نحو صياغة معاصرة للعلاقاتالاسرية
كما لا وزن للعلاقة العابرةوالطائشة والعابثة غير الهادفة وغير
الواعية والقائمة على اساستصريف الوقت ومبادلة المشاعر بين
الجنسين في جو من الضبابية لمتحدد فيه المواقف بل تتارجح
فيه التصورات العائمة وترتبك فيهالطموحات وتضيع فيه
الحقوق.. اذ لا مرجع موضوعيا يصار اليهللفصل فيما لو وقع
خلاف في البين او حدثت تجاوزات.. ولا ضابطةيعتمد عليها
لديمومة هذه العلاقة وصيانتها من الفشل والخيبة اوالمجازفة
بمستقبلها في تجربة غالبا ما تكون هي الاولى
والاخيرة..فالصحيح هو ارساء العلاقة على اساس متين واقامتها
على بنيانمرصوص.. ولا قيمة قانونية لما يسمى بالتعايش بين
الجنسين ولااعتبار لعلاقة الصداقة ما دامت لم تنبثق عن
مسؤولية والتزام..
ومن اللافت للنظر ان الاسلام قد احترم العقود كافة ودعا الى
الالتزامبها (يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود((2)). غير انه اعتبر
عقدالزوجية اكثرها حرمة واشدها مسؤولية واغلظها
استيثاقا(وكيفتاءخذونه وقد افضى بعضكم الى بعض واخذن
منكم ميثاقا غل يظا)((3)) فهو اخطر عقد يبرمه الانسان مع
غيره من البشر.. منهنا حكم الفقهاء بعدم صحة اشتراط
الخيار فيه..
ولا يوازيه عقد آخر باعتبار ان كلا من الزوجين يفتح باب
اسرارهامام قرينه ويبيح حريمه الشخصي الخاص به امام
صاحبه.. ولم يكنليقدم على ذلك لولا الثقة العالية
والاطمئنان الكبير بالطرف الثانيالذي هو بدوره يقابله
بالموقف نفسه.. انها شراكة تجعل الزوجين بمنزلةالشخص
الواحد.. بل هو عقد مقدس فان فيه شوبا من العبادات
المتلقاةمن الشارع كما عبر بذلك بعض الفقهاء((4)) سيما بعد
ملاحظة الدابالتي سنتها الشريعة الاسلامية فيه.. حقيقة
الزوجية
يمتاز عقد النكاح عن سائر العقود من ناحية الثار المترتبة
عليه..وبما ان الاثر معلول لسببه.. فهذا يعني ان ماهية عقد
النكاح تختلف عنغيره من العقود.. ولكل عقد ماهية خاصة
تعبر عن ملاك وضعهوجعله من قبل العقلاء او المشرع.. ومما لا
يخفى ان كل عقد جاء لتلبيةحاجة انسانية معينة.. من هنا نرى
ان بعض العقود ذو طابعاقتصادي وبعضها اجتماعي وبعضها
سياسي وغير ذلك.. وعندما نحللعقد النكاح نجده من قسم
العقود الاجتماعية لا من جملة العقودالاقتصادية وان تعلق به
المال تبعا وعرضا.. فان محض ذلك لا يصيرهعقدا اقتصاديا..
فهو ليس معاوضة بين مالين كعقدي البيع والاجارة..ولا يقع
المهر في مقابل شيء من جسد المراة.. ولا في مقابل
الانتفاعوالاستمتاع الجنسي.. ولا في مقابل ما تقوم به المراة
من اعمالمنزلية.. فلا نقل في الملكية ولا تبدل في اضافتها..
وليس المصب في هذاالعقد المال ولا الملكية..
والمهر ليس عوضا عن اباحة المراة نفسها للزوج كما قد
يتصورهبعض.. بل انه هدية تقدم من قبل الزوج ونوع تكريم
للمراة بمايتناسب مع التجربة الهامة التي ستتمخض عن عقد
النكاح وبحسب ماتقتضيه طبيعة المراة من احتياجات حياتية
في مثل تلك الحالات.. وقدقال سبحانه: (وآتوا النساء صدقاتهن
نحلة)((5)) اي ان الصدقاتوهيالمهور # محض عطية وهدية
وليس ثمنا..
ولا ينافي ذلك اشتمال طائفة من النصوص الماثورة على سنخ
منالتعابير التي استخدم فيها الفاظ قد تعورف دلالتها على
المعاوضاتنحو قوله(ع): «انما يريد ان يشتريها باغلى
ثمن»((6)) وقوله(ع):«انما هو مستام»((7)).. وذلك: لان المهر
ليس ركنافي عقد النكاح ومن هنا صح العقد مع عدم
ذكره((8)) او مع الابهامفيه او تاخير تحديده الى اجل وهو
التفويض.. هذا اولا.. وثانيا: قد لايكون الهدف من المهر هدفا
ماديا كما لو كان المهر تعليم الزوجةالقرآن.. وثالثا: ربما لا يكون
المهر مالا خطيرا ومهما بنظر العقلاء..وعليه فالمعنى المقبول
لهذه التعابير هو ان يكون المراد المفهومالمعنوي للثمن وهو
انتخابها شريكة حياته وامينة لسره ورفيقةمستقبله وليس
المراد الثمن الحقيقي وبالمعنى الشائع.. بل حتى لوحملنا
الثمن هنا على المال الحقيقي كما تشعر به بعض الروايات
بيدانه لا يمكن حمل الشراء هنا على المعنى الحقيقي بل المراد
المجاز..والتعبير بالثمن اشارة لثبوت حق مالي.. فلا دلالة في
امثال هذه العباراتعلى المعاوضة قطعا..
وايضا لا ينافي ذلك ما جاء في قسم من العبارات الفقهية من
انالمهرثمن او عوض البضع.. لكون المقصود في المقام هو
الاشارة الى ثبوتحق مالي للمراة وهو المهر بسبب عقد النكاح
نظرا لوجود ضروراتحياتية ومعيشية نظير حقها في النفقة او
الارث ونحوهما مما لايحتمل فيه المعاوضة جزما.. وكذلك
الكلامفي الحكم بضمان مهر المثل في بعض الحالات كما
هوواضح..
ولا يقاس النكاح بملك اليمين لمجرد وجود الشبه بينهما في
بعضالثار كالاباحة الجنسية.. فصرف هذا الشبه لا يجعلهما من
واد واحدلكون حقيقة النكاح متقومة بالشركة بين الزوج
والزوجة في الحياةوالتعايش معا فهو شركة اجتماعية ومعنوية
لا مالية ولا اقتصادية..في حين ان المراة في ملك اليمين
ليست هي طرف العقد ولا اثرلقبولها وعدمه بل طرفا العقد هما
المالك الاول والثاني..
ولو فرضنا ان المهر هو عوض الاستمتاع الجنسي واباحة
المراةنفسها فهذا الفرض مردود باعتبار ان الاستمتاع الجنسي
يتحققللطرفين الرجل والمراة لا للرجل حسب.. مضافا الى ان
الحياةالزوجية لا تنحصر في هذا الاثر المحدود جدا والذي لا
يتلاءم معوجود تلك القائمة الطويلة والعريضة من الواجبات
والحقوق التي قدتمتد الى ما بعد الموت.. والا فكيف نفسر حق
التوارث بينهما؟!وكيف نفسر الحكم بالعدة والحداد بعد موت
الزوج؟! الى غيرذلك.
وهذا التفسير الاسلامي للنكاح يستند الى مبررات واقعية..
منها:
اولا # ظاهرة الميل الجنسي الكامن تكوينا في طبيعة كل من
الرجلوالمراة تجاه الخر.. وهذا ما يدعو الى البحث عن سبيل
لتلبية هذهالحاجة الملحة ولبرمجة هذا الميل بما يتناسب مع
الصيغة المدنيةللانسان وتجنيبه الممارسات الهمجية استجابة
للغريزة..
ثانيا # وجود الارتباط العاطفي والروحي بين الجنسين.. وهو
ارتباططبيعي فما لم يتجسد خارجا فسيحدث فراغا نفسيا
ونقصا روحياوخللا في الشخصية.. فان كلا منهما بحاجة الى
الخر..
ثالثا # ضرورة ضمان وتامين المستقبل الحياتي لكل من
الزوجين اذابلغ الكبر احدها او كلاهما ووضعا اقدامهما على
اعتاب الشوط الاخيرمن العمر.. فان الضمان العائلي هو افضل
السبل لخلق الاحساسبالاطمئنان وعدم القلق تجاه المستقبل
الحياتي للفرد..
رابعا # تقاسم الادوار في صناعة اللبنة المجتمعية
الاولى..فانملابسات الحياة ومشاق ها تتطلب التعاون والشراكة
بينالزوجين..
خامسا # المساهمة في تهيئة الجو المناسب ماديا ومعنويا
وتربويالتنشئة الجيل المقبل من اجل ادامة النوع البشري على
الارض..
ومن اللازم على كل من يريد بناء جسر العلاقة الزوجية ان
يفقههذه الحيثيات وان يدركها جيدا لانها المنطلق لتاسيس
منظومةالحقوق والواجبات المترتبة والمحددة لشكل التعامل
بين الزوجيننظريا والمؤمنة للانضباط السلوكي لهما على
المستوىالعملي..
ولنكتف بهذا القدر من بيان الاساس والملاك الذي تستند اليه
العلاقةالزوجية وندع تفصيل معالم العلاقة ومنظومة الحقوق
بين الزوجينفي ظل الشريعة الى فرصة اخرى.. قال تعالى:
)ومن آياته انخلقلكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها وجعل
بينكم مودةورحمة ان في ذلك لا يات لقوم يتفكرون)((9))..
.. ولا حول ولا قوة الا باللّه..
رئيس التحرير
بحوث اجتهادية
الغناء والموسيقى
آية اللّه السيد كاظم الحسيني الحائري
لقد كتب هذا البحث قبل اكثر من عقدين.. وكان يرغب
سماحةالسيد الكاتب # دام ظله # في تاخير نشره ريثما تسنح
لهالفرصة باعادة النظر فيه مجددا.. غير اننا آثرنا نشره
عاجلارغبة في افادة طلا ب العلم ورواده..(التحرير)
غ
الحمد للّه رب العالمين، وصلى اللّه على محمد وآله
الطيبينالطاهرين
اولا: حكم الغناء
لا اشكال في حرمة الغناء في الجملة، لاستفاضة الاخبار
بذلك،وفيها ما هو تام سندا.
والغناء هو الصوت المطرب، ولا فرق بين كون الطرب
بنحويورث البكاء او الفرح، فان ذلك كله طرب وخفة،
ويستعملللتلهي والتلذذ سواء كان التلذذ بالالحان المفرحة او
بالتنفيسعن الهموم والاحزان عن طريق الاستعانة بالالحان
المبكية.وليس المفهوم من الغناء الا امثال هذه الالحان
المستعملة عادةللتلهي والتلذذ باحد الشكلين.
قال في لسان العرب: «الغناء من الصوت ما طرببه»((10)).
وفسر في الصحاح الطرب بمعنى: «خفة تصيب الانسان
لشدةحزن او سرور»((11)).
وذكر في الصحاح ان «الغناء # بالكسر # منالسماع»((12)).
وفي لسان العرب: «الغنى من المال مقصور ومن
السماعممدود، وكل من رفع صوته ووالاه فصوته عند العرب #
غناء.والغناء بالفتح النفع، والغناء بالكسر من السماع»((13)).
وايضا في لسان العرب: «كل ما التذته الاذن من صوت
حسنسماع. والسماع الغناء. والمسمعة المغنية»((14)).
ويبدو ان التعابير المختلفة تشير الى معنى واحد، وهو
انحاءالصوت المعروفة للهو واللعب.
وعلى اي فتكفي في حرمة الغناء # كما قلنا: # الرواياتالمستفيضة
مع صحة اسانيد بعضها، من قبيل:
1 # رواية زيد الشحام قال: «قال ابو عبد اللّه(ع): بيت الغناء
لاتؤمن فيه الفجيعة، ولا تجاب فيه الدعوة، ولا
يدخلهالملك»((15)).
2 # وايضا رواية زيد الشحام قال: سالت ابا عبد اللّه(ع) عنقوله عز
وجل: (واجتنبوا قول الزور)((16)) قال: «قول
الزورالغناء»((17)). وكلتا الروايتين تامتان سندا.
3 # ورواية حمران عن ابي عبد اللّه(ع) في حديث قال: «...
فاذارايت الحق قد مات وذهب اهله، ورايت الجور قد
شملالبلاد...ويستمر في ذكر شياع الفحشاء والفساد الى ان
يقول :ورايت الملاهي قد ظهرت يمر بها لا يمنعها احد، احدا
ولا يجترياحد على منعها...»((18)).
وهذه الرواية وان كان لا يمكن ان يستفاد منها حرمة مطلق
مايسمى لهوا ولكن الغناء او بعض اقسامه هو من ابرزمصاديقها.
نعم قد لا يتم فيهاالاطلاق لمطلق اقسام الغناء. وهذه الرواية
ايضا تامةسندا.
وليست حرمة الغناء خاصة بايجاده وقراءته بل تشملالاستماع
ايضا، وذلك لبعض الروايات التامة سندا:
1 # كرواية علي بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى بنجعفر(ع)
قال: سالته عن الرجل يتعمد الغناء يجلس اليه؟ قال:«لا»((19)).
2 # ورواية محمد بن مسلم عن ابي الصباح او محمد بن
مسلموابي الصباح عن ابي عبد اللّه(ع) في قول اللّه عز وجل:
(والذينلا يشهدون الزور)؟((20)) قال: «الغناء»((21)).
وان امكن المناقشة في دلالة الرواية الاخيرة بانه لعل
شهادةالغناء لا تشمل مطلق الاستماع اليه بل تختص بحضور
مجلسه،فلعل حرمته من باب حرمة حضور مجالس المعصية.
3 # ورواية عنبسة عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «استماع اللهووالغناء
ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع»((22)) اللهم الا ان
يناقشفي دلالة هذه الرواية على اكثر من الكراهة.
وعلى اي حال فلا اشكال في تمامية دلالة الروايةالاولى.
المستثنيات من حرمة الغناء:
وقد وردت في الروايات لحرمة الغناء عدة استثناءات:
الاول # الحداء صوت يرجع فيه للسير بالابل،
وذكرالشيخ(رحمهاللّه) في المكاسب: «لم اجد ما يصلح
لاستثنائه معتواتر الاخبار بالتحريم، عدا رواية نبوية # ذكرها
فيالمسالك((23)) # من تقرير النبي(ص) لعبد اللّه بن رواحة
حيثحدا للابل، وكان حسن الصوت»((24)).
وذكر الشهيدي(رحمهاللّه) في تعليقته على المكاسب((25))
عنالصدوق(رحمهاللّه) انه روى باسناده عن السكوني عن
جعفر بنمحمد عن آبائه(ع) قال: «قال رسول اللّه(ص): زاد
المسافرالحداء، والشعر ما كان منه ليس فيه خناء». ورواه البرقي
فيالمحاسن عن النوفلي عن السكوني نحوه والخناء بفتح
اوله:الفحش.
وقد ظهر بذلك ان الحداء بعنوانه غير مستثنى، لان
ادلتهضعيفة سندا. والرواية الاخيرة ذكرها في الوسائل
عنالصدوق، ولكن قال: «ليس فيه جفاء وفي نسخة ليس فيه
خناء»وقال: الخنا من معانيه الطرب((26)).
وعلى اي حال فقد عرفت ان الحداء بهذا العنوان لم
يثبتاستثناؤه. الا انه بالامكان المناقشة في اطلاق دليل حرمة
الغناءبنحو نحتاج في الحداء الى مخصص يخرجه، وذلك بان
يقالبمقتضى مناسبات الحكم والموضوع: ان المفهوم عرفا من
دليلحرمة الغناء حرمة الغناء اللهوي او التلهي بالغناء، اما
الحداءبهدف تسيير الابل لا بهدف التلهي فهو غير مشمول
لاطلاقالدليل، على انه قد يقال بعدم حرمة الغناء غير
المقترنبالموسيقى على ما سوف ياتي في المستثنى الرابع،
فلاموضوع لاستثناء الحداء.
الثاني # الغناء بالقرآن، فقد ورد عن ابي بصير بسند تام قال:قلت
لابي جعفر(ع): اذا قرات القرآن فرفعت به صوتي
جاءنيالشيطان؟ فقال: «انما ترائي بهذا اهلك والناس. فقال: يا
ابا محمداقرا قراءة ما بين القراءتين تسمع اهلك ورجع بالقرآن
صوتك،فان اللّه عز وجل يحب الصوت الحسن يرجع
فيهترجيعا»((27)).
وقد حملها الشيخ الحر العاملي على التقية قائلا: «هذا
محمولعلى التقية، لما ذكرنا من معارضة الخاص وهو الحديث
الاولايرواية عبداللّه بن سنان ، والعام وهو كثير جدا قد
تجاوز حدالتواتر...»((28)).
اقول: ان حمل هذه الرواية على التقية ان كان بسبب
تعارضهامع مطلقات حرمة الغناء فهي تتقدم عليها بالاخصية،
ولا تصلالنوبة الى الحمل على التقية.
وان كان بسبب تعارضها برواية اخرى، وهي رواية عبد اللّهبن
سنان عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «قال رسول اللّه(ص)
اقراواالقرآن بالحان العرب، واياكم ولحون اهل الفسق واهل
الكبائر،فانه سيجيء من بعدي اقوام يرجعون القرآن ترجيع
الغناء والنوحوالرهبانية لا يجوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة وقلوب
من يعجبهشانهم» ورواه الطبرسي في مجمع البيان عن حذيفة
بن اليمان عنالنبي(ص)، ورواه الشيخ بهاء الدين في الكشكول
مرسلا((29)).فهذه الرواية غير تامة سندا، فلا توجب حمل
معارضها علىالتقية.
على ان الحمل على التقية هنا غير محتمل، اذ اي
داعللامام(ع) للحث على هذا الغناء وجعله مستحبا؟! افلم
يكنبامكانه(ع) ان يكتفي بفرض الجواز؟! بل اي داع
للترخيصهنا تقية افليست حرمة الغناء كحرمة الفقاع مما لا
مورد فيهللتقية؟! لانه ليس ذكر الحكم الواقعي فيه وهو
الحرمة موجبالابتعاد الامام(ع) عن الامة وتقليل تاثيره(ع)
فيهم؟! ولذا ترىان الائمة(ع) لم يتقوا في حرمة الفقاع.
نعم، لولا ضعف سند الحديث لكانت الروايتان
تتساقطانبالتعارض فكنا نرجع الى العموم الفوقاني.
وعلى اي حال، فرواية ابي بصير لا تدل على جواز الغناءبالقرآن
على الاطلاق اي حتى عند قراءته بالموسيقى، وغاية ماتدل
عليه هي جواز قراءة القرآن بترجيع الصوت.
وهناك رواية اخرى غير تامة سندا تدل على عدم مرغوبيةالغناء
بالقرآن بالمزامير بل مطلقا، وهي رواية عبد اللّه بنعباس عن
رسول اللّه(ص) في حديث قال: «ان من اشراطالساعة، اضاعة
الصلوات، واتباع الشهوات،والميل الى الاهواء # الى ان قال :
فعندها يكون اقوام يتعلمونالقرآن لغير اللّه ويتخذونه مزامير،
ويكون اقوام يتفقهون لغيراللّه، وتكثر اولاد الزنا، ويتغنون
بالقرآن... الخ»((30)).
وعلى اي حال، فرواية ابي بصير وان كانت خاصة بتجويزالغناء
في القرآن ولكن لا يبعد التعدي عرفا الى كل ما يذكربالحق
كالمناجاة مع اللّه او مدح الائمة(ع) او النصائحوالمواعظ وما
شابه ذلك.
هذا، وبالامكان القول بان ترجيع الصوت بالقرآن
وبالمناجاةومدح الائمة وبالمضامين الحقة غير مشمول
لاطلاقات دليلحرمة الغناء، لان المفهوم منه بمناسبات الحكم
والموضوع انماهو ما يصنعه اهل الفسق والفجور من التلهي
بالغناء، ولا يشملترجيع الصوت بالمضامين الحقة المساعد
لتاثيرات تلكالمضامين الحقة في النفس.
ولعل المقصود من التغني بالقرآن المذموم في الرواية الاخيرة
غير التامة سندا ايضا # هو التغني بمعنى قراءته بالحان
لهويةوالتلهي به، لا مجرد الترجيع المساعد لتاثير القرآن
فيالنفس.
الثالث # غناء المغنية في الاعراس، والدليل على ذلك ما نقل
عنابي بصير بمتون ثلاثة كلها تامة السند:
1 # ما عن ابي بصير قال: سالت ابا عبد اللّه(ع) عن
كسبالمغنيات؟ فقال: «التي يدخل عليها الرجال حرام، والتي
تدعى الىالاعراس ليس به باس، وهو قول اللّه عزوجل:
(ومنالناسم نيشتري لهو الحديث ليضل عن سبيلاللّه
)((31))»((32)).
2 # ما عن ابي بصير عن ابي عبد اللّه(ع) قال: «المغنية التيتزف
العرائس لا باس بكسبها»((33)).
3 # عن ابي بصير قال: قال ابو عبد اللّه(ع): «اجر المغنية
التيتزفالعرائس ليس به باس، وليست بالتي يدخل
عليهاالرجال»((34)).
والمتن الثالث فيه دلالة على ما هو اوسع من عنوان
غناءالمغنية في الاعراس، وذلك لان ظاهره هو انه(ع) بعد ان
نفىالباس عن اجر المغنية التي تزف العرائس اراد ان يوضح
عدمالباس في ذلك ببيان مغايرة هذا العمل مع ما هو المحرم،
وهوعمل التي يدخل عليها الرجال.
اذا فالحرام هو غناء المغنية التي يدخل عليها الرجال، اماالغناء
غير المقترن بشيء من هذا القبيل فليس حراما.
ولا اقصد بذلك ان الغناء ليس حراما اطلاقا، وانما الحرام ماقد
يقترن به من دخول الرجال عليهن، فان هذا خلاف قاعدةتقييد
المطلق بالمقيد، فان المطلقات دلت على حرمة الغناءمطلقا،
وهذه الرواية تتقدم على المطلقات بالاخصية، وليسمعنى
التقييد عزل العنوان المحمول عليه الحكم في المطلق
عنكونه بعنوانه موضوعا لذلك الحكم.
اذا فمقتضى الجمع بين المطلق والمقيد هو ان الغناء
المقترنبدخول الرجال عليهن حرام، لا ان هذه الضميمة هي
الحرامفحسب.
هذا، ولا يخفى ان هذه الرواية ليست لها دلالة على انحصار
مايستوجب ضمه الى الغناء للحكم بحرمة الغناء في
دخولالرجال على النساء، فلا تعارض بينها وبين ما سياتي
فيالمستثنى الرابع من الرواية الدالة على حرمة الغناء
المقترنبالمزمار، على انه لو فرض التعارض كان اطلاق
الحصرمقيدا بتلك الرواية.
هذا، وبالامكان ان يقال: ان هذه الرواية لا تدل على ما هواوسع
من عنوان غناء المغنية في الاعراس، بمعنى تحليل الغناءغير
المقترن بعنوان آخر من قبيل عنوان دخول الرجال
عليها،وذلك لان غناء المغنية في الاعراس ليس بطبعه مما لا
يدخلفيه الرجال عليهن، بل هو ينقسم الى قسمين: فاماان
يدخل الرجال عليهن، واما ان لا يدخلوا، فالمقصود منقوله:
«ليست بالتي يدخل عليها الرجال» هو ان القسم الذيحللناه هو
القسم الخالي عن دخول الرجال عليها، فلا يدل علىاكثر من
جواز غناء المغنية في مجالس العرس الخالية عنالرجال.
الرابع # الغناء غير المقترن بالموسيقى، ومقتضى ذلك جوازالغناء
الخالي عن الموسيقى حتى في غير مثل القرآن. وهذا مادلت
عليه رواية علي بن جعفر في كتابه عن اخيه قال: سالتهعن
الغناء هل يصلح في الفطر والاضحى والفرح؟ قال: «لا باسبه ما
لم يزمر به». ورواها ايضا عبد اللّه بن جعفر في (قربالاسناد»
عن عبد اللّه بن الحسن عن علي بن جعفر، ولكنه قال: «مالم
يعص به»((35)).
والمتن الثاني غير تام سندا، والمتن الاول هو التام سندا،
وهودال على ما ذكرناه في عنوان هذا المستثنى. وهذا ايضا لا
يحملعلى ان الحرام هو الموسيقى او المزمار فحسب دون
ذات الغناء# لو قلنا بان الموسيقى ليس غناء # فان هذا خلاف
قانون تقييدالمطلق بالمقيد، كما شرحناه في المستثنى
الثالث.
ومقتضى قانون التقييد # لو سلم عدم صدق الغناء
علىالموسيقى # هو ان يقال: ان الغناء اذا اقترنت به
الموسيقىاصبح حراما، واذا لم يقترن بالموسيقى لم يكن
حراما.
الا ان هذه الرواية معارضة برواية اخرى، وهي رواية عبدالاعلى
قال: سالت ابا عبد اللّه(ع) عن الغناء وقلت: انهم يزعمونان
رسول اللّه(ص) رخص في ان يقال: جئناكم جئناكم حيوناحيونا
نحييكم؟ فقال: «كذبوا، ان اللّه عزوجليقول: (وما خلقناالسماء
والا رض وما بينهما لاعبين # لو اردنا ان نتخذ لهوالا تخذناه من
لدنا ان كنا فاعلين # بل نقذف بالحق على الباطلفيدمغه فاذا
هو زاهق ولكم الويل مما تصفون)((36)) ثم قال: ويللفلان مما
يصف، رجل لم يحضر المجلس»((37)). فهذه الروايةتدل على
عدم الترخيص في قول: «جئناكم جئناكم... الخ» بشكلالغناء
رغم عدم افتراض السائل اقتران ذلك بالمزمار اوالموسيقى،
فهي تعارض الرواية السابقة لكنها ضعيفة سندا،فتصبح الرواية
السابقة بلا معارض.
وقد تلخص من كل ما ذكرناه ان الغناء وحده ليس حراما،وانما
يحرم اذا اقترن بدخول الرجال على النساء او بالموسيقى،وان
الغناء بالقرآن ونحوه بلا موسيقى ليس حراما ولا مكروها،واما
الغناء بالاشعار اللهوية من دون اقتران بدخول الرجال
علىالنساء ولا اقتران بالموسيقى فهو مكروه، لان اللهو # على
الاقل# مكروه في الاسلام، كما دلت على ذلك روايات مضى
بعضهاوما مضت من رواية عنبسة لو قلنا انها لا تدل في الغناء
علىاكثر من الكراهة، فهي دالة على كراهة الغناء غير
المقترنبالموسيقى، ولم يرد عليها مخصص عدا ما مضى من
روايةجواز الغناء في القرآن والترغيب فيه. وقد ثبت بظواهر
بعضالنواهي السابقة حرمة الغناء اللهوي. هذا كله في الغناء.
ثانيا: حكم الموسيقى
واما الموسيقى فلاثبات حرمتها عدة طرق:
الطريق الاول: التمسك بالروايات الواردة في الموسيقى
منقبيل كثير من روايات الباب 100 من ابواب ما يكتسب به
منالوسائل((38)) وغيرها.
وما رايته بالنسبة للموسيقى مما يكون تاما سندا هو:
8 # رواية اسحاق بن جرير قال سمعت ابا عبد اللّه(ع) يقول:«ان
شيطانا يقال له القفندر اذا ضرب في منزل الرجل
اربعينصباحا بالبربط ودخل الرجال وضع ذلك الشيطان كل
عضومنه على مثله من صاحب البيت ثم نفخ فيه نفخة فلا
يغاربعدها حتى تؤتى نساؤه فلا يغار»((39)).
2 # ورواية علي بن جعفر الماضية: عن اخيه سالته عن الغناءهل
يصلح في الفطر والاضحى والفرح؟ قال: «لا باس به ما لميزمر
به»((40)).
الا انه قد يناقش في دلالة الرواية الاولى بانها لعلها تنظر
الىحرمة دخول الرجال على النساء، فانها لم ترد في مطلق
الضرببالبربط، بل وردت في خصوص فرضية دخول الرجال
علىالاهل والعائلة بقرينة قوله: «ودخل الرجال»، وقوله: «فلا
يغاربعدها حتى تؤتى نساؤه فلا يغار».
كما قد يناقش في دلالة الرواية الثانية # لو قلنا بان
الضرببالمزمار ليس وحده غناء # بانها انما وردت في
الغناءالمصاحب لاستعمال المزمار، ولا تدل على حرمة
الضرببالمزمار حينما يكون منفصلا عن الغناء.
ولكن قد يدعى ان روايات حرمة الموسيقى رغم ضعف
اكثرهاسندا يكاد يبلغ حد الاستفاضة.
الطريق الثاني: التمسك بما ورد في تحريم الملاهي، وقدمضت
الاشارة الى حديث تام السند، وفيه: «ورايت الملاهي قدظهرت
يمر بها لا يمنعها احد»((41)). وهذا المتن وان لم يكنيستفاد
منه الاطلاق لكن المتيقن عرفا من حرمة الملاهي حرمةالغناء
والموسيقى، وايضا مضت رواية عنبسة استماع اللهووالغناء
ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع»((42)). وقد يقال:انهذه
الرواية لا تدل على اكثر من الكراهة.
الطريق الثالث: دعوى دلالة روايات حرمة الغناء
للموسيقى،بدعوى شمول مفهوم الغناء للموسيقى حيث فسرت
الغناء فياللغة بالصوت المطرب وبالسماع، والاول او كلاهما
يشملالموسيقى. ويشهد لذلك تعبير الشيخ
الطوسي(رحمهاللّه) فيالخلاف حيث قال: «الغناء محرم سواء
كان صوت المغني اوبالقصب او بالاوتار مثل العيدان والطنابير
والنايات والمعازفوغير ذلك، واما الضرب بالدف في الاعراس
والختان فانهمكروه... الخ»((43)).
يبقى الكلام في امور:
الامر الاول: ان الموسيقى هل يحرم استماعها ايضا او
لا؟والجواب هوحرمة الاستماع، وذلك على اساس الطريق
الثالث من طرقاثبات تحريم الموسيقى لو قلنا به، وكذلك على
اساس الطريقالثاني، اذ لو قلنا بدلالة رواية عنبسة على الحرمة
فالامرواضح، والا كفتنا رواية «ورايت الملاهي... الخ»((44))،
لانالمفهوم عرفا وبمناسبات الحكم والموضوع من دليل
حرمةالملاهي هو حرمة التلهي بها بلا فرق بين استعمالها
اواستماعها.
بل ولعل الامر كذلك على اساس الطريق الاول ايضا بناء علىان
ادلة تحريم الموسيقى # وكذا الغناء # يفهم منها عرفا ايضاالنظر
الى جانب التلهي بها، فلا يفرق بين الاستماع والانشغالالمباشر
بذلك.
نعم، لا دليل على حرمة سماع الموسيقى بلا استماع، كما
لادليل على حرمة سماع الغناء كذلك.
الامر الثاني: ان حرمة الموسيقى مشروطة بكونها مطربة
ولوبمعونة ما تقترن به او مقترنة بالغناء المطرب، اي ان
الحرامانما هو الموسيقى بالنحو المرسوم عند اهل اللهو. اما لو
لمتكن كذلك فلا دليل على حرمتها، لا من الوجه الثالث
لعدمصدق الغناء بلا اطراب، ولا من الوجه الثاني، لعدم
ثبوتحرمة ما يكون لهوا على الاطلاق # نعم يمكن القول
بكراهةالموسيقى اللهوية غير المطربة تمسكا بمثل رواية
عنبسة((45)) آولا من الوجه الاول، لان استفاضة روايات
ضعيفة السند لوثبتت لا تثبت اطلاقا من هذا القبيل.
الامر الثالث: الموسيقى الحماسية يمكن القول بحليتها،
لعدمدلالة شيء من الوجوه الثلاثة على حرمتها:
اما الوجه الاول، فلان استفاضة روايات ضعيفة السند لو تمتلا
تثبت اطلاقا من هذا القبيل.
واما الوجه الثاني، فلان الموسيقى الحماسية لو استعملتبداعي
التهيج للحرب اذا ليست لهوا كي يشملها دليل حرمةاللهو، ولو
استعملت بعنوان التلهي فقد قلنا انه لم يثبت بدليلحرمة اللهو
حرمة اللهو مطلقا.
واما الوجه الثالث، فلو ثبت صدق الغناء على
الموسيقىالحماسية بان يفرض ان الطرب الماخوذ في مفهوم
الغناء يعنيمطلق الخفة لا خصوص الخفة الناشئة من الفرح او
الحزنامكن ان يقال: ان دليل حرمة الغناء ينصرف بمناسبات
الحكموالموضوع الى ما هو المتعارف في مجالس اللهو
والطربوالموجب للرقص او على الاقل للذة الناشئة من البكاء
اللهوي،اما ما لم يكن بطبيعته لاجل اللهو والتلهي بل كان
لاجل خلقالحماس فدليل الحرمة منصرف عنه. ويؤيد ذلك ان
طبولالحرب كانت متعارفة في عصر النصوص، ولم نر نصا
وردعلى حرمته بالخصوص، فهذا على الاقل يدل على
حليةالموسيقى الحماسية في حين استعمالها في سبيل
الهدفالنزيه.
الامر الرابع: ان حرمة الموسيقى المطربة لا تختص
بمثلالمزامير والاعواد، بل تشمل مثل الدفوف والطبول، وذلك
علىاساس الوجه الثاني والثالث، دون الوجه الاول، لان ما يدل
فيالوجه الاول على حرمة مثل الدفوف والطبول ليس على
مستوىالاستفاضة، وهو ضعيف سندا.
وقد يقال: ان الرواية الثانية المذكورة في الوجه الاول((46))
تدلعلى جواز الغناء بغير مثل المزامير حتى ولو كان بمثل
الدفوفوالطبول، وذلك لانه(ع) نفى الباس عن الغناء ما لم
يزمر به.ولكن احتمال كون المزمار مثالا لمطلق الموسيقى
موجود.
لا اقول: انه ينعقد لعقد المستثنى في الحديث اطلاق
لمطلقالموسيقى، ولكن اقول: لا ينعقد لعقد المستثنى منه
ايضا اطلاقينفي الباس عن الغناء المقترن بالموسيقى غير
المزمار.
الامر الخامس: لا تختص حرمة الموسيقى بما اذا كانت
فيضمن الغناء، بل الموسيقى الخالية عن قراءة اي شيء
ايضاحرام للوجه الاول والثاني وكذلك الثالث لوقبلناه.
البنوك دراسة في اقسامهاواحكامها
آية اللّه السيد محسن الخرازي
القسم الخامس
المضاربة ( 2 )
يقوم البنك عادة بعدة انشطة اقتصادية في سبيل
استثماررؤوس الاموال التي تكون في حوزته.. وهذا يتطلب
اجراء بعضالعقود والمعاملات كالمضاربة والجعالة والشركة
والحوالةونحوها.. وكثيرا ما تواجه هذه المعاملات اشكالات
شرعيةلاصطدامها مع بعض الاحكام الفقهية مما يعيق ويعرقل
حركةالعمل المصرفي.. لذا كان من الضروري البحث في
هذهالمعاملات من ناحية الشروط ومن ناحية النتائج المترتبة
عليهاوتكييفها فقهيا بما يتناسب مع وظائف البنك وبما يحقق
اغراضهالتي يستهدفها.. وقد عالجت هذه السلسلة من
الدراسات الفقهيةذلك.. وليس الغرض من هذه الدراسات
استيعاب البحث في كلعقد من العقود.. وانما الغرض هو بحث
ما يتعلق منها بالبنكوانشطته ليس الا .. (التحرير)
الحمد للّه رب العالمين، وصلى اللّه على محمد وآله
الطيبينالطاهرين
المسالة السادسة:
انه قد اشترطوا في المضاربة ان يكون الاسترباح بالتجارة،واما
اذا كان الاسترباح بغيرها كان يدفع الى العامل ليصرفه
فيالانتاج او بناء المساكن او تعبيد الطرق ونحوها فلا
تصحالمضاربة، لاختصاص ادلتها على ما يستفاد منها
بالاسترباحبالتجارة.
اورد عليه بعض الاعلام بانه لا دليل لذلك الا الاخذ
بالقدرالمتيقن، مع انه لا وجه له بعد كون الدليل دليلا لفظيا لا
لبياوله الاطلاق، مضافا الى امكان الاستدلال بالعمومات الدالة
علىوجوب الوفاء بالعقود، فان مقتضاها هو صحة جميع
العقودالعقلائية الا ما خرج بالدليل، فلو لم تشمل ادلة المضاربة
هذهالصورة كفت العمومات في صحتها سواء اطلق عليها
المضاربةاو لا((47)).
وفيه:
اولا: منع اطلاق الادلة الواردة في المضاربة بحيث يشمل
جميعالموارد المذكورة، لان عنوان التاجر في مثل قوله: «من
اتجرمالا... الخ» # وهو الذي يبيع ويشتري # لا يشمل مثل
المزارعةوالمساقاة والاجارة لتعبيد الطرق ونحو ذلك،
لانالظاهر منمعنى التاجر الماخوذ في المضاربة ان عمله هو
البيع والشراء،فالمعاملات المذكورة وان لم تخل عن البيع
والشراء، ولكنهاليست بتجارة بالمعنى الاخص للذي يكون عمله
منحصرا فيالتجارة.
وعليه، فلا يشمل عنوان المضاربة بالمعنى المذكور مثل
شراءالمواد الغذائية وطبخها وتركيبها وبيعها او شراء
اللاتوالادوات والمواد وتركيبها وانتاج اشياء كالسيارات
ونحوهاوبيعها، وذلك لان الظاهر من كلمة الذي يبيع ويشتري
فيتفسير التاجر هو الذي يكون عمله البيع والشراء من
دوناحتياج الى توليد وتركيب واعمال عمل آخر.
لا يقال: لا يمكن الالتزام بذلك مع تفسير التجارة في
قولهتعالى: (الا ا ن تكون تجارة عن تراض) بارباح المكاسب من
ايطريق، ولذا ذهبوا الى وجوب الخمس فيها، ولا تحمل
التجارةفي الية الكريمة على التجارة بالمعنى الاخص وغلبة
وجودالتجارة بنفس البيع والشراء لا توجب الانصراف. هذا،
مضافاالى امكان منع الغلبة، كما لا يخفى.
لانا نقول: استعمال التجارة في الية في الاعم # بقرينة كونهافي
مقام بيان الاسباب الباطلة والاسباب الصحيحة # لا يكونموجبا
لرفع اليد عن ظهور المضاربة في التاجر الذي يكونعمله البيع
وعليه والشراء، فمثل قوله(ع) في صحيحة محمدبن قيس :
«من اتجر مالا واشترط نصف الربح فليس عليهضمان»((48))
لا يصدق على مطلق الاتجار بالمال سواء كان ذلكبمجرد البيع
والشراء او مع ضميمة اعمال عمل او انتاج، بلالمراد هو الذي
يكون البيع والشراء عمله وحرفته.
ولذا ذهب السيد المحقق الخوئي(قدسسره) الى
اختصاصالمضاربة # على ما يستفاد من نصوصها #
بالاسترباحبالتجارة((49)).
ثم ان المحكي عن العلا مة الحلي في التذكرة انه قال:
«شرطالعمل في المضاربة ان يكون تجارة، فلا تصح على
الاعمالكالطبخ والخبز وغيرهما من الصنائع، لان هذه اعمال
مضبوطةيمكن الاستئجار عليها، فاستغني بها عن القراض
فيها، وانمايسوغ القراض فيما لا يجوز الاستئجار عليه، وهو
التجارة التيلا يمكن ضبطها ولا معرفة قدر العمل بها ولا قدر
العوضوالحاجة داعية اليها ولا يمكن الاستئجار عليها،
فللضرورة معجهالة العوضين شرع عقد المضاربة»((50)).
ولكن لا يخلو ذلك عن الاشكال، فان عدم جواز المضاربة
فيالاعمال لما ذكرناه من اختصاصها بالتجارة بالمعنى
الاخص،وهو الذي يكون عمله البيع والشراء، لا لما اشار اليه من
انهذهالاعمال مضبوطة والمضاربة فيما اذا لم تكن الاعمال
مضبوطة،والا فهو قابل للمنع، لجواز المضاربة ايضا فيما اذا
كان نوعالتجارة والعمل فيها مضبوطا، ولا دليل على انحصار
المضاربةفي غير المضبوطة من الاعمال.
وثانيا: ان التمسك بمثل قوله تعالى: (اوفوا بالعقود)
الدالعلىوجوب الوفاء بالعقد في المقام محل نظر واشكال،
فانالمضاربة من العقود الجائزة، فلا يصلح الاستدلال عليه بما
يدلعلى اللزوم والوجوب.
نعم، يمكن الاستدلال بمثل قوله تعالى: (الا ان تكون تجارة
عنتراض) فان التجارة بالمعنى الاعم تصدق على المذكورات
ولو لمتشملها الادلة الخاصة الواردة في المضاربة، ومقتضى
شمولهاللمقام هو الحكم بالصحة وان لم تكن
بمضاربةاصطلاحية.
ولذلك لم يستبعد السيد المحقق اليزدي(قدسسره)
فيالشرط التاسع من شروط المضاربة شمول
العموماتللاسترباح بغير التجارة بالمعنى الخاص، كان يدفع
الى العاملليصرفه في الزراعة مثلا ويكون الربح
بينهما،فراجع((51)).
ولكن اورد عليه السيد المحقق الخوئي(قدسسره) بان
الاخذبالعمومات بعيد، لعدم تمامية العمومات واحتياج الحكم
بالصحةفي هذه المعاملات الى الدليل الخاص، وحيث انه
مفقود فالقاعدةتقتضي البطلان((52)).
وذكر في وجه البطلان بحسب القاعدة وبعد الاخذ
بالعموماتامرين، حيث قال: «والذي ينبغي ان يقال: ان العقد
الواقع فيالخارج قد يكون من قبيل البيع والاجارة ونحوهما
مما يكونالتمليك من كل من الطرفين للخر تمليكا لما يملكه..
وفيه لامانع من التمسك بعمومات التجارة، وقد تمسكنا
بهالاثبات صحة المعاملة المعاطاتية.
وقد لا يكون كذلك، بالا لا يكون فيه تمليك من احد
الطرفينماله للخر كالمضاربة والمزارعة والمساقاة حيث لا
يملك المالكالعامل الا حصة من الربح، وهي غير متحققة
بالفعل، لانه لايملك الا اصل ماله، فكيف يصح تمليكها لغيره،
وفيه فالقاعدةتقتضي البطلان، ولا عموم يقتضي صحته.
وعليه، فيكون تمامالربح للمالك، نظرا لتبعية المنافع للاصل.
وكون بعضه للعامل راسا وابتداء((53)) على خلاف القاعدة
فيالعقود، اذ مقتضاها كون العوض لمن له المعوض، فمن
يبذلالمثمن له الثمن والعكس بالعكس، فلا وجه لكون
بعضهللعامل.
وانتقاله آنا ما الى ملك المالك ومن ثم الى العامل وان
كانمعقولا الا انه على خلاف قانون المضاربة
والمزارعةوالمساقاة((54))... الى ان قال: والحاصل ان الصحة
في هذهالموارد تحتاج الى دليل خاص، فان كان فهو، والا
فالقاعدةتقتضي البطلان، نظير ما تقدم في اجارة الارض
بحاصلها اوبيع ما سيرثه من مورثه، فانها غير مشمولة لادلة
التجارة عنتراض، وصحتها على خلاف القاعدة، فلابد لاثباتها
من دليلخاص. على ان المضاربة تزيد على غيرها في الاشكال
بانها لاتنحصر غالبا بالتجارة مرة واحدة، بل تكون من
التجارةالمستمرة والمتعددة.
وعلى هذا، فلو فرض ان راس المال مئة دينار وكان
للعاملنصف الربح، فاتجر العامل به واشترى سلعة بمئة
دينارثمباعها بمئتي دينار كان مقتضى العقد اختصاص المالك
بمئةوخسمين دينارا واختصاص العامل بخمسين دينارا فقط،
فلواشترى بعد ذلك شيئا بمئتي دينار ثم باعه باربعمئة
دينار،فمقتضى العقد ان يكون للعامل مئة وخمسون دينارا
وللمالكمئتان وخمسون دينارا فقط، وهو مخالف للقاعدة،
حيثانالمئتي دينار الحاصلة من التجارة الثانية ان ما هي
ربحلمجموع خمسين دينارا (حصة العامل) ومئة وخمسين
دينارا(حصة المالك)، ومقتضى القاعدة ان يكون ربع هذا
المبلغ لهوالثلاثة ارباع الباقية بينه وبين المالك. وهذا يعني ان
يكونللعامل من مجموع الاربعمئة مئة وخمسة وسبعون
ديناراوللمالك منه مئتان وخمسة وعشرون دينارا فقط.
والحال انه لا ياخذ الا مئة وخمسين دينارا، ولازمه ان يكونربح
العامل ايضا مناصفة بينه وبين المالك، وهو على خلافالقاعدة،
حيث ان المالك لم يعمل فيه شيئا، بل ذلك المال حصةالعامل
بتمامه والعمل فيه من العامل، فلا وجه لان يكون للمالكنصف
ربحه.
ومن هنا فلو كنا نحن والقاعدة ولم يكن هناك دليل
علىالصحة لالتزمنا بفساد عقد المضاربة بقول مطلق، وانما
قلنابالصحة فيها للنصوص الخاصة... الخ»((55)).
ويمكن ان يقال:
اولا: ان التمليك الفعلي معتبر في البيع لا في المضاربة،
اذحقيقتها عند العقلاء هو تمليك الربح على تقدير وجوده،
لاتمليك الملك الفعلي الوجود، وتمليك الربح على تقدير
وجودهفي مقابل عمل العامل يكون من التجارات
بالمعنىالاعم.
وعليه، فلا مانع من الاخذ بعموم قوله تعالى: (ا لا ان
تكونتجارة عن تراض)، ومع دلالة العموم وشموله للمقام لا
مجال للاخذبمقتضى القاعدة والحكم بالبطلان، كما لا يخفى.
وثانيا: ان ما ذكره السيد المحقق الخوئي(قدسسره)
منانمناصفة ربح سهم العامل في المعاملات الثانية والثالثة...
بينالعامل والمالك مع ان المالك ليس له عمل يستحق ذلك
خلافالقاعدة، ومع كونها خلاف القاعدة يحتاج نفوذها الى
دليل خاص،فلا يكفي فيه الاخذ بالعمومات((56)).
منظور فيه، لامكان ان يقال: ان سهم العامل في المعاملةالاولى
من الربح متزلزل ومعلق على عدم حصول ربح فيالمعاملة
الثانية، فاذا حصل ربح في المعاملة الثانية تبدل سهمالعامل
منه اليه كانه لم يقع ربح في المعاملة الاولى، وعليه
ففيالمثال المذكور كان راس المال في المعاملة الاولى مئة
دينار ،فاذا باع ما اشتراه بها بمئتين كان سهم العامل هو
خمسوندينارا، فاذا اشترى بمئتين شيئا وباعه باربعمئة صار
سهمهمن الربح الاول كان لم يكن، ويحتاج حينئذ الى ملاحظة
مجموعالربح في المعاملات المتتالية، والمجموع من الربح
بالنسبة الىاصل راس المال هو ثلاثمئة دينار، فيكون نصفها
للعامل، وهومئة وخمسون دينارا، وهكذا في المعاملات التي
وقعتبعدها.
وعليه، فكل ربح سابق صار بالنسبة الى ربح لاحق كان لميكن
حتى تنتهي مدة المضاربة، فيلاحظ الربح الاخير ويقسمبين
العامل والمالك على ما عقدا عليه، ويعبر عنه
بالملكيةالمتزلزلة، ونظيره هو الخمس، فان الخمس بمجرد
ظهور الربحواجب، وانما ارفق الشارع في ادائه الى آخر السنة،
ومع ذلكلم يجعل مستحقي الخمس شركاء في المعاملات
الواقعة اثناءالسنة الى آخرها، ولا تحتاج المعاملات الى امضائهم
او اجازةالحاكم، وليس ذلك الا لتبدل سهمهم من السابق الى
اللاحقوصيرورة السابق كان لم يكن.
كما ان الامر ايضا كذلك بالنسبة الى الخسارات
الواردة،فانالارباح العائدة في طول السنة في باب المضاربة
وفي بابارباح المكاسب وقاية لراس المال، ومعنى الوقاية ان
ملكية تلكالارباح بالنسبة الى العامل او مستحق الخمس
ملكية متزلزلة،فاذا حصلت الخسارة نقصت من الارباح وتدارك
نقص راسالمال الى آخر السنة، فان زاد شيء بعد جبران راس
المال فهويقسم بين العامل والمالك طبقا للعقد ويكون خمسه
لاربابالخمس.
ثم لا فرق في ذلك بين ما ذهب اليه المشهور من ان
العاملصار شريكا في العين بظهور الربح وبين ما ذكرناه من
امكانان يكون العامل شريكا في المالية، لجواز ان يجاب عن
اشكالخلاف القاعدة بكون الملكية ملكية متزلزلة في مثل
المضاربةوالخمس، والملكية المتزلزلة امر اعتبرها العقلاء
كسائرالاعتبارات، ومع كونها معتبرة عندهم فلا وجه لانكار
شمولالعمومات للمقام بدعوى انها خلاف القاعدة.
ولا فرق في الملكية المتزلزلة بين ان تكون الملكية بالنسبة
الىالعين او المالية، لان الملكية بالنسبة الى المالية ايضا تحتاج
الىتبدل شركتها في المالية من المعاملة الاولى الى المعاملة
الثانية،وهكذا الى ان تنتهي المعاملات بانقضاء وقت المضاربة.
ومن الجدير بالذكر انه لا يرد على الشركة في المالية ما
يردعلى الشركة في العين، لان العين للمالك، ولا سهم للعامل
فيها،كما لا يخفى.
ولكن الانصاف ان المضاربة في الاحكام المذكورة
خلافالقواعد، ولا بناء من العقلاء على المضاربة بهذه
الكيفية،والتمسك بالعمومات فيها مشكل.
نعم، لا باس بالتمسك بالعمومات في المضاربة العرفية
انكانت، والحكم بالصحة من باب مطلق التجارة، لا من
بابالمضاربة الشرعية والتجارة بمعناها الاخص.
وعليه، فالمضاربة العرفية لا توجب عند العقلاء الشركة
بظهورالربح ولو بالنسبة الى المالية، بل الشركة بعد حصول
الربحوكسر الخسارة.
والمضاربة العرفية كالضمان العرفي عقد، وهو غير
المضاربةالشرعية. وعليه، فلا يترتب عليه احكام المضاربة
الشرعية،لعدم انطباقها مع القاعدة، فتامل فان المسالة مشكلة.
المسالة السابعة:
ان المستفاد من الادلة الواردة في المضاربة هو لزوم كونالربح
مشاعا بينهما، فلو جعل لاحدهما مقدارا معينا والبقيةللخر او
البقية مشتركة بينهما لم تصح، لظهور النصوص فيكون الربح
بينهما على وجه الاشتراك بنحو الاشاعة.
وعليه، فجعل مقدار معين يكون منافيا لمفهوم عقد
المضاربةبحسب ما ورد في الاخبار، منها صحيحة محمد بن
مسلم عناحدهما(ع) قال: سالته عن الرجل يعطي المال
مضاربة وينهىان يخرج به فخرج؟ قال: «يضمن المال والربح
بينهما»((57)).ونحوها صحيحة الحلبي((58)) وصحيحة
الكناني((59))وصحيحة جميل((60)).
وموثقة اسحاق بن عمار عن ابي الحسن(ع) قال: سالته عنمال
المضاربة؟ قال: «الربح بينهما، والوضيعة على
المال»((61))وغير ذلك من الاخبار.
وفي قبالها ما رواه في قرب الاسناد عن عبداللّه بن الحسن
عنعلي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر(ع) قال: سالته
عنرجل اعطى عبده عشرة دراهم على ان يؤدي اليه العبد
كلشهرعشرة دراهم؟ قال: «لا باس»((62)). ولكن الرواية
ضعيفة ولميعمل بها احد.
وكيفما كان فظاهر هذه الاخبار هو ان ربح المال يكون
بينهما،ومقتضى اطلاق اسم الجنس هو ان الربح بجميعه يكون
كذلك،وعليه فلا يجوز تعيين مقدار معين لاحدهما والبقية
للخر اوالبقية مشتركة بينهما، لان ذلك ينافي كون ربح المال
بجميعهبينهما.
ومما ذكر يظهر ضعف ما في مباني العروة الوثقى حيث قال:«لا
يستفاد من ادلة المضاربة كون كل جزء من الربح
مشتركابينهما كما قيل، وانما المستفاد منها ان مجموع الربح
يكونبينهما في قبال اختصاص احدهما به، وهو صادق في
المقامايضا اذا استثنى المالك لنفسه عشرة دنانير مثلا على ان
يكونباقي الربح بينهما مناصفة كان مرجع ذلك الى المضاربة
بالمالعلى ان يكون للعامل نصف الربح الا خمسة دنانير، وهو
لامحذور فيه مع الوثوق بزيادة الربح على عشرة دنانير،
لصدقكون الربح بينهما مشتركا ومشاعا»((63)). |
|---|