ومن اقضية الامام(ع) الفريدة في هذا المجال ما نقلته روايات عديدة منها ما نقله حذيفة بن منصور عن ابي عبدالله قال:اتي امير المؤمنين(ع) بقوم سراق قد قامت عليهم البينة واقروا قال: فقطع ايديهم ثم قال: «يا قنبر ضمهم اليك فداوكلومهم واحسن القيام عليهم، فاذا برئوا فاعلمني». فلما برئوا اتاه فقال: يا امير المؤمنين القوم الذين اقمت عليهم الحدود قد برئت جراحاتهم فقال: «اذهب فاكس كل رجل رجل منهم ثوبين واتني بهم». قال فكساهم ثوبين ثوبين واتى بهم في احسن هيئة متردين مشتملين كانهم قوم محرمون فمثلوا بين يديه قياما، فاقبل على الارض ينكتها باصبعه ملياثم رفع راسه اليهم فقال: «اكشفوا ايديكم ثم قال: ارفعوا رؤوسكم الى السماء فقولوا: اللهم ان عليا قطعنا ففعلوا فقال: اللهم على كتابك وسنة نبيك. ثم قال لهم: يا هؤلاء ان تبتم استلمتم ايديكم، والا تتوبوا الحقتم بها، ثم قال: يا قنبر خل سبيلهم واعط كل واحد منهم ما يكفيه الى بلده»((215)). الى كثير مما له ارتباط بهذا الاصل المهم في سياسة الجزاء والعقوبة.

14 - براءة المتهم ما لم تثبت ادانته:

وهذا ايضا اصل من اصول القضاء عند الامام، خصوصا فيما يكون من حقوق الله، حيث كان يدرا الحد بالشبهة، وكان لايقيم الحد الا بالبينة، ولا يلزم المتهم باليمين ويقول: «لا يمين في حد»((216))، وقد جيء بثلاثة يشهدون على رجل بالزنا فقال(ع): «اين الرابع؟ قالوا: الان يجيئ، فقال(ع): حدوهم»((217)). (اي حد الفرية والقذف).

15 - الحسم مع اللين:

واخيرا وليس آخرا كان الامام عطوفا في قضائه مع الاخرين لينا معهم مواسيا لهم ناصرا للضعفاء منهم، ولكنه كان في نفس الوقت شديدا على نفسه واهل بيته وبطانته وولاته ومن كان قد امرهم على الناس. وهذا من اهم اصول العدالة في القضاء والحكم.

ففي الوقت الذي نجده يكتب الى واليه على مصر محمد بن ابي بكر: «واذا انت قضيت بين الناس، فاخفض لهم جناحك، ولين لهم جانبك، وابسط لهم وجهك، وآس بينهم في اللحظ والنظر حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم، ولايياس الضعفاء من عدلك عليهم»((218)).

ونجده يقول: «انصفوا الناس من انفسكم»((219)). ويقول: «الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه»((220)).

ونجده في موقف آخر مع ابن ابي رافع كاتبه حيث قال: كنت على بيت مال علي بن ابي طالب وكاتبه، وكان في بيت ماله عقد لؤلؤ كان اصابه يوم البصرة، قال: فارسلت الي بنت امير المؤمنين(ع) فقالت لي: بلغني ان في بيت مال اميرالمؤمنين عقد لؤلؤ وهو في يدك وانا احب ان تعيرنيه اتجمل به في ايام عيد الاضحى. فارسلت اليها: اعارية مضمونة مردودة يا بنت امير المؤمنين قالت: نعم، عارية مضمونة مردودة بعد ثلاثة ايام فدفعته اليها. وان امير المؤمنين رآه عليهافعرفه فقال لها: من اين صار اليك هذا العقد؟ فقالت: استعرته من علي بن ابي رافع خازن بيت مال امير المؤمنين لاتزين به في العيد ثم ارده. قال: فبعث الي امير المؤمنين فجئته فقال لي: اتخون المسلمين يابن ابي رافع؟ فقلت له: معاذ الله ان اخون المسلمين فقال: كيف اعرت بنت امير المؤمنين العقد الذي في بيت مال المسلمين بغير اذني ورضاهم؟ فقلت ياامير المؤمنين انها ابنتك وسالتني ان اعيرها اياه تتزين به فاعرتها اياه عارية مضمونة مردودة فضمنته في مالي وعلى ان ارده سليما الى موضعه قال: فرده من يومك واياك ان تعود لمثل هذا فتنالك عقوبتي، ثم قال: اولى لابنتي لو كانت اخذت العقد على غير عارية مضمونة مردودة لكانت اذا اول هاشمية قطعت يدها في سرقة، قال: فبلغ مقالته ابنته فقالت له: يا امير المؤمنين انا ابنتك وبضعة منك فمن احق بلبسه مني؟ فقال لها امير المؤمنين: يا بنت علي بن ابي طالب لا تذهبن بنفسك عن الحق اكل نساء المهاجرين تتزين في هذا العيد بمثل هذا؟ قال: فقبضته منها و رددته الى موضعه((221)).

هذا هو بعض مثر ابي الحسن في قضائه وحكمه.

فسلام الله عليك يا ابا الحسن يا صوت العدالة في الارض ويا صرخة المظلومين بوجه الظالمين يوم ولدت ويوم سقطت في محرابك شهيد عدلك ويوم تبعث حيا مع اخيك رسول الله(ص) لتكون ميزان العدالة في يوم الحساب توزن بولايتك ومحبتك ونهجك اعمال العباد. والسلام عليكم و رحمة الله وبركاته.

ما وراء الفقه:

قراءة في الاصول المعرفية
لتمايز الربا والفائدة البنكية
(رد على نقد)

تاليف: د. موسى غني نجاد
ترجمة: حيدر حب الله

تمهيد

ان النقد العلمي والممنهج الذي سجله السيد عباس موسويان على مقالتي التي حملت عنوان «الربا والفائدة البنكية»يمثل بالنسبة لي فرصة تستحق الاغتنام في سبيل الرقي بهذا البحث وتقدمه، وقد عنون السيد موسويان مقالته الانفة الذكر بعنوان «ربوية الفائدة البنكية»، مسجلا جوابا صلدا ومحكما امام السؤال المثار حول التغاير الموجود ما بين الرباوالفائدة البنكية، وكان صراحة كلماته وسليقته قامتا على تجنب البحث في الامور الهامشية، الامر الذي يبدو واضحا في مختلف جوانب مقالته وزواياها.

ان الحوار مع شخص من امثال السيد موسويان هو - بالنسبة لشخص مثلي سعى جاهدا وعلى الدوام لتمثل منهج سليم من هذا النوع ومماهاته - امر جميل جدا ومؤنس للغاية، لكنه في نفس الوقت صعب وخطير.

لقد تعلمت من الاشارات التي ذكرها السيد موسويان حول التاريخ الاقتصادي لصدر الاسلام العديد من النقاط الجذابة والمفيدة، والتي يستحق الكاتب المحترم شكرا كبيرا عليها.

ولا اشكال على المقالة النقدية للسيد موسويان من ناحية المنهج العلمي وعنصر الامانة فيما يخص النقاط التي تعرضت للنقد والملاحظة من طرفه، لكن مع ذلك، ثمة نقاط هامة في مقالتي غفل عنها في المقالة النقدية، وتعودجذور هذه الغفلة - كما سنرى لاحقا - الى قلة الانتباه (ان لم نقل عدم الانتباه) الى الاصول الابستمولوجية للبحث،والتي اكدت عليها في صدر تلك المقالة، فان كافة الاستدلالات الموردة في تلك المقالة انما تقع في هذا السياق الايبستمي وتدخل في هذا المناخ المعرفي، ولعلني انا المسؤول عن الاشكالية التي احاطت تلك المقالة، حيث لم اقدم حينها توضيحا كافيا حول «الخطا في تقييم المفاهيم» و «الخلط المعرفي»، وانما قمت - ودون ذكر مقدمة نظرية - بالدخول في المصاديق والمفردات والامثلة، وسوف اسعى في هذه المقالة لتفادي هذا النقص، وانطلاقا من ذلك،تقديم اجوبة لمجموعة الانتقادات والاستنتاجات التي خرج بها السيد موسويان.

وخلافا لتصور السيد موسويان، لا يعبر المنهج المعرفي عن مجرد «التحليل النظري»((222)) وانما يعني تخطي الظروف الشكلية للحقيقة (المنطق)، وقراءة الدور المعقد لعناصر الانتاج في المعرفة نفسها، لقد بحثت في موضع آخرحول المحاور المعرفية في مجال علم الاقتصاد((223))، وسوف اسعى هنا جاهدا لاستحضار بعض تلك الجوانب الهامة التي تتصل بحواريتنا هذه.

المنهج المعرفي وتبلور المفاهيم:

يؤكد المنهج المعرفي على اشكالية ان المفاهيم التي تعبر عن ادوات اتصال معرفي لذهن الانسان بنفسه وبالعالم الخارجي تتعامل تعاملا ثنائيا ومعقدا مع موضوع المعرفة نفسه، وخلافا لما يمكن تصوره فان المفاهيم غير قادرة على تقديم صورة ساذجة وصافية لا نقص فيها عن الواقع منطبعة في مرآة الذهن البشري. ان المعرفة البعدية (خزخرزرآ ) لاتعبر عن فرع علمي مستقل كالفيزياء والبيئة والاقتصاد وغيرها وانما تهدف الى مطالعة ظروف تشكل المعلومات المصدقة (المفاهيم العلمية) وتكونها في مختلف فروع المعرفة البشرية، فايبستمية علم الاقتصاد تعنى بالاسس المفاهيمية الاقتصادية ومنشئها وموقعيتها وحدود اعتبارها وقيمتها، فالاقتصاد علم حديث التاسيس وذا سابقة لاتتجاوز قرونا معدودة، وقد تبلورت مفاهيمه الاساسية في اطار الفكر الحداثي وسياقه، وهو ما جعله يحوز مكانة علمية محددة جعلته على قطيعة مع المفاهيم الماضية، رغم وجود اشتراك لفظ ي في بعض الحالات.

وبعبارة اخرى: ان بعضا من مفاهيم علم الاقتصاد جديدة كل الجدة كباقي العلوم الحديثة، وبالتالي فلا يمكن متابعتهاوالتفتيش عنها في فكر المتقدمين ونتاجاتهم، وذلك من امثال مفاهيم السبل الفضلى للصرف، ومكانيزما القيم، والكيفية الاجود، وغير ذلك، لكن بعضا آخر من مفاهيم هذا العلم كان موجودا في المرحلة السابقة كمفهوم الثروة، والعمل،والسوق، وراس المال وغير ذلك، والخلط المعرفي يحصل بالدرجة الاولى في النوع الثاني من المفاهيم الاقتصادية، ويعود الى اسباب ترجع الى الانحراف من الاشتراك اللفظ ي الى الاشتراك المعنوي.

تمثل الطبيعة بالنسبة للقدماء كارسطو اساس الثروة ومنشاها، ويجري تعريف مقصدها في اطار «الحاجات الطبيعية»للانسان، اي ما يرفع حاجة من حاجات الانسان، اما في الفكر الاقتصادي الحديث فان منشا الثروة هو العمل والصنع الانساني، وهدفها انما هو ارادات الافراد ورغباتهم، اعم من ان تكون لهم في البين حاجات او غير ذلك، ففي التفكيرالقديم جرى التعامل مع الثروة كامر طبيعي محدد سلفا، اما في الفكر الحداثي الجديد فقد اضحت تابعة لميزان النشاط الانساني وكيفية الاستفادة من مصادر الثروة.

ومن الجلي ان هذين المفهومين المتمايزين للثروة يفضيان الى سلسلة من النتائج المستقلة تماما سواء على الصعيدالنظري ام العملي، ومن ثم فسكبهما في اطار علمي واحد يعبر عن خلط منهجي فاحش يضع منهجية البحث العلمي في مازق حقيقي واشكالية جادة ونقص واضح.

ان حمل تصور ما عن الثروة - بالمفهوم القديم للكلمة - يستدعي اعطاء الاولوية لقضية التوزيع في العلاقات الاجتماعية بين البشر، ذلك ان مقدارها - وفقا للمفهوم القديم - امر ثابت (طبيعيا) ومستقل عن الارادة والفعل الانسانيين، اما الفكر الحداثي فيجد نفسه مضطرا الى منح الاولوية للانتاج وفق تصوراته، اذ انه ينظر الى الثروة كنتاج للعمل البشري والجهد الصناعي الانساني، الامر الذي يصيرها - مقدارا - تابعة لارادة وعمل آحاد المجتمع، وبناء عليه لا يمكن بالتاكيد تعميم اي حكم اخلاقي او ديني يتعرض للثروة بمفهومها القديم، للثروة بمعناها الحديث دونماملاحظة لمتطلبات الزمان والمكان وفلسفة هذا الحكم، فان هذا التعميم هو بالضبط خلط منهجي واضح.

ولابد من الالتفات الى ان كلامنا هذا لا يعني ان القدماء كانوا مخطئين في افكارهم وتصوراتهم ومفاهيمهم، ومن ثم فلايصح الحديث عن افتقاد موروثهم للقيمة وزوال موقعيته ومكانته، ذلك ان ما دفع البشر نحو مزيد من التطور انما هوالاعتماد على الموروث الحسن وتنحية الموروثات الباطلة والمذمومة وغير النافعة، فتحول المفاهيم واصلاح المؤسسات انما ينبع من عمق التراث لا من خارجه او ضده((224)).

تعبر المفاهيم عن حصيلة المتطلبات الزمانية والمكانية والعملية للحياة المادية والمعنوية للبشر الذين يشكلون فاعل المعرفة، فوفقا لظروف حياتية اجتماعية عاشتها المجتمعات القديمة كان الناس على صنفين عبيد واسياد، ومن ثم كانت هناك مجموعة من القواعد العرفية والحقوقية، وكذلك منها الاخلاقية والدينية، تحكم العلاقات القائمة ما بين الاسياد والعبيد وتحددها، بيد ان الفكر الحداثي لا يستوعب مفهوما كمفهوم الرقية، ذلك انه يرى ان كافة افراد البشريتمتعون بحقوق فطرية وطبيعية (حقوق الانسان) غير قابلة للفصل والتفكيك، وهذا يعني التمركز بالضبط في النقطة المقابلة لمفهوم الرقية، وانطلاقا من ذلك تحال ظاهرة كظاهرة الرقية في المجتمع الحداثي وفقا لمتطلباته التي تعبربدرجة او باخرى عن نتاج الفكر الحداثي نفسه، ومن هنا لا مكان بتاتا للرقية، واستتباعا لقواعدها واحكامها في مجتمع حديث.

لكن من الطبيعي ان تبقى في الزوايا وفي نطاقات محدودة بعض الظواهر والسلوكيات التي تتعاط ى مع بعض الناس على طريقة الرقية، بيد ان هذا السلوك يقوم اساسا على النقيض من العرف والقانون، ومن البديهي انه لا يمكن تصور قواعد اواحكام حقوقية تهدف الى تنظيم اعمال مخالفة للقانون نفسه.

ان الخلط المعرفي يحصل عندما نقوم باجراء احكام حقوقية وشرعية تتصل بالرقية دونما لحاظ لمتطلبات المجتمع المعاصر، وكذلك دونما رعاية لفلسفة الاحكام.

وهكذا الحال في اكل الربا؛ اذ يمثل الربا ظاهرة اجتماعية مذمومة استدعتها بعض المتطلبات الزمانية في المجتمعات القديمة، تماما كما هو الحال في ظاهرة الرقية، ومن ثم فمفهومه كانما يحكي عن نوع من العلاقة العامة القائمة ما بين المقرض والمقترض وفقا لظرفيات تلك المجتمعات.

ان الاحكام الشرعية والاخلاقية للربا ناظرة الى هذا المفهوم له، وقد كانت جهودي التي بذلتها في مقالة «الربا والفائدة البنكية» معنية بالدرجة الاولى بالتدليل على هذا الامر، وهو ان مفهوم الربا - كمفهوم الرقية - لا مكان له في الفكرالحديث، ذلك ان بنية وحركية المجتمع الحديث تحيل في داخلها تكون ظاهرة كظاهرة الربا، وقد اشرت في تلك المقالة، وحللت من الناحية التاريخية كيفية تبدد ظاهرة الربا تدريجيا في المجتمعات الحديثة كنتيجة لتوسع النظم البنكية الجديدة، لكن السيد موسويان رفض الملاحظات الموضوعية التي اثرتها كافة فيما يخص التمايز القائم ما بين الربا والفائدة، مؤكدا الوحدة ما بين هذين المفهومين عبر دراسة - ومن ثم مناقشة - فقرتين من الادلة الاساسية التي اوردتها وما سجلته من توضيحات حول ذلك، وانني لاعتقد بان دراسة الرؤى التي اثارها الناقد المحترم تضاعف من وضوح البحث، وتساعد على اجلاء النقاط المكتومة والمخفية للمسار المعرفي الذي غط ى المقالة الاولى.

لقد سجل السيد موسويان انتقادا على التعريف الاقتصادي السائد عن الربا والذي يقول: «ان الربا دخل قطعي معين سلفا»، ومن ثم لم يره تعريفا شاملا ومستوعبا، معتبرا اياه محددا ومؤطرا بنوع من انواع الربا خاصة، وكنتيجة لمحاولته هذه قدم تعريفا جديدا للربا، استند فيه الى الايات القرآنية والروايات الشريفة حيث يقول: «اما التعريف الدقيق للربا...فهو عبارة عن اشتراط شيء زائد على اصل المال الذي تم اقراضه»((225)).

واستدامة في معالجته هذه، يستنتج موسويان ان: «ملاك ومعيار الربا في الاسلام اخذ اي نوع من الزيادة على اصل القرض، اعم من ان يكون ميزان ومقدار الزائد قطعيا وثابتا او متغيرا غير قطعي، فاذا الربا المحرم في الاسلام يشمل المداخيل القطعية للمجتمعات التقليدية، وكذلك المداخيل المتغيرة للمجتمعات الحديثة والمتقدمة»((226)).

ان السيد موسويان يقر - بالتاكيد - بان عالمنا المعاصر - اغلبه لو لم يكن باجمعه - اضحى لا يعرف عدا النقدالاعتباري، وان النقد العيني قد اصبح امرا منسوخا، كما صار من الجلي ان النقد الاعتباري يمكن تقييمه فقط عن طريق تحديد قدرته الشرائية او حساب قيمته النسبية قبال السلع والخدمات، وعندما يقع التضخم او يحدث تعديل في القيم النسبية تتغير في الطرف الاخر القدرة الشرائية للنقد او قيمته، وعليه فاذا كانت القروض تعط ى على شكل بضائع او... -كما كان رائجا في الازمنة السالفة - فان تحديد المقياس «الشيء الزائد على اصل القرض» يصبح امرا سهلا، بيد ان المسالة ستتسم بالتفاوت حينما يتحول القرض الى النقد الاعتباري، ذلك انه من الممكن ان ياخذ المقرض بحسب الظاهر ما هو ازيد من اصل القرض دون ان يحوز من الناحية العملية الا على عائد اقل، اذ من الممكن ان تكون قيمة النقد قد انخفضت نتيجة التضخم او تغير القيم النسبية.

ويصر السيد موسويان في تعريفه للربا على مفهوم الاشتراط، بيد ان ما يلزم معرفته هو ان كل مشاركة تشتمل نوعا من الاشتراط هذا، والذي يكون المعين لنسبة التقسيم فيه (للربح او للخسارة) منبثقا عن النشاط المشترك، وكما يقول السيد موسويان: فان الاشتراطيؤول الى الربا عندما يكون ناظرا الى زيادة شيء على اصل القرض، لكن القضية تاخذ بعدا آخرعندما يظهر ان فهم عنصر الزيادة هذا انما يتسنى فيما اذا استطعنا تحديد هذا الشيء الزائد، والنقد الاعتباري انمايمكن الاقدام على شيء من هذا القبيل فيه، فقط عندما يتم تعيين القدرة الشرائية له، او قيمته النسبية قبال السلع والخدمات، وبناء عليه، وحتى نستطيع فهم حركة الاشتراط - ناحية الزيادة او لا - في الاقتصاد المبني على النقدالاعتباري (الاقتصاد الحديث) نجد انفسنا مضطرين للعودة الى تحديد القدرة الشرائية للنقد او قيمته النسبية لا القيمة المسماة التي فيه، ذلك ان تحديد النقد الاعتباري ووزنه على اساس القيمة المسماة لغو منطقي ليس الا.

والسؤال هنا هو ان السيد موسويان، ورغم ختمه مقالته بالاشارة الى الظلم الموجود في العلاقات الربوية ويبدو -بحسب الظاهر - انه يقر بان فلسفة الاحكام المتصلة بالربا ليست سوى نفي العلاقات الظالمة بين الناس... كيف لا يتكلم عن الظلم الذي يمكن ان ينشا عن طريق تصفير معدل القيمة المسماة؟!

فعندما نقترض من شخص مبلغا من النقد الاعتباري ومن ثم نعيد اليه نفس المسمى بعد مضي مدة زمنية تعرضت فيهامعدلات القيم للتصاعد، الا نكون قد مارسنا بحقه نوعا من الظلم؟ الا يعد تسرية الاحكام المتعلقة بالنقود العينية الى النقد الاعتباري، وتجاهل النتائج العملية لهذا الامر، ابتعادا عن فلسفة الحكم واكتفاء بالظواهر؟ ويؤكد السيد موسويان - معتمدا على القرائن والشواهد التاريخية - على «ان الاقتصاد في صدر الاسلام لم تكن القيم النسبية فيه في حال تحول وتغيير فحسب، بل حتى المستوى العام للقيم كان هو الاخر متحولا ومتغيرا، ومن هذه الناحية، ليس ثمة فرق ما بين المجتمعات الحديثة والمتقدمة وتلك التقليدية القديمة، لا اقل ان الامر ليس كذلك فيمايتعلق بالجزيرة العربية»((227)).

ويمكننا ملاحظة الاشتباه المعرفي لباحثنا المحترم بشكل جلي في مثل هذه الكلمات والمقولات المشابهة لها، اذ يبدوانه لا يفرق ما بين الامور الواقعية والمفاهيم (الصور المعقولة)، ويتحدث عن القيم النسبية، والمستوى العام للقيم،والتضخم وامثال ذلك في صدر الاسلام بشكل يشعر القارئ وكان هذه المفاهيم الحديثة والصور العقلية المتشكلة في الفكر المعاصر كانت تحظى بواقعية ما في ذلك الزمان.

وكما يعرف السيد موسويان، فان مفهوم المستوى العام للقيم ناظر الى مقياس محدد (وضع سنة ما لتحديد المقياس)وتعيين المعدل الوسطي لتغييرات القيم الحاصلة في السلع والخدمات المختلفة في المجتمع، فهل يمكننا الادعاء بان هذا المفهوم كان له وجود ايضا في افكار البشر المعاصرين لصدر الاسلام؟

ان مجرد وجود واقع ما لا يعني بالضرورة دليلا على وجود مفهوم او صورة متعقلة عن هذا الواقع، فقانون سقوط الاجسام (الجاذبية) كان موجودا في الازمنة كافة على هذه الكرة الارضية، ومن ثم كان نافذا، بيد ان الصورة المعقولة والتكون المفاهيمي لهذا القانون لم يكن يحظى بالتحقق عدا في العصر الراهن وذلك بمجيء نيوتن، ليصبح فيما بعدمادة للتفكير البشري المنصب عليه.

يعيش البشر مع الواقع، لكن الفكر والاحكام المختصة بهذا الواقع انما تبنى على المفاهيم والمقولات العقلية لا على الواقع نفسه، فما يقال عن تغير القيم في صدر الاسلام امر واقعي ثابت لا سبيل لنا الى انكاره (طبعا ابعاد واهمية هذه التغييرات لا تقبل المقايسة مع المجتمعات الحديثة) بيد انه لا يمكن - وعلى اساس هذا الواقع - استنتاج وجودمفاهيم ومقولات من قبيل القيم النسبية، وعموم القيم، والتضخم وما شابه ذلك، في تلك الحقبات الزمنية الغابرة لتكون مادة للقراءات الفكرية والمحاكمات العلمية.

ان واحدة من الاشتباهات الايبستمية الرئيسة للسيد موسويان، تكمن في عملية التعميم التي قام بها لمفاهيم معاصرة في علم الاقتصاد على العالم القديم زمن صدر الاسلام، بحيث يحاول اسقاط مفهوم اقتصادي على زمن لم يكن هذاالمفهوم ليولد فيه بعد، ومن ثم ليكون نقطة بحث وجدل بين البشر. لقد استخدم لدى تفسيره روايات صدر الاسلام،التي جاءت في موارد متعددة فيها مفردة (المال)، استخدم مصطلح «حجم النقد»، وفي حالات من هذا النوع تم ارتكاب خطا معرفي فاحش، فصحيح ان المجتمعات القديمة - ولاسباب مختلفة، ككشف معادن الذهب والفضة، الحروب والغارات وغير ذلك... - تتعرض فيها مقادير النقود العينية للزيادة والنقصان، لتجعل قيم البضائع والسلع تحت تاثيرهافي ذلك، غير انه لا يتسنى لنا استخلاص استنتاج يقول: بان مفهوم «حجم النقد» - كاداة تحليلية اقتصادية - كان مختزنافي اذهان العلماء في تلك الفترة.

وهكذا الحال في مفهوم «المال»، اذ انه مفهوم كلي مبهم، يسلط الضوء على معاني متعددة من قبيل، المالكية، السلعة،راس المال، النقد، وهي معاني مختلفة قام السيد موسويان باستخدامات متعادلة لها، فالاشتراك اللفظ ي الموجود في مفردة (مال) ليس دالا على انه كان له مفهوم مستقل ومعين من هذه المعاني في اللغة العربية ابان تلك المرحلة، ولو كان لهذه المصطلحات مفاهيم محددة في ذلك الزمان فبالتاكيد كانت ستنعم من جانبهم بمفردات او مصطلحات متمايزة ومستقلة عن بعضها البعض.

الحقل الفكري والمعرفي للمفاهيم العلمية:

النقطة المعرفية الاخرى التي غفل عنها السيد موسويان هي ان المفاهيم العلمية من قبيل حجم النقد، معدل التضخم،قيمة الزمن، و... لا تبدي معناها الا في سياق منظومة فكرية محددة، ومن ثم فليس لها استخدامات علمية خارج اطارالنسق الحاكم على هذه المنظومة، لتتحول هناك الى مصطلحات فاقدة للمعنى. والاطار الحاكم على علم الاقتصادالحديث عبارة عن نظام متصل ببعضه البعض من العلاقات المرتبطة بالانتاج وتبادل السلع والخدمات، والذي يشتمل في طياته كافة المجالات والظواهر الاقتصادية الاعم من الانتاج والتجارة والتصريف وبقية الظواهر النقدية، ومفهوم راسمال الانتاج يمكن تصوره فحسب داخل هذا النسق المحكم الذي تقع فيه علاقة وطيدة جدا ما بين الانتاج والتجارة، اي ان نظرة الى ظاهرة النقد ضمن هذا السياق بالتحديد هي القادرة على جعله عنصرا انتاجيا (رأسمال).

لقد أكدت في مقالتي السابقة على هذه النقطة، وهي ان قيمة الفائدة في الاقتصاد الحديث مرتهنة من جهة الى الناتج النهائي لراسمال الانتاج، فيما تتصل من جهة اخرى بالميل النهائي للادخار، ووفق هذا التعريف، لن يكتسب مفهوم الفائدة معنا سوى داخل الخطوط الحاكمة في علم الاقتصاد، ومن ثم فلن يكون له هذا المعط ى - طبيعة - في اطارالتفكير القديم الفاقد لهذا النسق الذي يلقي بظلاله على مجمل المفاهيم.

وبعبارة اخرى، ان مفهوم الفائدة - وفق التعريف المتقدم - ليس له من وجود في صدر الاسلام، بل لا يمكنه ان يكتسي لباس الوجود ايضا، وبناء عليه لا يمكن ادعاء وجود احكام مستقلة ومباشرة تتعلق بالربا، وكذلك بسائر مفاهيم علم الاقتصاد صدر الاسلام، ومجرد الاشتراك اللفظ ي او التشابه الظاهري لا يسمح لنا بتطبيق احكام الربا على الفائدة التي تتمايز عنه بمفهوم ودور مختلفين جدا.

ظاهرة البنك والتحقيب الزمني:

لقد ركزت لدى تعرضي لبحث تحديد الموضوع (تغاير الربا والفائدة) على ان منشا ظاهرة الفائدة البنكية، وعموماالنظام البنكي الحديث، هو الايداع (الامر الذي كان في بداياته تحت تصرف الصيارفة في القرون الوسط ى) وظاهرة الايداع ظاهرة حديثة لم يكن لها من عين او اثر في تلك الفترة التي يركز السيد موسويان نظره عليها، فمن الناحية التاريخية يمكن ان نلاحظ - وبوضوح - ان ظاهرة الايداع، والنظام البنكي المؤسس عليها، نمت وترعرعت على خط مواز لظاهرة الاقراض الربوي، وفي نهاية المطاف وقفت في تصادم معها بالذات، ويوضح تاريخ اوروبا الاقتصادي كيف اتجه مؤشر ظاهرة اكل الربا ناحية الافول والزوال في الوقت الذي تنامت فيه - بالمقابل - انظمة الايداع والبنوك الجديدة، لكن السيد موسويان - ودونما انتباه لهذا الواقع - ادعى وجود الكثير من الظواهر والمفاهيم الاقتصادية الحديثة في صدر الاسلام، وان احكام الشارع سبحانه كانت ناظرة اليها ايضا، انه يكتب قائلا: «... ان فريقا في زمن الجاهلية قبل الاسلام، كان يعمل تماما كالبنوك المعاصرة اليوم، فقد كانوا يقترضون بالفائدة من جهة، فيما كانوا - من جهة اخرى - يقرضون بفائدة اكبر، وقد كان ذلك المصدر الوحيد لدخلهم»((228)).

ان مجرد وجود مجموعة تعمل كوسيط مالي، لا يعني دليلا على وجود النظام البنكي او اي نظام مشابه للانظمة البنكية الحديثة، وذلك:

أولا - ان النظم البنكية الحديثة تعتمد لتامين مواردها على الايداع لا الاستقراض، وعليه فليس كل وسيط مالي يمثل بنكا، بل البنك انما يقوم على الايداع ويتكون على اساسه، وهو معني بممارسة ادارة ناجحة لمضاعفة الاموال، حيث ان بعضا منها يقوم البنك نفسه بايجاده على شكل نقد اعتباري، وعملية الايداع لا يمكن تصنيفها نوعا من الاقراض من الناحية الاقتصادية والحقوقية، والمودع نفسه ليس مقرضا، وانما يضع مدخراته كامانة لدى البنك، ليمكنه في اي زمان يشاء رد هذه الامانة اليه.

ولا تقتصر العمليات البنكية على مجرد اقراض الودائع المتوفرة لدى البنك، بل ان البنك نفسه يتحمل مسؤولية الاقدام على استحداث نقد اعتباري، ويسعى لادارة ما بيده ادارة فعالة ومنتجة، آخذا بعين الاعتبار العوامل المتعددة.

ومن هنا يمكن القول: انه على رغم التشابه الظاهري، فان عمليات الوساطة المالية صدر الاسلام، لا تلتقي كثيرابالنشاطات البنكية بالمفهوم المعاصر للكلمة.

ثانيا - ان التسوية ما بين عدد محدود من الوسائط المالية والنظم البنكية - مع تجاهل التفاوت الماهوي بينهما -يساوق افتراض التسوية ما بين البحر والقطرة، فان البحر مكون من مجموعة نقاط مائية، وبعبارة اخرى: انه يحتوي خصائص القطرة هذه، بيد ان القطرة ليست بحرا، ولا تقوم بالدور الذي يقوم به البحر، فلا يمكن ممارسة السباحة في قطرة الماء، كما لا يتسنى قيادة السفن فيها، فللبحر خصائص واداء يختلف تماما عن القطرة بالنسبة الى الانسان، والغفلة عن هذا الاختلاف الواضح بينهما، لا يورطنا في خلط معرفي فحسب، بل يتجاوز بنا الى ما هو اسوء من ذلك؛ الا وهوالوقوع في اشتباه فلسفي وجودي، اي على الصعيد الوجودي لا المعرفي فحسب.

ان السيد موسويان وقع في هذا النوع من الاشتباه عندما اخذ بالحديث عن راس المال، فلا شك في وجود راسمال تجاري بين العرب الجاهليين (لا سيما في مكة) وكذلك في صدر الاسلام، بيد انه ليس نظاما مرتكزا على راس المال اونظام اقتصاد السوق، اي ان الراسمالية لم تكن قد حظيت بالوجود بعد، فالنظام الراسمالي لا يكتسي شكله الحقيقي الافي ظل نظام اقتصادي واسع للسوق، يمكن للنقد وادوات الانتاج فيه (الراسمال المادي) ان تتحول - وبسرعة وسهولة - الى بعضها البعض.

وهنا يصبح من الممكن لنا الحديث عن راسمال بمفهومه العام، الاشمل من الراسمال التجاري، او النقدي، او السلعي، او الانتاجي.

ان المفاهيم التي من نوع الناتج (النهائي) لراس المال، او قيمة الفائدة في السوق،... ونظائرها مما اصبح اليوم موردالبحث وتحليل علم الاقتصاد، كلها ناظرة الى ظواهر نظام اقتصاد السوق الواسع، ذاك النظام الذي يحتوي كافة مجالات النشاط الاقتصادي الاعم من الانتاج والتجارة.

اما اقتصاد صدر الاسلام، فرغم ان التجارة كانت ذات دور فاعل فيه، لكنه لم يكن نظاما ينتمي الى اقتصاد السوق،فعلاقات السوق فيه محدودة بمجال التوزيع (التجارة)، فيما كان مجال الانتاج فيه مفقودا تماما، ومن ثم كان خارجا عن هذا الاطار راسا.

ومن هنا، انحصر راس المال في تلك الازمنة براس المال التجاري، اما رؤوس الاموال الانتاجية فلم يكن ممكنا ان يكون لها موطا قدم في تلك النظم الفكرية، اما السيد موسويان فهو عندما يتكلم، يوحي بحضور تلك المفاهيم الاقتصادية الجديدة في الفكر البشري زمن صدر الاسلام، وكانها كانت حية في خيال الذهن البشري لتدرس سلبا او ايجابا آنذاك، غفلة منه، عن عدم توفر الارضية التي تمنح اسباب ولوازم هذه المفاهيم (الاسس الوجودية) لكي تاخذ هذه المفاهيم بدورها طريقها الى الذهن الجمعي وتصبح قابلة للتصور.

ان ظواهر من نوع الايداع، والنظام البنكي المعتمد عليه اساسا، او سوق راس المال (الاعم من التجاري والانتاجي)،وعموم الظواهر الفرعية المنبثقة عنه، وقيمة الفائدة... كلها لم يكن لها من وجود صدر الاسلام، ومن ثم واستتباعا فلايمكن لمفاهيم هذه الظواهر ان تحظ ى بالوجود حتى يتسنى لها الحكاية، والحكم عليها.

فلسفة الحكم وجدل التحولات:

ووفقا لكل ذلك، فاذا ما وافقنا على ان مجموعة الظواهر الحديثة هذه، كالايداع، والبنك، وقيمة الفائدة و... لم يكن لهامن وجود صدر الاسلام، ومن ثم فليس في ايدينا احكاما شرعية من الدرجة الاولى متعلقة بها، هذا علاوة على الشبهات القوية الناجمة عن التشابه الظاهري بين بعض الظواهر القديمة والجديدة كالربا والفائدة، الامر الذي يحتاج الى المزيد من التوضيح لرفع هذه الشبهات... اذا كان كل ذلك، لم يتبق امامنا - ظاهرا - الاطريق واحد لسلوكه، الا وهوالعودة الى فلسفة الاحكام.

فمثلا، مع التدقيق في علة تحريم الربا، وما هو السبب في تفرقة الشارع بينه وبين البيع؟ لعله يمكننا الحكم بشكل افضل في موضوع الربا وفائدة راس المال، كما فعله السيد موسويان نفسه مؤكدا عليه في نهاية مقالته، حيث ذهب الى ان تحريم الربا كان من جهة الظلم الواقع فيه((229))، لكن المؤسف هو ان السيد موسويان وعوضا عن اشتغاله بتحليل هذا الظلم ونوعه وكيفيته في العلاقات الربوية زمن صدر الاسلام، صب جهوده - وفقط - على تحليل ذلك على صعيد الفائدة البنكية في دنيانا المعاصرة.

وعلى ايّة حال، فاننا وبغية اتضاح البحث، نشير بداية الى دور الربا الاقتصادي والاجتماعي في العصر القديم، ومن ثم ندرس بالنقد والتحليل القضايا التي اشار اليها السيد موسويان حول الفائدة البنكية.

يذعن اغلب المؤرخين - من اي اتجاه فكري وعقائدي كانوا - بان القروض الربوية في العصور القديمة كانت تجر على المقرض السوء والهلاك، وتساهم في اتساع رقعة العلاقات الظالمة بين الناس. ان شيوع اكل الربا في اوساط العرب الجاهليين بلغ بالظلم في حق المقترضين المعوزين حده الاعلى «ان آكلي الربا من قريش كانوا يمارسون في الواقع نوعامن الغارة على فقراء مكة واهل البادية، ففي حالات الضيق المعيشي، تنهار اوضاع المقترضين ويصبح المديون وكل المحيطين به عبيدا وخداما للدائن، فقد كانوا موظفين ليعملوا له بالمجان، وليؤدوا له دينه عبر هذا العمل الشاق المجاني الذي يقومون به، فيقسطون بذلك ما عليهم من دين، ويسمون ذلك ضريبة او خراجا»((230)).

ولم يكن لهذه العلاقات الظالمة من حد او حصر عدا قوة وقهر المقرض، «لقد كان الربا امرا رائجا حتى ما كان منه على شكل اضعاف مضاعفة، وكان يصنف كنوع من المعاملات، وما اكثر ما ينسى التاجر القريشي في مثل هذه الحالات مروته العربية»((231)).

وبناء عليه، وخلافا لما كتبه السيد موسويان((232))، فان قيمة الربا في الحالات كافة لم ترتهن كليا لربح راس المال في النطاق التجاري فيما كان اغلب المقترضين فقراء ومحتاجين لا تجار واغنياء، بحيث كانوا يستقرضون لرفع حاجاتهم الضرورية غير المحتواة سلفا لا لاجل التجارة، ومن ثم فلم تكن عندهم تلك القدرة على المماكسة فيما يخص ميزان الربا وتطبيقه على ارباح التجارة، ففي القروض الربوية كان المقترضون - وعلى الدوام - في معرض الاجحاف، ومن هناكانت الاحكام الشرعية المتعلقة بالربا تستهدف بالدرجة الاولى الدفاع عن حقوقهم ومصالحهم، اما في الاقتصادالمعاصر الذي يغلب فيه تحول مدخرات افراد المجتمع الى ايداعات محفوظة لدى البنوك، وغالبا ما تشكل تلك الايداعات اموالا ترجع الى افراد من الدرجات المتوسطة والمتردية اقتصاديا... فلا يمكن تطبيق الاحكام المتعلقة بالربادونما رعاية لفلسفة تلك الاحكام، ذلك ان المودعين - في عصر كهذا - هم الذين يقعون في معرض الاجحاف اساسا،لا المقترضين الذين يشكل القسم الاكبر منهم اصحاب الشركات والمتعهدين المتمولين.

ان السيد موسويان، ودون ملاحظة منه لفلسفة الحكم - اي قطع دابر العلاقات الظالمة بين الافراد - ومناقضة منه لكلماته التي ختم بها مقالته، يقول: «وعليه، فما جرى تحريمه في صدر الاسلام بعنوان (الربا) ليس سوى الدخل المسمى المتفق عليه بين الطرفين، اي نفس الظاهرة المعاصرة التي تسمى في النظام الراسمالي السائد بالفائدة البنكية»((233)).

وهنا لم يعد من الضروري اعادة التاكيد على الخلط المعرفي الذي تورط فيه موسويان، عبر اسقاطه مفهوما حديثا«الدخل المسمى» على عصر صدر الاسلام، ليلقي بشبهة تحاول ان توحي بان مفهوما كهذا كان معروفا في الاوساط العربية في تلك الازمنة، كما كان قابلا للقياس قبال الدخل الواقعي الحقيقي، ليتفق الطرفان على اساسه.

وبالاضافة الى ذلك، تحاول كلمات السيد موسويان ان تضعنا في ايحاء يقول: بان الحكم الشرعي المتعلق بالربا كانماكان يعيش هم الامور الظاهرية، ولم تكن لديه اية عناية بواقع العلاقات الربوية بين الناس (تغييرات الدخل الواقعي)، فاذا هدفت فلسفة تحريم الربا لنفي العلاقات الظالمة، فلا يمكننا بعد ذلك تجاهل التغييرات الحاصلة في المداخيل الحقيقية، ان السكوت في حكم الربا عن مفهوم الدخل الحقيقي لا يمكن الا ان تكون له علة واحدة، وهي ان هذاالمفهوم لم يكن له وجود اساسا في الذهن الجمعي لتلك المرحلة الزمنية (بل ان اساسه العيني لم يكن قد تشكل بعد)،وعليه، فلا معنى للحكم في امر ليس له اي وجود اصلا.

ومن ثم، فتعميم المفاهيم الحديثة على مرحلة صدر الاسلام تضع امام السيد موسويان اسئلة بالغة الصعوبة، لا يظن انهاتملك اجوبة منطقية ومنسجمة في اطار البنية الفكرية التي يحملها، فهل يمكن للسيد موسويان - وهو ممن يملك معلومات تاريخية واسعة عن صدر الاسلام - ان يرشدنا الى انموذج واحد يؤكد فيه مظلومية المقرض نتيجة انخفاض قيمة المبلغ المقرض عبر التمادي الزمني (التضخم او تغيير القيم النسبية)؟

هل لدى السيد موسويان ظاهرة كظاهرة الايداع المعاصرة تنخفض فيها يوميا قيمة المقدار المودع؟

ما هو حكم الشارع في الظلم الواقع على المودعين؟

افهل يهتم الشارع بوضع المقترضين فحسب؟

ألا يتصور السيد موسويان ان الشارع سوف يصدر حكما آخر لحفظ حقوق المودعين - كما تفرضه العدالة - لو واجه في تلك الايام ظاهرة الايداع الموجودة اليوم في مجتمعاتنا، والتي تنخفض فيها وباستمرار - نتيجة للتضخم - قيم المبالغ المودعة؟

اليس عدم وجود حكم يختص بالمودعين دليلا على عدم وجود ظاهرة كهذه في ذلك الزمان؟ او على الاقل، مفهوم هذه الظاهرة؟

القراءة المنقوصة للنظام الاقتصادي الحديث:

وهنا، من الافضل ان نعكف على قراءة وتحليل ما ذكره السيد موسويان حول الظلم الحاصل من وضع قيم النقد ورؤوس الاموال على اساس نظام الفائدة، وباختصار الظلم الذي يسببه النظام البنكي الحديث، انه يكتب: «وانطلاقا من ذلك يصبح تامين راس المال وفقا لنظام الفائدة نوعا من المقامرة»((234)) بهذا المعنى وهو «ان المراكز الاقتصادية التي تقدم في ظروف اقتصادية جيدة او في ظروف التضخم على الاستقراض تحت تاثير الجو العام تقوم باستثمار الاموال بفائدة عالية، وبعد دخول الاقتصاد في مرحلة الركود، سيجدون انفسهم فرادى لا معين لهم، فمن جهة ملزمون بدفع الفائدة دون ربط بالناتج الواقعي لراس المال في الظروف الحالية، ومن جهة اخرى يفكرون في العثور على سوق لبيع بضائعهم وسلعهم المودعة، وهو ما يجعلهم مضطرين للافلاس، ليعودوا الى نفس المؤسسات التي تضع في يدها قرار الاقراض والاعتبار حتى يستقرضوا منها مجددا، وفي نهاية المطاف يدخل الاقتصاد باجمعه مرحلة من الازمة المالية.

من جهة اخرى، عندما تضع البنوك في مرحلة الركود المصادر المالية للمودعين كقروض واعتبارات طويلة الامد في ايدي قوى المال وبفوائد منخفضة، فانها بعد مضي مرحلة الركود هذه ستحس بانها باعت ما عندها بثمن بخس، وهونموذج آخر لما مارس نظام الفائدة فيه الظلم ايضا...»((235)).

وفي اطار وضعه للحل المناسب من جهته، يطرح موسويان نظام المشاركة على الشكل التالي: «ان اصحاب المال والعمل الاقتصادي بالرغم من ان استثمارهم قائم على اساس معيار الربح المتوقع، لكنهم يتعهدون بتقسيم الربح والخسارة الحاصلين نتيجة عملهم ونشاطهم، وهذه الطريقة من التوزيع الحاصل ما بين العامل والمالك، علاوة على تقسيمها الدخل ما بين هذين العنصرين الرئيسيين في الانتاج بشكل يتناسب والاداء والدور الفاعل لكل منهما في النشاط الاقتصادي، تمنح حركة وضع القيم لراس المال وتبعا له الانتاج والعمل والتنمية الاقتصادية نموا ونضجا ثابتين وملحوظين ايضا، وذلك نتيجة الترافق الحاصل ما بين مالك راس المال ومسؤول العمل»((236)).

ان الاستدلال الانف الذكر على ان نظام الفائدة نظام ظالم، يرشدنا الى ان الكاتب المحترم يحمل تصورا غير دقيق عن مجموع النظام الاقتصادي القائم فعلا في المجتمعات الحديثة، او من الافضل ان نقول: انه يحمل تصورا غير صحيح؛فالنظام الاقتصادي الحديث يعتمد - في الحقيقة - مبدا المنافسة، والمنافسة - شئنا ام ابينا - تضم الفائز وغير الفائز، وافلاس بعض المواقع المالية الفرعية في المجتمع امر ناجم عن الاعتراف المسبق بمنطق اقتصاد السوق وقواعد لعبة المنافسة، ان المراحل التجارية التي تمر من الازدهار ثم الركود واخيرا الازمة لها اسبابها المتعددة، واحد منها - بالتاكيد- الاداء اللامناسب للنظام الاعتباري، لكن لا ينبغي توهم ان علة العلل لكافة المشكلات الاقتصادية هي الفائدة، ليكون الحل - كل الحل - في الغاء نظام الفائدة كليا، ان موقعا ماليا ما في المجتمع ياخذ قرارا بالدخول في عملية انتاج، ويضع خطة استراتيجية محددة لبرامجه وتامين مصالحه، ينظر الى فائدة راس المال كقسم من اقسام مصاريف الانتاج.

ان ارتفاع قيمة الفائدة بالنسبة لنشطاء قوى المال، يحكي عن ان واحدا من مصادر الانتاج (راس المال) قد اصبح اقل بشكل نسبي، وعن هذا الطريق اصبح اكثر غلاء، والمسؤول الناجح هو ذاك المدير الذي يرسم سياساته بشكل يوفرتوفيرا ملحوظا من عمليات استخدام المصادر القليلة الوجود، وبناء عليه، فاذا ما واجهت سياسات بعض المدراءوالماليين فشلا ذريعا اسلمه الى الافلاس، فانما يعود ذلك الى عجزه عن توظيف مصادره القليلة بشكل جيد.

وبعبارة اخرى: لم يقم باتخاذ سياسة مناسبة فيما يتعلق بنقصان مصادر الانتاج عنده، ومن الجلي انه لا يعلن الافلاس دفعة واحدة كل النشطاء والفاعلين ماليا، ومن يتورطون في افلاس من هذا النوع، فهم اما لم يوازنوا وفق حسابات دقيقة بين الصرف والربح، او ان عوامل تركت اثرا بالغا في ذلك دونما قدرة مسبقة على التنبؤ بها فاضرت نهاية بطريق غيرارادي.

ان قيمة الفائدة تعني قيمة راس المال في السوق، وهي قيمة تشابه باقي القيم فيه، فتخضع لتغيرات متواصلة، وعليه فاطلاق صفة الظلم على نتائج هذه التغييرات الحاصلة في قيمة راس المال في السوق (قيمة الفائدة) انما يعني هذاالمقدار (او يصبح بلا معنى) وهو ارتهانه لتلك التحولات الحاصلة في السوق على صعيد القيم، ففي كل حركة تنافسية،لا محالة هناك من سيفوز وهناك في المقابل من سيخسر الرهان، فاذا ما روعيت قواعد اللعبة في حالة كهذه فسيصبح من غير الجائز اطلاق وصف المظلومية على اولئك الذين لم يوفقوا في السباق، حتى لو كانت الهزيمة مؤلمة وغيرمستساغة لهم.

ان الظلم الموجود في القرض الربوي ناشئ عن ان المقرض يسعى دائما لفرض ارادته، ويتخذ على الدوام موقع النافذوالمتسلط، فيما يقبع المقترض في عالمه الضعيف، وفي حالة من الاضطرار والحاجة، اي ان قواعد اللعبة يجري فرضهامن قبل احد اللاعبين الاقوياء، ولذلك كان الفائز معروفا سلفا، وكانت اللعبة غير عادلة بالطبع، اما في نظام الفائدة فان وضعا كهذا الوضع غير موجود اصلا، فقواعد اللعبة (ومن جملتها قيمة الفائدة) خارجة عن يد الطرفين معا المقرض والمقترض، وخلافا للعلاقات الربوية، لا يمكن فرض ارادة احد الطرفين - ايا يكن - على الاخر، وانطلاقا من ذلك لم يعد يمكننا الحديث عن ظلم نظام الفائدة، حتى لو كانت النتائج احيانا غير مرضية لاحدالطرفين - والذي لا يمكن تحديده من قبل - اذ لا يمكن عد كل نتيجة غير مرضية ظلما، تماما كما لا نستطيع ان نعتبر ظواهر طبيعية كالزلازل والسيول و... ظلما رغم ما فيها من فجائع بالغة للغاية، اذ ان مفهوم الظلم يتضمن ارادة واختيارا ووعيا على صعيدالعلاقات الانسانية، وبالتالي فان النتائج غير المرادة ولا المقصودة للفعل الانساني لا يمكن حملها على الظلم و...

من الممكن في عقد كعقد البيع الذي اجازه الاسلام ان يتضرر شخص او عدة اشخاص لاسباب لا ترجع الى مقاصدالاطراف الواعية، بيد انها تكون ناجمة عن اعمالهم واقداماتهم، افهل يمكن اعتبار نتيجة كهذه ظلما؟!

بالتاكيد لا يمكننا ذلك، ذلك ان الظلم يصبح ذا معنى عندما يفرض احد الاطراف ارادته على الطرف الاخر ليضعه في مازق يضر به، ونظام الفائدة في العصر الحديث يشبه عقود البيع والتجارة، فيما تقتصر مشابهته للربا على التشابه السطحي الظاهري؛ ذلك انه لا توجد في هذا النظام ارادات مفروضة على اي طرف، فيما تتعين قيمة الفائدة وشروط العقد من خلال اوضاع السوق (راس المال).

العجز الاقتصادي لنظام المشاركة:

ويعتقد السيد موسويان بان «الاسلام - وبتحريمه نظام الفائدة - يقدم منهجا جديدا في وضع قيم راس المال»((237)) والذي هو في الحقيقة نفس نظام المشاركة الذي تقدمت الاشارة اليه سابقا، وهنا يقع الكاتب المحترم في خطا مرة اخرى لدى تشخيصه مكانة راس المال في النظام الاقتصادي الحديث، ذلك ان تعيين قيمة راس المال لا يمكن ان يتم عن طريق نظام المشاركة او الربح، وذلك لسبب بسيط، وهو ان الربح ينجم عن النشاط العملي الاقتصادي لقوى المال،وعليه فمن يملك مركزا ماليا، يمكنه ان يستفيد من راس المال كعامل انتاجي فقط عندما لا تتصور له اية قيمة (غير قيمة الفائدة). واشتباه السيد موسويان نجم عن غفلته عن هذا الموضوع، وهو ان هناك فرقا بالنسبة لقوى المال ومراكزه بين ميزانية الصرف ودخل راس المال، فليس من ضرورة تفرض وحدة هذين الامرين، فلا يمكن للناشط الاقتصادي ان يوحدبالنسبة لديه بين دخل راس المال من جهة وحاجات الصرف من جهة اخرى، ذلك ان المبلغ المعقود للصرف الانتاجي يمثل ظاهرة سابقة على الانتاج والبيع معا، والحال ان الربح ظاهرة لاحقة على البيع تاتي عقبه، ومن هنا فان النظام المبني على الربح (نظام المشاركة) لا يمكنه ان يقوم مقام نظام آخر جرى بناؤه على حاجات الصرف الانتاجي (نظام الفائدة).

وبعبارة اخرى: ان اداء قيمة الفائدة عبارة عن التدليل على ميزان النقص النسبي لراس المال، وارشاد الناشط الاقتصادي لاتخاذ سياسة استراتيجية اقتصادية مناسبة، وانجاز الاختيار السليم من بين تلك الاساليب الانتاجية التي تحتاج الى صرف مالي، وتلك التي تشد ناحيتها عملا اكبر، وذلك بهدف رفع مستوى الانتاج واشكاله وكذلك ممارسة توفير بالحدالاعلى له، فاذا لم يكن هناك قيمة للفائدة، فلن يكون بيد الناشط الاقتصادي اي مؤشر لاستخدامه في اختيار الاسلوب الانجع للانتاج، ومن ثم سيكون مضطرا للاستفادة من المصادر الانتاجية، وهي عملية لا يمكنها ان تشكل ضمانا لعدم وقوع نقص او خلل.

لابد من العلم بان اي مصدر قليل في السوق، له بالضرورة قيمة تتناسب وقلته النسبية، ولتوظيف هذا المصدر لابد -اضطرارا - من دفع قيمته، كما انه لا يمكن رفع هذا النقص عبر مرسوم او قانون تصدره الدولة او حكم قضائي، وما دام موجودا فالمصدر نفسه سيكون ذا قيمة لتكون الاستفادة منه بحاجة الى مبالغ مالية، وهذا هو السبب في فشل مجمل القوانين المناهضة للفائدة عمليا وعدم صلاحيتها للتطبيق، ذلك ان قانونا يقف على النقيض من طبيعة الاشياء والظواهرالواقعية لا يمكنه ان ينعم بالتوفيق والنجاح في الواقع العملي.

وعلاوة على ما قيل، فان لنظام الفائدة ادوارا ونشاطات عملانية في غاية الاهمية والحيوية اقتصاديا، الامر الذي يفتقده نظام المشاركة حينما ينفرد لوحده، فنظام الفائدة او النظام البنكي الجديد - وكما اشرنا من قبل - نظام ينبني على ايداعات المدخرين، وهي ظاهرة لا مجال لوجودها ضمن نظام المشاركة فضلا عن ان تكون متحققة، والغاء نظم الايداع يحرم افراد المجتمع من اختيار امر بالغ الاهمية والحيوية بالنسبة اليهم، بمعنى وضع المدخر امام خيارين لا ثالث لهما:
أ - القرض الحسن.
ب - الاستثمار المباشر (المشاركة).