ولو قلنا بعدم تاثير الاعراض في زوال الملكية فالحب الخارج
في فضلة البهيمة المملوكة ملك لمالكها فان اكلها له
من المباح نوع من انواع حيازة المالك فيلحقه احكام الملك
على الظاهر، اما لو اكله من مال مالكها فلا كلام في بقائه
على ملكه على ذلك التقدير. [11] مسالة: لو تمتع انسان امراة فدخل بها ثم ابراها((264)) هل له العقد على اختها في عدتها لكونها بائنة ام لا، ولوعقد عليها والحال هذا ثانيا ثم ابراها بغير دخول هل لغيره العقد عليها نظرا الى الابراء الثاني بعد العقد الصحيح بغيردخول ويكون حكم الابراء حكم الطلاق ام لا؟
الجواب: الثقة بالله وحده. نعم له العقد على الاخت المتمتع بها
بعد الابراء كما في المطلقة بائنا، اما لو دخل بالمتمتع بهاثم
ابراها ثم تمتعها وابراها قبل الدخول فالذي اعتمد عليه انه لا
يحل لغيره العقد عليها الا بعد العدة، ولا فرق بين الابراء
والطلاق. وما يوجد في كتب الاصحاب من جواز ذلك((265))
للانخراط في سلك المطلقات قبل الدخول لااعول عليه ولا
اقول به، وللكلام فيه مجال واسع ليس هذا محله، والله اعلم. [12] مسالة: لو علق الصائم الافطار على ممكن عادي هل يبطل بذلك صومه ام لا؟ وهل يتفاوت الحال بين كون ذلك مع نية الصوم وبين كونه لاحقا في اثناء اليوم ام لا؟
الجواب: الثقة بالله وحده. الظاهر بطلان الصوم الواجب بذلك،
اللهم الا [اذا] علق الافطار على ما يوجبه شرعا كالمرض والسفر
والحيض مثلا، اما الصوم المندوب فان علق الافطار فيه على
حصول امر راجح كاجابة دعوة مؤمن مثلا فلابطلان، والله
سبحانه اعلم. [13] مسالة: ترك المستحب لا على الوجه القادح في الدين او العدالة بل ترك بعض افراد المستحبات يكون مكروها ام لا؟
الجواب: الثقة بالله وحده. ربما يستفاد من كلام بعضهم ان كل
مستحب فتركه مع القدرة على فعله مكروه، والذي يظهر لي انه لابد في تحقق كراهة الشيء من ورود النهي التنزيهي عنه
كترك التحنك وكالصلاة في الثياب السود مثلا، وليس كل ما
ورد الشرع بترتب الثواب على فعله فتركه مكروه كترك
الاشتغال في بعض الاوقات بقراءة القرآن او الذكر او الصلاة على
النبي(ص) وكترك صوم بعض الايام وترك الحج في
بعض الاعوام مع القدرة، والله اعلم. [14] مسالة: لو ظلم مؤمن مؤمنا الا ان الظالم لا يعتقد ذلك ظلما لشبهة عرضت له وهو من اهل العدالة الظاهرة هل يباح للمظلوم بذلك استغابته على طريق التظلم ام لا؟ وهل يباح له الدعاء عليه ام لا؟ ولو اراد المظلوم كشف الشبهة عنه فلم يصغ الى قوله واعرض عنه اما احتقارا له او ظنا ان ما هو عليه هو الحق وان المظلوم لا يعرفه هل يكون هذا مبيحا لماذكرنا على تقدير المنع في الاول ام لا؟
الجواب: الثقة بالله وحده. الظاهر انه يباح للمظلوم ذلك وان
كان سلوك جادة الاحتياط هو الاحرى، والله اعلم. [15] مسالة: يا سيدنا اعزك الله بطاعته في الدين رايت في بعض التعليقات لو ادعى عدل على الميت بحق في ذمته جاز للوصي ان يخلي بينه وبين التركة ليقبض حقه هل لهذا مستند يرجع اليه او اصل يعول عليه ام لا؟
الجواب: الثقة بالله وحده. اذا تضمنت شهادة العدلين جر النفع
لم تقبل لقيام التهمة وان كان المدعي عدلا فكيف حال دعوى
من عدل واحد مجردة عن الشهادة، والله اعلم. [16] مسالة: قد ورد الاذن((266)) في صلاة النفل والرخصة بها حالة القيام والقعود على معنى انها تصلى الصلاة الواحدة منها قائما ويجوز ان تصلى من جلوس، فهل لنا ان نصلي ركعة قياما واخرى جلوسا او لا يجوز، ويكون تشريعالعدم وروده شرعا؟ افد افادك الله ما يصلح لك في الدارين بمحمد وآله صلى الله عليه وآله اجمعين. الجواب: الثقة بالله وحده. قد يجوز في النافلة اختيارا ما لا يجوز في الفريضة الا اضطرارا كالصلاة على الراحلة والى غيرالقبلة، والظاهر ان ما نحن فيه من هذا القبيل، وتوهم التشريع بعيد، والله اعلم. [17] مسالة: لو شرط وكالة طلاق الزوجة في عقد لازم هل يصح هذا الشرط ولا يجوز حينئذ عزل الوكيل ام لا؟ وعلى تقدير الصحة لو اوقع الوكيل الطلاق وكان رجعيا للزوج الرجعة ام لا؟
الجواب: الثقة بالله وحده. قد اشتهر بين متاخري اصحابنا رضي
الله عنهم ان اشتراط الجائز في العقد اللازم يقلب الجائزلازما،
ولا اعلم لذلك ماخذا تركن النفس اليه، وليس قلب الجائز
لازما اولى من العكس بل لو قيل باولوية العكس لم يكن جزافا،
وعلى هذا فلو باعه وشرط وكالته في طلاق زوجته ثم عزله
فللمشتري الخيار، وما سالتم اعزكم الله من انه على تقدير لزوم
الشرط المذكور فهل للزوج الرجوع في الرجعي بعد ايقاعه فلا
يخفى عليكم ان جواز رجوعه والحال ماذكر مما لا ينبغي ان
يحوم الشك حول ساحته، والله سبحانه اعلم بحقائق الاحكام. [18] مسالة: هل الزنا حق الله سبحانه فقط او مشترك بينه جل شانه وبين الزوج لو كانت المراة المزني بها ذات بعل اوبينه تعالى وبين الزوجة مع اكراهها و((267)) بين الله جل وعلا وبين الزوجين مع الاكراه؟ وعلى تقدير الاشتراك فماوجه التخلص من ذلك عند ارادة التوبة؟ وهل هذا الحق يورث ام لا؟ بين نفعك الله ونفع بك الانام الى ظهور الامام عليه وعلى آبائه الصلاة والسلام آمين اللهم آمين. الجواب: الثقة بالله وحده. اطلاق القول بان الزنا حق الله سبحانه لا يخلو من شيء، ولعل القول بالتفصيل اقرب الى التحصيل، فالاظهر ان يقال: انه ان وقع بالحرة الخلية المطاوعة فهو حق الله فقط، وان وقع بالامة او ذات البعل اوالمكرهة او بمن تركب منها تركيبا ثنائيا او ثلاثيا فهو مركب من حق الله وحق الادمي((268)) اعني حق المولى والزوج والمراة نفسها، ولا شك ان غصب العرض وانتهاكه افحش وافضح واشق على النفس من غصب المال بمراتب لا تحصى وفي الحديث: «يحكم البعل في حسنات الزاني»((269)). [19] مسالة: سيدنا ايدك الله بالطافه الخفية بمحمد وآله خير البرية عليهم الصلاة والسلام والتحية ذكر بعض المعاصرين ان من لم يكن عن نيته فعل الصلاة بعد الوضوء لا يجوز له الوضوء، ولو فعله كان باطلا، بل لو كان نيته فعل الصلاة ولم يفعلها بعده تبين بطلانه، هل لهذا ماخذ يعتمد عليه ام لا؟
الجواب: الثقة بالله وحده. لا ريب ان يكون المكلف على حالة
يتمكن معها من الدخول في عبادة مشروطة بالطهارة كالصلاة
والطواف مثلا امر راجح في نظر الشارع، فلو توضا المكلف
بقصد صيرورة الصلاة مباحة له اعني حصول تلك الحالة
فينبغي ان تحصل له، وكونه ياتي بعد ذلك بالصلاة او لا ياتي
بها امر خارج عن القصد المذكور فان حصول تلك الحالة امر
مغاير لفعل الصلاة بغير مرية. [20] مسالة: ما يقول من اسال الله ان يطيل بقاءه وان يكبت اعداءه بمحمد وآله الهداة عليهم صلوات الله في طائفة اشتهر نسبهم بالعباسيين ولا يعلم انتسابهم ذلك الى العباس بن عبد المطلب رضوان الله عليه او الى غيره هل يثبت بهذه الشهرة المطلقة نسب هذه الطائفة الى العباس عليه الرحمة فيثبت بذلك لهم السيادة ام لا؟ بين عمرك الله طويلا((272))؟
الجواب: الثقة بالله وحده. النسبة تحمل على الظاهر المتبادر
منها كالحاتمي مثلا فانها تحمل على النسبة الى حاتم المشهور
وان امكن وجود مسمى بهذا الاسم سواه، وهكذا العباسي يحمل
على النسبة الى العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه فانه هو
الشائع المتبادر الى الافهام عند الاطلاق كما في الهاشمي
والمطلبي وغيرهما، والله ولي التوفيق. [21] مسالة: سيدنا اعزك الله تعالى ايما افضل القرآن ام الكعبة شرفهما الله تعالى؟ فانا نرى ان الكعبة يجب قصدها عينافي العمر مر ة واستقبالها في الصلاة وتحرم استقبالها مع استدبارها في الخلوة ويكره في مثل الجماع، وهذه المزايااختصت بها الكعبة مع اشتراكها مع القرآن في باقي المزايا. افدنا ماجورا افادك الله سبحانه. الجواب: الثقة بالله وحده. اختصاص الكعبة ببعض الامور المذكورة من دون القرآن لا يوجب افضليتها عليه، الاترى ان الدعاء افضل من قراءة القرآن كما نطقت به الرواية الصحيحة عن الصادق(ع)((273)) مع اختصاص القرآن بمزاياليست في الدعاء كتحريم مس المحدث له مثلا ووجوب حفظه عن الاندراس وازالة النجاسة عن ورقه وجلده وغلافه الى غير ذلك. [22] مسالة: على القول بابطال الصلاة بالفعل الكثير الواقع في اثناء الصلاة سهوا واشتراط تواليه في الركعة الواحدة فالطمانينة بعد السجدتين وجلسة الاستراحة باي الركعتين تحسب او لا يكون ذلك محسوبا من احديهما؟ بينوا تؤجروا. الجواب: الثقة بالله وحده. هذا فرع لطيف، والذي يلوح هو ان الطمانينة بعد السجدتين وكذا جلسة الاستراحة كالبرزخ بين الركعة الاولى والثانية وليس شيء منهما جزء من شيء منهما، والله سبحانه اعلم بحقائق الامور.
وفي هامش نسخة (الف) بلغ مقابلة بقدر الوسع والطاقة الا ما
زاغ البصر سماعا في قرية... في شهر ربيع الاول سنة
ست وسبعين بعد الالف من الهجرة النبوية(ص).
حرره الفقير الى الله الغني محمد ابراهيم الرضوي القائني.
وفي نهاية نسخة (ب) كتبه بيده الفانية الجانية ابن الحاج
محمد اسماعيل محمد ابراهيم الاصفهاني
عفي عنهما((274)).
وفي هامش نسخة (ج) وقد وقع الفراغ من تحريره في عشر
الثالث من شهر شعبان المعظم من شهور سنة التاسع وخمسين
وثلاثمائة من بعد الالف من الهجرة النبوية المصطفوية عليه
وعلى هاجرها آلاف التحية والثناء. الحمد لله اولا وآخرا وحرره العبد العاصي الاحقر حسين علي التمس الدعاء من القارئين.
منهج الشيخ الطوسي في كتابه الدكتور عبد الامير كاظم زاهد مقدمة البحث:
تعد نظرية منهج البحث - مفهوما وعناصر - من اعقد الاشكاليات
العلمية في الدراسات الانسانية بصورة عامة، لطبيعة هذه
الدراسات التي لا تخضع فقط للقواعد المنهجية القائمة على
التجربة الحسية، او على الاقل كون تلك الوسيلة جوهر الوسائل
الموصلة الى اكتشاف الحقائق العلمية. ولما كانت الدراسات الاسلامية - بشكل عام - جزءا من البحث في مجال الانسانيات، فان مشكلة تحديد «مفهوم المنهج وعناصره» لا تزال احدى المجالات التي تحتاج الى جهد الدارسين، وفي هذا الصدد يمكننا القول:
ان الدراسات المنهجية لعلوم الحديث وعلوم القرآن وعلم
الكلام قد بدات في وقت مبكر من تاريخ هذه العلوم،
واستمرت
متطورة مع تطور الاجتهاد في هذه التخصصات، وقد توقف
النضج فيها مع تضاؤل كم الابداع ونوعه فيما بعدالقرن
الخامس الهجري لاسباب معروفة.
اما الفقه واصوله فان طبيعة التطور المعرفي والمنهجي فيهما
تختلف الى حد ما عن تلك المجالات، ومن ذلك ان
عمل الفقيه عبارة عن محاولة عقلية معقدة يبذلها المجتهد
لاستنباط الموقف القانوني الاسلامي من واقعة ما او تصرف
ما
مستفاد من النصوص، ومتوسل في ذلك بمجموعة من
الادوات العقلية التي يضبط بها صحة صدور النص عن
الشارع المقدس، ثم دلالة النص (الحكم) على الموضوع؛ لذلك
اطلق على جماع ذلك: «علم اصول الفقه»، وهو مجموعة
من القوانين التي تضبط حركة عقل المجتهد المسلم للوصول
الى تحديد الحكم الشرعي واكتشافه.
وبهذا اصبح علم الاصول «منهجا للتفكير الفقهي»، وهو الى حد
بعيد مجموعة من القواعد المبرهن عليها التي تدخل ضمن
منهج البحث العلمي في مجال الفقه والدراسات القانونية عامة،
وليست كل عناصر منهج البحث؛ لانه يمكن لاي باحث ان
يفصل في علم اصول الفقه بين كونه منهجا صارما للوصول الى
اكتشاف الحكم الشرعي، وبين كون المرادمن منهج البحث
العلمي في الفقه انه «القواعد المنظمة التي يتوصل فيها الى
اكتشاف حقيقة فقهية معروضة من مقدماتهاالى نتائجها في
مصنف فقهي، وطريقة عرضها ونتائج البحث فيها في العلاقة
بين الفقه والاصول - فيما يبدو لنا -
كالعلاقة بين المنطق والعمل
الفلسفي او الكلامي، وليس كالعلاقة بين منهج البحث
التاريخي واكتشاف حقيقة تاريخية.
وايضا، فان علم اصول الفقه لما كان له بناء معرفي متسلسل من
القاعدة الاساسية ثم القواعد المؤسسة عليها، فانه هوبذاته لو
عرض بوصفه «بناء معرفيا» احتيج الى منهج بحث خاص له.
اذا فلابد من التفريق في تحديد مفهوم منهج البحث في الفقه
والقانون بين منهج التفكير الفقهي «المتمثل باصول
الفقه»وبين منهج البحث الفقهي الذي سترد تفصيلات عن
مفهومه وعناصره.
ولهذا ارى ان الحاجة قائمة لدراسة (المنهج) في البحث
الفقهي، والبحث الاصولي لا يدافع بالقول بان منهج
البحث الفقهي هو «علم اصول الفقه» والذي نال من جهد العلماء
ما هو معلوم على مسار القرون. هذا من جهة.
ومن جهة اخرى، فان الفقه الاسلامي في تطوره العلمي بدا
علما عفويا؛ وذلك بان وجهت استفتاءات متعددة في
عصرالصحابة والتابعين، فاعمل هؤلاء عقولهم في النظر الى
النصوص، فقالوا فيها حكما اتفقوا فيه ام اختلفوا، وعند
بدءالتدوين رصفت هذه الاقوال، وزاد عليها علماء الاجيال
اللاحقة اقوالهم، وبهذا نشا تبلور في القواعد المنهجية
استمرحتى عصر الشافعي؛ فقامت ضرورة لتدوين القواعد
الاصولية، فلما دونت وتمت الافادة منها ظهرت
المصنفات والشروح والمطولات الفقهية، وبها ظهرت السمات
والخصائص التي تميز «الاتجاهات الفقهية» - او ما يسمى
بالمذاهب - عن بعضها. لقد بدات الحركة الفقهية بثلاثة اتجاهات
هي: «فقه اهل الحديث» و «فقه اهل الراي» و «فقه اهل
البيت(ع)»،ثم تطورت فتفرع عن اتجاه فقه الحديث: فقه
المالكية والظاهرية والحنابلة، وتفرع عن فقه اهل الراي: فقه
الحنفية والزيدية، وتوس ط مذهب الشافعي بين
الاتجاهين((275))، وتخصص مذهب الامامية بمنهج خاص به
يعتمدالحديث مصدرا، والعقل وسيلة واداة، وباختلافهم في
مصادر الرواية واختلاف العلماء في الادوات العقلية التي
يمكن التوصل بها للحكم واختلافهم في مدى «ثبوت صدور
بعض الروايات عن النبي(ص)، اختلفوا في احكام
الواقعة الواحدة تبعا لذلك، ويمكن اسناد هذا القول بان جل من
تعرض الى اسباب اختلاف الفقهاء((276)) فقد ارجع
جذرالعوامل هذه الى اختلافهم في تحديد القواعد المشتركة
والنظريات الاصولية العامة التي يتبناها المجتهد للوصول
الى اكتشاف الحكم الشرعي، فصار تعدد اقوال الفقهاء وآرائهم
ثروة علمية، وخزينا قانونيا ثرا ظل لثلاثة قرون بعد
عصرالتنزيل متداولا يعوزه التدوين والتاليف.
وفي مطلع القرن الرابع الهجري خطا المسلمون خطوة نوعية
من خطوات حضارتهم؛ بان اتجهوا الى اعادة رصف تلك الاقوال
وفقا لمدونات علمية سميت بعدئذ ب«مدونات علم الخلاف»
او «علم الفقه المقارن».
ولقد اضافت هذه الخطوة قفزة في التطور العلمي لعلم الفقه
في الحضارة الاسلامية؛ اذ لم تقتصر جهود العلماء على عرض
الاقوال فقط انما اسسوا عليها محاولة جديدة؛ هي التماس ادلة
الخلاف، واخضاعها لموازين معيارية للوصول الى تحديد الراجح
من الخلاف. لذلك فان علم الفقه المقارن قد مر - في فترة قصيرة - بمرحلتين: الاولى: عملية جمع اقوال الفقهاء في المسالة الواحدة دون اجراء موازنة وتقويم للاحكام او الادلة لتحديدالراجح. والثانية: انهم اضافوا للجمع التماس ادلة الرجحان لتقرير ما هو الراجح من الخلاف((277)). ودوافع ذلك - في تقديري - امران: الاول - ان طبيعة التطور العلمي في بيئة اسلامية طبيعة تطورية نامية تسعى دائما الى تحصيل النضج، تمثل ذلك في الوصول الى اقرب خلافهم من الادلة. الثاني - ظهور نزعة الانتصار الى المذهب وترجيحه على غيره عند بعض الفقهاء لعوامل عدة. وكيفما كان، فان هذا التخصص الدقيق في مجال الدراسات الفقهية ابرز مجموعة من المعطيات، منها:
1 - انه اسس تصورا عاما؛ هو ان اختلاف الفقهاء جاء نتيجة للحث
الشرعي على ممارسة الاجتهاد العلمي، وتعميق تقاليده في
مسرح البحث العلمي الاسلامي، وبه ظهرت اصالة المسلمين
في اضافاتهم للحضارة الانسانية ببناء معارفهم على مقولة
الاجتهاد والعقلانية المنضبطة بحدود النص وبموازنة عالية
الدقة، فاذا ما قارنا ذلك في الحضارات الاخرى نجدها بين
المقيدة بالنصوص المتعبدة بحرفيتها، وبين المنفلت تماما عن
الوحي والمتجه الى الامكان العقلي البشري المحض.
2 - انه اشار الى ان الفقه «حركة ذهنية نامية» تستجيب لتطور
الحياة وحاجات التطور الانساني، فقد اخضعت حتى
منهج التفكير الفقهي لهذه الاستجابة.
3 - قام هذا التطور دليلا على ان المسلمين قد عرفوا فكرة
المقارنة القانونية، وهو طريق علمي سلكه المسلمون للوصول
الى النضج والانضاج، وقد ابدعته بيئتهم، ولم يعرف - في حدود
تتبعي - انهم استقوه من حضارات اخرى.
لكل ما تقدم فان هذا البحث جاء محاولة لتشخيص مفهوم
المنهج في الفقه المقارن، وتحديد عناصره، والتوصل الى رسم
القواعد المعيارية باستقرائها من الدراسات الجادة، ثم القيام
برصد هذه العناصر على كتاب «الخلاف في الفقه»للشيخ
الطوسي.
ويعود السبب في اختيار كتاب الخلاف الى جملة عوامل، منها: الاطار النظري للبحث المبحث الاول - مفهوم المنهج وعناصره المطلب الاول - مفهوم المنهج: المنهج لغة: المسلك، ونهَجَ: اي سلك طريقا، واستعمل في السلوك بطريق واضح، فقد قيل: نهج الطريقَ: أي أبانه وأوضحه((279)). واصطلاحا: فقد قيل: انه يماثل المصطلح اللاتيني (Method). وقد عرف بعدة تعريفات، منها:
- أنه طائفة من القواعد والاصول التي تمهد الطريق للوصول الى
حقائق الاشياء((280)).
-
وعرفه أرسطو بانه: صناعة نظرية تعرفنا اي الصور والمواد تكون
الحد الصحيح الذي يسمى بالحقيقة حدا، واي القياسات
برهانا((281)).
وفيه: انه ربط بين المنطق والمنهج، والحال انهما ليسا اسمين
لحقيقة واحدة؛ فالذي عليه التحقيق ان المنطق هو العلم الذي
يتجنب به الاخطاء في الفكر، وهو اعم من البحث
العلمي((282))، في حين ان منهج البحث هو القواعد
التي بالالتزام بها يصار الى اكتشاف الحقائق العلمية؛ فاذا كانت
هناك صلة بين المنطق والمنهج فان الاول اعم؛ لان
المنطق هو مجموعة القواعد النظرية للتفكير، والمناهج هي
التطبيقات العملية لتلك القواعد.
وفيه: انه الوسيلة التي يصار بها الى تحديد حقائق الاشياء
السائدة، والبرهنة الصحيحة على الفرضيات.
- وعرفه الاكويني بانه: الفن الذي يقودنا بنظام وسهولة - وبدون
خطا - في عمليات العقل الاستدلالية((283)). وفيه حصر
باسلوب الاستدلال.
- وعرفه غيره بانه: مجموعة الشروط التي بواسطتها ننتقل من
احكام معينة الى اخرى تنبع عن الاولى، وهو هنا ضابط للنقلة
الذهنية من معلوم الى مجهول ليصبح بالبحث عنه معلوما
ايضا((284)).
- وعرفه جون ديوي بانه: الطريقة التي يصل بها الانسان الى
حقيقة ما((285)).
- وقيل: هو فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الافكار؛ للكشف
عن الحقيقة حين نكون بها جاهلين، او للبرهنة عليها للاخرين
حين نكون بها عارفين((286)).
- وعند ديكارت يتكون علم المناهج من اربعة اركان:
وبذلك يكون الركن الاول عبارة عن الموضوعية التي تتجسد
في اهداف المصنف، ويعبر الركن الثاني والثالث عن صدق
المحتوى وسياقات عرضه وارتباطه بالعناصر الاخرى، اما الرابع
فيعبر عن اسلوب استدلاله ونتائجه العامة التي توصل اليها
وارتباط ذلك بما تقدم.
وبذلك يتبين: ان المنهج هو الوجه العملي للقواعد المنطقية
التي تعصم الفكر من الخطا ولكن في مجال اكتشاف الحقائق
العلمية ببحث علمي، فهو الموجه المعياري لاي نشاط فكري
مكون من قواعد خاصة مبرهن عليها متناسبة مع طبيعة العلم
المبحوث.
المطلب الثاني - عناصر المنهج: الفرع الاول - اهداف المصنف: لا يخلو بحث علمي من اهداف ودوافع، ولهذه الاهداف والدوافع صلة بمجريات البحث، سواء في اختيار المعلومة اوالطريقة المتخصصة في عرضها. ويجهد اسلوب الاستدلال في البرهنة على ما يحقق تلك الاهداف، وتعبر عنها نتائج البحث بدرجة ما حسب قدرة الباحث وطبيعة تلك الاهداف.
وأهمية بالغة كهذه تتمتع بها الاهداف لابد من رصدها
وتحديدها من مظانها وفرزها من حيثيات متعددة.
وغالبا ما يمكن اكتشاف تلك الاهداف في المصنفات الشرعية
في مقدمة الكتاب وخطبة المؤلف، وفي ثناياه، وفيمايسلط
عليها الاضواء من مؤلفاته الاخرى واتجاهاته الفكرية، وكذا
الحال من مداخلات عصره ومكونات شخصيته الفكرية،
واكتشافات من كتب عنه لها من معاصريه او ممن جاء بعده.
وتفرز تلك الاهداف من عدة حيثيات: الفرع الثاني - المحتوى المعرفي: واعني به: جميع الخبرات المعرفية المثبتة في المصنف التي خطط لها الباحث وعرضها ضمن سياقات متخصصة وهادفة في العرض. وهنا يلاحظ فيها صدق المحتوى، وسياقات العرض، والظواهر الشكلية للبحث. وساتناول هذه المفردات بعرض سريع: أ - صدق المحتوى: ويتاكد الفاحص لتطبيق منهج البحث من الضبط والدقة وصحة نسبة الاراء لقائليها. وبه تظهر احدى خصائص منهج البحث في الدراسات المقارنة؛ وهي الموضوعية، وبه يلاحظ استيعاب آراء مخالفيه، وتمامية ادلتهم في العرض.
ب - ثم نلاحظ سياقات العرض في كيفية تقسيم كتابه على
مباحثه، وكيفية عرض فصوله، وعرض مفردات كل فصل الى
اصغر جزئية في البحث، مع التاشير على الترابط بين طرق
العرض المتخصصة لهذه المكونات.
ج - ثم نلاحظ الظواهر الشكلية؛ كالتسلسل الزمني لتطور فكرة
ما منذ عصر النشاة والتطور، وعرض الافكار من مستوياتها
الاساسية الى الاجتهادية المنتزعة منها، ثم الحقائق النوعية
المؤسسة عليها، وتقاس صحة انتزاعاته في ضوءتلك الحقائق،
وتؤشر لغته في الحوار والمقارنة وما تتسم به من لياقة العلماء،
ثم يؤشر الايجاز او الاطناب في عرضه لافكاره. الفرع الثالث - نمط استدلاله على قضايا كتابه: لما كان الكتاب يطرح مجموعة من الفرضيات التي يعتقد انها الحلول الفكرية لمشكلات بحثه، فيلزمه ان يدلل عليهالينقلها الى مستوى القوانين بالبرهنة عليها، وحينئذ لابد من فحص طرق استدلاله وطبيعة براهينه؛ فان هذا الفحص يستقصي مدى جري الباحث وراء اليقين؛ لان يقينية الدليل صدورا ودلالة تقتضي يقينية الحكم المستفاد منه.
ومعلوم ان الحجة في علم الفقه حجة مجعولة في الاساس؛
فهي في مقام الاحتجاج تحتاج الى ما يحولها الى حكم الحجة
الذاتية اما باسنادها الى الشرع (النص: القرآن والسنة الثابتة
الصدور) ومع عدمه فباسنادها الى العقل في مسلماته الضرورية
المؤيد الاحتجاج به من قبل الشرع.
ويلاحظ في المنهج تدرج الادلة حسب قوتها القانونية، فياتي
اولا الاستدلال بالقرآن، ثم السنة، ثم الاجماع، ثم الادلة العقلية.
وبتقويم نوع برهانه تتقرر رصانة جانب الاستدلال في منهجه. الفرع الرابع - هناك ترابط اساسي بين الاهداف المقررة والنتائج التي تشخص في خاتمة البحث مرورا بالمحتوى ونمط الاستدلال، وبالمتابعة يمكن فرز مجموعة من النتائج التي يتوصل اليها، سواء صرح بها الباحث او تركها تتسرب الى عقل قارئه وقناعاته.
وبالانتهاء من عرض مفهوم المنهج والعناصر المؤلفة تكون
بعض المحاولات التي تطلق على نفسها «دراسات
منهجية»والتي لا تتناول هذه المفاصل ناقصة من جهة نظرية
المنهج، فلا يسمى تشخيص (خطة البحث) وحدها منهجا،
ولاتنفرد موارد كتاب او مصادره بانها منهج، فهي جزء من
عناصر المنهج المار ذكرها.
وبهذا يكون هذا البحث قد عرض مفهومه لمصطلح المنهج
وعناصره في فصله الاول، وسيتناول في الفصل الثاني تطبيق
هذا المفهوم على كتاب الخلاف للشيخ الطوسي. فمن هو الطوسي؟ وما طبيعة الحياة الفكرية في عصره؟ وما مؤلفاته؟ وماذا يمكننا ان نستفيده من عرض هذه الموضوعات ونحن بصدد تحديد منهجه في البحث عند تاليفه كتاب الخلاف؟ المبحث الثاني - اضاءات على منهج الشيخ الطوسي ودوافعه البحثية المطلب الاول - عصر الشيخ الطوسي، اضاءات على منهج البحث في الخلاف: يتميز عصر الشيخ الطوسي (385 - 460 ه) بظاهرتين لكلتيهما دور في انضاج الشخصية العلمية المقارنة عنده، ولهمادور في اكتمال نضجه المنهجي. الظاهرة الاولى: ما يعده الدارسون من ان القرن الرابع هو زمن بلوغ الحضارة الاسلامية ذروتها في العلوم والاداب والفنون من جهة اكتمال النضج المنهجي والبناء المعرفي لها، ويعتقد انه زمن استثمرت فيه الامة جهد العلماءالمسلمين على مدى القرون الثلاثة السابقة.
ففيه استقرت المذاهب الفقهية الكبرى وتوطدت اركانها، وفيه
امتازت العلوم بانها اشتقت لنفسها منهجا علميا،
يقول الباحثون: «ولم يكن من العلوم قبل هذا القرن ما له منهج
علمي سوى الفلسفة وعلم الكلام، وبه صار لكل من
التاريخ والجغرافية واللغة منهج خاص، وبهذا القرن اقبل
المسلمون على الدراسة العلمية وتنظيم المعارف((290)).
وفيه وضعت الاصول التي بنيت عليها العلوم - كما هو الحال في
اصول نقد الحديث، واصول التفسير، واصول الفقه -وتكامل
بناؤها، واخذت مصطلحاتها تستقر في هذا القرن((291))،
وشمل ذلك مباحث اللغة؛ فقد شعر ائمتها في القرن الرابع
بالحاجة الى منهج تسير عليه ابحاثهم على وفق طريقة
منظمة؛ ولذلك ظهرت فيه القواميس، وظهرت دراسات
جديدة للاشتقاق اللغوي عند ابن جني مثلا (392 ه). وتطور
ادب القرن الرابع حتى اصبح قمة تشرف على القرون التالية في
الادب العربي((292)). وفي النثر نجد رسائل الصاحب بن عباد
انفس النتاجات المعبرة عن الازدهارالفكري والادبي((293)).
وفي هذا القرن ظهرت ابحاث مقارنة، فقد لحق بعلم الكلام شيء لم يكن من مظاهره؛ وهو علم مقارنة الملل، ومثل الريادة
في هذه الاضافة: النوبختي مؤلف اول كتاب له شان كبير في
الاراء والمعتقدات والديانات، ثم المسعودي في كتابين للتاريخ
والعقائد((294)). وفي الفقه: وبعدما توقف التكون المستقل للتشريع الاسلامي المبني على الاجتهاد المطلق بسبب فتوى رسمية بايقاف الاجتهاد، اتجه العلماء الى علم الخلاف؛ فكان ابو جعفر الطبري يفتح هذا الميدان بكتاب (اختلاف الفقهاء).والاسباب في ذلك - كما تشير اليها بعض الدراسات الجادة -:
أ - الاكتمال الطبيعي لتدرج البناء المعرفي لعلوم المسلمين،
ومن مقتضياته ظهور محاولات لحل اشكالية المنهج((295)).
ظهور عدد كبير من اكابر العلماء في مختلف التخصصات
العلمية والاتجاهات المدرسية؛ كالمفيد، والجويني،والمرتضى،
والباقلاني، وابن الصباغ، والطوسي.
وظهور مصنفات علمية رصينة ومؤسسة لهؤلاء العلماء، وبذلك
شاعت ظاهرة المناظرة والموازنة بين الادلة والاراء،فشكل
ذلك دافعا للدراسات المقارنة ظهرت في كتب الخلاف، سواء
في العقيدة - مثل الشافي والمغني، وكتب
الملل والنحل((297)) - او في الفقه مثل كتاب الانتصار
والخلاف وغيرهما. وبذلك اصبحت كتب المقارنات الفقهية
تحتاج الى نضج منهجي بعد ان نضجت كتب الفقه على مذهب
واحد. الظاهرة الثانية: هي انتهاء هذه الفترة المتسمة بحرية الفكر والراي والبحث العلمي، وهي حملة الخليفة القادر بالله (381- 422 ه) على المعتزلة والعدلية، وبها احرقت كتبهم((298))؛ لاعتقاده انهم على صلة فكرية بالخلافة الفاطمية، وكان الشيخ الطوسي ممن تعرض لمثل هذه الحملات فكبست داره واحرقت كتبه((299)).
يقول الباحثون: وفي هذا القرن ظهرت فترات ضيق فيها
الحكام على متكلمي المعتزلة، وبعض مخالفي الاتجاه
السلفي الذي جعل طلائع للمواجهة، ومن ذلك انهم منعوا
الخطيب البغدادي من دخول المسجد الجامع؛ لانه كان
يرى مذهب الاشعري((300)).
وبالطبع فقد هوجمت الثقافة الشيعية، لاسيما في فترة تسلط
السلاجقة على العراق؛ لانهم جاؤوا بعد البويهيين،واعتبروا
انفسهم النقيض الفكري للبويهيين.
وهذه الظاهرة السلبية لها دورها في قيام الدراسات المقارنة،
فكما تحتاجها فترة الحرية لتغذية الحوارات وتمتين التلاقح،
تحتاجها فترة الاضطهاد لضرورة التسلح بالبراهين للدفاع عن
الاسس المهاجمة، لذلك يمكن القول: ان كتاب الخلاف للشيخ
الطوسي جاء وليد عصر تميز بظاهرتين: احداهما ايجابية
والاخرى سلبية، لكنهما معا ساهما في تكوين دافع للدراسات
المقارنة. المطلب الثاني - ترجمة الشيخ الطوسي واضاءات على منهجه: هو ابو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي((301)). ولد في شهر رمضان سنة (385 ه)((302)) في مدينة طوس، وبها نشا، وبقي فيها حتى عام (408)، وقد ذكر الباحثون انها اهم مدن اقليم خراسان، وكانت احدى مراكزالعلم المهمة فيه((303)). انتهل فيها دراسته الاساسية، ثم هاجر الى بغداد عام (408) وقد كانت آنذاك عاصمة العلم في بلاد المسلمين. تتلمذ على يد الشيخ المفيد مدة خمس سنوات، وفي هذه الفترة شرع في تاليف كتابه «تهذيب الاحكام» وهو شرح لمدارك المقنعة لاستاذه المفيد((304)). ويشير الشيخ المظفر الى ان تاليفه لكتاب التهذيب في مقتبل عمره((305)) احدى المؤشرات على عبقريته؛ لما فيه من التحقيقات العلمية والاراء الناضجة، وجمع المتفرق من الحديث، وروايته عن عشرات المشايخ((306)). وكان الهدف من تاليفه للتهذيب الرد على تهمة تضارب الروايات عند الامامية واختلافها وتباينها((307))، فظهر ان غايته ليست فقط جمع الادلة انما الدفاع عن عقيدة مذهبه، والجواب عن شبهات اثارها خصومه. وبعد وفاة شيخه المفيد تتلمذ على استاذه السيد المرتضى الذي كان يجمع بين استاذية في العلم ووجاهة علوية في المجتمع، وكان مجلسه يعج بالعلماء ويزدان بالمناظرات في شتى صنوف المعرفة السائدة..وفي هذه الفترة الف الشيخ الطوسي كتابه «تلخيص الشافي»ملخصا كتاب استاذه المرتضى «الشافي»، وقد تناول فيه موضوع الامامة الذي هو مرتكز الحوار فيما اختلف فيه اهل العلم، وكتاب الشافي اصلا هو رد من السيد المرتضى على القاضي عبد الجبار المعتزلي المسمى بالمغني، وقد صرح الطوسي بان الناس بحاجة الى تبسيطه ليسهل الانتفاع به طالما هم في وضع تتحاور فيه الادلة والبراهين؛ يقول: «لما يضمه من استيفاء شبه المخالفين القديمة والحديثة، والابانة عن وهنها بغاية ما يمكن من التلخيص»((308)).
واذا كان هذان الكتابان يكشفان عن نزعة علمية اعتمدت
المناظرة والمقارنة، فان عقل المؤلف كان يرى في
المقارنات اسلوبا للكشف عن الراجح من الخلاف سواء في
العقيدة او في الحديث او الفقه.
ظاهرة اخرى في حياة الشيخ الطوسي: ان مشيخته العلمية لم
تكن حصرا من علماء الامامية، بل تتلمذ على علماء من مختلف
المذاهب؛ مثل الغضائري (411 ه)، وابي الفوارس، وهلال
الحفار (414 ه)، ومحمد بن محمد بن مخلد(419 ه)، وابن
الحاشر احمد بن عبدون (423 ه).
وبوفاة السيد المرتضى عام (436 ه) احتل الشيخ كرسي
الزعامة الدينية المطلقة((309)) والقدم الاولى في
مضمارالعلم والتدريس، وقد منحه الخليفة القائم بامر الله
كرسي الكلام. ثم ثارت الفتن في بغداد عام (447 ه) وهوجمت
دارالشيخ فهاجر الى النجف، واسس الحوزة العلمية هناك،
وباشر فيها الافتاء والتدريس، وربما كان كتابه «الامالي»
من انجازاته العلمية في النجف، وظل يؤسس حتى مات سنة
(460 ه).
يظهر مما تقدم: ان ثقافة الشيخ الاساسية في طوس واولى
مكوناته العلمية في بغداد قد تمت في ظرف اشبع بحرية الفكر
والحوار العلمي، وان تعدد اتجاهات شيوخه اعطاه افقا اوسع في
التعرف على آراء وحجج المذاهب والاتجاهات العلمية السائدة
في عصره. ظهر ذلك في اولى مؤلفاته كالتهذيب والتلخيص،
فاعتمد اسلوب المقارنة وسيلة للكشف عن الراجح من الخلاف. المطلب الثالث - مؤلفات الشيخ الطوسي: تميز نتاج الشيخ العلمي بثلاث ميزات بارزة في جهده: الاولى: انه اسس في نتاجه العلمي الاسس العلمية للشيعة الامامية في مختلف المعارف. الثانية: كثرة ذلك النتاج.
وتظهر الميزة الاولى في ان المتاخرين من الامامية يعتمدون
في التفسير كتابه «التبيان» على الرغم مما سبقه من
تفاسير؛كتفسير فرات وعلي بن ابراهيم.
وفي الحديث: فان اصلي الشيخ «التهذيب والاستبصار» يحتلان
نصف حجم المراجع المعتمدة في الحديث.
وفي الرجال: فان له مصنفين هما الرجال والفهرست من اصل
خمسة مراجع اساسية في هذا الباب.
اما العقائد: فان التلخيص - المار ذكره - والغيبة والمفصح
والاقتصاد ورسائل في علم الكلام ذكرها العلماء، تعد اسساقام
عليها جهد العلماء في الشرح والاضافة.
اما في اصول الفقه: فان كتابه العدة في اصول الفقه ورسائل في
الخبر الواحد وشرح الشرح تعتبر باكورة جهد الامامية في هذا
المجال؛ تطويرا للمحاولات البسيطة للمرتضى (الذريعة)
والكراجكي، وتدوينا ومناقشة لاراء ابن الجنيدوالعماني وهم
ممن سبقوه من العلماء، وشرحا للتذكرة للشيخ المفيد، وبه
خالف المرتضى في الخبر الواحد وابن الجنيد في القياس
وغيرهما.
ويمكن القول: انه اسس بكتابه العدة اسس نظريته الاصولية،
وبرهن على قوانين الاستنباط عنده ليمهد للمبسوط والخلاف
ببحث نظري منهجي مبرهن على قواعده العامة((310)).
اما في الفقه فله ثلاثة انجازات كبيرة وبارزة - فضلا عن الرسائل
المختصرة والخاصة ببعض الموضوعات، ككتابه الجمل والعقود
في العبادات - واول تلك الانجازات كتابه النهاية، وفيه تناول
ابواب الفقه كافة، وقد سلك فيه مسلك الاخبارفصاغ الفتاوى
فيه بالفاظ الحديث. ثم كتاب المبسوط، وفيه اعتمد الادوات
الاجتهادية ففرع الاحكام، وخرج فيه بفقه الامامية من احضان
الحديث الى التميز واعمال الاجتهاد. وثالثها الخلاف الذي هو
محل الدراسة. وعموما فقد بلغ من العلم مرتبة كانت آراؤه في
سلك الادلة على الاحكام، يقول الخوئي: «اني لم اظفر من
علماء الاسلام من هو اعظم شأنا منه»((311)). المطلب الرابع - كتاب الخلاف في الفقه: يدور كتاب الخلاف حول مجموعة المسائل الفقهية السائدة في عصر الشيخ مبتدئا بها من كتاب الطهارة حتى الديات.عرض فيه آراء الفقهاء والراجح منها، وقد قرن ذلك بالدليل مستوعبا كل الاقوال. ويعد الخلاف الحلقة الثانية عندالامامية في الفقه المقارن بعد كتاب استاذه الانتصار.
عرض الطوسي في الخلاف لواحد وثمانين كتابا فقهيا، وضم
اربعة آلاف ومئتين وسبعا وعشرين مسالة (4227).
يقول الشيخ نفسه عن كتابه: «انه املاء لمسائل الخلاف بيننا
وبين من خالفنا من جميع الفقهاء من تقدم منهم ومن
تاخر،وذكر مذهب كل مخالف على التعيين وبيان الصحيح
منه»((312))، واراد به: «بيان الصحيح من الاقوال، وما ينبغي
ان يعتقد»((313)) ووسيلته - كما يقول -: «ان يقرن كل مسالة
بدليل يحتج به على من خالفه موجب للعلم؛ من ظاهر قرآن او
سنة مقطوع بها او اجماع او دليل خطاب او استصحاب حال
على ما يذهب اليه كثير من اصحابنا او دلالة اصل اوفحوى
خطاب، وان يذكر عن النبي(ص) ما يلزم المخالف به، ويشفعه
بخبر من طريق الخاصة المروي عن النبي والائمة»((314)).
ويعد من المحاولات السابقة على جهد الشيخ الطوسي في
الفقه المقارن رسائل محمد بن الحسن الشيباني في احتجاجه
على اهل المدينة، والمناظرات في السير بين الشيباني
والشافعي والاوزاعي وابي يوسف، ثم محاولة وضع القواعد
الفقهية كما فعل الكرخي والدبوسي، ثم جاء الفقه المقارن
فوضع الطحاوي موسوعة اختصرها
الجصاص((315))، ثم
الطبري في اسباب اختلاف الفقهاء. ثم ابو علي الحسن بن
خطير الذي جمع اختلاف الصحابة والتابعين والفقهاء، ثم
النيسابوري في كتابه الانتصاف في اختلاف العلماء، وكتاب
السيد المرتضى في الانتصار.
واذا كان كتاب الخلاف ياتي بعد هذه المحاولات مكونا نقلة
نوعية هامة - كما سيظهر - فانه اثر فيما بعده من المحاولات؛
مثل البطليوسي (520 ه) في كتاب التنبيه على اسباب
الاختلاف، وابن رشد في بداية المجتهد (595 ه)،والقفال
الشاشي في حلية العلماء، والمحلى لابن حزم، والميزان الكبرى
للشعراني، ورحمة الائمة للدمشقي.
ان ما يميز ما تقدم على كتاب الخلاف انها ثنائية في الغالب
كالخلاف بين الشافعية والحنفية، او مقتصرة على آراءالمذاهب
الاربعة المشهورة، وان لم نقل غرف بعضها عن فقه احمد، بل
لعل ذلك ما يميز المؤلفات المقارنة بعدالخلاف، بينما نجده
مستوعبا لكل الاقوال غير مهمل لبعضها ايا كان خلافه مع
القائل.
وفي أسلوب عرض الخلاف ونمط استدلاله ولغته ونتائجه من
التميز بحال، بحيث يستحق ان يدرس كحلقة توسطت هذا
الجهد التاريخي، فاستفادت مما قبلها بوعي، واسست منهجا
يقتدى به في الدراسات التشريعية المقارنة.
يقول الشيخ محمد ابو زهرة: «ان الطوسي مع علمه بفقه
الامامية... كان على علم بفقه السنة، وله في هذا
دراسات مقارنة، وكان عالما في الاصول على
المنهجين»((316)). المبحث الثالث - التطبيق العملي لنظرية المنهج (لكتاب الخلاف) المطلب الاول - اهداف الشيخ الطوسي في كتابه الخلاف: يستفاد من خطبة كتابه المبسوط ان الشيخ اراد ان يرد على من يرى ان فقه الامامية يتميز بقلة الفروع وقلة المسائل؛ لان اصول الامامية لا ترى حجية القياس والاستحسان والمصالح المرسلة... الخ من المصادر العامة للحكم الشرعي في فقه اهل السنة، فبرهن فيه على ان التوسع في الفقه الافتراضي والواقعي ممكن دون الرجوع الى هذه المصادر.
اما في كتاب الخلاف فقد سار منطلقا من هذه القضية؛ ليثبت
ان الراجح من الخلاف بين الفقهاء هو راي الامامية على الرغم
من انهم لا ياخذون بالقياس والاستحسان.
اذا فان احدى الفرضيات الاساسية في الكتابين مكملة للاخرى،
وان اهدافه في المبسوط اساس لاهدافه في الخلاف.
وكلا المجموعتين من الاهداف يمكن جمعهما بالقول: بان
توسع الفقيه في التفريعات الفقهية لا يتوقف ضرورة
على اعمال القياس والمصالح، ويمكن استبدال ذلك باعمال
عمومات النص واطلاقاته طالما لا يوجد لها مخصص معتبر
اومقيد كاف في الحجية، وان هذا الاتجاه الاصولي من شانه ان
ينتج راجح الاراء. وفي تقديري ان محاولته في الخلاف مكملة او نتيجة طبيعية لمحاولته في كتابه المبسوط في فقه الامامية، يقول في بيان اهدافه في الخلاف بانه لاجل «بيان الصحيح منه وما ينبغي ان يعتقد»((317)).
ويمكن القول ايضا: ان من اهدافه استثمار انفتاح عصره على
الثقافات المتعددة، واتساعه لاراء المذاهب كافة؛ لكي يضع
معايير غير مبنائية للمجتهدين وللباحثين عن الراجح من
الاقوال، باستخدامه للمقارنة الموضوعية، فالتزم - كما يقول هو
في مقدمة كتابه - «ان يقرن كل مسالة بدليل يحتج به على من
خالفه يوجب العلم»((318)).
وتطبيقا للهدف العلمي الاول باستبعاده للقياس يقرر وهو في
صدد ما يجري فيه الربا عما لا يجري، فذهب الى ان ذلك انما
يثبت بالنص وليس بالعلة، ثم يذكر اختلاف اهل القياس ويقول:
«وعندنا ان القياس باطل، فما هو فرع ثبوته فهوساقط
عندنا»((319)).
ومدركه في ذلك ان اقوى انواع القياس الجمع بالعلة
المستنبطة، وهذا لا يصل بالقائس الى درجة اليقين؛ لانه
انمايستند الى مقدمتين: |