ويظهر منه ان الاستناد الى الادلة اليقينية هو احدى سمات
المنهج المتبع في كتاب الخلاف، ولان الاصل في دليل الحكم
الشرعي يلزمه ان يكون يقينيا فان الشيخ الطوسي حاول ان
يستبعد الاصول الظنية، وعليه يظهر ان اهداف الشيخ في
«البرهنة» على استمرار الاستنباط الفقهي بدون الحاجة الى
الادلة الظنية غير المعتبرة عنده - كالقياس - كان منه تعديلا
على امر سائد في عصره، وربما سيستمر - كما هو الحال - فعلا،
فاراد ان يثبت عكس ذلك، فانطلق فهمه في تحديد اهدافه من
معرفة تحليلية عميقة للسائد في عصره، وهدفه هذا ليس هدفا
تراجعيا، بل تعديلا للسائد في الحاضر، واستشرافا للمستقبل،
وهو هدف ايجابي في مناقشة مبنى اصولي واستبعاده واثبات
ان الاستنباط لا يتوقف عليه، وهو هدف معرفي خالص
يستشرف المستقبل ليكون رايا عاما في التعرف على الراجح
بدون القياس. المطلب الثاني - طبيعة المحتوى المعرفي لكتاب الخلاف في الفقه: الفرع الاول - الظواهر الشكلية في منهج الشيخ الطوسي:
1 - تقسيم الكتاب:
اما المجلد الثاني فقد اشتمل على كتب الاحياء والوقف والهبة واللقطة والميراث والوصية والوديعة والفيء والزكاة والنكاح
والطلاق والايلاء والظهار والعدة والرضاع والنفقة والديات
والقسامة وكفارة القتل واحكام البغاة والحدودوالسير والجزية
والصيد والذباحة والاضحيات والاطعمة والسبق والايمان
والنذر والشهادات والدعاوى والبينات والمكاتب والمدبر
وامهات الاولاد.
وقد تضمن ستة واربعين كتابا، وبلغت مجموع مسائله (1947)
مسالة، وبذلك يكون المجلدان قد ضما (4227) مسالة في
واحد وثمانين كتابا فقهيا.
ويلاحظ في الكتاب فكرة التصنيف المنهجي للابواب الفقهية
لم تتبلور بعد كما هو الحال بعد تقسيم المحقق الحلي
في كتابه شرائع الاسلام((320)). 2 - تقسيمه لمفردات الكتاب الفقهي الواحد: لناخذ مثلا كتاب الزكاة ونلحظ كيف قسم الشيخ الطوسي مسائلها، لقد جعل الشيخ الطوسي كتاب الزكاة في كتابه الخلاف منعقدا على ثلاثين مسالة، بدأها ب: هل الكفار مخاطبون بالفروع؟ ثم اهلية غير المسلم لاستحقاق الزكاة،ومدى ضرورة شرط العدالة في مصارفها، وحكم الاموال الباطنة، واستحباب الدعوة للمزكي، ومصارف صدقة الفطر،ومدى ضرورة البسط في التوزيع، وفي عدم نقلها من بلد المزكين، وفي عدم ضرورة الزام المكاتبين والغارمين صرفهافي العتق وسداد الدين، والتمييز بين الفقير والمسكين، واعتبار الكسب استغناء، وملحقاته ومنعه ان يكون الهاشمي من العاملين عليها، ومتى تحل لال محمد، وهل يلحق بهم مواليهم؟ ومدى بقاء او سقوط سهم المؤلفة قلوبهم، وهل تحصرفي المكاتب من العبيد او في العبد غير المكاتب؟ وكذا الغارم.
ثم سهم في سبيل الله والاراء فيه، ومن يعط ى من الاصناف مع
الفقر، ومن لا يعد الفقر اساسا في الاعطاء له، وتحديدمفهوم
الغنى، ومدى حرية الزوجة في اعطائها الزكاة لزوجها الفقير، ثم
جواز اخذ الهاشمي لصدقة الهاشمي، وهل يراعى في الفقر
الظاهر؟ وهل هو كذلك في الايمان والعدالة وفي الخلاف؟
وهل يترتب عليه الضمان؟ واخيرا مدة تعين الاصناف
المستحقة((321)). 3 - تقسيم الشيخ الطوسي (وطريقة عرضه للمسالة الواحدة): يذكر الشيخ الطوسي اولا موضوع المسالة او حكمها الراجح عنده، ثم من يوافقه في الحكم من الفقهاء، ثم اشخاص واقوال من خالفه مبتدئا بالصحابة، وجذور الخلاف بينهم((322))، ثم اقوال التابعين وائمة الاتجاهات الفقهية (فقه الحديث وفقه الراي) بوصفها المرحلة الاولى التي سبقت التكون المنهجي للمذاهب، ثم ائمة مذاهب المسلمين كلهم من دون اختزال لفقه الامام احمد((323)) كما هو حال اغلب كتب الفقه المقارن، ثم اقوال الفقهاء من الطبقة الثانية كابي يوسف ومحمد وزفر والمزني، ثم من ياتي بعدهم من الفقهاء حتى معاصريه كالاسطيرابيني((324))، ولم يعرض الشيخ الطوسي عن آراء الطبري وسفيان والليث والاوزاعي والجبائي وحماد وداود والنخعي وربيعة((325))، ثم يضع كلمة «دليلنا» ويستدل على ما رجحه من الاقوال.
وتلزم الاشارة الى ان الشيخ يشير في ذلك الى خلاف الامامية
فيما بينهم ان وجد، ونلحظ ذلك في ذكره لجواز الوضوءبماء
الورد، وقد ذكر المجوزين بقوله: «ذهب قوم من اصحاب
الحديث واصحابنا»((326)). 4 - نماذج من كتاب الخلاف: نموذج 1 - حكم الحرة الرشيدة في العقد على نفسها: اذا بلغت الحرة الرشيدة ملكت العقد على نفسها وزالت ولاية الاب والجد عنها، الا اذا كانت بكرا فان الظاهر من روايات اصحابنا انه لا يجوز لها ذلك، وفي اصحابنا من قال: البكرايضا تزول ولايتهما عنها... وقال الشافعي: اذا بلغت الحرة رشيدة ملكت كل عقد الا النكاح... ولا ولاية للنساء في مباشرة عقد النكاح ولا وكالة. وبه قال عمر وابن مسعود وابن عباس وابو هريرة وعائشة؛ رووه عن علي عليه الصلاة والسلام. وبه قال سعيد بن المسيب والحسن البصري، وفي الفقهاء ابن ابي ليلى وابن شبرمة واحمد واسحاق.
وقال ابو حنيفة: اذا بلغت المراة رشيدة فقد زالت ولاية الولي
عليها كما زالت عن مالها، ولا يفتقر نكاحها الى اذنه... وقال ابو
يوسف ومحمد: النكاح يفتقر الى اذن الولي، لكنه ليس بشرط
فيه... وقال مالك: ان كانت عربية ونسيبة فنكاحها يفتقر الى
الولي ولا ينعقد الا به، وان كانت معتقة او دنية لم يفتقر الى
ولي. وقال داود: ان كانت بكرا فنكاحها لا ينعقد الابولي، وان
كانت ثيبا لم يفتقر الى ولي. وقال ابو ثور: لا يجوز الا بولي، لكن
اذا اذن لها الولي فعقدت على نفسها جاز،فخالف الشافعي في
هذا((327)).
من هذا النموذج يظهر لنا: نموذج 2 - في زواج المسلم بالامة الكتابية، قال: لا يحل للمسلم نكاح امة كتابية حرا كان او عبدا، به قال في الصحابة عمر وابن مسعود، وفي التابعين الحسن ومجاهد والزهري، وفي الفقهاء مالك والشافعي والاوزاعي والليث بن سعدوالثوري واحمد واسحاق. وقال ابو حنيفة: يجوز للمسلم نكاح الامة الكتابية((328)). نموذج 3 - القضاء بشاهد ويمين، قال: يقضى بالشاهد الواحد مع يمين المدعي في الاموال، وبه قال في الصحابة علي(ع) وابو بكر وعمر وعثمان وابي، وفي التابعين: الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز وشريح والحسن وابو سلمة بن عبد الرحمان وربيعة، وفي الفقهاء مالك والشافعي وابن ابي ليلى واحمد. وذهب قوم الى انه لا يقضى بالشاهد الواحد واليمين، ذهب اليه الزهري والنخعي، وفي الفقهاء الاوزاعي وابن شبرمة والثوري وابو حنيفة واصحابه. قال محمد بن الحسن: ان قضى بالشاهد مع اليمين نقضت حكمه((329)). ومن الظواهر الشكلية التي تظهر من متابعة الكتاب - والتي ربما تشير العينات التي استعرضنا منها نماذج - نجد:
1 - ان اللغة التي شكلت وعاء الافكار ومعلومات الكتاب لم تكن
لغة فضاضة اوسع مما تحتويه من مضامين، ولم تضغط فيها
معاني الكتاب كما هو حال كتب الفقه المقارن التي كتبت بلغة
موجزة ومكثفة وخالية من الدليل، كما هوالحال في رحمة
الامة للدمشقي والانتصار للسيد المرتضى وبداية المجتهد
لابن رشد والبطليوسي في التنبيه، انماالمنهج المعتمد
للعلاقة بين المعاني (المضامين) والمباني (اي لغة البحث)
كانت مبنية على الفرضية الاتية:
2 - انه يتابع الخلاف باستيعاب زمني تاريخي بدءا من الصحابة
فالتابعين فاتباعهم فائمة المذاهب ففقهاءهم ثم من يليهم
موافقين ومخالفين. وقد عرض اقوال العلماء بلغة تميزت
باحترام شديد لكل الاراء، وكانت لغته في المناظرة والحجاج
تتسم بدرجة عالية من اللياقة، ومن مظاهر احترامه للاراء عدم
اهماله رايا حتى المنقرض منها، بل لم يقتصرعلى المشهور بل
تابع معهم حتى المرجوح من اقوالهم، واحيانا تجد اذا ما كان
لفقيه او مذهب قولان يعرضهما عرضامعا، ونادرا ما يترك
التسلسل التاريخي لتطور الخلاف، واذا فعل فانما ليصوغه فنيا
في سياقات تخدم موضوع المسالة. المطلب الثالث - صدق المحتوى المعرفي: نحتاج للتثبت من ان الشيخ الطوسي قد نقل بامانة عالية الدقة آراء الفقهاء الى عمل ضخم؛ وذلك ان عدد مسائل الخلاف (4227) مسالة تضمنت كل مسالة ما لا يقل عن سبعة آراء، فيلزم لاثبات ذلك مراجعة ما يقارب ثلاثين الف احالة على كتب فقه المذاهب او كتب فقه الخلاف، وهذا ما لا مجال له في بحوث كهذا الذي بين يديك. وهنا ادعوالباحثين لنيل درجة علمية (ماجستير/ دكتوراه) الى مثل هذا العمل، بل ربما نحتاج في ذلك الى فريق عمل، اواستخدام التقنيات الحديثة في نظم المعلومات كالحاسوب.
لذلك ساختار بعض المسائل عى نات للاشارة الى ذلك، على
اني - في مسودات هذا البحث وفي مرحلة اعداده التي استغرقت
اكثر من سنة واحدة - حاولت متابعة اقوال الشيخ الطوسي مما
ينسبه الى الفقهاء، فوجدته ناقلا امينا حصيفا، ذكرها ذكر الواثق
من تحليله وترجيحه. وفيما يلي اعرض لك نموذجين مع المقارنة: 1 - القضاء بشاهد ويمين: قال الشيخ الطوسي: «يقضى بالشاهد الواحد مع يمين المدعي في الاموال، وبه قال في الصحابة علي عليه الصلاة والسلام وابو بكر وعمر وعثمان وابي بن كعب، وفي التابعين: الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز وشريح والحسن البصري، وفي الفقهاء مالك والشافعي وابن ابي ليلى واحمد بن حنبل. وذهب قوم الى انه لا يقضى بالشاهد الواحد مع اليمين، ذهب اليه الزهري والنخعي، وفي الفقهاء الاوزاعي وابن شبرمة والثوري وابو حنيفة واصحابه. وقال محمد بن الحسن: ان قضى بالشاهد مع اليمين نقضت حكمه» ((340)) ((341)). ولاجل بيان اسلوبه في استيعاب الاراء وذكرها وصحة نسبة الاقوال الى اصحابها اورد بعض المعززات:
أ - يقول ابن رشد: «اما القضاء باليمين مع الشاهد فانهم اختلفوا
فيه، فقال مالك والشافعي واحمد وداود وابو ثوروالفقهاء
السبعة المدنيون وجماعة: انه يقضى باليمين مع الشاهد في
الاموال، وقال ابو حنيفة والثوري والاوزاعي وجمهور اهل العراق: لا يقضى باليمين مع الشاهد في شيء، وفيه قال الليث
من اصحاب مالك»((342)). ب - يقول الشعراني في الميزان: «قال الائمة الثلاثة: يجوز الحكم بالشاهد واليمين في الاموال والحقوق، وقال ابوحنيفة: انه لا يصح الحكم بالشاهد واليمين في الاموال وحقوقها»((343)). ج - يقول الدمشقي في رحمة الامة: «اتفق الائمة انه لا يصح الحكم بالشاهد واليمين فيما عدا الاموال وحقوقها، ثم اختلفوا في غير الاموال وحقوقها هل يصح الحكم فيها بالشاهد واليمين ام لا؟ قال مالك والشافعي واحمد: يصح، وقال ابو حنيفة: لا يصح»((344)). د - قال ابن قدامة في المغني: «واكثر اهل العلم يرون ثبوت المال لمدعيه بشاهد ويمين، روي ذلك عن ابي بكر وعثمان وعلي، وهو قول الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز والحسن وشريح وعبد الله بن عتبة وابي سلمة ابن عبد الرحمان ويحيى بن يعمر وربيعة ومالك وابن ابي ليلى وابي الزناد والشافعي. وقال الشعبي والنخعي واصحاب الراي والاوزاعي:لا يقضى بشاهد ويمين. وقال محمد بن الحسن: من قضى بالشاهد واليمين نقضت حكمه»((345)).
وبمراجعة مصادر آراء المذاهب في هذه المسالة مثلا اتضح لي
ان الشيخ كان مدققا في نقوله((346)) ونسبته الاراء
الى قائليها. 2 - العدد الذي تنعقد به صلاة الجمعة: قال الطوسي: «تنعقد الجمعة بخمسة نفر جوازا، وبسبعة تجب عليهم. وقال الشافعي: لا تنعقد باقل من اربعين من اهل الجمعة، وبه قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعمر بن عبد العزيز من التابعين، وفي الفقهاء احمد واسحاق، وقال ربيعة: تنعقد باثني عشر نفسا ولا تنعقد باقل منهم، وقال الثوري وابو حنيفة ومحمد: تنعقد باربعة؛ امام وثلاثة معه، ولا تنعقد باقل منهم، وقال الليث بن سعد وابو يوسف: تنعقد بثلاثة ثالثهم الامام، ولا تنعقد باقل منهم؛ لانه اقل الجمع، وقال الحسن بن صالح بن حي: تنعقد باثنين، وبه قال المساجي، ولم يقدر مالك في هذاشيئا»((347)).
وللمقارنة: ب - قال الشعراني في الميزان: «... ومن ذلك قول الشافعي واحمد: ان الجمعة لا تنعقد الا باربعين، مع قول ابي حنيفة:انها تنعقد باربعة، ومع قول مالك: انها تصح بما دون الاربعين غير انها لا تجب على الثلاثة والاربعة، ومع قول الاوزاعي وابي يوسف: انها تنعقد بثلاثة، ومع قول ابي ثور: ان الجمعة كسائر الصلوات متى كان هناك امام وخطيب صحت»((349)). ج - قال الدمشقي: «لا تنعقد الجمعة الا باربعين عند الشافعي واحمد، وقال ابو حنيفة: تنعقد باربعة، وقال الاوزاعي وابو يوسف: تنعقد بثلاثة، وقال ابو ثور: الجمعة كسائر الصلوات متى كان هناك امام وخطيب صحت»((350)). د - قال في المغني: «فاما الاربعون فالمشهور في المذهب انه شرط لوجوب الجمعة، روي ذلك عن عمر بن عبد العزيزوعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وهو مذهب مالك والشافعي. وروي انها لا تنعقد الابخمسين... وعن احمد انها تنعقدبثلاثة، وهو قول الاوزاعي وابو ثور؛ لانه يتناول اسم الجمع... وقال ابو حنيفة: تنعقد باربعة... وقال ربيعة: تنعقد باثني عشر رجلا»((351)).
وبمراجعة مصادر الرواية عن ائمة الفقه((352)) يتبين لك دقة
نقل الشيخ لاراء الفقهاء على الرغم من تقدم زمن التاليف. استخلاص من المقارنة مع النصوص المثبتة في كتب الفقه المقارن في هاتين المسالتين يتضح:
1 - ان الخبرات المعرفية المساقة في كتاب الخلاف تتميز
بالضبط والدقة والاضافة الكمية في المعرفة؛ فقد زاد
نص الخلاف على نصوص كتب الفقه المقارن الاخرى في الاراء
على الرغم من تاخر زمن تاليفها عنه، ونسبتها الى قائليهانسبة
صحيحة.
2 - ان الشيخ الطوسي تابع جذر الخلاف في المسالة المعروضة
منذ عصر الصحابة حتى عصره مرورا بالعصورالمتوسطة بينهما
راسما للخلاف مساره التطوري الموضوعي.. فكان اسلوب
عرضه للخلاف يعتمد التطور المعرفي المؤشر عليه بالسمة
التاريخية في اشارته للتطبيقات. المطلب الرابع - اسلوب استدلاله على الراجح: يكاد يعد ركن المنهج الاساس اسلوب استدلال المصنف، ويتفق الشيخ الطوسي مع مجتهدي الفقه الاسلامي في الاستدلال بالقرآن الكريم اولا اخذا بحجية الظهور القرآني، ثم الاستدلال بالسنة النبوية، وهي عنده ذات مصدرين:مصدر الصحابة والتابعين فيما يروونه عن بعضهم عن النبي(ص)، ومصدر اهل البيت(ع) فيما يروونه عن آبائهم عن علي(ع) عن النبي(ص)، ثم استدلاله بالاجماع، ثم الدليل العقلي والاصالات والاحتياط. وسنعالج ونمثل لكل مرحلة من مراحل الاستدلال:
الفرع الاول - الاستدلال بالايات القرآنية:
نموذج 1 - في مسالة جواز دفع الزوجة الزكاة لزوجها الفقير،
يقول: دليلنا قوله تعالى: (انما الصدقات للفقراء)، وهذافقير،
وتخصيصه يحتاج الى دليل((353)). الفرع الثاني - الاستدلال بالسنة: تعد السنة الشريفة المصدر الثاني للاحكام، وللاستدلال بالسنة مقدمتان: الاولى: الوثوق من صحة الصدور، ويلحق به نطاق من يعد قوله سنة.
وفي صدد المقدمة الاولى: فان الشيخ الطوسي ولاجل اثباته
للراجح يحتج بالحديث النبوي ومن الطرق العامة له
الزامالمخالفيه بالتسليم لراجحه، وهنا كثيرا ما يشير الى اواخر
سند الحديث فينسب الرواية الى احد اصحابه. اما في
صددراجح رايه في استدلاله لنفسه او لخاصته فيستدل بما
رواه اهل الحديث من الامامية عن الائمة المعصومين عن
آبائهم عن رسول الله؛ لان الامامية لما ثبت لديهم ان العصمة
تشمل النبي والائمة فكان قولهم يجري مجرى قول النبي
في كونه حجة على العباد.
واما انطباق الحكم: فان المتتبع لوجه دلالة الحديث فانه يراه
منطبقا على موضوع المسالة؛ اما بالمطابقية من الدلالة
اوبالالتزامية.
وهنا تلزم الاشارة الى ان الشيخ يرى وجوب العمل بالخبر
الواحد؛ لما دلت عليه الادلة من الكتاب او السنة
اوالاجماع((360)). ومن متابعة استدلالات الشيخ بالسنة فان ذكر السند في روايته الحديث النبوي يعتمد على المتحصل من شهرة الحديث؛ فاما ان يذكر الحديث بلا سند، او يذكر اواخر سنده، او يذكر كامل السند، في حين يلتزم كثيرا بذكر اسانيدالروايات عن اهل البيت الذي يكثر من الاستدلال برواياتهم عندما يمر بخلاف بين الامامية انفسهم، وكمثال على ذلك: ما رواه محمد بن احمد ابن يحيى عن الحسن اللؤلؤي عن جعفر عن يونس عن حماد بن عيسى قال: قال ابو عبدالله(ع)...((361)). وفيما ياتي بعض النماذج على استدلاله بالسنة: نموذج 1 - ما ذهب اليه من ان الرضاع الناشر للحرمة خمس عشرة رضعة، الدليل عنده: «ما روي عن النبي انه قال:الرضاعة من المجاعة يعني ما سد الجوعة»، وما رواه سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن ابيه عن عبد الله بن الزبير ان النبي قال: «لا تحرم المصة ولا المصتان، ولا الرضعة ولا الرضعتان»، وما روي عن عائشة انها قالت: كان فيما انزل من القرآن ان عشر رضعات معلومات يحرمن((362)). نموذج 2 - في رايه لا يجوز ان يقتل مسلم بكافر، استند الى ما رواه ابو هريرة وعمران بن حصين وعمرو بن شعيب عن ابيه عن جده ان النبي قال: «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد بعهده»((363)). نموذج 3 - عن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده عبد الله بن عمر ان النبي سئل عن التمر المعلق فقال: «من سرق منه شيئا بعد ان يؤويه الحرز وبلغ ثمن المجمن ففيه القطع»((364)).
وفي مجال الاستدلال بالسنة: فان كتاب الخلاف لما كان
مصنفا فقهيا مقارنا يسعى لاثبات الراجح من بين الاراء فيلزم
الايعتمد على دليل مبنائي، لذلك لم يشهد المتابع للكتاب
الرواية عن اهل البيت(ع) الالماما، ومن متابعتي وجدت ان
مايثبته الشيخ الطوسي من روايات اهل البيت فانما مما لها
نظائر في المرويات عن النبي من غير طريق الائمة، لكنه
مع ذلك يصرح احيانا بان ذلك مدلول اخبار الامامية دون متنها
او سندها، ويشفع ذلك دائما بحديث نبوي بسنده من طرق غير
الامامية، ومن نماذج ذلك المسالة الثانية من كتاب الطلاق،
ومضمونها: انه يحرم طلاق الرجل زوجته المدخول بهاغير
الغائب عنها في حيض او طهر جامعها به، ذهب الطوسي الى انه
محرم لا يقع، ونقل عن الفقهاء انه محرم لايقع.
استدل عليه بالاية: (فطلقوهن لعدتهن)، ورواية ابن جريج
حول طلاق عبد الله بن عمر امراته وهي حائض فامره النبي ان
يراجعها، ومثله ما رواه عنه ابن سيرين ونافع والحسن عن ابن
عمر نفسه، ثم قال: «هذا ما دل عليه الكتاب ودلت عليه السنة
وما خالف الكتاب والسنة لا يجب العمل به»((365)).
ويلفت نظرك ان الشيخ الطوسي قرن مع رواية النبي من طرق
العامة ما رووه عن علي(ع)؛ فاغلب المواضع يقول فيه:ورووا
ذلك عن علي، ويعد هذا اشارة الى الالزام برواية الصحابي
لمخالفيه دون ان يصرح بموقفه من الرواية، مثال ذلك. شهادة
القابلة وحدها تقبل في الولادة؛ لما روي ذلك عن النبي وعن
علي عليهما الصلاة والسلام((366)).
ومثال آخر: فيما لم يجز الجمع بين امراتين في ملك اليمين
ان لم يكن الجمع بينهما جائزا في العقد، قال في استدلاله:«ان
ابن عباس وعثمان قالا: احلتها آية وحرمتها آية، والتحريم
مقدم»، ثم قال: «وروي مثل ذلك عن علي وابن مسعودوابن
الزبير وعمار وعائشة، ولا مخالف لهم»((367)).
وكذا في طلاق الثلاثة الذي اختار انه بشروطه يقع طلقة
واحدة، وذكر السائد في عصر رسول الله وابي بكر وشطر
من خلافة عمر((368))، ورد ما حصل بعد ذلك؛ لانه - عنده -
مخالف للسنة.
وعن اخبار الامامية: نجد الشيخ الطوسي لا يذكر بعضها بنصها
وسندها، بل كثيرا ما يحيل على كتابيه، فهو مثلا في القضاء على
الغائب الذي اتفق الفقهاء على جوازه عدا ابي حنيفة والثوري،
قال في استدلاله: «دليلنا اجماع الفرقة واخبارهم، وذكرناها في
الكتابين المقدم ذكرهما»، واغلب الظن انه يريد بهما التهذيب
والنهاية، كما ورد في التصريح بهما في ج 2 ص 34.
وهكذا يظهر الشيخ الطوسي موضوعيا ورصينا في التوصل او
ايصال مطالعه الى الراجح، وعدم اعتماده على دليل خاص
(مبنائي) لكي يصادر مطلوبه.. فيعلمنا منهجه ان اختيار الدليل
مبني على ان مقومه العلم، وان الشك كاف للقطع بعدم اعتباره
دليلا كافيا، وبذلك تحدد موقفه من مبانيه العامة بان القطع
بالحجة هو اساس جميع الادلة، وعلى ركائزه تقوم دعائم
الموازنة والتقييم واصدار الحكم، فكل دليل انتهى الى القطع
بمؤداه او قام دليل قطعي على جعل الحجية له فهو ملزم
للجميع، وكل ما لا يكون كذلك فهو ليس بدليل((369)).
وبهذا الضابط الاصولي تابع الشيخ مسائله واسسه في المقارنة. الفرع الثالث - الاستدلال بالاجماع: لا يرى اغلب علماء الامامية ان الاجماع - غير الكاشف عن راي المعصوم - دليلا شرعيا على الحكم الفرعي، فاذاكشف الاجماع عن قوله على وجه القطع فالحجة في الحقيقة هي المنكشف لا الكاشف، فيدخل حينئذ في السنة،وعليه فان مقولة الاجماع منزلة منزلة الخبر المتواتر الكاشف على نحو القطع عن قول المعصوم، بفارق ان الخبر المتواتردليل لفظ ي، والاجماع دليل لبي، وعلى هذا لا يجب فيه اتفاق الجميع بغير استثناء، بل يكفي اتفاق كل من يستكشف من اتفاقهم قول المعصوم.
وترد كثيرا في استدلالات الشيخ الطوسي على الراجح من
مسائل الخلاف عبارة «اجماع الفرقة».
والاشكال في ان الشيخ بوصفه من مشايخ الرواية كما تقدم؛
فانه لما عرف ان الرواية عن المعصوم قد دلت على الراجح اثبت
ذلك اجماعا، وطريقته في استكشاف الاجماع هي: ان
يستكشف عقلا راي المعصوم من اتفاق من عداه من العلماء
الموجودين في عصره مع عدم ظهور ردع من قبله، ومن
اللطف ان يظهر الامام الحق في المسالة والا لزام سقوط
التكليف، ومن لوازم هذه الطريقة عدم قدح المخالفة
مطلقا((370)).
وقد ترددت في اغلب مسائله تقريبا دعوى حصول الاجماع من
الفرقة.
وفي بعض المواضع قرنه مع اجماع الامة، وكمثال: القول بان
الجيش كله يشارك السرية في غنائمها، يقول الشيخ:
«دليلنااجماع الامة، وخلاف الحسن لا يعتد به؛ لانه محجوج
به»((371)).
وفي بعض المواضع يقول: «ما قلناه مجمع على جوازه، وما
قالوه ليس عليه دليل»((372)).
مثال آخر: قال في المسالة السابعة من كتاب الصداق: «ليس
للمراة التصرف بالصداق قبل القبض، وبه قال جميع
الفقهاء،وقال بعضهم: لها ذلك.
دليلنا: ان جواز تصرفها فيه بعد القبض مجمع عليه، ولا دليل
على جواز تصرفها فيه قبل القبض»((373)).
وقد ينتج الاجماع قاعدة في باب من ابواب الفقه، ومثال ذلك:
ما ورد في المسالة السادسة من كتاب المرتد: «المرتد اذاتاب
ثم ارتد قتل في الرابعة»، قال: «دليلنا اجماع الفرقة على ان كل
مرتكب لكبيرة فاذا فعل به ما يستحقه قتل في الرابعة،وذلك
على عمومه»((374)).
يقول الاسترابادي في الفوائد المدنية: «انما تمسك الشيخ
بالاجماع بمعناه العام فانما مقابل راي غيره؛ للرد عليه والزامه
بالراجح؛ اي بما هو حجة عندهم».
وبهذا يشير الى ان الاجماعات التي ادعاها الشيخ تحت عنوان
«اجماع الامة» فانما هو دليل لالزام مخالفيه، ولا يمكن تسرية
قول الاسترابادي الى ما جعله اجماع الفرقة؛ لانه بذلك يشير
الى مصطلحه الخاص، ولا يعني به اتفاق فقهاء الامامية. اما
مشكلة تضارب الاجماعات بينه وبين السيد المرتضى في كتابه
الانتصار فان سبب هذه الاشكالية ان اجماعات الشيخ بنيت
على ورود روايات كاشفة عن حكم شرعي محفوفة بالقرائن
الموجبة للاطمئنان بصدورها عن المعصومين، فعمل بها
واستفاد منها دخول المعصوم بين المجمعين، بينما لم يعتمد
السيد المرتضى العمل بها لكونهامن اخبار الاحاد، فحصل من
ذلك ان دعاوى الاجماع في الخلاف كانت اكثر منها في
الانتصار. الفرع الرابع - موقفه من القياس: يفرق اصوليو الامامية بين القياس الظني والقياس القطعي، ويرون ان الثاني حجة يمكن الاستناد اليه؛ لان مقدماته قطعية، يقول العلامة: «لا خلاف في وجوب العمل به»((375))؛ ذلك لان حجيته ذاتية، وعليه فان النزاع في القياس الظني لا القطعي. وقد نسب الى الشيخ الطوسي قوله: ان التعبد بالقياس مستحيل عقلا، والحق ان سبب الرفض عنده نهي الائمة عنه، ولعدم ورود التعبد به شرعا، بل الذي عند الشيخ ان الدليل القاطع قد قام على النهي عن العمل بالظن الا ما اخرجه الدليل، فكيف بالظن الذي ثبت عندهم النهي عنه؟!
وقد اشارت احدى الدراسات ان الكراجكي - وهو من معاصري
الشيخ - هو القائل باستحالة التعبد به عقلا((376))وليس
الطوسي؛ لانه جائز عقلا ممنوع منه شرعا عند الشيخ ومن
تاخر عنه((377))؛ ذلك لانه مما يتصور وقوعه عقلا، ويذهب
الظاهرية الى ذات الموقف((378))، والنظام من المعتزلة وان
اقترب قوله من مؤدى الاحالة العقلية((379)). يقول الشيخ الطوسي في العدة: «فاما من نفى القياس من حيث لم يات العبادة به ولم يقطع السمع العذر في صحته، فهوالصحيح الذي نختاره»((380))، وحكى اجماع الامامية على ذلك((381))، ولم يعتبر خلاف ابن الجنيد الذي قيل عنه انه عمل بالقياس الظني قادحا؛ لان الاجماع تقدمه وتاخر عنه في ردالعمل بالقياس. وتظهر تطبيقات هذا الموقف الاصولي من القياس فيما ياتي من النقول من مسائل الخلاف: نموذج 1 - يذهب الطوسي الى انه لا يجب تمتع((382)) المفارقة من النساء الا بالطلاق (حيث ان غير الطلاق كالتفريق القضائي) لا تستحق به المتعة، قال: «دليلنا ان المتعة اوجبها الله في المطلقات، فمن اوجبها في غيرهن فعليه الدلالة والحاق غير الطلاق بالطلاق قياس، ونحن لا نقول به»((383)). نموذج 2 - يرى الشيخ ان تحريم الخمر غير معلل، انما تحرم المسكرات لاشتراكها في الاسم (الخمر) او لدليل آخر،يقول: «دليلنا ان هذا الفرع ساقط عندنا لانا لا نقول بالقياس اصلا في الشرع، والكلام في كونها معللة او غير معللة فرع على القول بالقياس، فمن يمنع العمل به لا يلزمه الكلام في هذه المسالة»((384)). نموذج 3 - «اذا قضى الحاكم بحكم ثم بان له انه اخطا وجب نقضه، ولا يجوز الاقرار عليه. والدليل: ان الحق قد ثبت عنده انه واحد وان القول بالقياس باطل»((385)). نموذج 4 - «لا يثبت الطلاق وسائر التفريق والقذف والقتل... الا بشهادة رجلين. والدليل: انه مجمع على ثبوته في هذه الاحكام، وما ادعوه ليس عليه دليل، وقياس ذلك على المداينة لا يصح؛ لانا لا نقول بالقياس»((386)). الفرع الخامس - الاستدلالات بالادلة الاخرى: عرفنا موقف الشيخ من صدارة الاستدلال بالقرآن، ثم الاستدلال بالسنة، وعرفنا انه استدل بالحديث النبوي الثابت عندخصومه الزاما لهم، وانه استدل بالروايات الواردة عن اهل البيت(ع)، وعرفنا انه يرى في الاجماع ما كان كاشفا عن قول المعصوم، ثم عرفنا انه يرد كل الوسائل الظنية من ان تعتمد مصادر للحكم الشرعي كالقياس والاستحسان...الخ. وللوهلة الاولى فان على مقتضى هذه المباني يلزم ان تكون تفريعات الشيخ الطوسي قليلة طالما يستبعد اكثر الوسائل التي يمكن ان يتوسع فيها الفقيه في التفريعات والافتراضات، لكن بالمقارنة بين كتاب الخلاف للشيخ الطوسي وبين الكتب التي سبقته في هذا المضمار او التي عاصرته، يظهر لنا ان كتابه اوسع حلقة واكثر تفريعا، وحيث انه التزم بان يقرن كل مسالة بدليل وانه غالبا ما احتج على الاقوال الاخرى بعدم الدليل، فانه لسعة مفهوم السنة عنده وضيق مفهوم الاجماع لابد ان يحتاج الى ادلة اخرى، فالى ماذا استند الشيخ الطوسي فيما لم يسعفه القرآن او السنة او الاجماع التعبدي؟ الجواب: من استقراء ادلة الشيخ الطوسي يظهر انه قد استند في مسائله الى عموم النص، او الى الاحتياط، او الى اصالة الاباحة، او اصالة البراءة، والى بعض الادلة الاخرى. وفيما ياتي امثلة لهذه المستندات: تعريف موجز بهذه الادلة، وامثلة لهذه المدارك من مسائل الخلاف: أ - عموم النص: النص العام: هو اللفظ الموضوع للدلالة على جميع ما يصلح له من الافراد على سبيل الشمول والاستغراق من غير حصر((387)). ويبدو ان الشيخ متوافق مع جمهور الفقهاء ممن يسمون بارباب العموم؛ اذ يرى ان العام على ظاهره لا يصرف عن ذلك الا بدليل، وعليه فحكم العام المخصص هو ذاته حكم العام غير المخصص في ظهوره في الشمول لكل ما يمكن ان يدخل فيه((388)). ومن تطبيقات ذلك: 1 - استدل الطوسي بالعموم في حكم النهي عن كل ذي ناب قال: «وذلك عام على كل حال»((389)). 2 - يصرح الشيخ في اكثر من موضع بان التخصيص يحتاج الى دليل((390))، ظهر ذلك - مثلا - في موقفه من نظرية العصبات في الميراث، واختياره رد فاضل التركة على ذوي الفروض مستدلا بقوله تعالى: (واولوا الارحام بعضهم اولى تخصيص اولها. وظهر ايضا في كراهيته للفاسق اخذ اللقطة؛ لعموم الاخبار الواردة في احكام اللقطة. وكذلك فتواه في جواز ان ياخذ الذمي اللقطة في دار الاسلام، قال: «لعموم الاخبار، والمنع يحتاج الى دلالة»((392)). وكذلك في وجوب الزكاة في اموال الطفل وعلى الوصي اخراجها منه، قال: «لقوله تعالى: (خذ من اموالهم)، وذلك عام الا ما اخرجه الدليل». ب - الاحتياط: ويريد به حكم الشارع بلزوم الاتيان بجميع محتملات التكاليف او اجتنابها عند الشك بها والعجز عن تحصيل واقعها، مع امكان الاتيان بها جميعا او اجتنابها جميعا((393)). والذي عليه تحقيق العلماء: انه وظيفة شرعية مجعولة عند الشك في الامر الواقعي. ج - اصل البراءة: ويراد بها: الوظيفة الشرعية النافية للحكم الشرعي عند الشك فيه والياس من تحصيله((397)). ومن ذلك: انه من لم يبين ما اوقفه عليه من وقوفه، لا يصح وقفه. دليله: ان صحة الوقف يحتاج الى دليل شرعي، ولانه لووقف على مجهول كان باطلا، فهذا آكد. المطلب الخامس - النتائج التي توصل اليها الطوسي: توصل الشيخ الطوسي في الانجاز الكبير الذي قدمه للفقه الاسلامي الى نتائج هامة واساسية، وتتمتع بدرجة عالية من الاصالة والعمق والجدة في التحليل والاستقراء. ومن تلك النتائج:
1 - اكد الشيخ الطوسي في كتابه ما استقر عليه التحقيق من
قبل الفقهاء المسلمين من ان العلم بمسائل الخلاف
من مقدمات الاجتهاد. وكان من اهتمامهم بامره ان اعتبره غير
واحد في كتاب القضاء - من المؤلفات - انه من العلوم التي يتوقف
عليها الاجتهاد.
2 - لما كان السيد المرتضى في كتابه الانتصار قد اوجد باكورة
كتب الفقه المقارن، فان الشيخ جريا على ذلك المنهج ادرك
بعبقريته المعهودة انه يحتاج الى مصنف اكثر استيعابا للاقوال،
واوسع فرضية للبحث، واكثر حجما للاهداف؛واذا كان الشيخ
شارحا للمقنعة في تهذيب الاحكام وملخصا للشافي فانه
مستبدل لكتاب الانتصار بما يباينه شكلاومضمونا في كتابه
الخلاف، فهو تطور نوعي في الفقه المقارن اتحف به
المسلمين... ولعله كان الحلقة الثانية في جهودهم جميعا، ثم
جاءت محاولات علمية جادة اقتفت اثره فيها.
3 - اقام الشيخ الطوسي في كتابه الخلاف برهانا على ان الفقيه
الامامي ليس معزولا تماما عن فقه اشقائه من
المدارس الاخرى، بل اثبت انه على اطلاع واسع بها وبمداركها،
وتعدد اقوال المذهب الواحد، وراجحه ومرجوحه، لذلك
اشارفي كتابه الى كل الاراء؛ بدءا باقوال الصحابة والتابعين
وتابعي التابعين، ومرورا بالحلقات التالية حتى الفقهاء من
الطبقة الثانية، وربما معاصريه من اهل التخريج.
4 - اقام الشيخ الطوسي برهانا على ان فقه الامامية وان تقيد
بالحشد الهائل من الروايات عن اهل البيت(ع) فانه فيه
من القابلية ان يستوعب الافتراض من الوقائع ويكشف لها حكما
شرعيا، فتوسع في التفريعات في كتابه المبسوط، ثم اثبت انها
توازي من حيث الكم تفريعات المخالفين له في الراي عمن
يعتمد القياس والاستحسان، في حين ان كثرة تفريعاته لا
تستند في واحدة منها الى هذين المصدرين.
5 - انتهى الشيخ الطوسي تحقيقا الى ان القياس والاستحسان
وغيرهما من المصادر المعتمدة عند الفقهاء، ليست معتمدة
عنده؛ لعدم قيام الدليل الكافي على حجيتها، وحيث يمكن ان
يترتب على هذا الموقف نقص في اسس التفريع والتوسع فقد
اثبت انه يمكن التوسع والتفريع دون الاستناد الى القياس
وغيره مما لم يقم الدليل على حجيته، وبذلك طبق الشيخ
نظريته في الاصول تطبيقين: احدهما داخلي: وهو الذي اوجد
فيه احكام الفروع المختلفة لفقه الامامية في كتاب خاص بهم
سماه المبسوط في فقه الامامية، ثم خارجي: وهو مسح المسائل
الفقهية السائدة في عصره، وبيان آراء الفقهاء جميعا ممن
يخالفه في «نظريته الاصولية»، ثم رايه ودليله، وبذلك يكون
الشيخ قد استخدم المنهج العام للتفكير الفقهي بقواعده التي
توصل اليها هو في كتابه العدة في الاصول. ثم استخدم منهجا
خاصا به في البحث الفقهي المقارن، ثم وصفه في هذا البحث
مؤسسا بذلك ابداعا علميا لا نظير له في تاسيس منهجية
صارمة في الكشف عن حقائق الاحكام الفقهية؛ واهم ما تميز به
الشيخ في هذا المنهج انه سعى وراء تحصيل اليقين العلمي
في صدد الدليل الذي يستند اليه، فرد كل الادلة الظنية؛ لانه
اذا جاز ان يكون الحكم ظنيا لا يجوز ان يكون الدليل
«المصدرالذي يستقى منه الحكم» ظنيا، وتحصيل اليقين او
الظن المقترب من درجته احد ارفع الدرجات التي يمكن ان
ترقى اليهانظرية المنهج.
ومن الوسائل التي اعتمدها الشيخ - اضافة لما تقدم - انه استدل
على راجحية المتفق عليه على المختلف فيه، وقدظهر ذلك
في استناده الى اجماع الامة واجماع الفرقة في اغلب مسائل
الخلاف، واعتمد الشيخ - كوسيلة للحصول على اليقين - على
الملازمات؛ فقد تتبع حكم العام في افراده نفيا او اثباتا، وبذلك
وسع دائرة الاستفادة من مباحث العموم بما يقابل التوسع الذي
اعتمد القياس اساسا له، واقام من مباحثه التطبيقية مصداقا
للقاعدة القائلة: اذا تحقق الملزوم قام الدليل على تحقق اللازم.
ومن مظاهر اعتماد الشيخ على مبدا تحصيل اليقين في
الدليل: انه اسقط كل حكم لا دليل عليه؛ لان بطلان
الدليل بحكم عدمه، وكلاهما يؤذن ببطلان المدلول. وهذا
المتحصل جاء ثمرة لالتماسه ادل ة المثبتين ثم هدمها ثم
استقراءالادلة الاخرى بحيث يتيقن انه لا يجد منها ما يصلح
للدليلية على ما هدمه، فيصير الى راجح ما ترجح عنه.
وبهذا يعلمنا الشيخ ضرورة مسح الادلة وحصر وجوهها
والاستقراء الدقيق لها، حتى نصير الى التاكد من عدم وجود
ادلة غير الادلة المنفية. ومن مظاهر الجري وراء اليقين في
منهج الشيخ انه عند فقد الدليل على الحكم بالنص او الاجماع
- ايا كانت درجة المسامحة في استخدامه له - فان اعتماده طريق
الاحتياط الشرعي هو البديل في اغلب المسائل، واذاعرفنا انه
يستلزم الاتيان بجميع محتملات التكاليف فانه يدعو الى
الاطمئنان اليقيني. وعموما، فان «الانجاز العلمي» للشيخ الطوسي في الخلاف اضافة نوعية هامة في البناء المعرفي الفقهي، وابداع لامع في نظرية المنهج العلمي للبحث في الدراسات الفقهية المقارنة. تعلمنا منه.. خصائص منهجية ربما نحن اليوم بامس الحاجة اليها. الخاتمة
لقد اغنت النتائج المستفادة من كتاب الخلاف الباحث في ان
يسطر خاتمة لبحثه. لكن الذي اريد تاكيده هنا هو: التنويه بان
الشيخ اعاد بعد كارثة احراق مكتبات العلم في بغداد عام (448
ه) تدوين تراث الامة بفروعه الشرعية، واضاف له اضافات نوعية
بارزة مثل كتابه الخلاف، فلولاه لصعب التواصل العلمي بين
حاضر الامة وجهود اساطينها من العلماء،ولولاه لافتقدت
الكوفة جزءا لا يستهان به من تراثها العظيم، لا سيما وقد سطر
لنا فيه آراء من طمس علمه ورايه كالمذاهب المنقرضة.
ورجل كهذا قد درسه العلماء من كل جوانبه، لكنه لم يدرس
فقهيا واصوليا، وهذا مما يستغرب له جدا، فقد كان
الجانب المبرز فيه هو جانب الفقه واصوله، بل لم تبرز اسهاماته
العظيمة في الفقه المقارن ومنهج البحث فيه، فجاء هذا
البحث اعتذارا متواضعا عن «حاضرنا» للشيخ الطوسي.
لذلك ادعو زملائي الاساتذة واخواني طلبة الدراسات الشرعية
الى ايلاء هذا العالم اهتماما خاصا لا سيما في مجال الفقه
المقارن، واعطائه حقه لينتفع الحاضر بجهد الماضي، وارى ان
من حقه علينا ان يحقق الكتاب ويدرس كنتاج متميز. ثم اريد
التاكيد على ان ابرز معلمين حصيلة لهذا البحث:
وفي هذه فرصة للدعوة الى حوار الاتجاهات الفقهية وترصين
موضوعيته وموضوعية البحث العلمي. قواعد النشر في مجلة فقه اهل البيت(ع)
1 - ما ينشر في المجلة لا يعبر بالضرورة عن راي المجلة ولا
المشرفين عليها.
2 - تستقبل المجلة المقالات الاجتهادية والدراسات الفقهية
بشكل عام ونقترح ان تكون كتابة المقالات ضمن
المحاورالتالية:
3 - ان تكون المقالة متناسبة مع مستوى المجلة واهدافها
باعتبارها مجلة متخصصة في دائرة العلوم الفقهية.
4 - ان تكون المقالة غير منشورة او غير مرسلة للنشر في
مطبوعة اخرى.
5 - للمجلة الحق في اجراء التعديلات المناسبة على
المقالات في ضوء سياستها في النشر.
6 - المجلة غير ملزمة باعادة المقالات المرسلة اليها، لذا
فالافضل الاحتفاظ بنسخة عن الاصل.
7 - ترتيب المقالات في المجلة يعتمد على اسس فنية، وكذا
تعيين زمان نشرها. 8 - للمجلة الحق في اعادة نشر المقالات في عدد آخر اذا ارتات ذلك او ترجمتها، كما ان للكاتب الحق في نشر مقالاته بعد نشرها في المجلة. |