فيدل كلا الحديثين على عدم الحجب وان الكافر ايضا يرث من
الكافر حتى مع وجود الوارث المسلم. ومن هنا حمله
بعض الاصحاب على التقية او على معنى اخر.
قال الشيخ(قده): «معنى قوله(ع) «هم على مواريثهم» اي: على
ما يستحقونه من ميراثهم. وقد بينا ان المسلمين اذا اجتمعوا
مع الكفار كان الميراث للمسلمين دونهم. ولو حملنا الخبر على
ظاهره لكان محمولا على ضرب من التقية»((507)).
وقال صاحب الوسائل(قده) بعد نقله للحديث ولكلام
الشيخ(قده): «ويحتمل ان يكون «الواو» في قوله: «واولاد غير
مسلمين»بمعنى «او» يعني: ان الكافر يرثه اولاده مسلمين كانوا
او كفارا، لما مر لا في صورة كون بعضهم مسلمين
وبعضهم كفارا»((508)).
اقول: اما ما ذكره الشيخ الحر(قده) فمضافا الى كونه خلاف
صراحة الحديث في النظر الى صورة الاختلاط ووجود صنفين
من الاولاد في الورثة - لانها الصورة التي تحتاج الى السؤال عنها
واستعلام حكمها - ان «الواو» لو كانت بمعنى «او»، كما اذا صرح ب«او»، فايضا يشمل الحديث باطلاقه صورة الاختلاط، ما لم
يفرض الترديد بين ان يكون جميع اولاده مسلمين او جميع
اولاده غير مسلمين، وهو بحاجة الى دال اخر كما هو واضح.
واما ما ذكره الشيخ(قده) من الحمل على انهم على ما
يستحقونه شرعا من الميراث، فهذا لا يناسب ان يكون جوابا
على سؤال السائل؛ لان السؤال عما يستحقونه شرعا، فلابد
للامام(ع) ان يبين ما هو الحكم الشرعي، وان الاستحقاق
للمسلم خاصة دون الولد الكافر، لا ان يقول انهم على ما
يستحقونه شرعا، فان هذا كالقضية بشرط المحمول الواضح
عند كل احد.
واما ما ذكره ثانيا من الحمل على التقية، فهو غير محتمل على
ضوء ما تقدم من ان جمهور العامة على عدم ارث المسلم
من الكافر؛ لعدم التوارث بين اهل ملتين، فمضمون الحديث
مخالف مع قول العامة على كل حال.
على ان الحمل على التقية ابتداء غير صحيح، وانما يلجا اليه
عند استحكام التعارض بين حديثين معتبرين سندا. وعدم
وجودجمع عرفي بينهما، وعدم وجود ترجيح سندي مقدم
على الحمل على التقية، وهو الترجيح بموافقة الكتاب وطرح
المخالف للكتاب، فانه مقدم على الترجيح بمخالفة العامة على
ما هو منقح في محله من علم الاصول.
وفي المقام لا تصل النوبة الى الحمل على التقية. وذلك: اولا - لان هذا الحديث معتبر سندا؛ لانه ينقله ابن ابي عمير، عن غير واحد، ومراسيل ابن ابي عمير عن غير واحد معتبرة على ماحقق في محله، خصوصا مع نقل ابن ابي نجران الثقة العظيم الشان عن غير واحد عن الامام(ع) للحديث ايضا. وثانيا - لو فرض اعتبار السند في كلا الطرفين ووقع التعارض بينهما كان المرجح هذا الحديث، لمطابقته مع الكتاب الكريم الدال بعمومه على ارث ذوي الارحام بعضهم من بعض، والترجيح بموافقة الكتاب مقدم على الترجيح بمخالفة العامة. وثالثا - ما تقدم من مخالفة كلا الطرفين مع فتوى العامة، فلا موضوع لهذا الحمل، ثم ان هذا الحديث اخص من رواية حسن بن صالح المتقدمة((509))؛ لانها تدل على حجب المسلم للكافر سواء في ارثه عن المورث المسلم او الكافر، فتقيد بهذه الرواية بما اذاكان المورث مسلما. نعم المعارضة مستحكمة مع مرفوعة ابن رباط ورواية مالك بن اعين.
والمتحصل من مجموع ما تقدم في هذه المسالة: انه لو لم
يحصل لنا الجزم او الاطمئنان بالحكم الشرعي من الاجماع
المدعى وتسالم فتاوى الاصحاب على حجب المسلم للكافر
حتى في ارثه عن المورث الكافر، فبمقتضى الصناعة لا يمكن
تخريج هذه الفتوى المشهورة، بل الاصح عندئذ هو القول بعدم
الحجب، عملا بحديث ابن ابي نجران وابن ابي عمير عن غير
واحد، اوباطلاقات الارث بعد فرض التعارض والتساقط بين
الروايات. والله العالم بالصواب. 3 - عدم الحجب اذا كان الوارث صغيرا
قال في الشرائع: «لو خلف نصراني اولادا صغارا وابن اخ وابن
اخت مسلمين، كان لابن الاخ ثلثا التركة، ولابن الاخت ثلثه،
وينفق الاثنان على الاولاد بنسبة حقهما، فاذا بلغ الاولاد
مسلمين فهم احق بالتركة على رواية مالك بن اعين، وان
اختاروا الكفر استقرملك الوارثين على ما ورثاه ومنع الاولاد.
وفيه اشكال ينشا من اجراء الطفل مجرى ابويه في الكفر، وسبق
القسمة على الاسلام يمنع الاستحقاق»((510)). ومنشا هذا
الحكم رواية مالك بن اعين المتقدمة.
وقد تقدم تعميم هذا الحكم من قبل بعض الاصحاب، كالحلبي
في الكافي، وابن زهرة في الغنية، الى مطلق ما اذا كان للكافر
اولادصغار وقرابة مسلم، فانه ينفق عليهم من التركة حتى
يبلغوا، فان اسلموا فالميراث لهم، وان لم يسلموا كان لقرابته
المسلم. فلم يخصصوا الحكم بما اذا كان المسلم ابن اخ او ابن
اخت كما هو مورد الرواية، كما لم يقتصروا على فرض اسلام
الاولاد الصغار،بينما ظاهر عبارة المفيد في المقنعة((511))
والشيخ في النهاية((512))استثناء خصوص الصورة المذكورة
في كلام الشرائع.
وفي قبال ذلك، القول بعدم وجوب الانفاق، وباستقرار الارث
للمسلم، ومنع استحقاق الاولاد الكفار وان اسلموا بعد
بلوغهم.وهذا منسوب الى مشهور المتاخرين.
قال في الجواهر: «كما صرح به جماعة من المتاخرين، بل في
المسالك نسبته الى اكثرهم، بل هو قضية من لم يصرح
بالخلاف منهم ومن المتقدمين، للحكم بكفر الاولاد،
فيحجبون بالمسلم؛ اذ الكفر التبعي كالاصلي في الاحكام، كما
هو معلوم من كلام الاصحاب في مباحث النجاسات واحكام
الموتى والنكاح والقصاص والديات والاسترقاق
وغيرها»((513)).
ثم نقل رواية مالك بن اعين المتقدمة وعلق عليها بما يلي:
«وربما ايد مضمونها بان المانع من الارث هو الكفر، وهو مفقود
في الاولاد؛ لعدم صدقه عليهم حقيقة، كما عن بعضهم
تنزيلهاعلى اظهار الاولاد الاسلام، وهو وان كان اسلاما مجازيا،
لكنه يقوم مقام اسلام الكبير في المراعاة لا في الاستحقاق،
فيمنعا من القسمة الحقيقية في البلوغ لينكشف الامر. او على
ان المال يقسم حتى بلغوا واسلموا.
والجميع كما ترى، ضرورة عدم الفرق بين الكفر الاصلي
والتبعي في جميع ما ذكرناه، كضرورة عدم معارضة
الاسلام المجازي للاسلام الحقيقي، وظهور الرواية في القسمة،
بل كاد يكون ذلك صريحها.
ومن هنا قال المصنف بعد ذكر مضمونها: (وفيه اشكال ينشا...)
كما انه لذلك حملها الفاضل في محكي المختلف على
الندب واختاره في المسالك.
وفيه: ان ذلك انما يصح من جهة الورثة دون الامام، فالاولى
طرحها، خصوصا بعد مخالفة من عمل بها لمضمونها؛ اذ
المحكي عنهم انهم اطلقوا القول بتولي الورثة المسلمين
الانفاق على الاولاد، والحكم بارثهم، ووجوب دفع الفاضل
اليهم اذا بلغوا اواسلموا من غير تفصيل، مع ان مقتضاها كون
الارث للاولاد ان اسلموا قبل البلوغ واستمروا عليه بعده، وان
المتولي للانفاق عليهم الامام دون الورثة، فان لم يسلموا قبله
فالارث للقرابة، وعليهم الانفاق ولهم الفاضل وان اسلموا بعده،
والاختلاف بين الامرين ظاهر.
مضافا الى ان المسالة مفروضة في كلام الشيخين والقاضي
فيما اذا اجتمع مع الاولاد الاخوة للاب والاخوة للام، وفي
كلام الحلبيين والمحقق الطوسي في اجتماع القرابة مطلقا
معهم، كما عن الكيدري، وكل ذلك غير مورد النص.
على انهما معا مخالفان للاصول المقررة والقواعد المسلمة،
حيث اشتركا في وجوب النفقة على الورثة بلا سبب، وذهابها
ممن يستحقها من غير عوض، واختصاص النص باعتبار اسلام
الصغير في الحكم بارثه مراعى والفتوى بتوريث من اسلم
بعدالقسمة، ومنع الوارث المسلم من دون حاجب. فان الطفل
تابع لابويه في الكفر اجماعا. ولولا التبعية لاطرد الحكم في
الاطفال مطلقا، ولكان المتصرف بالانفاق عليهم الولي الشرعي
دون القرابة، ولم يقل به احد»((514)).
والمهم ما ذكره في ذيل كلامه: «ومع ذلك كله فالرواية
ضعيفة»((515)) على ما تقدم مفصلا في البحث السابق.
واما الوجوه الاخرى فهي لا تقابل الرواية اذا كانت معتبرة سندا،
فان القواعد قابلة للتقييد والتخصيص، كيف وان الحكم
بالحجب وعدم ارث الكافر من مور ثه الكافر اصله على خلاف
القاعدة في باب الارث، ودليله متمثل في هذه الرواية وروايتين
مثليها. فاي مانع في ان يكون الخروج عن قاعدة الارث في
خصوص ما اذا لم يكن للكافر المورث اولاد صغار، لا يعرف بعد
حال اسلامهم بعد الادراك والبلوغ، فهذا في الحقيقة تضييق
في الخروج عن قاعدة (اولو الارحام بعضهم اولى ببعض) في
الارث في مسالة حجب المسلم للكافر.
فالمهم ضعف سند الحديث. وعندئذ اذا تم دليل مطلق على
حجب المسلم للكافر مطلقا في المسالة السابقة - كما اذا
تمت المرفوعة او رواية الحسن بن صالح المتقدمتين سندا
ودلالة كان مقتضى الصناعة عدم وجوب الانفاق، واستحقاق
المسلم لتمام التركة من اول الامر.
وان لم يتم الدليل اللفظ ي في المسالة السابقة وانما حكمنا
بالحجب على اساس الاجماع والدليل اللبي، فمن الواضح ان
هذا الدليل لا يتم في المقام؛ لعدم الاجماع على الحجب فيه،
وذهاب اكثر المتقدمين الى استثناء صورة وجود اولاد صغار
للميت الكافر، مع وجود قرابة مسلم مطلقا، او في خصوص ابن
الاخ وابن الاخت المسلمين، فيكون مقتضى القاعدة عندئذ
الاقتصار في الحجب على المقدار المتيقن من الاجماع وهو ما
اذا لم يكن للميت ولد صغار. واما اذا كان له ولد كذلك، وجب
الانفاق عليهم من سهمهم من التركة من قبل وليهم ولو كان
الامام(ع)، وبقاء فاضل التركة مراعى الى ان يدركوا، فان ادركوا
ولم يقبلوا الاسلام، استقرفاضل الارث للقرابة المسلم عندئذ.
هذا اذا لم نحتمل عدم الحجب للوارث الصغير مطلقا
واستحقاقه للارث من اول الامر، والا كان مقتضى اطلاقات
الارث عدم الحجب للوارث الصغير مطلقا، ولدا كان او غيره،
اسلم بعد البلوغ ام لم يسلم.
الا ان مقتضى اطلاق كلمات الاصحاب وفتاوى المجمعين
عدم استثناء ما عدا صورة كون الوراث الصغار اولادا للكافر،
وانهم اسلموا بعد الادراك والبلوغ، فاذا حصل الجزم بالحكم
الشرعي من مثل هذا الاطلاق في معقد الاجماع تم ما ذهب
اليه ابن زهرة والحلبي - حتى اذا لم تتم الرواية - والا كان
الاستثناء اوسع. 4 - امكان منع الحجب ضمن عقد الذمة وعدمه
اذا تم الدليل على حجب المسلم للكافر عن ارثه لمورثه الكافر،
فهل يمكن الخروج عن ذلك من خلال عقد الذمة، وما يتفق
فيه الكافر مع الحاكم الاسلامي والولي الشرعي من حقوقه في
المجتمع الاسلامي، ام لا يصح ذلك؟
قد يقال: بعدم صحة ذلك من جهة ان الحجب حق للوارث
المسلم، وليس شيئا يرجع الى الكافر الذمي، لكي يمكن ان
يتنازل عنه ضمن عقد الذمة للحاكم الاسلامي، ولا هو من
الامور العامة. فمثل هذا القرار وعقد الذمة مرجعه الى منع
المسلم الوارث من حقه الخاص، واعطائه للوارث الكافر على
خلاف الحكم الشرعي الالهي، فيكون باطلا؛ لان العقود
والشروط لابد وان لاتكون على خلاف الحكم الشرعي، والا كان
باطلا «لان شرط الله قبل شرطكم»((516)) ولان «كل شرط
حلل حراما وحرم حلالا كان باطلا»((517)).
وفي قبال ذلك يمكن ان يذكر وجهان لصالح القول بعدم
الحجب في مورد الذمة ونحوها: الاول: ان مهم الدليل على حجب المسلم لارث الكافر عن الكافر انما كان الاجماع والتسالم الفقهي؛ لعدم تمامية سائر الاستدلالات المتقدمة. ومن الواضح ان القدر المتيقن من هذا الاجماع والتسالم لو تم - غير موارد الذمة والتزام الحاكم الشرعي بحفظ الحقوق الخاصة للكفار في بلاد المسلمين. فلعل هذه الخصوصية دخيلة في ان يرث الكافر من الكافر مطلقا اي حتى مع وجود المسلم ضمن الورثة وان لا يمنع الكفار من ارث بعضهم بعضا كما هو مقتضى شرعهم ومقتضى القاعدة الاولية في شرعنا ايضا. ولاجزم بعدم دخل هذه الخصوصية في هذا الحكم الفقهي. الثاني: ان ادلة جواز اعطاء الحاكم الشرعي الامان او الذمة للكفار بنفسها تقتضي جواز هذا الحق وثبوته لهم بعد اعطائهم الامان والذمة؛ لان تلك الادلة بمثابة المخصص او الحاكم على ما دل على سلب حرمة دم الكافر وماله وعرضه وسائر شؤونه.
ومسالة حجب المسلم لارث الكافر عن مورثه الكافر من شؤون
سلب حرمة مال الكافر بحسب مناسبات الحكم والموضوع
المتبادر عرفاومتشرعيا من مثل هذا الحكم، فيكون من
اختيارات الحاكم الشرعي وصلاحياته حفظ هذا الحق للكافر،
من خلال اعطائه الامان او الذمة داخل بلاد الاسلام.
ومنه يعرف انه لا مجال هنا للتمسك بما دل على ان شرط الله
قبل شرطكم لاثبات الحجب؛ لانه فرع عدم حكومة ادلة
صلاحيات الحاكم الشرعي في اعطاء الامان والذمة على دليل
الحجب؛ والا لم يكن شرط الله ذلك في موارد الذمة والامان
كما هوواضح.
والحاصل: المستظهر من ادلة اعطاء الذمة والامان لاهل
الكتاب من الكفار من قبل ولي الامر والحاكم الشرعي، ان ذلك
يوجب حقن وحفظ حرمة اموالهم ودمائهم تكليفا ووضعا، وان
ما كان الكفر سببا لزواله من حرمة المال والدم يرجع محقونا
ومحترماله بعد اعطائه الذمة والامان، ومن جملة ذلك حق
اولاده في التركة مع وجود شريك مسلم في الورثة.
لا يقال: ثبوت هذا الحق لهم اول الكلام؛ اذ مع فرض حجب
المسلم للوارث الكافر لا تكون التركة ملكا للكافر الذمي لكي
يجب حفظها وحرمتها له.
فانه يقال: العرف يفهم من دليل الحجب انه من شؤون سلب
حرمة مال الكافر في قبال المسلم، وان للمسلم ان ياخذ جميع
التركة،ويمنع الوارث الكافر من الارث الذي هو حقه الاولي لولا
الكفر، فيكون مقتضى الذمة حفظ هذا الحق له.
لا يقال: ان بعض روايات الحجب المتقدمة كان بعنوان «الذمي
يسلم وابوه حي»، لا مطلق النصراني فيكون اخص مما يعني
ثبوت الحجب حتى في اهل الذمة. فانه يقال: عنوان الذمي في الروايات يراد منه اهل الكتاب، لا الذمي الشرعي؛ فانه فرع اعطائه الذمة من قبل حاكم شرعي لاطواغيت بني امية وبني العباس، على ان تلك الرواية كانت مرفوعة، وفي سندها مجاهيل، والوارد في سائر الروايات عنوان «المسلم يحجب الكافر ويرثه»، او «النصراني يموت وله اولاد صغار وزوجة»، فراجع وتامل. |