا امره ان يمهل من يدعي وجود شهود له غائبين حيث قال لشريح: «واجعل لمن ادعى شهودا غيبا امدا بينهما، فان احضرهم اخذت له بحقه، وان لم يحضرهم اوجبت عليه القضية»((199)). وفي رواية عنه(ع) انه قال: «من وكل وكيلا حكم على وكيله، وتجوز الوكالة بغير محضر من الخصم»((200)).

8 - الترغيب في التحكيم والصلح قبل القضاء:

وقد اكد ذلك الامام كاصل من اصول القضاء في اكثر من مورد كما قال لشريح: «اعلم ان الصلح جائز بين المسلمين الاصلحا حرم حلالا او احل حراما»((201))، كما انه نقل قضاء رسول الله(ص) فقال: انه كان يدعو الخصوم الى الصلح، فلا يزال بهم حتى يصطلحوا و هذا يؤكد ما نجده اليوم من الاهتمام بالتحكيم والقضاء الاختياري واحياء محاكم الصلح بين الناس. وهذا ما تحاوله اليوم اجهزتنا القضائية في ايران الاسلام.

9 - التسوية بين الجميع في الحكم واجراء العدالة:

وهذا اصل آخر من اصول القضاء العادل. وقد امتاز الامام(ع) بتجسيد ذلك على نفسه والاخرين، ففي الكامل في التاريخ عن الشعبي :«وجد علي درعا له عند نصراني، فاقبل به الى شريح وجلس الى جانبه وقال: لو كان خصمي مسلماً لساويته - اي في الجلوس معه - ثم قال: هذه درعي. فقال النصراني: ما هي الا درعي ولم يكذب (او لم يكذب)اميرالمؤمنين؟ فقال شريح لعلي: الك بينة؟ قال: لا، وهو يضحك. فاخذ النصراني الدرع ومشى يسيرا ثم عاد وقال: اشهدان هذه احكام الانبياء، اميرالمؤمنين قدمني الى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه! ثم اسلم واعترف ان الدرع سقطت من علي عند مسيره الى صفين، ففرح علي باسلامه و وهب له الدرع وفرسا وشهد معه قتال الخوارج»((202)).

وعن الصادق(ع) انه قال اميرالمؤمنين لعمر بن الخطاب: ثلاث ان حفظتهن وعملت بهن كفتك ما سواهن، وان تركتهن لم ينفعك شيء سواهن. قال و ماهي يا ابا الحسن؟ قال: اقامة الحدود على القريب والبعيد، والحكم بكتاب الله في الرضى والسخط، والقسم بالعدل بين الاحمر والاسود. قال عمر: لعمري لقد اوجزت وابلغت»((203)).

وكان يقول: ينبغي للحاكم ان يدع التلفت الى خصم دون خصم، وان يقسم النظر فيما بينهما بالعدل، ولا يدع خصمايظهر بغيا على صاحبه (من ابتلي بالقضاء فليواس بينهم في الاشارة وفي النظر وفي المجلس)((204)).

وكان دقيقا في هذا الامر، ففي كتاب المناقب للخوارزمي عن عبد الله بن عباس انه استعدى رجل عمر على علي وعلي جالس، فالتفت عمر اليه، فقال: يا ابا الحسن قم فاجلس مع خصمك، فقام فجلس مع خصمه فتناظرا وانصرف الرجل فرجع علي الى مجلسه، فتبين عمر التغير في وجهه، فقال: يا ابا الحسن مالي اراك متغيرا؟ اكرهت ما كان؟ قال: نعم. قال: وما ذاك؟ قال: «كنيتني بحضرة خصمي، فالا قلت لي: يا علي قم فاجلس مع خصمك؟ فاخذ عمر براس علي فقبله بين عينيه ثم قال: بابي انتم، بكم هدانا الله، وبكم اخرجنا من الظلمات الى النور»((205)).

وقد قال لضيفه حينما تقدم اليه في خصومة لم يذكرها له اولا «اخصم انت؟ قال: نعم، قال: تحول عنا. ان رسول الله(ص) نهى ان يضاف الخصم الا ومعه خصمه»((206)).

10 - علنية المحاكمة:

ومن اصول القضاء لدى الامام علي(ع) علنية المحاكمة. وهذا ما نجده في سيرته حيث كان يقضي في المسجد، وقدكانت له في مسجد الكوفة دكة سميت بدكة القضاء. وقد امر شريحا قاضيه بذلك ايضا حين بلغه انه يقضي في بيته فقال:«يا شريح اجلس في المسجد، فانه اعدل بين الناس، وانه وهن بالقاضي ان يجلس في بيته»((207)).

11 - سهولة القضاء وسرعة تنفيذه:

ومن اهم اصول القضاء لدى الامام سهولة القضاء وسرعة تنفيذه وخلوه عن التشريفات والتعقيدات الموجبة لفوات الوقت و تضرر اصحاب الدعوى وفقدان آثار القضاء واجراء الحدود في المجتمع.

وهذا واضح في اقضيته(ع) وفيما كان يامر به ويؤكده انه لا نظرة في الحدود. وما كان يامر به القضاة من الاسراع في اخذحقوق الناس من المماطلين، ففي حديث سلمة بن كهيل قال: سمعت عليا يقول لشريح: «انظر الى اهل المعك والمطل ودفع حقوق الناس من اهل المقدرة واليسار ممن يدلي باموال المسلمين الى الحكام فخذ للناس بحقوقهم منهم وبع فيها العقار والديار؛ فاني سمعت رسول الله(ص) يقول: مطل المسلم للمؤسر ظلم للمسلم، ومن لم يكن له عقار و لادار ولا مال فلا سبيل عليه»((208)).

12 - مراقبة قضاء القضاة:

وقد امر بذلك في عهده الى مالك الاشتر بقوله: «ثم اكثر تعاهد قضائه»((209))، وفي حديث عن ابي عبد الله(ع) قال:قال امير المؤمنين: «يد الله فوق راس الحاكم ترفرف بالرحمة، فاذا حاف وكله الله الى نفسه»((210)).

وفي حديث آخر انه قال لرفاعة قاضيه في الاهواز: «لا تقض وانت غضبان ولا من النوم سكران»((211))، وفي حديث آخر: «لا تقض حتى تطعم»((212)).

وفي حديث ثالث: ان امير المؤمنين(ع) ولى ابا الاسود الدؤلي القضاء ثم عزله فقال له: لم عزلتني وما خنت ولا جنيت؟فقال(ع): «اني رايت كلامك يعلو كلام الخصم»((213)).

13 - فلسفة العقوبة لدى الامام:

ومما يجده الدارس لتجربة الامام علي(ع) في مضمار القضاء تقديم فلسفة معقولة للجزاء والعقوبة. وهذه نقطة هامة في البحوث الجنائية، فالجزاء لا يعني عند الامام(ع) تعذيب المجرم ولا تحقيره بقدر ما يعني تهذيبه واصلاحه، فلابد و ان تكون السياسة المتبعة في تشريع العقوبات او تنفيذها ضمن هذا الاطار.

كما وان هناك فلسفة ومقصدا آخر في العقوبة هي اصلاح المجتمع وردع الاخرين من الاقدام على الجريمة، وهذا هوالذي يقتضي علنية اجراء بعض الحدود والعقوبات.

ومن فروع هذا الاصل مسالة سقوط العقوبة بالتوبة وصلاح حال المجرم قبل اخذه والظفر به، بل تاثير ذلك في العفوعنه حتى اذا حصلت التوبة بعد القبض عليه.

ومن فروع هذا ايضا ما عن علي(ع) «انه لا يقام على احد حد بارض العدو مخافة ان تحمله الحمية فيلحق بالعدو»((214)).